- المشاركات
- 58
- مستوى التفاعل
- 1
- النقاط
- 6
بحث حول معالجة العجز المالي للموازنة بين المنهج الانكماشي و المنهج التنموي
تُعدّ الموازنة العامة للدولة أداة رئيسية لتجسيد السياسات الاقتصادية والاجتماعية، غير أن هذه الموازنة كثيرًا ما تعرف حالة عجز مالي عندما تتجاوز النفقات العامة الإيرادات المتاحة. استمرار العجز وبمستويات مرتفعة يهدّد الاستقرار المالي والتوازنات الاقتصادية الكلية (التضخم، المديونية، سعر الصرف)، لذلك تلجأ الحكومات إلى تبني سياسات لمعالجته.
وتبرز في هذا الإطار مقاربتان أساسيتان:
المنهج الانكماشي (Austerity / سياسة التقشف): القائم على تخفيض النفقات وزيادة الإيرادات لتقليص العجز سريعًا.
المنهج التنموي (Developmental / توسعي): القائم على استخدام الإنفاق العمومي الاستثماري لتحفيز النمو، على أمل أن يؤدي النمو لاحقًا إلى توسيع القاعدة الجبائية وتقليص العجز.
ومن هنا تطرح الإشكالية:
كيف تتم معالجة العجز المالي للموازنة بين المنهج الانكماشي والمنهج التنموي؟ وما مزايا ومخاطر كل منهما، وكيف يمكن التوفيق بينهما في سياسة مالية متوازنة؟
سنجيب عن ذلك من خلال:
المبحث الأول: مفهوم العجز المالي للموازنة وأسبابه.
المبحث الثاني: المنهج الانكماشي في معالجة العجز – الآليات والآثار.
المبحث الثالث: المنهج التنموي في معالجة العجز – الآليات والآثار وإمكانية الدمج بين المنهجين.
المبحث الأول: العجز المالي للموازنة – المفهوم والأسباب
المطلب الأول: تعريف العجز المالي وأنواعه
يُعرَّف العجز المالي للموازنة بأنه:
الفرق السالب بين إجمالي النفقات العامة وإجمالي الإيرادات العامة خلال سنة مالية معينة، بحيث تكون النفقات أكبر من الإيرادات.
وينقسم العجز إلى عدة صور، أهمها:
العجز الكلي: الفارق بين إجمالي النفقات وإجمالي الإيرادات (بما فيها الاقتراض).
العجز الأولي (Prim ary Deficit): العجز بعد استبعاد فوائد الدين العام؛ ويُستخدم لقياس الوضع الحقيقي للسياسة الجبائية والإنفاقية.
العجز الهيكلي: العجز الذي يستمر حتى في حالة النمو العادي للاقتصاد؛ وهو مرتبط بخلل في هيكلة النفقات (أجور، دعم…) مقارنة بالإيرادات.
العجز الظرفي (الدوري): الناتج عن ظروف مؤقتة مثل انخفاض أسعار النفط، أو ركود اقتصادي عالمي، أو أزمة صحية (مثل كوفيد-19).
كلما كان العجز هيكليًا ومستمرًا، كان إصلاحه أصعب واحتاج إلى سياسات أعمق من مجرد إجراءات ظرفية قصيرة الأجل.
المطلب الثاني: الأسباب الرئيسية للعجز المالي
من أبرز أسباب العجز في الموازنات العامة:
ارتفاع النفقات الجارية:
تضخم كتلة الأجور في الوظيفة العمومية.
تضخم نفقات الدعم (الطاقة، الغذاء، النقل…).
ارتفاع نفقات التسيير والإدارة.
ضعف الإيرادات الجبائية:
ضيق القاعدة الضريبية (اقتصاد غير رسمي كبير، تهرب جبائي).
الاعتماد على مورد وحيد أو محدود (كما في الدول النفطية).
الظروف الاقتصادية الخارجية:
صدمات أسعار النفط والمواد الأولية.
الأزمات المالية العالمية والركود.
الإنفاق الاستثماري غير الفعال:
مشاريع غير مدروسة أو ضعيفة المردودية.
فساد، سوء تسيير، تأخر في الإنجاز، ما يجعل العائد أقل من التكلفة.
وجود عجز ليس مشكلة في حد ذاته إذا كان موجهاً لتمويل استثمارات منتجة، لكن يصبح خطرًا حين يكون لتمويل نفقات استهلاكية دون مردود اقتصادي.
