مقال دور التحكيم في تسوية منازعات العقود الإدارية اعداد الباحث حسوني محمد عبد الغني

Donia Ghani

عضو نشيط
المشاركات
36
مستوى التفاعل
3
النقاط
6
دور التحكيم في تسوية منازعات العقود الإدارية
اعداد الباحث حسوني محمد عبد الغني
تُعد منازعات العقود الإدارية من أبرز القضايا التي تواجه الإدارة العامة والجهات المتعاقدة معها، نظرًا لما تتميز به هذه العقود من خصوصية تجمع بين الطابع التعاقدي والسلطة العامة، ما يجعل تسوية النزاعات المتعلقة بها أمرًا معقدًا ويتطلب آليات فعالة. في هذا السياق، برز التحكيم كآلية بديلة وفعالة لتسوية المنازعات، حيث يوفر حلولًا أسرع وأقل تعقيدًا مقارنة بالقضاء التقليدي، مع المحافظة على حماية المصلحة العامة والحقوق المتبادلة بين الأطراف.

في الجزائر، ينظم التحكيم عبر عدة نصوص قانونية رئيسية، من بينها قانون الإجراءات المدنية والإدارية رقم 01-11 المؤرخ في 12 جوان 2001، الذي أتاح مبدأ اللجوء إلى التحكيم في القضايا المدنية والتجارية، لكنه أبدى تحفظًا بشأن المنازعات ذات الصبغة الإدارية، لخصوصيتها المرتبطة بحماية المصلحة العامة. ولهذا، جاء قانون التحكيم رقم 18-10 المؤرخ في 18 يوليو 2018 ليؤطر بشكل أدق آليات التحكيم، مع تحديد نطاق تطبيقه، وشروط إجرائه، وطرق تنفيذه، مع استثناء بعض القضايا ذات الطبيعة العامة مثل المنازعات المتعلقة بالوظيفة العمومية والمسائل التي تهم النظام العام الإداري.

المنازعات الناشئة عن العقود الإدارية يمكن أن تُحال إلى التحكيم عندما يتضمن العقد نفسه بندًا تحكيميًا صريحًا، وهذا الأمر يتطلب توافقًا بين الأطراف، مع ضرورة مراعاة أن لا يكون هذا الإجراء مخالفًا للنظام العام أو يمس بمصلحة عامة جوهرية. هنا تكمن خصوصية التحكيم الإداري، إذ أن السلطة الإدارية تحتفظ بحقها في فرض شروط وأحكام على العقد الإداري مثل إمكانية تعديل أو إلغاء العقد أحادي الجانب، وهذه الصلاحيات قد تحد من مجال التحكيم، حيث لا يسمح للمحكمين بتجاوز قواعد النظام العام أو الحقوق التي يتمتع بها الطرف الإداري.

من الناحية القضائية، يحتفظ القضاء الإداري الجزائري، وبالأخص مجلس الدولة، بسلطة الرقابة على صحة قرارات التحكيم، حيث يمكنه إلغاء هذه القرارات في حال خالفها القانون أو النظام العام الإداري. هذا الأمر يضمن توازنًا بين استقلالية التحكيم كآلية بديلة لتسوية النزاعات، وبين ضرورة حماية المصلحة العامة والحقوق القانونية للأطراف. كما يعكس دور القضاء الرقابي حرص النظام القانوني الجزائري على الحفاظ على استقرار العقود الإدارية وضمان تطبيق العدالة الإدارية وفق معايير دقيقة.

إضافة إلى ذلك، تحظى آليات التحكيم بأهمية متزايدة في الجزائر نظرًا لتطور الاقتصاد الوطني وتعقيد العقود الإدارية، خاصة في قطاعات البنية التحتية، والطاقة، والمشاريع العمومية الكبرى، حيث يساهم التحكيم في تسريع وتسوية النزاعات بكفاءة، مع تقليل الضغط على المحاكم الإدارية. ويشجع القانون الجزائري الأطراف على الاتفاق على التحكيم في عقودهم، شريطة احترام الضوابط القانونية وضمان عدم تعارضها مع النظام العام.

مع ذلك، توجد تحديات تواجه التحكيم الإداري في الجزائر، منها نقص الخبرات التحكيمية المتخصصة في المجال الإداري، والحاجة إلى تطوير أطر تدريبية ومحاكم تحكيم مختصة للتعامل مع هذه القضايا. كما ينبغي تعزيز الوعي القانوني لدى الجهات الإدارية والمقاولين بأهمية التحكيم كبديل فعال مع ضمان احترام مبادئ الشفافية والعدالة.

في الاخير يُمثل التحكيم في تسوية منازعات العقود الإدارية في الجزائر خيارًا استراتيجيًا يسعى إلى التوفيق بين سرعة الفصل في النزاعات، وحماية المصلحة العامة، وضمان الحقوق القانونية للأطراف. ويعتمد نجاح هذه الآلية على تطوير النصوص القانونية، وتعزيز الكفاءات التحكيمية، وضمان الرقابة القضائية المناسبة، مما يسهم في بناء بيئة قانونية مستقرة تدعم التنمية الاقتصادية والإدارية.
 
أعلى