- المشاركات
- 22
- مستوى التفاعل
- 1
- النقاط
- 3
قانون 26-02 المتعلق بخدمات الثقة للمعاملات الإلكترونية و بالتعريف الإاكتروني
اعداد الباحث حسوني محمد عبد الغني
بحث حول القانون 26-02: ضبط المفاهيم والإجراءات الإلكترونية
مقدمة
يُعدّ القانون رقم 26-02 المتعلق بالقواعد العامة لخدمات الثقة للمعاملات الإلكترونية وبالتعريف الإلكتروني من أهم القوانين الرقمية المستحدثة في الجزائر، لأنه جاء ليؤسس إطارًا قانونيًا موحدًا وحديثًا للثقة في البيئة الرقمية، بعد أن كانت عدة مفاهيم وإجراءات محل تشتت تشريعي أو محل نقاش فقهي وتطبيقي في ظل القوانين السابقة، ولا سيما قانون التجارة الإلكترونية لسنة 2018. وتكمن أهمية هذا القانون في أنه لم يقتصر على تنظيم التوقيع الإلكتروني فحسب، بل وسّع المنظومة إلى الختم الإلكتروني، وختم الوقت الإلكتروني، والإرسال الإلكتروني المضمون، وشهادات توثيق آلية الإنترنت، والتعريف الإلكتروني، والوثيقة الإلكترونية، والإسناد، كما استحدث إطارًا مؤسساتيًا جديدًا يقوم على السلطة الوطنية للتصديق الإلكتروني وعلى نظام ترخيص ورقابة لمزودي خدمات الثقة. وتتمثل إشكالية هذا البحث في السؤال الآتي: إلى أي مدى نجح القانون 26-02 في ضبط المفاهيم والإجراءات الإلكترونية وسد النقائص التي كانت مطروحة في التنظيم السابق؟ ويهدف البحث إلى بيان المستجدات المفاهيمية التي جاء بها القانون، وتحليل شروط خدمات الثقة والإجراءات المرتبطة بها، وشرح النظام القانوني للوثيقة الإلكترونية وحجيتها وإسنادها، ثم تقويم الأثر القانوني العام لهذا الإصلاح. وقد اعتمدنا في المعالجة على المنهج الوصفي التحليلي بالرجوع إلى النص الرسمي للقانون وتحليل مواده الأساسية، مع الاستئناس بالمناقشات البرلمانية والشرح الرسمي لأهداف النص. وبناءً على ذلك، قُسِّم البحث إلى ثلاثة مباحث: الأول للمفاهيم والأحكام العامة، والثاني لخدمات الثقة ومزوديها، والثالث للوثيقة الإلكترونية والإسناد والتعريف الإلكتروني والتقييم القانوني للنص.
المبحث الأول: ضبط المفاهيم الإلكترونية والأحكام العامة في القانون 26-02
المطلب الأول: الإطار العام للقانون وهدفه
الفرع الأول: موضوع القانون وغاية المشرع
تنص المادة الأولى على أن القانون يهدف إلى تحديد القواعد العامة المتعلقة بخدمات الثقة للمعاملات الإلكترونية وبالتعريف الإلكتروني، وهو ما يدل على أن المشرع اختار بناء منظومة متكاملة للثقة الرقمية، لا الاكتفاء بجانب واحد مثل التوقيع الإلكتروني. وتؤكد المادة الثالثة أن القانون يطبق على الأشخاص الطبيعيين والمعنويين الذين يستخدمون المعاملات الإلكترونية أو خدمات الثقة، وعلى المعاملات والوثائق الإلكترونية وخدمات الثقة والإجراءات اللازمة لتنفيذها. وهذا التوجه التشريعي يبين أن المشرع أراد الانتقال من تنظيم جزئي ومتفرق إلى إطار عام شامل يربط بين الهوية الرقمية، والتوثيق، وحجية الوثيقة، وأمن المعاملات.
الفرع الثاني: الطابع الإصلاحي للقانون الجديد
من الناحية المنهجية، لا ينبغي النظر إلى القانون 26-02 على أنه مجرد قانون تعريفي، لأن الصفحة التمهيدية من النص تبين أنه ألغى قوانين متعددة سابقة، من بينها قانون 15-04 الخاص بالتوقيع والتصديق الإلكترونيين، وقانون 18-05 الخاص بالتجارة الإلكترونية، فضلًا عن نصوص أخرى في المجال الرقمي. وهذا يعني أن المشرع رأى أن التنظيم السابق لم يعد كافيًا لمواكبة تطور البيئة الرقمية، فاختار إعادة هندسة المنظومة القانونية على أساس خدمات الثقة والتعريف الإلكتروني والوثيقة الإلكترونية. ومن ثم فالفكرة الجوهرية في هذا القانون ليست فقط “إضافة تعريفات”، بل إعادة ترتيب البنية القانونية للمعاملات الإلكترونية في الجزائر.
المطلب الثاني: ضبط المفاهيم التقنية والقانونية المستحدثة
الفرع الأول: المفاهيم المتعلقة بالتوقيع والختم والتوثيق
عرّفت المادة الثانية عددًا كبيرًا من المفاهيم التي كانت محل غموض أو تشتت سابقًا، ومن ذلك: شهادة التوقيع الإلكتروني، التوقيع الإلكتروني، الموقع، شهادة الختم الإلكتروني، الختم الإلكتروني، منشئ الختم الإلكتروني، بيانات إنشاء التوقيع أو الختم الإلكتروني، آلية إنشاء التوقيع أو الختم الإلكتروني، بيانات إثبات الصحة، إثبات الصحة، وختم الوقت الإلكتروني. كما عرّفت خدمة الإرسال المضمون الإلكتروني وشهادة توثيق آلية الإنترنت وخدمة الثقة وخدمة الثقة المعتمدة والترخيص. وتكشف هذه التعريفات أن القانون لم يكتفِ بالمصطلحات التقليدية، بل أدخل مفاهيم تقنية دقيقة تجعل من الممكن ضبط مراحل الإنشاء والتوثيق والتحقق والإثبات في البيئة الرقمية.
الفرع الثاني: المفاهيم المتعلقة بالهوية والوثيقة والمعاملة
في السياق نفسه عرّفت المادة الثانية: التدقيق، التعريف الإلكتروني، الخاصية، الهوية، وسيلة التعريف الإلكتروني، العملية الموثقة، منظومة التعريف الإلكتروني، الوثيقة الإلكترونية، والمعاملة الإلكترونية. ويلاحظ أن المشرع لم يربط التعريف الإلكتروني بمجرد بطاقة أو أداة تقنية، بل بناه على مفاهيم متدرجة: خاصية، وهوية، ووسيلة تعريف، ومنظومة تعريف، وعملية موثقة. وهذا البناء الاصطلاحي مهم جدًا، لأنه ينقل النقاش من سؤال “ما هي الهوية الرقمية؟” إلى سؤال “كيف تثبت هذه الهوية قانونًا وبأي مستوى من الضمان؟”. كما أن تعريف الوثيقة الإلكترونية والمعاملة الإلكترونية بهذا الوضوح يسد فراغًا كان يؤثر في التطبيق العملي وفي حجية الأدلة الرقمية.
