الاختصاص النوعي للمحكمة

SaRa Soltana

عضو جديد
المشاركات
9
مستوى التفاعل
0
النقاط
1
بحث حول الاختصاص النوعي للمحكمة في التشريع الجزائري
اعداد الباحث حسوني محمد عبد الغني
مقدمة
يُعدّ الاختصاص النوعي للمحكمة من أهم قواعد التنظيم القضائي والإجراءات، لأنه يحدد الجهة القضائية المختصة بحسب طبيعة النزاع ونوعه (مدني، تجاري، اجتماعي… إلخ) وبحسب درجة التقاضي، وهو بذلك يضمن حسن سير العدالة ويمنع تضارب الأحكام ويحقق مبدأ القاضي الطبيعي. وتبرز أهمية الموضوع عمليًا لأن الخطأ في تحديد الاختصاص النوعي يؤدي إلى عدم القبول أو الإحالة، ويُطيل أمد التقاضي ويُحمّل الخصوم أعباء إضافية. كما أن المشرع الجزائري جعل الاختصاص النوعي من قواعد النظام العام، بما يتيح إثارته في أي مرحلة، ويُلزم القاضي بمراقبته، وهو ما أكدته اجتهادات المحكمة العليا. وتتمثل إشكالية البحث في: كيف نظم المشرع الجزائري الاختصاص النوعي للمحكمة، وما ضوابطه وآثاره الإجرائية؟ ويهدف البحث إلى بيان مفهوم الاختصاص النوعي وأساسه القانوني، ثم تحديد قواعد الاختصاص النوعي للمحاكم العادية وتمييزه عن اختصاص الجهات الأخرى، وأخيرًا إبراز طبيعته كقاعدة من النظام العام وآثار مخالفتها وإجراءات الدفع بها. واعتمدنا المنهج الوصفي التحليلي بالرجوع إلى قانون الإجراءات المدنية والإدارية 08-09 والنصوص المنظمة للتنظيم القضائي، مع الاستئناس بالاجتهاد القضائي.

المبحث الأول: الإطار المفاهيمي والقانوني للاختصاص النوعي
المطلب الأول: مفهوم الاختصاص النوعي وتمييزه عن غيره
الفرع الأول: تعريف الاختصاص النوعي

الاختصاص النوعي هو سلطة جهة قضائية معيّنة في الفصل في المنازعات بحسب طبيعتها (مدنية، تجارية، اجتماعية، عقارية…)، وبحسب ما يحدده القانون من توزيع للمواد بين المحاكم والمجالس والجهات المتخصصة. ويُفهم من تنظيم قانون الإجراءات المدنية والإدارية أن الاختصاص النوعي يختلف عن مجرد “توزيع داخلي للعمل”، لأنه يتعلق بالولاية القضائية المقررة قانونًا لجهة معينة، ويترتب على مخالفته آثار إجرائية قد تصل إلى التصريح بعدم الاختصاص أو عدم القبول وفق الحالات.

الفرع الثاني: التمييز بين الاختصاص النوعي والاختصاص الإقليمي والقيمي

يُميز الفقه والإجراء بين ثلاثة أنواع أساسية:

الاختصاص النوعي: مرتبط بنوع النزاع (طبيعة المنازعة والجهة المؤهلة).

الاختصاص الإقليمي: مرتبط بمكان رفع الدعوى (موطن المدعى عليه، مكان تنفيذ الالتزام… إلخ).

الاختصاص القيمي: مرتبط بقيمة الطلب عندما يرتب القانون أثراً في درجة التقاضي أو في الجهة المختصة.
ويمتاز الاختصاص النوعي بكونه أكثر ارتباطًا بالنظام العام من غيره غالبًا، لأن المشرع يتدخل لتوزيع المنازعات على جهات متخصصة وفق اعتبارات التنظيم القضائي.

المطلب الثاني: الأساس القانوني للاختصاص النوعي في الجزائر
الفرع الأول: قانون الإجراءات المدنية والإدارية

نظم قانون الإجراءات المدنية والإدارية رقم 08-09 الاختصاص في “الباب الثاني”، وخصص الفصل الأول للاختصاص النوعي للمحاكم (المواد 32 وما بعدها)، والفصل الثاني للاختصاص النوعي للمجالس، ثم فصلًا لطبيعة الاختصاص النوعي. ويُستفاد من المادة 32 أن المحكمة هي الجهة القضائية ذات الاختصاص العام وتتكون من أقسام، بما يعني أن المشرع جعل الأصل في القضاء العادي انعقاد الاختصاص للمحكمة ما لم يرد نص بإسناده لجهة أخرى أو لقسم متخصص أو لجهة إدارية.

الفرع الثاني: نصوص التنظيم القضائي

يكتمل فهم الاختصاص النوعي بقراءة نصوص التنظيم القضائي، وأهمها القانون العضوي 22-10 المتعلق بالتنظيم القضائي، الذي يبين هيكلة النظام القضائي (قضاء عادي، قضاء إداري، محكمة تنازع)، وهو ما يساعد على ضبط الحدود الفاصلة بين اختصاص القضاء العادي واختصاص القضاء الإداري وتنازع الاختصاص.

المطلب الثالث: أهمية الاختصاص النوعي ووظيفته
الفرع الأول: تحقيق مبدأ القاضي الطبيعي وحسن سير العدالة

يضمن الاختصاص النوعي عرض النزاع على الجهة التي حددها القانون مسبقًا، وهو ما يترجم مبدأ القاضي الطبيعي، ويمنع اختيار الخصم لجهة قضائية لا علاقة لها بطبيعة النزاع. كما يؤدي إلى توزيع العمل بين الجهات وفق التخصص، فيرتفع مستوى الجودة القضائية وتقل الأخطاء الشكلية والموضوعية.

الفرع الثاني: تقليل تنازع الاختصاص وتضارب الأحكام

إن وضوح قواعد الاختصاص النوعي يقلل من تنازع الاختصاص السلبي (كل جهة تدفع بعدم الاختصاص) والتنازع الإيجابي (كل جهة تتمسك بالاختصاص). ولهذا شرّع المشرع محكمة التنازع ضمن بنية التنظيم القضائي لمعالجة حالات التعارض، وجعل قواعد الاختصاص النوعي من النظام العام لضبطها مبكرًا.

