نشأة الرواية عند عبد المالك مرتاض في كتابه نظرية الرواية اعداد الباحث حسوني محمد عبد الغني

Gu Zēl

عضو نشيط جدا
المشاركات
144
مستوى التفاعل
8
النقاط
18
نشأة الرواية عند عبد المالك مرتاض في كتابه نظرية الرواية اعداد الباحث حسوني محمد عبد الغني
المقدمة
تُعتبر الرواية من أبرز الأجناس الأدبية التي شهدت تطورًا ملحوظًا، حيث أصبحت وسيلة تعبيرية تعكس التحولات الاجتماعية والفكرية التي شهدها العالم العربي. في كتابه "نظرية الرواية"، يتناول الناقد الجزائري عبد المالك مرتاض نشأة الرواية العربية، محاولًا تقديم رؤية شاملة لمصادرها، تطورها، والعوامل التي ساهمت في ظهورها. ويرى مرتاض أن الرواية لم تكن غريبة عن الثقافة العربية، بل تطورت ضمن إطار ثقافي واجتماعي خاص، متأثرة بالسرديات القديمة مثل المقامات، السير الشعبية، وألف ليلة وليلة. من هنا، يطرح البحث الإشكالية التالية: كيف يرى عبد المالك مرتاض نشأة الرواية العربية؟ وما هي العوامل التي ساهمت في تطورها؟ وسنتبع في هذا البحث المنهج التحليلي لاستكشاف رؤية مرتاض حول أصول الرواية العربية وتطورها.

المبحث الأول: مفهوم الرواية عند عبد المالك مرتاض
المطلب الأول: تعريف الرواية من منظور عبد المالك مرتاض
يقدم عبد المالك مرتاض تعريفًا شاملاً للرواية، حيث يرى أنها فن سردي طويل يتميز بتعدد الشخصيات وتشابك الأحداث والزمان والمكان، مما يتيح للكاتب تقديم رؤية متكاملة للواقع. ويؤكد أن الرواية ليست مجرد نقل للأحداث، بل هي بناء فني يعتمد على تقنيات السرد الحديثة، مما يجعلها وسيلة فعالة لنقل الأفكار والمشاعر الإنسانية. ويرى أن الرواية تتطلب تطورًا في الحبكة، عمقًا في الشخصيات، وتنظيمًا دقيقًا للزمان والمكان، مما يجعلها أكثر تعقيدًا مقارنة بالأشكال السردية القديمة. كما يؤكد أن الرواية تتميز عن القصة القصيرة بكونها أكثر امتدادًا وتشابكًا في الأحداث، وتعكس تعقيد الواقع الاجتماعي والثقافي.

المطلب الثاني: الفرق بين الرواية الغربية والعربية
يُبرز مرتاض الفروقات بين الرواية الغربية والعربية، حيث يشير إلى أن الرواية الغربية قد ظهرت في القرن الثامن عشر والتاسع عشر نتيجة للتحولات الفكرية والاجتماعية التي شهدتها أوروبا، بينما تأخر ظهور الرواية العربية بسبب الظروف السياسية والثقافية التي عرقلت تطور الأدب السردي في العالم العربي. وعلى الرغم من ذلك، يؤكد مرتاض أن الرواية العربية ليست مجرد استنساخ للرواية الغربية، بل لها جذور ممتدة في التراث السردي العربي. فقد استفادت من الرواية الغربية من حيث التقنيات السردية، لكنها طورت هوية خاصة بها، مستمدة من القيم الثقافية والتقاليد الأدبية العربية. كما أن الرواية العربية حملت مضامين مختلفة، حيث ركزت على الهوية، القضايا القومية، والصراعات الاجتماعية، بينما ركزت الرواية الغربية على الفردية والصراعات الداخلية.

المبحث الثاني: نشأة الرواية العربية عند عبد المالك مرتاض
المطلب الأول: الجذور التراثية للرواية العربية
يرى عبد المالك مرتاض أن الرواية العربية الحديثة لم تكن منفصلة عن التراث السردي العربي، بل استمدت عناصرها من أشكال سردية قديمة مثل المقامات، السير الشعبية، وألف ليلة وليلة. فقد كانت المقامات تعتمد على السرد والحوار والشخصيات المتنقلة، وهو عنصر نجد أثره في الروايات الحديثة التي تتسم بالتعددية السردية والتنقل بين الأماكن. أما السير الشعبية مثل سيرة عنترة بن شداد، فقدمت نموذجًا للسرد الطويل القائم على التشويق والأحداث المتداخلة، مما يشابه بنية الرواية الحديثة. أما ألف ليلة وليلة، فقد أثرت في تقنيات السرد المتداخل وتعدد الأصوات السردية، وهو ما نجده في الرواية الحديثة من خلال تقنيات السرد المتوازي وتعدد الرواة.