المطلب الثالث: الأحكام الخاصة بخدمات الثقة وشروط المادة 4
الفرع الأول: مفهوم خدمات الثقة وأصنافها
يفهم من المادة الثانية ومن الباب الثاني أن خدمات الثقة هي خدمات إلكترونية تتعلق بإنشاء وإدارة واستعمال وسائل التوقيع والختم الإلكترونيين، وختم الوقت، والحفظ الإلكتروني، والإرسال المضمون، وتوثيق آلية الإنترنت، وما يرتبط بإثبات الصحة. كما تنص المادة 24 على أنه يمكن للسلطة، كلما دعت الحاجة، إضافة خدمات ثقة أخرى مع تحديد متطلبات تزويدها، ما يدل على أن المشرع اعتمد مفهومًا مرنًا وقابلًا للتطوير. وتؤكد المادة 25 كذلك إمكانية أن تكون خدمات الثقة المقدمة من مزود أجنبي مماثلة لخدمات الثقة المقدمة في الجزائر، بشرط وجود إطار للاعتراف المتبادل، وهو ما يفتح المجال للبعد الدولي في الثقة الرقمية.
الفرع الثاني: أهم شروط المادة 04
تقرر المادة 04 أن التوقيع الإلكتروني الموثوق والختم الإلكتروني الموثوق لا يستوفيان المتطلبات إلا إذا كانا مرتبطين بالموقع أو منشئ الختم بطريقة فريدة، وكانا مرتبطين بالبيانات بما يسمح بالكشف عن أي تعديل لاحق، وكانا منشأين باستعمال بيانات إنشاء توقيع أو ختم يمكن أن يستعملها الموقع أو منشئ الختم بدرجة عالية من الثقة تحت تحكمه. ثم تضيف المادة 05 شرطًا خاصًا بالنسبة للتوقيع أو الختم الإلكترونيين المعتمدين، وهو أن يتم إنشاؤهما على أساس شهادة إلكترونية معتمدة ووساطة آلية إنشاء معتمدة. وعليه فالمادة 04 تضع الشروط الجوهرية للموثوقية، بينما تضيف المادة 05 الشروط المعززة للاعتماد.
المبحث الثاني: خدمات الثقة، الإرسال المضمون، التوقيع الإلكتروني، ومزودو الخدمات
المطلب الأول: شروط التوقيع الإلكتروني والإرسال المضمون
الفرع الأول: شروط التوقيع الإلكتروني وآثاره
تقرر المادة 07 أن التوقيع الإلكتروني المعتمد يعد مماثلًا للتوقيع المكتوب، وهو من أهم الأحكام في القانون كله لأنه يقرر المساواة القانونية بين الشكلين عند استيفاء الشروط. وتفيد المادة 08 بقرينة سلامة البيانات ودقة أصل البيانات المرتبط بها الختم الإلكتروني المعتمد، بينما تنص المادة 09 على أن مطابقة آلية إنشاء التوقيع أو الختم المعتمدين تثبت من طرف الهيئة الوطنية المكلفة بأمن أنظمة المعلومات. كما تحدد المادة 10 المتطلبات التقنية الدنيا لآليات إنشاء التوقيع والختم المعتمدين، ومنها: ضمان سرية بيانات الإنشاء، وعدم إمكان استعمالها عمليًا أكثر من مرة، وحمايتها من التزوير ومن استعمال الغير. وبذلك فإن القانون لم يكتفِ بالاعتراف القانوني بالتوقيع الإلكتروني، بل ربطه بمنظومة تحقق تقنية ومؤسساتية واضحة.
الفرع الثاني: شروط الإرسال الإلكتروني المضمون
جاء القانون بتنظيم واضح لـ خدمة الإرسال المضمون الإلكتروني المعتمد في المواد 17 إلى 19. فالمادة 17 تشترط: ضمان تحديد هوية المرسل بدرجة عالية من الثقة، وضمان تحديد هوية المرسل إليه قبل تقديم البيانات، وتأمين إرسال واستقبال البيانات بتوقيع أو ختم إلكتروني موثوق من مزود خدمات الثقة بما يمنع التعديل غير القابل للاكتشاف، وإخطار الطرفين بأي تعديل، والإشارة إلى تاريخ ووقت الإرسال والاستلام وأي تعديل بواسطة ختم وقت إلكتروني معتمد. ثم تقرر المادة 18 قرائن قانونية لصالح البيانات المرسلة والمستلمة بهذه الخدمة، من حيث سلامة البيانات وتحديد المرسل والمستلم ودقة تاريخ ووقت الإرسال والاستلام. أما المادة 19 فتنص على أنه لا يمكن تجريد البيانات المرسلة والمستلمة بهذه الخدمة من فعاليتها القانونية لمجرد ورودها في شكل إلكتروني أو بدعوى عدم استيفاء متطلبات الخدمة المعتمدة، وهو نص مهم في حماية الثقة في التبادل الرقمي.
المطلب الثاني: مزودو خدمات الثقة وشروط الحصول على الترخيص
الفرع الأول: من هم مزودو خدمات الثقة وما هو وضعهم القانوني
تنص المادة 26 على أن الأطراف الثالثة الموثوقة ومزودي خدمات الثقة يعدّون مزودي خدمات ثقة، بينما تقضي المادة 27 بضرورة توطين جميع المعطيات التي يجمعها مزودو خدمات الثقة على التراب الوطني، مع إمكان نقلها خارج التراب الوطني في إطار النشاط ودون الإخلال بالتشريع والتنظيم المعمول بهما. وتضيف المادة 28 أن نشاط المتدخلين في المجال الحكومي كطرف ثالث موثوق مشروط بالحصول على موافقة مسبقة من السلطة بعد تقديم طلب، في حين تسمح المادة 30 للطرف الثالث الموثوق بتقديم خدمات الثقة أو خدمات الثقة المعتمدة مجانا في مجال اختصاصه. وهذه الأحكام تبين أن المشرع يميز بين النشاط الاقتصادي والنشاط الحكومي، لكنه يخضع كلاهما لرقابة السلطة.
الفرع الثاني: شروط الترخيص والتأهيل
تخضع خدمات الثقة في المجال الاقتصادي إلى ترخيص تمنحه السلطة وفق المادة 33، ويكون الترخيص بحسب الخدمة ومرفقًا بدفتر شروط يحدد مدة الترخيص وشروطه وكيفيات تأدية الخدمة. وتفصل المادة 34 شروط طالب الترخيص، ومنها: أن يكون شخصًا معنويًا خاضعًا للقانون الجزائري أو شخصًا طبيعيًا ذا جنسية جزائرية، وأن يستوفي شروط دفاتر الشروط، وأن يتمتع بقدرة مالية كافية، ومؤهلات وخبرة ثابتة في مجال تكنولوجيات الإعلام والاتصال أو التسيير، وألا يكون قد حكم عليه بجناية أو جنحة تتنافى مع النشاط. ثم تمنح المادة 35 شهادة التأهيل لمدة سنتين قابلة للتجديد مرة واحدة قبل الترخيص، وتربط المادة 36 منح الترخيص بعملية تدقيق تقييمي. كما تشترط المادة 37 أن يكون الرأي السلبي بخصوص طلب شهادة التأهيل أو الترخيص مسببًا، وتنص المادة 38 على أن الشهادة والترخيص يمنحان لصاحب الطلب ولا يمكن التنازل عنهما للغير.