المبحث الثاني: قواعد الاختصاص النوعي للمحكمة في القضاء العادي
المطلب الأول: القاعدة العامة لاختصاص المحكمة
الفرع الأول: المحكمة جهة الاختصاص العام

تقرر المادة 32 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية أن المحكمة هي الجهة القضائية ذات الاختصاص العام، بما يفيد أن المحكمة تختص مبدئيًا بكل المنازعات التي لم يسندها القانون صراحة إلى جهة أخرى، سواء كانت تلك الجهة مجلسًا قضائيًا أو جهة متخصصة أو قضاءً إداريًا. وهذه القاعدة هي الأساس الذي تُبنى عليه بقية التخصيصات والاستثناءات.

الفرع الثاني: معنى “الاختصاص العام” وحدوده

الاختصاص العام لا يعني اختصاصًا مطلقًا؛ فهو مقيد بما يقرره القانون من اختصاصات نوعية لجهات أخرى (كمنازعات تؤول للمحاكم الإدارية، أو لجهات استئناف/نقض بحسب طرق الطعن)، ومقيد أيضًا بما يقرره التنظيم الداخلي للمحكمة من أقسام (مدني، تجاري، اجتماعي…) بحيث تُوزع الدعاوى داخل المحكمة بحسب طبيعتها، مع بقاء المحكمة كوحدة قضائية صاحبة اختصاص عام.

المطلب الثاني: توزيع الاختصاص داخل المحكمة إلى أقسام
الفرع الأول: الأقسام كآلية تنظيمية للتخصص

نص قانون الإجراءات المدنية والإدارية على أن المحكمة “تتشكل من أقسام”، والغاية هي تخصيص قضاة ومسارات إجرائية بحسب نوع المنازعات (مثل القسم المدني، التجاري، الاجتماعي… وفق التنظيم). ويؤدي هذا التنظيم إلى تحسين الفعالية، لكنه لا يغير من كون المحكمة هي الجهة صاحبة الاختصاص النوعي العام، وإنما هو توزيع داخلي للعمل القضائي.

الفرع الثاني: أثر التوزيع الداخلي على الدفع بالاختصاص

إذا أُدرجت دعوى في قسم غير القسم المختص داخل المحكمة، فإن المسألة غالبًا تُعالج كمسألة تنظيم داخلي/توزيع ملفات، لكنها قد تثير إشكالًا إذا كان القانون يربط بقسم معيّن إجراءات خاصة (كالقسم الاجتماعي في بعض الإجراءات). لذلك يُراعى عمليًا التمييز بين:

خطأ “توزيع داخلي” يمكن تصحيحه،

وخطأ “اختصاص نوعي” يقتضي دفعًا وإحالة أو عدم اختصاص.

المطلب الثالث: حدود اختصاص المحكمة أمام اختصاصات جهات أخرى
الفرع الأول: اختصاص المجلس القضائي ومحكمة النقض نوعيًا

الاختصاص النوعي لا يقتصر على طبيعة النزاع فحسب، بل يشمل كذلك درجات التقاضي وطرق الطعن: فالمجلس القضائي مختص نوعيًا بالنظر في الاستئناف ضمن نطاقه القانوني، والمحكمة العليا مختصة نوعيًا بالنظر في الطعن بالنقض وفق شروطه. وقد أبرزت المحكمة العليا في اجتهاد منشور أن بعض المسائل تدخل في الاختصاص النوعي لجهة الاستئناف ولا تمتد لمحكمة الدرجة الأولى.

الفرع الثاني: الحدود مع القضاء الإداري

عندما تكون المنازعة إدارية بطبيعتها (قرار إداري، منازعة أشغال عامة، مسؤولية إدارية… إلخ) فإن الاختصاص ينعقد للمحاكم الإدارية وفق قانون الإجراءات المدنية والإدارية، بينما تبقى المحكمة العادية مختصة بالمنازعات المدنية والتجارية والاجتماعية وفق قواعد القضاء العادي. وهنا تتدخل محكمة التنازع عند قيام تعارض بين النظامين.

المبحث الثالث: طبيعة الاختصاص النوعي وآثاره والإجراءات المرتبطة به
المطلب الأول: الاختصاص النوعي من النظام العام
الفرع الأول: معنى كونه من النظام العام

كون الاختصاص النوعي من النظام العام يعني أن احترامه يتعلق بحسن تنظيم القضاء وبمصالح العدالة، لا بمصلحة الخصوم وحدهم. لذلك يجوز إثارته في أي مرحلة من مراحل الخصومة، ويمكن للقاضي أن يثيره من تلقاء نفسه، كما لا يجوز للخصوم الاتفاق على مخالفته إذا كان القانون يسنده حصريًا لجهة معينة.

الفرع الثاني: الاجتهاد القضائي في تكريس طبيعته

أكدت المحكمة العليا في قرارات منشورة أن المسائل المرتبطة بالاختصاص النوعي تدخل ضمن النظام العام، وأن مخالفة قواعده تُعدّ سببًا جديًا للطعن، وهو ما يعزز الدور العملي لهذه القاعدة ويجعلها أداة لحماية الشرعية الإجرائية.

المطلب الثاني: آثار مخالفة الاختصاص النوعي
الفرع الأول: الحكم بعدم الاختصاص والإحالة

إذا تبين للمحكمة أنها غير مختصة نوعيًا، تقضي بعدم الاختصاص، وقد تأمر بالإحالة إلى الجهة المختصة وفق القواعد الإجرائية، بما يمنع ضياع حقوق الخصوم ويحقق اقتصاد الإجراءات. وتختلف الآثار بحسب المرحلة والجهة المختصة وبحسب ما إذا كانت القاعدة متعلقة بالنظام العام أو لا.

الفرع الثاني: أثره على صحة الإجراءات والآجال

قد يترتب على رفع الدعوى أمام جهة غير مختصة نوعيًا آثار تتعلق بانقطاع بعض الآجال أو بسلامة الإجراءات، وفق ما يقرره القانون. ولذلك فإن تحديد الاختصاص النوعي منذ البداية ليس مسألة شكلية بسيطة، بل عاملٌ مؤثرٌ في مصير الدعوى وفي إمكانية مواصلتها دون سقوط أو عدم قبول.

المطلب الثالث: الدفع بعدم الاختصاص النوعي وإثارته
الفرع الأول: كيفية إثارة الدفع

يُثار الدفع بعدم الاختصاص النوعي عادةً من المدعى عليه كدفع شكلي قبل الخوض في الموضوع، كما يجوز للقاضي إثارته من تلقاء نفسه باعتباره من النظام العام. ويجب أن يكون الدفع مؤسسًا على نصوص الاختصاص، وأن يحدد الجهة المختصة حتى تُحسن المحكمة توجيه الخصومة نحو المسار الصحيح.