المطلب الثاني: العوامل التي ساهمت في نشأة الرواية العربية
يشير مرتاض إلى أن نشأة الرواية العربية لم تكن مجرد محاكاة للرواية الغربية، بل جاءت نتيجة لتحولات فكرية واجتماعية شهدها العالم العربي. ومن بين أهم العوامل التي ساهمت في نشأتها، كان ظهور الصحافة التي ساعدت على نشر الأعمال السردية الطويلة، مما جعلها تمهيدًا لظهور الرواية. كما لعبت النهضة الفكرية في القرن التاسع عشر دورًا مهمًا في تطوير الكتابة الروائية، حيث بدأ المفكرون والكتاب في البحث عن أشكال جديدة للتعبير عن التحولات الاجتماعية والسياسية. بالإضافة إلى ذلك، ساهم التفاعل مع الأدب الغربي من خلال الترجمة والاحتكاك بالثقافة الأوروبية في استلهام تقنيات جديدة في السرد، مثل استخدام تيار الوعي، تعدد الأصوات، والتقنيات الحديثة في بناء الحبكة.

المبحث الثالث: رواد الرواية العربية الأوائل
المطلب الأول: البدايات الأولى للرواية العربية
يرى عبد المالك مرتاض أن الرواية العربية الحديثة بدأت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حيث ظهرت محاولات روائية تأثرت بالرواية الغربية ولكنها احتفظت بطابعها العربي. ومن بين رواد الرواية العربية، نجد رفاعة الطهطاوي الذي كتب "تخليص الإبريز في تلخيص باريز"، والذي رغم كونه كتابًا رحليًا، إلا أنه احتوى على عناصر سردية قريبة من الرواية. كما نجد جرجي زيدان الذي قدّم روايات تاريخية استلهمت الأحداث التاريخية بأسلوب سردي متكامل. أما محمد حسين هيكل، فقد قدم أول رواية عربية متكاملة بعنوان "زينب" (1914)، والتي جسدت البداية الحقيقية للرواية العربية الحديثة من حيث الأسلوب، الحبكة، والتقنيات السردية.

المطلب الثاني: تطور الرواية العربية بعد روادها الأوائل
بعد البدايات الأولى، شهدت الرواية العربية تطورًا ملحوظًا مع ظهور كتاب أحدثوا نقلة نوعية في هذا الفن. كان نجيب محفوظ أحد أبرز الأسماء في الرواية العربية، حيث أدخل البنية الواقعية العميقة إلى السرد العربي، كما فعل في "الثلاثية". أما توفيق الحكيم، فقد دمج بين الرواية والمسرح، مما أضفى بعدًا جديدًا على السرد. كما ساهم الطيب صالح في تقديم تجربة جديدة من خلال "موسم الهجرة إلى الشمال". يؤكد مرتاض أن الرواية العربية لم تتوقف عند مرحلة التقليد، بل تطورت لتصبح منصة تعبير عن قضايا الواقع العربي بأساليب سردية حديثة.

الخاتمة
يخلص عبد المالك مرتاض في كتابه "نظرية الرواية" إلى أن الرواية العربية لم تنشأ فجأة، بل كانت نتيجة تفاعل معقد بين التراث السردي العربي، النهضة الفكرية، والتأثيرات الغربية. وقد ساهمت المقامات، السير الشعبية، وألف ليلة وليلة في إرساء بعض ملامح السرد الروائي، ثم جاءت الصحافة والنهضة الفكرية لتدعم ظهور الرواية في شكلها الحديث. وعلى الرغم من تأثرها بالرواية الغربية، فإن الرواية العربية استطاعت أن تطور هويتها الخاصة وتعبر عن الواقع العربي بمختلف تحولاته. وهكذا، أصبحت الرواية العربية اليوم جنسًا أدبيًا مستقلًا يحمل طابعًا مميزًا يعكس التجربة الإنسانية العربية.

المراجع
مرتاض، عبد المالك. نظرية الرواية، الجزائر، دار هومة، 1998م.
هيكل، محمد حسين. زينب، القاهرة، دار المعارف، 1914م.
محفوظ، نجيب. الثلاثية، القاهرة، دار الشروق، 1956م.
 
أعلى