المطلب الثالث: التزامات مزودي خدمات الثقة والرقابة عليهم
الفرع الأول: التزامات مزودي خدمات الثقة
تفرض المواد 40 إلى 45 على مزودي خدمات الثقة التزامات مفصلة، منها: الحفاظ على سرية البيانات والمعلومات المتعلقة بتزويد خدمات الثقة، وجمع البيانات الضرورية فقط، وعدم استعمالها لأغراض أخرى، وعدم جمعها إلا بعد الموافقة الصريحة للمعني، وضمان حفظ شهادات التصديق الإلكتروني بعد انتهاء صلاحيتها، وعدم حفظ أو نسخ بيانات إنشاء التوقيع أو الختم إلا بموافقة صريحة، وتزويد السلطة بما يساعدها على أداء مهامها، والاكتتاب في تأمين يضمن المسؤولية المدنية، واتخاذ تدابير عاجلة للرد على طلبات إلغاء الشهادات، واحترام مبادئ التدرج والشفافية وعدم التمييز. كما تفرض المادة 44 واجب إبلاغ السلطة بأي تغيير في تقديم خدمات الثقة المعتمدة وبنيته المحتملة لوقف النشاط، بينما تحدد المادة 45 طرق التحقق من هوية طالب الشهادة المعتمدة، سواء بالحضور الشخصي، أو بوسائل تعريف إلكتروني معتمدة، أو بشهادة توقيع أو ختم إلكتروني معتمدين، أو بطرق أخرى مكافئة من حيث الموثوقية.
الفرع الثاني: الرقابة والعقوبات
ينشئ الباب الخامس نظامًا للرقابة والتدقيق والعقوبات. فالمواد 78 إلى 81 تتناول التدقيق الدوري، وتبين أن السلطة تضع كيفيات اعتماد مؤدي خدمة التدقيق، وأن الأطراف الثالثة الموثوقة ومزودي خدمات الثقة يكونون محل تدقيق دوري من طرف السلطة أو الهيئة الوطنية المكلفة بأمن أنظمة المعلومات أو مؤدي خدمة التدقيق. كما تسمح المادة 84 للسلطة بالقيام بالتحريات والمعاينات في المحلات والأماكن المعنية ومراجعة الوثائق، ويمنح القانون للأعوان المحلفين صلاحيات البحث والمعاينة وفق المواد 85 إلى 87. أما على مستوى الجزاءات الإدارية والمالية، فتسمح المواد 89 إلى 92 بفرض غرامات، والتعليق الكلي أو الجزئي للترخيص، وتخفيض مدته، بل وسحبه، مع سحب فوري إذا اقتضته مقتضيات الدفاع الوطني أو الأمن العمومي. وهذا كله يدل على أن القانون لا يؤسس الثقة الرقمية فقط، بل يحيطها بمنظومة ضبط صارمة.
المبحث الثالث: السلطة الوطنية، الوثيقة الإلكترونية، الإسناد، والتعريف الإلكتروني
المطلب الأول: السلطة الوطنية للتصديق الإلكتروني واختصاصاتها
الفرع الأول: الطبيعة القانونية للسلطة
تنص المادة 47 على إنشاء سلطة وطنية للتصديق الإلكتروني تسمى “السلطة”، وتصفها بأنها مؤسسة عمومية ذات طابع خاص تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي. وهذا الاختيار التشريعي له دلالة مهمة، لأنه يوحّد المرجعية المؤسسية في مجال خدمات الثقة بعد التشتت السابق، ويمنحها إطارًا يسمح بالجمع بين التنظيم والرقابة والتطوير. كما أن الأشغال البرلمانية تؤكد أن من أهداف النص استحداث سلطة وطنية واحدة للتصديق الإلكتروني تتولى تنظيم وتقديم خدمات الثقة في المجالين الحكومي والاقتصادي وتوحيد الموارد وترشيد النفقات.
الفرع الثاني: أهم اختصاصات السلطة
تحدد المادة 48 مهام السلطة، ومن أهمها: إعداد سياساتها المتعلقة بالتصديق الإلكتروني والسهر على تطبيقها بعد الموافقة عليها، وتحديد المتطلبات اللازمة لتقديم خدمات الثقة، والموافقة على سياسات التصديق الإلكتروني المعتمدة من طرف مزودي خدمات الثقة، وإعداد دفاتر الشروط، وتزويد خدمات الثقة وخدمات الثقة المعتمدة، ومتابعة ومراقبة مزودي خدمات الثقة، والتدقيق عليهم مباشرة أو عبر مؤدي خدمة تدقيق، والسهر على تنفيذ عمليات التدقيق الدورية، وإصدار التراخيص، وإعداد قائمة الثقة وتحيينها ونشرها، والمساهمة في إعداد وتحيين مراجع التدقيق الوطنية. كما تسمح المادة 49 للسلطة بطلب أي وثيقة أو معلومة من مزودي خدمات الثقة ومن كل شخص يعنيه الأمر، وتقرر المادة 50 مبدأ المجانية بالنسبة للمتدخلين في المجال الحكومي، مع إمكان استثناء بعض الخدمات عن طريق التنظيم.
المطلب الثاني: خصائص القالب الشكلي للوثيقة الإلكترونية وحجيتها القانونية
الفرع الأول: الشكل القانوني للوثيقة الإلكترونية
افتتح الباب الثالث بتنظيم الوثائق الإلكترونية، فنصت المادة 53 على أنه كلما اقتضى التشريع أن تكون المعلومة مكتوبة، يعتبر هذا الشرط مستوفى في حالة الوثيقة الإلكترونية إذا كانت المعلومات التي تتضمنها محفوظة بشكل يتيح استخدامها والرجوع إليها. ثم نصت المادة 54 على أنه كلما اقتضى التشريع وجود توقيع أو ختم على وثيقة، اعتبر ذلك الشرط مستوفى في الوثيقة الإلكترونية في حالات محددة، منها استعمال وسيلة تعريف لتحديد هوية الموقع أو منشئ الختم، وأن تكون هذه الوسيلة موثوقة وكافية بالنظر إلى الغرض من إنشاء الوثيقة أو إرسالها. كما أجازت المادة 55 التعبير عن الإيجاب والقبول بشكل إلكتروني في أي عقد، وقررت المادة 56 أن العقد لا يفقد صحته أو قابليته للإثبات أو التنفيذ لمجرد إبرامه بواسطة وثيقة إلكترونية. وهذه الأحكام تعطي للوثيقة الإلكترونية قالبًا شكليًا قانونيًا كاملًا متى استوفت شروط الحفظ والتعريف والموثوقية.