الفرع الثاني: دور القاضي في مراقبته

لا يقتصر دور القاضي على الفصل في الدفع إذا أثير، بل يمتد إلى مراقبة اختصاصه ابتداءً، لأن الولاية القضائية لا تُفترض خارج النص. ويُعدّ هذا الدور أحد مظاهر ضمانات المحاكمة العادلة، لأنه يحمي الأطراف من صدور حكم من جهة غير مختصة، ويحمي النظام القضائي من اضطراب توزيع الاختصاص.

الخاتمة

يتبين أن الاختصاص النوعي للمحكمة في التشريع الجزائري يشكل قاعدة محورية في ضبط الولاية القضائية وتوزيع المنازعات بين الجهات، وقد قرر المشرع القاعدة العامة لاختصاص المحكمة بوصفها جهة قضائية ذات اختصاص عام مع تنظيم الأقسام داخلها، ثم رسم حدود هذا الاختصاص أمام اختصاص المجلس القضائي والمحكمة العليا والقضاء الإداري. كما أكد المشرع والاجتهاد القضائي أن الاختصاص النوعي من النظام العام، بما يرتب آثارًا إجرائية مهمة عند مخالفته، ويمنح القاضي دورًا إيجابيًا في مراقبته وإثارته. وعليه، فإن حسن تكييف النزاع وتحديد طبيعته والجهة المختصة نوعيًا منذ البداية يعدّ شرطًا أساسيًا لنجاح الخصومة القضائية وتفادي ضياع الوقت والجهد والإجراءات.

المصادر والمراجع

القانون رقم 08-09، المتضمن قانون الإجراءات المدنية والإدارية
،القانون العضوي المتعلق بالتنظيم القضائي (22-10)، المجلس الشعبي الوطني (APN)
المحكمة العليا الجزائرية، قرار منشور يقرر أن مسائل معينة تدخل ضمن الاختصاص النوعي وتُعد من النظام العام :) قرار ملف رقم 0945994 بتاريخ 17-12-2020).
غربي، “قواعد الاختصاص النوعي للمحاكم الإدارية في ظل قانون الإجراءات…”، مقال علمي منشور على 2023
جامعة سطيف 2، مادة/محتوى تعليمي حول الاختصاص النوعي للمحاكم وتفسير المادة 32 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية.
 

SaRa Soltana

عضو جديد
المشاركات
9
مستوى التفاعل
0
النقاط
1
خطة البحث
مقدمة
المبحث الأول: الإطار المفاهيمي والقانوني للاختصاص النوعي
المطلب الأول: ماهية الاختصاص النوعي وتمييزه عن غيره
الفرع الأول: تعريف الاختصاص النوعي وأهميته في التنظيم القضائي
الفرع الثاني: التمييز بين الاختصاص النوعي والاختصاص الإقليمي والاختصاص القيمي
المطلب الثاني: الأساس القانوني للاختصاص النوعي في التشريع الجزائري
الفرع الأول: الإطار التشريعي في قانون الإجراءات المدنية والإدارية
الفرع الثاني: دور نصوص التنظيم القضائي في تحديد الاختصاص النوعي
المطلب الثالث: وظيفة الاختصاص النوعي ومكانته ضمن مبدأ القاضي الطبيعي
الفرع الأول: ضمان القاضي الطبيعي وحسن سير العدالة
الفرع الثاني: الحد من تنازع الاختصاص وتضارب الأحكام
المبحث الثاني: قواعد الاختصاص النوعي للمحكمة في القضاء العادي
المطلب الأول: القاعدة العامة لاختصاص المحكمة
الفرع الأول: المحكمة كجهة ذات اختصاص عام
الفرع الثاني: حدود الاختصاص العام (الاستثناءات والقيود التشريعية)
المطلب الثاني: توزيع الاختصاص داخل المحكمة إلى أقسام
الفرع الأول: الأقسام القضائية وأثرها في تحديد نوع المنازعات
الفرع الثاني: العلاقة بين الاختصاص النوعي والتخصص داخل المحكمة
المطلب الثالث: حدود اختصاص المحكمة أمام جهات قضائية أخرى
الفرع الأول: التمييز بين اختصاص المحكمة واختصاص المجلس القضائي والمحكمة العليا
الفرع الثاني: الحد الفاصل بين اختصاص المحكمة العادية واختصاص القضاء الإداري
المبحث الثالث: الطبيعة القانونية للاختصاص النوعي وآثار مخالفته
المطلب الأول: الاختصاص النوعي كقاعدة من النظام العام
الفرع الأول: مفهوم النظام العام في الاختصاص النوعي
الفرع الثاني: إمكانية إثارته من القاضي والخصوم في أي مرحلة
المطلب الثاني: آثار مخالفة الاختصاص النوعي
الفرع الأول: الحكم بعدم الاختصاص والإحالة إلى الجهة المختصة
الفرع الثاني: أثر المخالفة على صحة الإجراءات والآجال والخصومة
المطلب الثالث: الدفع بعدم الاختصاص النوعي وإجراءاته
الفرع الأول: شروط وكيفيات الدفع بعدم الاختصاص النوعي
الفرع الثاني: رقابة الجهة القضائية العليا على مسائل الاختصاص النوعي
خاتمة
 

MīLÿ Sîsî

عضو جديد
المشاركات
28
مستوى التفاعل
1
النقاط
1
الاختصاص النوعي للمحكمة في التشريع الجزائري

مقدمة
يُعدّ الاختصاص النوعي من أهم قواعد التنظيم القضائي والإجراءات القضائية في التشريع الجزائري، لأنه يحدد الجهة القضائية المختصة بالنظر في النزاع بحسب طبيعته وموضوعه، وبذلك يضمن حسن توزيع العمل القضائي، ويكفل احترام التخصص، ويمنع عرض المنازعة على جهة غير مخولة قانونًا للفصل فيها. وتزداد أهمية هذا الموضوع في الجزائر مع تطور التنظيم القضائي، خاصة بعد صدور القانون العضوي رقم 22-10، المتعلق بالتنظيم القضائي، وتعديل قانون الإجراءات المدنية والإدارية بالقانون رقم 22-13، بما أدخل صورًا أوضح للتخصص القضائي، ومنها المحاكم التجارية المتخصصة، مع الإبقاء على المحكمة باعتبارها جهة ذات اختصاص عام في القضاء العادي، والمحكمة الإدارية باعتبارها جهة الولاية العامة في المنازعات الإدارية. وتتمثل إشكالية البحث في بيان مفهوم الاختصاص النوعي للمحكمة في التشريع الجزائري، وأساسه القانوني، وأقسامه، وآثاره الإجرائية، وحدود تمييزه عن غيره من أنواع الاختصاص. ويهدف البحث إلى تحديد مدلول الاختصاص النوعي، وبيان تنظيمه في القضاء العادي والإداري، وشرح طبيعته القانونية وآثار مخالفته، مع إبراز أهم المستجدات التشريعية ذات الصلة. واعتمد البحث على المنهج الوصفي التحليلي، من خلال تحليل النصوص القانونية والتنظيمية الجزائرية والاستئناس ببعض الدراسات الجامعية الجزائرية الحديثة.

المبحث الأول: ماهية الاختصاص النوعي للمحكمة وأساسه القانوني
المطلب الأول: مفهوم الاختصاص النوعي

الفرع الأول: تعريف الاختصاص النوعي
الاختصاص النوعي هو سلطة الجهة القضائية في الفصل في المنازعة تبعًا لطبيعتها القانونية وموضوعها، لا تبعًا لمكان رفع الدعوى أو لقيمتها المالية. لذلك فهو يجيب عن سؤال: أي نوع من الجهات القضائية أو أي قسم قضائي هو المختص أصلًا بالنظر في النزاع؟ وقد كرّس قانون الإجراءات المدنية والإدارية هذا التصور حين جعل المحكمة جهة الاختصاص العام في القضاء العادي، مع توزيع القضايا داخليًا بحسب طبيعتها على الأقسام، كما جعل المحاكم الإدارية جهات الولاية العامة في المنازعات الإدارية.

الفرع الثاني: أهمية الاختصاص النوعي
تكمن أهمية الاختصاص النوعي في أنه يحقق التخصص والنجاعة، ويمنع تضارب الأحكام، ويضمن عرض النزاع على القاضي الطبيعي المختص به قانونًا. كما أنه يرتبط بحسن سير العدالة، لأن توزيع المنازعات بحسب طبيعتها بين القضاء العادي والقضاء الإداري، وبين الأقسام المتخصصة داخل المحكمة، أصبح من المقومات الأساسية للتنظيم القضائي الجزائري، خاصة بعد الإصلاحات الحديثة التي عززت التخصص القضائي.

المطلب الثاني: الأساس القانوني للاختصاص النوعي

الفرع الأول: الأساس الدستوري والتنظيمي
يقوم الاختصاص النوعي على أساس دستوري غير مباشر يتمثل في مبدأ شرعية القضاء والتنظيم القضائي، وعلى أساس قانوني مباشر يتجسد في القوانين المنظمة للجهات القضائية والإجراءات أمامها. وفي هذا الإطار يبرز القانون العضوي رقم 22-10، المتعلق بالتنظيم القضائي، بوصفه النص المؤطر لبنية القضاء العادي والإداري، كما يبرز القانون رقم 08-09، المتضمن قانون الإجراءات المدنية والإدارية، المعدل والمتمم بالقانون رقم 22-13، بوصفه النص المحدد لقواعد الاختصاص النوعي وإجراءاته.

الفرع الثاني: الأساس الإجرائي
من الناحية الإجرائية، نص قانون الإجراءات المدنية والإدارية على قواعد عامة للاختصاص النوعي للمحاكم والمجالس القضائية والمحاكم الإدارية، واعتبر عدم الاختصاص النوعي من النظام العام، بما يوجب على القاضي إثارته تلقائيًا في أي مرحلة كانت عليها الدعوى. وهذا يدل على أن المشرع الجزائري لم ينظر إلى الاختصاص النوعي باعتباره مجرد توزيع داخلي للعمل، بل اعتبره قاعدة آمرة تمس النظام القضائي ذاته.

المطلب الثالث: خصائص الاختصاص النوعي

الفرع الأول: طابعه القانوني الإلزامي
يتميز الاختصاص النوعي بأنه محدد سلفًا بنصوص القانون، فلا يجوز للخصوم الاتفاق على مخالفته متى كان متعلقًا بجهة القضاء أو بنوع النزاع الذي أسنده القانون إلى جهة محددة. وهذا ما يفسر وصفه بأنه من النظام العام في الأصل، سواء في القضاء العادي أو في كثير من تطبيقاته داخل القضاء الإداري.

الفرع الثاني: اتصاله بطبيعة المنازعة
يرتبط الاختصاص النوعي بطبيعة المنازعة: مدنية، تجارية، اجتماعية، عقارية، أسرية، أو إدارية. ولهذا فإن المعيار الجوهري فيه ليس موطن المدعى عليه ولا قيمة الطلب، بل وصف النزاع ومضمونه القانوني. ومن ثمّ فإن تكييف النزاع تكييفًا صحيحًا يمثل خطوة لازمة لتحديد المحكمة المختصة نوعيًا.

المبحث الثاني: الاختصاص النوعي للمحكمة في القضاء العادي
المطلب الأول: الاختصاص العام للمحكمة

الفرع الأول: المحكمة جهة اختصاص عام
تنص المادة 32 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية على أن المحكمة هي الجهة القضائية ذات الاختصاص العام، وتتكون من أقسام، ويمكن أن تتشكل أيضًا من أقطاب متخصصة. كما تنص المادة نفسها على أن المحكمة تفصل في جميع القضايا، لا سيما المدنية والتجارية والبحرية والاجتماعية والعقارية وقضايا شؤون الأسرة التي تختص بها إقليميًا. وهذا النص يجعل المحكمة أصل الاختصاص داخل القضاء العادي.

الفرع الثاني: توزيع القضايا على الأقسام
رغم أن المحكمة ذات اختصاص عام، فإن القضايا تُجدول أمام أقسامها بحسب طبيعة النزاع. وإذا لم تكن بالمحكمة أقسام منشأة، فإن القسم المدني ينظر في جميع النزاعات باستثناء القضايا الاجتماعية. ويكشف ذلك أن الأقسام لا تنشئ جهة قضائية مستقلة، بل تمثل تنظيمًا داخليًا لتوزيع العمل ضمن المحكمة ذاتها.