الفرع الثاني: الحجية القانونية للوثيقة الإلكترونية
تنص المادة 58 على حفظ الوثيقة الإلكترونية في شكلها الأصلي باستخدام تكنولوجيات تسمح بتمديد موثوقيتها طوال فترة نفاذها، ثم تحدد المادة 59 شروط اعتبار الحفظ مستوفيًا للمتطلبات، ومنها حفظ الوثيقة في الشكل الذي أنشئت أو أرسلت أو استلمت فيه أو على شكل يثبت بدقة المعلومات الأصلية، وبقاء المعلومات محفوظة بما يتيح الرجوع إليها، وحفظ المعطيات التي تسمح، عند الاقتضاء، بتحديد هوية مرسل الوثيقة وجهتها وتاريخ ووقت إرسالها واستلامها. وتؤكد المادة 60 أن تقديم أو حفظ الوثيقة في شكلها الأصلي يعد مستوفيًا إذا وجدت ضمانات كافية لسلامة المعلومة منذ إنشائها أول مرة بصورة نهائية، وكانت قابلة لعرض المعلومات كاملة، مع احترام الشروط الإضافية التي تحددها الإدارات والمؤسسات والهيئات المختصة. والأهم أن المادة 61 تنص صراحة على أنه لا يرفض الأثر القانوني وقابلية الوثيقة الإلكترونية أو المعاملات الإلكترونية كدليل أمام القضاء لمجرد أنها وردت في شكل إلكتروني، وهو النص الذي يقرر حجيتها القانونية بوضوح.
المطلب الثالث: الإسناد والتعريف الإلكتروني والتقييم القانوني للنص
الفرع الأول: الإسناد والتعريف الإلكتروني
خصص الفصل الثالث من الباب الثالث لـ الإسناد في المواد 62 إلى 65، فقررت المادة 62 أن الوثيقة الإلكترونية تعتبر صادرة عن المرسل إذا أرسلها بنفسه، أو أرسلها شخص له صلاحية التصرف باسمه، أو أرسلها نظام معلومات مبرمج للعمل تلقائيًا من قبل المرسل أو لحسابه. كما قررت المادة 63 متى يحق للمرسل إليه أن يعتبر الوثيقة صادرة عن المرسل، والمادة 64 متى يجوز له أن يتصرف على هذا الأساس، والمادة 65 أن كل وثيقة إلكترونية يتسلمها المرسل إليه تعد وثيقة مستقلة ما لم يعلم أو يفترض فيه أن يعلم أنها نسخة ثانية. أما الباب الرابع فقد نظم التعريف الإلكتروني في المواد 72 إلى 77، فنصت المادة 72 على أن التعريف الإلكتروني يستخدم لإعطاء الضمانات اللازمة بشأن العلاقة بين شخص طبيعي أو معنوي، أو ممثله القانوني، وبين الهوية. كما قررت المادة 73 وجود ثلاثة مستويات في منظومة التعريف الإلكتروني: منخفضة، ومتوسطة، وعالية، ونصت المواد 74 و75 و76 على دور الهيئة الوطنية المكلفة بأمن أنظمة المعلومات في تحديد المعايير والشروط ونشر قائمة الوسائل المطابقة، مع افتراض الموثوقية عند الاستيفاء. غير أن المادة 77 أكدت أن نتيجة التعريف الإلكتروني لا تنتج آثارًا قانونية إذا لم تبدأ عملية إثبات الهوية والتعريف الإلكتروني بشكل إلكتروني أو إذا كانت وسيلة التعريف غير مصادق عليها وفق أحكام القانون.
الفرع الثاني: الرأي القانوني في القانون 26-02
في تقديري القانوني، فإن القانون 26-02 يمثل إصلاحًا نوعيًا في التشريع الجزائري، لأنه جاء فعلًا لضبط مفاهيم كانت محل نقاش، مثل الختم الإلكتروني، وختم الوقت، والإرسال الإلكتروني المضمون، والتعريف الإلكتروني، والإسناد، والوثيقة الإلكترونية. غير أن أهم ما يميزه ليس مجرد الضبط الاصطلاحي، بل بناء الترابط بين المفهوم والإجراء والأثر القانوني؛ فهو لا يعرف المصطلح فقط، بل يحدد شروط موثوقيته، والجهة المختصة برقابته، وآثار مخالفته، وحجيته أمام القضاء. كما أن الأشغال البرلمانية الرسمية أوضحت أن النص يهدف إلى تجاوز نقائص قانون 15-04 وإرساء إطار وطني موحد يعزز أمن الأنظمة المعلوماتية والسيادة الرقمية، ويوسع نطاق خدمات الثقة، ويكرس الاعتراف القانوني بالعقود والوثائق الإلكترونية. لذلك يمكن القول إن هذا القانون لا يقتصر على “ضبط بعض المفاهيم”، بل يؤسس لمرحلة جديدة في القانون الرقمي الجزائري. ومع ذلك، فإن نجاحه العملي سيبقى مرتبطًا بسرعة صدور النصوص التنظيمية، وكفاءة السلطة الوطنية، ومدى التنسيق مع تشريعات أمن الأنظمة المعلوماتية وحماية المعطيات الشخصية، وتكوين القضاء والإدارة والمتعاملين الاقتصاديين على استعمال مفاهيمه الجديدة.
الخاتمة
يظهر من خلال هذا البحث أن القانون 26-02 جاء ليعالج فراغًا تشريعيًا ونقاشًا تطبيقيًا كان قائمًا في مجال المعاملات الإلكترونية والثقة الرقمية في الجزائر، وأنه اختار مقاربة أكثر شمولًا من المقاربة السابقة، فبنى تنظيمًا متكاملًا يبدأ من ضبط المفاهيم، ويمر عبر شروط خدمات الثقة، وتنظيم التوقيع والختم والإرسال المضمون، وتأطير مزودي خدمات الثقة، واستحداث السلطة الوطنية للتصديق الإلكتروني، وينتهي إلى إقرار حجية الوثيقة الإلكترونية وتنظيم الإسناد والتعريف الإلكتروني. كما تبين أن النص جمع بين البعد التقني والبعد القانوني والبعد المؤسسي، وهو ما يجعله من النصوص المؤسسة للثقة الرقمية في الجزائر. وعليه، فإن القيمة الحقيقية لهذا القانون تكمن في أنه حوّل مسائل كانت محل اجتهاد أو تردد أو نقاش إلى قواعد صريحة قابلة للتطبيق، وهو ما يعزز الأمن القانوني في البيئة الرقمية ويدعم التحول الرقمي في المعاملات الإدارية والتجارية والقضائية.
المصادر والمراجع
القانون رقم 26-02 ، الذي يحدد القواعد العامة المتعلقة بخدمات الثقة للمعاملات الإلكترونية وبالتعريف الإلكتروني، .
مجلس الأمة ، عرض ومناقشة نص القانون الذي يحدد القواعد العامة المتعلقة بخدمات الثقة للمعاملات الإلكترونية وبالتعريف الإلكتروني
االقانون رقم 18-05 ، المتعلق بالتجارة الإلكترونية، الجريدة الرسمية، العدد 28، 16 مايو 2018.
القانون رقم 15-04 ، الذي يحدد القواعد العامة المتعلقة بالتوقيع والتصديق الإلكترونيين،
اعداد الباحث حسوني محمد عبد الغني
بحث حول القانون 26-02: ضبط المفاهيم والإجراءات الإلكترونية
مقدمة
يُعدّ القانون رقم 26-02 المتعلق بالقواعد العامة لخدمات الثقة للمعاملات الإلكترونية وبالتعريف الإلكتروني من أهم القوانين الرقمية المستحدثة في الجزائر، لأنه جاء ليؤسس إطارًا قانونيًا موحدًا وحديثًا للثقة في البيئة الرقمية، بعد أن كانت عدة مفاهيم وإجراءات محل تشتت تشريعي أو محل نقاش فقهي وتطبيقي في ظل القوانين السابقة، ولا سيما قانون التجارة الإلكترونية لسنة 2018. وتكمن أهمية هذا القانون في أنه لم يقتصر على تنظيم التوقيع الإلكتروني فحسب، بل وسّع المنظومة إلى الختم الإلكتروني، وختم الوقت الإلكتروني، والإرسال الإلكتروني المضمون، وشهادات توثيق آلية الإنترنت، والتعريف الإلكتروني، والوثيقة الإلكترونية، والإسناد، كما استحدث إطارًا مؤسساتيًا جديدًا يقوم على السلطة الوطنية للتصديق الإلكتروني وعلى نظام ترخيص ورقابة لمزودي خدمات الثقة. وتتمثل إشكالية هذا البحث في السؤال الآتي: إلى أي مدى نجح القانون 26-02 في ضبط المفاهيم والإجراءات الإلكترونية وسد النقائص التي كانت مطروحة في التنظيم السابق؟ ويهدف البحث إلى بيان المستجدات المفاهيمية التي جاء بها القانون، وتحليل شروط خدمات الثقة والإجراءات المرتبطة بها، وشرح النظام القانوني للوثيقة الإلكترونية وحجيتها وإسنادها، ثم تقويم الأثر القانوني العام لهذا الإصلاح. وقد اعتمدنا في المعالجة على المنهج الوصفي التحليلي بالرجوع إلى النص الرسمي للقانون وتحليل مواده الأساسية، مع الاستئناس بالمناقشات البرلمانية والشرح الرسمي لأهداف النص. وبناءً على ذلك، قُسِّم البحث إلى ثلاثة مباحث: الأول للمفاهيم والأحكام العامة، والثاني لخدمات الثقة ومزوديها، والثالث للوثيقة الإلكترونية والإسناد والتعريف الإلكتروني والتقييم القانوني للنص.
المبحث الأول: ضبط المفاهيم الإلكترونية والأحكام العامة في القانون 26-02
المطلب الأول: الإطار العام للقانون وهدفه
الفرع الأول: موضوع القانون وغاية المشرع
تنص المادة الأولى على أن القانون يهدف إلى تحديد القواعد العامة المتعلقة بخدمات الثقة للمعاملات الإلكترونية وبالتعريف الإلكتروني، وهو ما يدل على أن المشرع اختار بناء منظومة متكاملة للثقة الرقمية، لا الاكتفاء بجانب واحد مثل التوقيع الإلكتروني. وتؤكد المادة الثالثة أن القانون يطبق على الأشخاص الطبيعيين والمعنويين الذين يستخدمون المعاملات الإلكترونية أو خدمات الثقة، وعلى المعاملات والوثائق الإلكترونية وخدمات الثقة والإجراءات اللازمة لتنفيذها. وهذا التوجه التشريعي يبين أن المشرع أراد الانتقال من تنظيم جزئي ومتفرق إلى إطار عام شامل يربط بين الهوية الرقمية، والتوثيق، وحجية الوثيقة، وأمن المعاملات.
الفرع الثاني: الطابع الإصلاحي للقانون الجديد
من الناحية المنهجية، لا ينبغي النظر إلى القانون 26-02 على أنه مجرد قانون تعريفي، لأن الصفحة التمهيدية من النص تبين أنه ألغى قوانين متعددة سابقة، من بينها قانون 15-04 الخاص بالتوقيع والتصديق الإلكترونيين، وقانون 18-05 الخاص بالتجارة الإلكترونية، فضلًا عن نصوص أخرى في المجال الرقمي. وهذا يعني أن المشرع رأى أن التنظيم السابق لم يعد كافيًا لمواكبة تطور البيئة الرقمية، فاختار إعادة هندسة المنظومة القانونية على أساس خدمات الثقة والتعريف الإلكتروني والوثيقة الإلكترونية. ومن ثم فالفكرة الجوهرية في هذا القانون ليست فقط “إضافة تعريفات”، بل إعادة ترتيب البنية القانونية للمعاملات الإلكترونية في الجزائر.
المطلب الثاني: ضبط المفاهيم التقنية والقانونية المستحدثة
الفرع الأول: المفاهيم المتعلقة بالتوقيع والختم والتوثيق
عرّفت المادة الثانية عددًا كبيرًا من المفاهيم التي كانت محل غموض أو تشتت سابقًا، ومن ذلك: شهادة التوقيع الإلكتروني، التوقيع الإلكتروني، الموقع، شهادة الختم الإلكتروني، الختم الإلكتروني، منشئ الختم الإلكتروني، بيانات إنشاء التوقيع أو الختم الإلكتروني، آلية إنشاء التوقيع أو الختم الإلكتروني، بيانات إثبات الصحة، إثبات الصحة، وختم الوقت الإلكتروني. كما عرّفت خدمة الإرسال المضمون الإلكتروني وشهادة توثيق آلية الإنترنت وخدمة الثقة وخدمة الثقة المعتمدة والترخيص. وتكشف هذه التعريفات أن القانون لم يكتفِ بالمصطلحات التقليدية، بل أدخل مفاهيم تقنية دقيقة تجعل من الممكن ضبط مراحل الإنشاء والتوثيق والتحقق والإثبات في البيئة الرقمية.
الفرع الثاني: المفاهيم المتعلقة بالهوية والوثيقة والمعاملة
في السياق نفسه عرّفت المادة الثانية: التدقيق، التعريف الإلكتروني، الخاصية، الهوية، وسيلة التعريف الإلكتروني، العملية الموثقة، منظومة التعريف الإلكتروني، الوثيقة الإلكترونية، والمعاملة الإلكترونية. ويلاحظ أن المشرع لم يربط التعريف الإلكتروني بمجرد بطاقة أو أداة تقنية، بل بناه على مفاهيم متدرجة: خاصية، وهوية، ووسيلة تعريف، ومنظومة تعريف، وعملية موثقة. وهذا البناء الاصطلاحي مهم جدًا، لأنه ينقل النقاش من سؤال “ما هي الهوية الرقمية؟” إلى سؤال “كيف تثبت هذه الهوية قانونًا وبأي مستوى من الضمان؟”. كما أن تعريف الوثيقة الإلكترونية والمعاملة الإلكترونية بهذا الوضوح يسد فراغًا كان يؤثر في التطبيق العملي وفي حجية الأدلة الرقمية.