المطلب الثاني: صور الاختصاص النوعي داخل المحكمة

الفرع الأول: الأقسام العادية
يشمل الاختصاص النوعي داخل المحكمة عدة أقسام بحسب المواد، منها القسم المدني، والتجاري، والاجتماعي، والعقاري، وقسم شؤون الأسرة. وهذه الأقسام تجسد التوزيع النوعي للمنازعات داخل القضاء العادي، بما يسمح بأن ينظر كل قسم في المادة الأقرب إلى تخصصه ووظيفته القضائية. ويظهر ذلك بوضوح من المادة 32، ومن الأحكام الخاصة الواردة لاحقًا في الكتاب المتعلق بالإجراءات أمام الأقسام المختلفة.

الفرع الثاني: الأقطاب والمحاكم المتخصصة
أجازت المادة 32 أيضًا أن تتشكل المحكمة من أقطاب متخصصة، وهو ما مهد لتوسيع التخصص القضائي. ثم جاء القانون رقم 22-13 المعدل والمتمم لقانون الإجراءات المدنية والإدارية ليكرس المحاكم التجارية المتخصصة، وهي اختصاص نوعي مستحدث في القضاء الجزائري. وتؤكد المصادر الجامعية الحديثة أن هذه المحاكم نُظمت في المواد من 536 مكرر إلى 536 مكرر 7، كما حُددت دوائر اختصاصها الإقليمي بنصوص تنظيمية لاحقة.

المطلب الثالث: الاختصاص النوعي للمجلس القضائي بالنسبة لأحكام المحاكم

الفرع الأول: المجلس القضائي كجهة استئناف
تنص المادة 34 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية على أن المجلس القضائي يختص بالنظر في استئناف الأحكام الصادرة عن المحاكم في الدرجة الأولى وفي جميع المواد، حتى ولو كان وصفها خاطئًا. ويعني ذلك أن توزيع الاختصاص النوعي لا يقف عند المحكمة، بل يمتد إلى المجلس القضائي بوصفه جهة الطعن العادية في أحكامها.

الفرع الثاني: أثر ذلك على البناء القضائي
يؤكد اختصاص المجلس القضائي في الاستئناف أن الاختصاص النوعي لا يعني فقط تحديد المحكمة المختصة ابتداءً، بل يعني أيضًا معرفة الجهة المختصة نوعيًا بنظر الطعون الموجهة ضد أحكامها. وهذا ينسجم مع مبدأ التقاضي على درجتين الذي يظل من ركائز النظام القضائي الجزائري.

المبحث الثالث: الاختصاص النوعي في القضاء الإداري وبعض صور التخصص القضائي
المطلب الأول: اختصاص المحاكم الإدارية

الفرع الأول: المحاكم الإدارية جهات الولاية العامة
تنص المادة 800 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية على أن المحاكم الإدارية هي جهات الولاية العامة في المنازعات الإدارية، وتفصل فيها في أول درجة بحكم قابل للاستئناف. وهذا النص يبرز أن معيار الاختصاص النوعي هنا هو الطبيعة الإدارية للنزاع، لا مجرد صفة الأطراف وحدها بصورة ميكانيكية.

الفرع الثاني: صلة ذلك بازدواجية القضاء
يرتبط الاختصاص النوعي للمحاكم الإدارية بالأخذ بازدواجية القضاء في الجزائر؛ أي وجود قضاء عادي إلى جانب قضاء إداري. وقد أبرزت الدراسات الجزائرية أن هذا التوزيع يقوم على طبيعة النزاع وعلى وجود أشخاص القانون العام أو ممارسة امتيازات السلطة العامة، مع استثناءات وتفصيلات يضبطها القانون والاجتهاد القضائي.

المطلب الثاني: دور مجلس الدولة ومحكمة التنازع

الفرع الأول: مجلس الدولة
داخل جهة القضاء الإداري، لا يتوقف الأمر عند المحاكم الإدارية، لأن مجلس الدولة يضطلع باختصاصات نوعية مرتبطة بالاستئناف والنقض وبعض المنازعات المحددة قانونًا. وتبين الكتابات الجزائرية أن توزيع الاختصاص النوعي داخل القضاء الإداري نفسه يثير أهمية خاصة بسبب تداخل بعض الاختصاصات بين المحاكم الإدارية ومجلس الدولة.

الفرع الثاني: محكمة التنازع
عندما يثور تنازع في الاختصاص بين جهات القضاء العادي والقضاء الإداري، تتدخل محكمة التنازع للفصل فيه، ضمانًا لعدم إنكار العدالة ومنع تضارب الأحكام. وهذا يؤكد أن الاختصاص النوعي في التشريع الجزائري لا يُفهم فقط داخل كل جهة قضائية على حدة، بل كذلك في العلاقة بين جهتي القضاء العادي والإداري.

المطلب الثالث: التخصص القضائي الحديث

الفرع الأول: المحاكم التجارية المتخصصة
يعد إنشاء المحاكم التجارية المتخصصة من أبرز مستجدات الاختصاص النوعي في التشريع الجزائري الحديث. وقد أشارت وزارة العدل إلى أن القانون رقم 22-13 أنشأ هذه المحاكم لتختص في بعض المنازعات التجارية المحددة، كما بينت الدراسات الجامعية الحديثة أنها تمثل خطوة نحو تكريس القضاء المتخصص في البيئة الاقتصادية والتجارية.

الفرع الثاني: دلالة هذا التطور
يدل هذا التطور على أن المشرع الجزائري انتقل تدريجيًا من الاختصاص العام الواسع للمحكمة إلى دعم التخصص النوعي في مواد معينة، وذلك استجابة لتعقد المعاملات وخصوصًا التجارية والاستثمارية. ومن ثم أصبح الاختصاص النوعي أداة لتجويد العدالة وليس مجرد قاعدة شكلية لتوزيع الملفات.

المبحث الرابع: طبيعة الاختصاص النوعي وآثار مخالفته وتمييزه
المطلب الأول: طبيعة الاختصاص النوعي

الفرع الأول: من النظام العام
تنص المادة 36 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية صراحة على أن عدم الاختصاص النوعي من النظام العام، وتقضي به الجهة القضائية تلقائيًا في أية مرحلة كانت عليها الدعوى. وهذه القاعدة تمنح الاختصاص النوعي مكانة إجرائية خاصة، وتجعله فوق إرادة الخصوم.