المطلب الثالث: الأحكام الخاصة بخدمات الثقة وشروط المادة 4
الفرع الأول: مفهوم خدمات الثقة وأصنافها
يفهم من المادة الثانية ومن الباب الثاني أن خدمات الثقة هي خدمات إلكترونية تتعلق بإنشاء وإدارة واستعمال وسائل التوقيع والختم الإلكترونيين، وختم الوقت، والحفظ الإلكتروني، والإرسال المضمون، وتوثيق آلية الإنترنت، وما يرتبط بإثبات الصحة. كما تنص المادة 24 على أنه يمكن للسلطة، كلما دعت الحاجة، إضافة خدمات ثقة أخرى مع تحديد متطلبات تزويدها، ما يدل على أن المشرع اعتمد مفهومًا مرنًا وقابلًا للتطوير. وتؤكد المادة 25 كذلك إمكانية أن تكون خدمات الثقة المقدمة من مزود أجنبي مماثلة لخدمات الثقة المقدمة في الجزائر، بشرط وجود إطار للاعتراف المتبادل، وهو ما يفتح المجال للبعد الدولي في الثقة الرقمية.
الفرع الثاني: أهم شروط المادة 04
تقرر المادة 04 أن التوقيع الإلكتروني الموثوق والختم الإلكتروني الموثوق لا يستوفيان المتطلبات إلا إذا كانا مرتبطين بالموقع أو منشئ الختم بطريقة فريدة، وكانا مرتبطين بالبيانات بما يسمح بالكشف عن أي تعديل لاحق، وكانا منشأين باستعمال بيانات إنشاء توقيع أو ختم يمكن أن يستعملها الموقع أو منشئ الختم بدرجة عالية من الثقة تحت تحكمه. ثم تضيف المادة 05 شرطًا خاصًا بالنسبة للتوقيع أو الختم الإلكترونيين المعتمدين، وهو أن يتم إنشاؤهما على أساس شهادة إلكترونية معتمدة ووساطة آلية إنشاء معتمدة. وعليه فالمادة 04 تضع الشروط الجوهرية للموثوقية، بينما تضيف المادة 05 الشروط المعززة للاعتماد.
المبحث الثاني: خدمات الثقة، الإرسال المضمون، التوقيع الإلكتروني، ومزودو الخدمات
المطلب الأول: شروط التوقيع الإلكتروني والإرسال المضمون
الفرع الأول: شروط التوقيع الإلكتروني وآثاره
تقرر المادة 07 أن التوقيع الإلكتروني المعتمد يعد مماثلًا للتوقيع المكتوب، وهو من أهم الأحكام في القانون كله لأنه يقرر المساواة القانونية بين الشكلين عند استيفاء الشروط. وتفيد المادة 08 بقرينة سلامة البيانات ودقة أصل البيانات المرتبط بها الختم الإلكتروني المعتمد، بينما تنص المادة 09 على أن مطابقة آلية إنشاء التوقيع أو الختم المعتمدين تثبت من طرف الهيئة الوطنية المكلفة بأمن أنظمة المعلومات. كما تحدد المادة 10 المتطلبات التقنية الدنيا لآليات إنشاء التوقيع والختم المعتمدين، ومنها: ضمان سرية بيانات الإنشاء، وعدم إمكان استعمالها عمليًا أكثر من مرة، وحمايتها من التزوير ومن استعمال الغير. وبذلك فإن القانون لم يكتفِ بالاعتراف القانوني بالتوقيع الإلكتروني، بل ربطه بمنظومة تحقق تقنية ومؤسساتية واضحة.
الفرع الثاني: شروط الإرسال الإلكتروني المضمون
جاء القانون بتنظيم واضح لـ خدمة الإرسال المضمون الإلكتروني المعتمد في المواد 17 إلى 19. فالمادة 17 تشترط: ضمان تحديد هوية المرسل بدرجة عالية من الثقة، وضمان تحديد هوية المرسل إليه قبل تقديم البيانات، وتأمين إرسال واستقبال البيانات بتوقيع أو ختم إلكتروني موثوق من مزود خدمات الثقة بما يمنع التعديل غير القابل للاكتشاف، وإخطار الطرفين بأي تعديل، والإشارة إلى تاريخ ووقت الإرسال والاستلام وأي تعديل بواسطة ختم وقت إلكتروني معتمد. ثم تقرر المادة 18 قرائن قانونية لصالح البيانات المرسلة والمستلمة بهذه الخدمة، من حيث سلامة البيانات وتحديد المرسل والمستلم ودقة تاريخ ووقت الإرسال والاستلام. أما المادة 19 فتنص على أنه لا يمكن تجريد البيانات المرسلة والمستلمة بهذه الخدمة من فعاليتها القانونية لمجرد ورودها في شكل إلكتروني أو بدعوى عدم استيفاء متطلبات الخدمة المعتمدة، وهو نص مهم في حماية الثقة في التبادل الرقمي.
المطلب الثاني: مزودو خدمات الثقة وشروط الحصول على الترخيص
الفرع الأول: من هم مزودو خدمات الثقة وما هو وضعهم القانوني
تنص المادة 26 على أن الأطراف الثالثة الموثوقة ومزودي خدمات الثقة يعدّون مزودي خدمات ثقة، بينما تقضي المادة 27 بضرورة توطين جميع المعطيات التي يجمعها مزودو خدمات الثقة على التراب الوطني، مع إمكان نقلها خارج التراب الوطني في إطار النشاط ودون الإخلال بالتشريع والتنظيم المعمول بهما. وتضيف المادة 28 أن نشاط المتدخلين في المجال الحكومي كطرف ثالث موثوق مشروط بالحصول على موافقة مسبقة من السلطة بعد تقديم طلب، في حين تسمح المادة 30 للطرف الثالث الموثوق بتقديم خدمات الثقة أو خدمات الثقة المعتمدة مجانا في مجال اختصاصه. وهذه الأحكام تبين أن المشرع يميز بين النشاط الاقتصادي والنشاط الحكومي، لكنه يخضع كلاهما لرقابة السلطة.
الفرع الثاني: شروط الترخيص والتأهيل
تخضع خدمات الثقة في المجال الاقتصادي إلى ترخيص تمنحه السلطة وفق المادة 33، ويكون الترخيص بحسب الخدمة ومرفقًا بدفتر شروط يحدد مدة الترخيص وشروطه وكيفيات تأدية الخدمة. وتفصل المادة 34 شروط طالب الترخيص، ومنها: أن يكون شخصًا معنويًا خاضعًا للقانون الجزائري أو شخصًا طبيعيًا ذا جنسية جزائرية، وأن يستوفي شروط دفاتر الشروط، وأن يتمتع بقدرة مالية كافية، ومؤهلات وخبرة ثابتة في مجال تكنولوجيات الإعلام والاتصال أو التسيير، وألا يكون قد حكم عليه بجناية أو جنحة تتنافى مع النشاط. ثم تمنح المادة 35 شهادة التأهيل لمدة سنتين قابلة للتجديد مرة واحدة قبل الترخيص، وتربط المادة 36 منح الترخيص بعملية تدقيق تقييمي. كما تشترط المادة 37 أن يكون الرأي السلبي بخصوص طلب شهادة التأهيل أو الترخيص مسببًا، وتنص المادة 38 على أن الشهادة والترخيص يمنحان لصاحب الطلب ولا يمكن التنازل عنهما للغير.