الفرع الثاني: أثر الصفة الآمرة
متى كان الاختصاص النوعي من النظام العام، فإن الدفع به لا يسقط بعدم إثارته في بداية الخصومة، كما لا يصح تصحيحه باتفاق الخصوم. كذلك يلتزم القاضي بإثارته من تلقاء نفسه كلما تبين له أن النزاع لا يدخل ضمن اختصاصه النوعي.

المطلب الثاني: آثار مخالفة الاختصاص النوعي

الفرع الأول: الحكم بعدم الاختصاص
النتيجة المباشرة لمخالفة الاختصاص النوعي هي القضاء بعدم الاختصاص وإحالة الدعوى، أو التصريح بعدم قبول السير فيها أمام الجهة غير المختصة بحسب الحالة الإجرائية. وفي المادة الإدارية، يوجب القانون أيضًا على القاضي أن يثير عدم الاختصاص تلقائيًا، وقد نص على ذلك في الأحكام المنظمة لاختصاص المحاكم الإدارية.

الفرع الثاني: أثره على صحة الإجراءات
قد تترتب على مخالفة الاختصاص النوعي آثار مهمة على مسار الخصومة، من حيث إطالة أمد النزاع أو بطلان ما يبنى على السير أمام جهة غير مختصة. ولذلك فإن التحديد الصحيح للاختصاص النوعي منذ رفع الدعوى يعد من شروط الفعالية القضائية وحسن إدارة الخصومة.

المطلب الثالث: التمييز بين الاختصاص النوعي وغيره

الفرع الأول: التمييز بين الاختصاص النوعي والاختصاص الإقليمي
الاختصاص النوعي يتعلق بطبيعة النزاع والجهة القضائية التي تملك قانونًا نظره، أما الاختصاص الإقليمي فيتعلق بتحديد المحكمة المختصة مكانًا. وقد يكون الاختصاص النوعي من النظام العام بصورة أصلية، بينما تختلف درجة تعلق الاختصاص الإقليمي بالنظام العام بحسب الحالات والنصوص.

الفرع الثاني: التمييز بين الاختصاص النوعي والتوزيع الداخلي للعمل
ليس كل توزيع للملفات بين الأقسام أو الغرف يعد اختصاصًا نوعيًا بالمعنى الدقيق؛ فبعضه مجرد تنظيم داخلي داخل نفس الجهة القضائية. لكن متى ربط القانون الفصل في نوع معين من المنازعات بقسم أو محكمة متخصصة على سبيل الإلزام، فإن الأمر يرتقي إلى قاعدة اختصاص نوعي حقيقية. وهذا ما يظهر بوضوح في المحاكم التجارية المتخصصة وفي المحاكم الإدارية.

خاتمة

يتبين من خلال هذا البحث أن الاختصاص النوعي للمحكمة في التشريع الجزائري يشكل قاعدة جوهرية في البناء القضائي، لأنه يحدد الجهة المختصة بحسب طبيعة النزاع، ويضمن احترام التخصص والتوزيع السليم للعمل القضائي. وقد ظهر أن المحكمة في القضاء العادي تظل جهة الاختصاص العام طبقًا للمادة 32 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية، مع وجود توزيع داخلي للأقسام، وأن المجلس القضائي يختص نوعيًا باستئناف أحكام المحاكم. كما تبين أن المحاكم الإدارية تمثل جهات الولاية العامة في المنازعات الإدارية، وأن المشرع الجزائري اتجه حديثًا إلى تدعيم التخصص النوعي عبر المحاكم التجارية المتخصصة. وانتهى البحث كذلك إلى أن الاختصاص النوعي من النظام العام، وأن مخالفته توجب تدخل القاضي تلقائيًا، بما يؤكد أن هذه القاعدة ليست مسألة شكلية، بل ضمانة أساسية لحسن سير العدالة وتحقيق الأمن القضائي.

المصادر والمراجع

أولًا: الدستور

دستور الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، العدد 82، 2020.

ثانيًا: القوانين

القانون رقم 08-09، المتضمن قانون الإجراءات المدنية والإدارية، معدل ومتمم بالقانون رقم 22-13.

القانون العضوي رقم 22-10، المتعلق بالتنظيم القضائي.

ثالثًا: المراسيم

المرسوم التنفيذي رقم 23-52، المحدد لشروط وكيفيات اختيار مساعدي المحكمة التجارية المتخصصة. ورد ذكره في الدراسات الجامعية الحديثة المتعلقة بالمحاكم التجارية المتخصصة.

المرسوم التنفيذي رقم 23-53، المحدد لدوائر الاختصاص الإقليمي للمحاكم التجارية المتخصصة. ورد ذكره في الدراسات الجامعية الحديثة المتعلقة بالمحاكم التجارية المتخصصة.

رابعًا: المقالات والدراسات الجامعية

غربي أحسن، قواعد الاختصاص النوعي للمحاكم الإدارية في ظل قانون الإجراءات المدنية والإدارية: دراسة على ضوء تعديل 2022، مقال جامعي، 2023.

الباح سعيد، عزوز سارة، المحاكم التجارية المتخصصة خطوة نحو القضاء المتخصص في التشريع الجزائري، مجلة الباحث للدراسات الأكاديمية، جامعة باتنة 1، 2024.

سي فضيل الحاج، النظام القانوني للمحكمة التجارية المتخصصة في الجزائر، مقال جامعي، 2023.

غيتاوي عبد القادر، توزيع قواعد الاختصاص النوعي بين مجلس الدولة والمحاكم الإدارية في القانون الجزائري، مقال جامعي.

اعداد الباحث حسوني محمد عبد الغني
 

MīLÿ Sîsî

عضو جديد
المشاركات
28
مستوى التفاعل
1
النقاط
1
عنوان المقال: الاختصاص النوعي للمحكمة في التشريع الجزائري