المطلب الثالث: التزامات مزودي خدمات الثقة والرقابة عليهم
الفرع الأول: التزامات مزودي خدمات الثقة
تفرض المواد 40 إلى 45 على مزودي خدمات الثقة التزامات مفصلة، منها: الحفاظ على سرية البيانات والمعلومات المتعلقة بتزويد خدمات الثقة، وجمع البيانات الضرورية فقط، وعدم استعمالها لأغراض أخرى، وعدم جمعها إلا بعد الموافقة الصريحة للمعني، وضمان حفظ شهادات التصديق الإلكتروني بعد انتهاء صلاحيتها، وعدم حفظ أو نسخ بيانات إنشاء التوقيع أو الختم إلا بموافقة صريحة، وتزويد السلطة بما يساعدها على أداء مهامها، والاكتتاب في تأمين يضمن المسؤولية المدنية، واتخاذ تدابير عاجلة للرد على طلبات إلغاء الشهادات، واحترام مبادئ التدرج والشفافية وعدم التمييز. كما تفرض المادة 44 واجب إبلاغ السلطة بأي تغيير في تقديم خدمات الثقة المعتمدة وبنيته المحتملة لوقف النشاط، بينما تحدد المادة 45 طرق التحقق من هوية طالب الشهادة المعتمدة، سواء بالحضور الشخصي، أو بوسائل تعريف إلكتروني معتمدة، أو بشهادة توقيع أو ختم إلكتروني معتمدين، أو بطرق أخرى مكافئة من حيث الموثوقية.
الفرع الثاني: الرقابة والعقوبات
ينشئ الباب الخامس نظامًا للرقابة والتدقيق والعقوبات. فالمواد 78 إلى 81 تتناول التدقيق الدوري، وتبين أن السلطة تضع كيفيات اعتماد مؤدي خدمة التدقيق، وأن الأطراف الثالثة الموثوقة ومزودي خدمات الثقة يكونون محل تدقيق دوري من طرف السلطة أو الهيئة الوطنية المكلفة بأمن أنظمة المعلومات أو مؤدي خدمة التدقيق. كما تسمح المادة 84 للسلطة بالقيام بالتحريات والمعاينات في المحلات والأماكن المعنية ومراجعة الوثائق، ويمنح القانون للأعوان المحلفين صلاحيات البحث والمعاينة وفق المواد 85 إلى 87. أما على مستوى الجزاءات الإدارية والمالية، فتسمح المواد 89 إلى 92 بفرض غرامات، والتعليق الكلي أو الجزئي للترخيص، وتخفيض مدته، بل وسحبه، مع سحب فوري إذا اقتضته مقتضيات الدفاع الوطني أو الأمن العمومي. وهذا كله يدل على أن القانون لا يؤسس الثقة الرقمية فقط، بل يحيطها بمنظومة ضبط صارمة.
المبحث الثالث: السلطة الوطنية، الوثيقة الإلكترونية، الإسناد، والتعريف الإلكتروني
المطلب الأول: السلطة الوطنية للتصديق الإلكتروني واختصاصاتها
الفرع الأول: الطبيعة القانونية للسلطة
تنص المادة 47 على إنشاء سلطة وطنية للتصديق الإلكتروني تسمى “السلطة”، وتصفها بأنها مؤسسة عمومية ذات طابع خاص تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي. وهذا الاختيار التشريعي له دلالة مهمة، لأنه يوحّد المرجعية المؤسسية في مجال خدمات الثقة بعد التشتت السابق، ويمنحها إطارًا يسمح بالجمع بين التنظيم والرقابة والتطوير. كما أن الأشغال البرلمانية تؤكد أن من أهداف النص استحداث سلطة وطنية واحدة للتصديق الإلكتروني تتولى تنظيم وتقديم خدمات الثقة في المجالين الحكومي والاقتصادي وتوحيد الموارد وترشيد النفقات.
الفرع الثاني: أهم اختصاصات السلطة
تحدد المادة 48 مهام السلطة، ومن أهمها: إعداد سياساتها المتعلقة بالتصديق الإلكتروني والسهر على تطبيقها بعد الموافقة عليها، وتحديد المتطلبات اللازمة لتقديم خدمات الثقة، والموافقة على سياسات التصديق الإلكتروني المعتمدة من طرف مزودي خدمات الثقة، وإعداد دفاتر الشروط، وتزويد خدمات الثقة وخدمات الثقة المعتمدة، ومتابعة ومراقبة مزودي خدمات الثقة، والتدقيق عليهم مباشرة أو عبر مؤدي خدمة تدقيق، والسهر على تنفيذ عمليات التدقيق الدورية، وإصدار التراخيص، وإعداد قائمة الثقة وتحيينها ونشرها، والمساهمة في إعداد وتحيين مراجع التدقيق الوطنية. كما تسمح المادة 49 للسلطة بطلب أي وثيقة أو معلومة من مزودي خدمات الثقة ومن كل شخص يعنيه الأمر، وتقرر المادة 50 مبدأ المجانية بالنسبة للمتدخلين في المجال الحكومي، مع إمكان استثناء بعض الخدمات عن طريق التنظيم.
المطلب الثاني: خصائص القالب الشكلي للوثيقة الإلكترونية وحجيتها القانونية
الفرع الأول: الشكل القانوني للوثيقة الإلكترونية
افتتح الباب الثالث بتنظيم الوثائق الإلكترونية، فنصت المادة 53 على أنه كلما اقتضى التشريع أن تكون المعلومة مكتوبة، يعتبر هذا الشرط مستوفى في حالة الوثيقة الإلكترونية إذا كانت المعلومات التي تتضمنها محفوظة بشكل يتيح استخدامها والرجوع إليها. ثم نصت المادة 54 على أنه كلما اقتضى التشريع وجود توقيع أو ختم على وثيقة، اعتبر ذلك الشرط مستوفى في الوثيقة الإلكترونية في حالات محددة، منها استعمال وسيلة تعريف لتحديد هوية الموقع أو منشئ الختم، وأن تكون هذه الوسيلة موثوقة وكافية بالنظر إلى الغرض من إنشاء الوثيقة أو إرسالها. كما أجازت المادة 55 التعبير عن الإيجاب والقبول بشكل إلكتروني في أي عقد، وقررت المادة 56 أن العقد لا يفقد صحته أو قابليته للإثبات أو التنفيذ لمجرد إبرامه بواسطة وثيقة إلكترونية. وهذه الأحكام تعطي للوثيقة الإلكترونية قالبًا شكليًا قانونيًا كاملًا متى استوفت شروط الحفظ والتعريف والموثوقية.