مقدمة
يُعدّ الاختصاص النوعي من أهم قواعد الاختصاص القضائي في التشريع الجزائري، لأنه يحدد الجهة القضائية المختصة بالنظر في النزاع بحسب طبيعته القانونية وموضوعه، وبذلك يضمن حسن توزيع العمل القضائي، واحترام مبدأ التخصص، وعرض الخصومة على القاضي المختص قانونًا. وتبرز أهمية هذا الموضوع بصورة خاصة في ظل تطور التنظيم القضائي الجزائري، لاسيما بعد صدور القانون العضوي رقم 22-10، المتعلق بالتنظيم القضائي، وتعديل قانون الإجراءات المدنية والإدارية بالقانون رقم 22-13، وما نتج عن ذلك من تعزيز للتخصص القضائي، خاصة بظهور المحاكم التجارية المتخصصة. وتتمثل إشكالية هذا المقال في بيان مفهوم الاختصاص النوعي للمحكمة في التشريع الجزائري، وأساسه القانوني، ومظاهره في القضاء العادي والإداري، وآثار مخالفته، والتمييز بينه وبين غيره من أنواع الاختصاص. ويهدف المقال إلى إبراز الإطار القانوني للاختصاص النوعي، وشرح مكانة المحكمة داخل هذا التنظيم، وبيان التطورات التشريعية الحديثة ذات الصلة. ولتحقيق ذلك تم اعتماد المنهج الوصفي التحليلي بالرجوع إلى النصوص القانونية الجزائرية السارية وبعض الدراسات الجامعية الجزائرية. وقد كرّس قانون الإجراءات المدنية والإدارية أن المحكمة هي الجهة القضائية ذات الاختصاص العام، كما نص على أن عدم الاختصاص النوعي من النظام العام، في حين جعل المحاكم الإدارية جهات الولاية العامة في المنازعات الإدارية، وهو ما يكشف أهمية هذا النوع من الاختصاص في بنية النظام القضائي الجزائري.


يقصد بالاختصاص النوعي سلطة الجهة القضائية في الفصل في الدعوى بالنظر إلى طبيعة النزاع وموضوعه، لا بالنظر إلى مكان رفع الدعوى أو قيمة الطلب. فالمعيار الجوهري في هذا الاختصاص هو تكييف المنازعة تكييفًا قانونيًا صحيحًا، لتحديد ما إذا كانت تدخل في اختصاص المحكمة العادية، أو المحكمة الإدارية، أو جهة قضائية متخصصة. ولهذا فإن الاختصاص النوعي يرتبط ارتباطًا مباشرًا بالتنظيم القضائي، ويُعدّ وسيلة قانونية لضبط توزيع المنازعات بين الجهات القضائية المختلفة. وقد نص قانون الإجراءات المدنية والإدارية على أن المحكمة هي الجهة القضائية ذات الاختصاص العام، وتتكون من أقسام، ويمكن أن تتشكل كذلك من أقطاب متخصصة، كما تفصل في جميع القضايا، لا سيما المدنية والتجارية والبحرية والاجتماعية والعقارية وقضايا شؤون الأسرة التي تختص بها إقليميًا، وهو ما يدل على أن الأصل داخل القضاء العادي هو اختصاص المحكمة، مع تنظيم داخلي للعمل بحسب طبيعة المنازعة.

ويترتب على هذا التنظيم أن الاختصاص النوعي داخل المحكمة لا يعني دائمًا وجود جهة قضائية مستقلة عن المحكمة، بل قد يكون مجرد توزيع وظيفي داخلي بين أقسامها المختلفة. فالقسم المدني، والقسم التجاري، والقسم الاجتماعي، والقسم العقاري، وقسم شؤون الأسرة، كلها تبقى جزءًا من المحكمة ذاتها، غير أن توزيع الملفات بينها يتم وفق طبيعة النزاع. وإذا لم توجد أقسام منشأة داخل المحكمة، فإن القسم المدني ينظر في جميع النزاعات باستثناء القضايا الاجتماعية، وهو ما يؤكد أن المشرع الجزائري حافظ على وحدة المحكمة من جهة، مع تدعيم التخصص الداخلي من جهة أخرى. وهذا التمييز مهم، لأن كل توزيع داخلي للعمل لا يرتقي بالضرورة إلى مستوى الاختصاص النوعي المستقل، إلا إذا نص القانون صراحة على إسناد نوع معين من المنازعات إلى جهة أو تشكيل متخصص على سبيل الإلزام.

ومن أهم ما يميز الاختصاص النوعي في التشريع الجزائري أن المشرع اعتبره من النظام العام. فالمادة 36 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية تقضي بأن عدم الاختصاص النوعي من النظام العام، وأن الجهة القضائية تقضي به تلقائيًا في أية مرحلة كانت عليها الدعوى. ويترتب على ذلك أن الخصوم لا يملكون الاتفاق على مخالفة قواعد الاختصاص النوعي متى تعلق الأمر بجهة القضاء المختصة أو بطبيعة النزاع، كما لا يسقط الدفع به لمجرد عدم إثارته في بداية الخصومة. وتكمن أهمية هذه القاعدة في أنها تجعل احترام الاختصاص النوعي ليس فقط مصلحة خاصة للخصوم، بل مصلحة تمس حسن سير العدالة والنظام القضائي برمته. ومن ثم فإن القاضي يلتزم بإثارته من تلقاء نفسه كلما تبيّن له أن النزاع لا يدخل في دائرة اختصاصه النوعي.

أما في القضاء العادي، فإن المادة 32 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية تمنح المحكمة اختصاصًا عامًا في نظر مختلف المنازعات الداخلة في الولاية العادية، بينما يختص المجلس القضائي، وفق المادة 34 من القانون نفسه، بالنظر في استئناف الأحكام الصادرة عن المحاكم في الدرجة الأولى وفي جميع المواد، حتى ولو كان وصفها خاطئًا. وهذا يبرز أن الاختصاص النوعي لا يتعلق فقط بمرحلة رفع الدعوى لأول مرة، بل يمتد أيضًا إلى مرحلة الطعن، إذ يجب تحديد الجهة المختصة نوعيًا بالنظر في الاستئناف وفق البناء القضائي الذي وضعه المشرع. ويؤكد هذا التنظيم أن الاختصاص النوعي جزء من هيكلة الخصومة القضائية منذ بدايتها وحتى نهايتها العادية.

وفي مقابل ذلك، يقوم القضاء الإداري في الجزائر على أساس اختصاص نوعي متميز عن القضاء العادي. فقد نص قانون الإجراءات المدنية والإدارية على أن المحاكم الإدارية هي جهات الولاية العامة في المنازعات الإدارية، وتفصل فيها في أول درجة بحكم قابل للاستئناف. وهذا يدل على أن الطبيعة الإدارية للنزاع هي التي تحدد، في الأصل، انتقال الاختصاص من المحكمة العادية إلى المحكمة الإدارية. وقد أبرزت الدراسات الجامعية الجزائرية أن توزيع الاختصاص النوعي بين القضاء العادي والإداري يظل من أكثر المسائل دقة، لأنه يقوم على معايير متشابكة، منها طبيعة النزاع، وصفة الأطراف، وارتباط النزاع بممارسة امتيازات السلطة العامة. ولهذا فإن التمييز بين الجهتين لا يتم بمجرد النظر الشكلي إلى تسمية الدعوى، بل من خلال تحليل قانوني لطبيعتها الحقيقية.

ويتجلى تطور الاختصاص النوعي في التشريع الجزائري بوضوح في استحداث المحاكم التجارية المتخصصة بموجب تعديل قانون الإجراءات المدنية والإدارية بالقانون رقم 22-13. وقد أوضحت وزارة العدل أن هذا التعديل أنشأ هذه المحاكم لتختص في طائفة معينة من المنازعات التجارية، كما أكدت الدراسات الجامعية الحديثة أن هذه المحاكم تمثل اختصاصًا نوعيًا مستحدثًا يعكس توجه المشرع نحو تكريس القضاء المتخصص في المجال الاقتصادي والتجاري. وتبرز أهمية هذا التطور في أن المحكمة لم تعد تمارس فقط اختصاصًا عامًا مع تقسيم داخلي تقليدي، بل أصبح المشرع يسند بعض المنازعات إلى تشكيلات أو جهات متخصصة على نحو أوضح وأكثر إلزامًا، استجابة لتعقد المعاملات التجارية الحديثة ومتطلبات السرعة والخبرة الفنية في الفصل فيها.

ومن النتائج الإجرائية المهمة المرتبطة بالاختصاص النوعي أن مخالفته قد تؤدي إلى القضاء بعدم الاختصاص، وما يترتب على ذلك من إحالة الدعوى أو إعادة توجيهها إلى الجهة المختصة، بحسب الأحوال والنصوص المطبقة. وهذا قد يترتب عليه إطالة أمد الخصومة إذا لم يتم تحديد الاختصاص الصحيح منذ البداية. لذلك فإن حسن تحديد الاختصاص النوعي عند رفع الدعوى يمثل عنصرًا أساسيًا في الفعالية القضائية، كما أن الخطأ في هذا التحديد قد ينعكس على سلامة الإجراءات اللاحقة. ولهذا السبب، فإن الاختصاص النوعي لا يُفهم على أنه مسألة شكلية بحتة، وإنما هو ضمانة عملية لحسن سير العدالة واحترام البناء القانوني للجهات القضائية.

ويتعين كذلك التمييز بين الاختصاص النوعي والاختصاص الإقليمي. فالاختصاص النوعي يتعلق بطبيعة النزاع والجهة القضائية المخولة قانونًا بنظره، أما الاختصاص الإقليمي فيتعلق بالمكان الذي ترفع فيه الدعوى داخل الجهة القضائية المختصة نوعيًا. كما أن الاختصاص النوعي يرتبط في الأصل بالنظام العام، بينما يختلف الاختصاص الإقليمي من حيث مدى تعلقه بالنظام العام بحسب الحالات التي يحددها القانون. وهذا التمييز أساسي في العمل القضائي، لأن الخلط بينهما يؤدي إلى أخطاء في رفع الدعوى وفي معالجة الدفوع الإجرائية.

وعليه، فإن الاختصاص النوعي للمحكمة في التشريع الجزائري لم يعد مجرد قاعدة تقليدية لتوزيع القضايا، بل أصبح أداة قانونية أساسية لتحقيق التخصص والنجاعة وضمان عرض الخصومة على الجهة الأقدر قانونًا ووظيفيًا على الفصل فيها. كما أن التطورات الحديثة، وعلى رأسها المحاكم التجارية المتخصصة، تؤكد أن المشرع الجزائري يتجه نحو توسيع نطاق التخصص القضائي كلما اقتضت طبيعة المنازعات ذلك، دون المساس بالمبدأ العام الذي يجعل المحكمة أساس الاختصاص في القضاء العادي والمحكمة الإدارية أساس الاختصاص في المنازعات الإدارية.

خاتمة
يخلص هذا المقال إلى أن الاختصاص النوعي للمحكمة في التشريع الجزائري يمثل قاعدة جوهرية في التنظيم القضائي، لأنه يحدد الجهة المختصة بحسب طبيعة النزاع، ويضمن احترام مبدأ التخصص وحسن توزيع العمل القضائي. وقد تبين أن المحكمة تبقى جهة الاختصاص العام في القضاء العادي، مع توزيع داخلي للأقسام بحسب طبيعة المنازعات، في حين تمارس المحاكم الإدارية الولاية العامة في المنازعات الإدارية. كما ظهر أن المشرع الجزائري اعتبر عدم الاختصاص النوعي من النظام العام، بما يوجب على القاضي إثارته تلقائيًا، وهو ما يكشف عن طبيعته الآمرة وصلته الوثيقة بحسن سير العدالة. واتضح أيضًا أن التشريع الجزائري عرف تطورًا مهمًا في هذا المجال من خلال استحداث المحاكم التجارية المتخصصة، بما يعكس انتقالًا تدريجيًا نحو مزيد من التخصص القضائي. ومن ثم فإن الاختصاص النوعي ليس مجرد مسألة إجرائية تقنية، بل هو ضمانة قانونية أساسية لتحقيق العدالة الناجعة والأمن القضائي في الجزائر.

المصادر والمراجع
أولًا: الدستور

دستور الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، 2020.

ثانيًا: القوانين

القانون رقم 08-09، المتضمن قانون الإجراءات المدنية والإدارية، معدل ومتمم بالقانون رقم 22-13.

القانون العضوي رقم 22-10، المتعلق بالتنظيم القضائي.

ثالثًا: المقالات والدراسات الجامعية

عبد القادر غيتاوي، توزيع قواعد الاختصاص النوعي بين مجلس الدولة والمحاكم الإدارية في القانون الجزائري، مقال جامعي.

غربي أحسن، قواعد الاختصاص النوعي للمحاكم الإدارية في ظل قانون الإجراءات المدنية والإدارية: دراسة على ضوء تعديل 2022، مقال جامعي، 2023.

الباح سعيد، عزوز سارة، المحاكم التجارية المتخصصة خطوة نحو القضاء المتخصص في التشريع الجزائري، مقال جامعي، 2024.

حاج عمارة محمد، أسس توزيع الاختصاص النوعي بين القضاء العادي والإداري بالجزائر، مقال جامعي، 2025.

رابعًا: مواقع إلكترونية للاستئناس

موقع ناس أدرار، الاختصاص النوعي للمحكمة

اعداد الباحث حسوني محمد عبد الغني
 
أعلى