الفرع الثاني: الحجية القانونية للوثيقة الإلكترونية
تنص المادة 58 على حفظ الوثيقة الإلكترونية في شكلها الأصلي باستخدام تكنولوجيات تسمح بتمديد موثوقيتها طوال فترة نفاذها، ثم تحدد المادة 59 شروط اعتبار الحفظ مستوفيًا للمتطلبات، ومنها حفظ الوثيقة في الشكل الذي أنشئت أو أرسلت أو استلمت فيه أو على شكل يثبت بدقة المعلومات الأصلية، وبقاء المعلومات محفوظة بما يتيح الرجوع إليها، وحفظ المعطيات التي تسمح، عند الاقتضاء، بتحديد هوية مرسل الوثيقة وجهتها وتاريخ ووقت إرسالها واستلامها. وتؤكد المادة 60 أن تقديم أو حفظ الوثيقة في شكلها الأصلي يعد مستوفيًا إذا وجدت ضمانات كافية لسلامة المعلومة منذ إنشائها أول مرة بصورة نهائية، وكانت قابلة لعرض المعلومات كاملة، مع احترام الشروط الإضافية التي تحددها الإدارات والمؤسسات والهيئات المختصة. والأهم أن المادة 61 تنص صراحة على أنه لا يرفض الأثر القانوني وقابلية الوثيقة الإلكترونية أو المعاملات الإلكترونية كدليل أمام القضاء لمجرد أنها وردت في شكل إلكتروني، وهو النص الذي يقرر حجيتها القانونية بوضوح.
المطلب الثالث: الإسناد والتعريف الإلكتروني والتقييم القانوني للنص
الفرع الأول: الإسناد والتعريف الإلكتروني
خصص الفصل الثالث من الباب الثالث لـ الإسناد في المواد 62 إلى 65، فقررت المادة 62 أن الوثيقة الإلكترونية تعتبر صادرة عن المرسل إذا أرسلها بنفسه، أو أرسلها شخص له صلاحية التصرف باسمه، أو أرسلها نظام معلومات مبرمج للعمل تلقائيًا من قبل المرسل أو لحسابه. كما قررت المادة 63 متى يحق للمرسل إليه أن يعتبر الوثيقة صادرة عن المرسل، والمادة 64 متى يجوز له أن يتصرف على هذا الأساس، والمادة 65 أن كل وثيقة إلكترونية يتسلمها المرسل إليه تعد وثيقة مستقلة ما لم يعلم أو يفترض فيه أن يعلم أنها نسخة ثانية. أما الباب الرابع فقد نظم التعريف الإلكتروني في المواد 72 إلى 77، فنصت المادة 72 على أن التعريف الإلكتروني يستخدم لإعطاء الضمانات اللازمة بشأن العلاقة بين شخص طبيعي أو معنوي، أو ممثله القانوني، وبين الهوية. كما قررت المادة 73 وجود ثلاثة مستويات في منظومة التعريف الإلكتروني: منخفضة، ومتوسطة، وعالية، ونصت المواد 74 و75 و76 على دور الهيئة الوطنية المكلفة بأمن أنظمة المعلومات في تحديد المعايير والشروط ونشر قائمة الوسائل المطابقة، مع افتراض الموثوقية عند الاستيفاء. غير أن المادة 77 أكدت أن نتيجة التعريف الإلكتروني لا تنتج آثارًا قانونية إذا لم تبدأ عملية إثبات الهوية والتعريف الإلكتروني بشكل إلكتروني أو إذا كانت وسيلة التعريف غير مصادق عليها وفق أحكام القانون.
الفرع الثاني: الرأي القانوني في القانون 26-02
في تقديري القانوني، فإن القانون 26-02 يمثل إصلاحًا نوعيًا في التشريع الجزائري، لأنه جاء فعلًا لضبط مفاهيم كانت محل نقاش، مثل الختم الإلكتروني، وختم الوقت، والإرسال الإلكتروني المضمون، والتعريف الإلكتروني، والإسناد، والوثيقة الإلكترونية. غير أن أهم ما يميزه ليس مجرد الضبط الاصطلاحي، بل بناء الترابط بين المفهوم والإجراء والأثر القانوني؛ فهو لا يعرف المصطلح فقط، بل يحدد شروط موثوقيته، والجهة المختصة برقابته، وآثار مخالفته، وحجيته أمام القضاء. كما أن الأشغال البرلمانية الرسمية أوضحت أن النص يهدف إلى تجاوز نقائص قانون 15-04 وإرساء إطار وطني موحد يعزز أمن الأنظمة المعلوماتية والسيادة الرقمية، ويوسع نطاق خدمات الثقة، ويكرس الاعتراف القانوني بالعقود والوثائق الإلكترونية. لذلك يمكن القول إن هذا القانون لا يقتصر على “ضبط بعض المفاهيم”، بل يؤسس لمرحلة جديدة في القانون الرقمي الجزائري. ومع ذلك، فإن نجاحه العملي سيبقى مرتبطًا بسرعة صدور النصوص التنظيمية، وكفاءة السلطة الوطنية، ومدى التنسيق مع تشريعات أمن الأنظمة المعلوماتية وحماية المعطيات الشخصية، وتكوين القضاء والإدارة والمتعاملين الاقتصاديين على استعمال مفاهيمه الجديدة.
الخاتمة
يظهر من خلال هذا البحث أن القانون 26-02 جاء ليعالج فراغًا تشريعيًا ونقاشًا تطبيقيًا كان قائمًا في مجال المعاملات الإلكترونية والثقة الرقمية في الجزائر، وأنه اختار مقاربة أكثر شمولًا من المقاربة السابقة، فبنى تنظيمًا متكاملًا يبدأ من ضبط المفاهيم، ويمر عبر شروط خدمات الثقة، وتنظيم التوقيع والختم والإرسال المضمون، وتأطير مزودي خدمات الثقة، واستحداث السلطة الوطنية للتصديق الإلكتروني، وينتهي إلى إقرار حجية الوثيقة الإلكترونية وتنظيم الإسناد والتعريف الإلكتروني. كما تبين أن النص جمع بين البعد التقني والبعد القانوني والبعد المؤسسي، وهو ما يجعله من النصوص المؤسسة للثقة الرقمية في الجزائر. وعليه، فإن القيمة الحقيقية لهذا القانون تكمن في أنه حوّل مسائل كانت محل اجتهاد أو تردد أو نقاش إلى قواعد صريحة قابلة للتطبيق، وهو ما يعزز الأمن القانوني في البيئة الرقمية ويدعم التحول الرقمي في المعاملات الإدارية والتجارية والقضائية.
المصادر والمراجع
القانون رقم 26-02 ، الذي يحدد القواعد العامة المتعلقة بخدمات الثقة للمعاملات الإلكترونية وبالتعريف الإلكتروني، .
مجلس الأمة ، عرض ومناقشة نص القانون الذي يحدد القواعد العامة المتعلقة بخدمات الثقة للمعاملات الإلكترونية وبالتعريف الإلكتروني
االقانون رقم 18-05 ، المتعلق بالتجارة الإلكترونية، الجريدة الرسمية، العدد 28، 16 مايو 2018.
القانون رقم 15-04 ، الذي يحدد القواعد العامة المتعلقة بالتوقيع والتصديق الإلكترونيين،