المطلب الثالث: مخاطر استمرار العجز المالي
استمرار العجز المالي بمستويات مرتفعة يترتب عليه:
ارتفاع المديونية العمومية (داخلية وخارجية)، ما يثقل كاهل الموازنة بفوائد الدين.
الضغوط التضخمية إذا تم تمويل العجز بطباعة النقود أو التمويل غير التقليدي.
تدهور الثقة في الاقتصاد الوطني وفي العملة المحلية.
تراجع القدرة على تمويل الإنفاق الاجتماعي والاستثماري في المستقبل.
لذلك أصبحت مسألة معالجة العجز أحد المحاور المركزية في السياسات المالية المعاصرة.
المبحث الثاني: المنهج الانكماشي في معالجة العجز المالي
المطلب الأول: مفهوم المنهج الانكماشي وأدواته
المنهج الانكماشي هو مجموعة من السياسات المالية التقييدية التي تهدف إلى تقليص العجز عن طريق خفض النفقات وزيادة الإيرادات في الأجل القصير، ولو على حساب مستوى النشاط الاقتصادي. وغالبًا ما تطلق عليه تسمية سياسة التقشف.
أبرز أدواته:
خفض الإنفاق العام:
تجميد أو تقليص التوظيف في القطاع العام.
تقليص نفقات الدعم تدريجيًا.
مراجعة برامج الاستثمارات العمومية وتأجيل بعضها.
زيادة الإيرادات:
رفع بعض الضرائب أو الرسوم.
توسيع الوعاء الضريبي ومحاربة التهرب.
تحسين تحصيل الموارد الجبائية.
ضبط العجز في قوانين المالية:
تحديد سقف للعجز نسبةً إلى الناتج المحلي.
ربط حجم الإنفاق بتوقعات إيرادات أكثر واقعية.
المطلب الثاني: مزايا المنهج الانكماشي
رغم ما يثيره من رفض اجتماعي، للمنهج الانكماشي بعض الإيجابيات:
تقليص العجز بسرعة إذا كانت الإجراءات حاسمة وواضحة.
الحد من نمو الدين العام وتخفيف عبء الفوائد في المدى المتوسط.
إرسال إشارة إيجابية للأسواق والمستثمرين حول جدية الدولة في ضبط ماليتها العامة.
إجبار الإدارة على ترشيد النفقات ومراجعة الأولويات والتخلص من أوجه التبذير.
بهذا المعنى، يمثّل المنهج الانكماشي "عملية جراحية مالية" مؤلمة لكنها قد تكون ضرورية حين تبلغ الاختلالات مستوى خطير.
المطلب الثالث: حدود وسيئات المنهج الانكماشي
في المقابل، يواجه هذا المنهج انتقادات عديدة:
تأثيره السلبي على النمو الاقتصادي، لأن خفض الإنفاق العام يقلل الطلب الكلي ويؤدي إلى ركود أو تباطؤ.
ارتفاع البطالة نتيجة تجميد التوظيف وتقليص الاستثمارات العمومية.
تأثيره الاجتماعي مع تقليص دعم السلع والخدمات، ما يضعف القدرة الشرائية للفئات الهشة.
إمكانية ظهور توترات اجتماعية بسبب الإضرابات والاحتجاجات.
لهذا، يشير الكثير من الاقتصاديين إلى أن التقشف الصارم في اقتصاد يعاني أصلًا من ضعف النمو قد يؤدي إلى "حل المشكلة بمشكلة أكبر"، إذا لم يُرافق بإصلاحات هيكلية وبسياسات حماية اجتماعية.
المبحث الثالث: المنهج التنموي في معالجة العجز المالي وإمكانية الدمج بينهما
المطلب الأول: مفهوم المنهج التنموي وفلسفته
المنهج التنموي ينطلق من فكرة أن أفضل طريقة لمعالجة العجز هي تحفيز النمو الاقتصادي بدل خنقه.
فكلما ارتفع الناتج المحلي الإجمالي وتوسّعت القاعدة الجبائية، ازدادت الإيرادات الضريبية وتقلّص العجز كنسبة من الناتج حتى لو بقيت قيمته المطلقة كبيرة.
يعتمد هذا المنهج على:
الاستثمار العمومي المنتج في البنية التحتية (طرق، موانئ، طاقة، تكنولوجيات رقمية…).
دعم الاستثمار الخاص عبر الحوافز والاستقرار التشريعي.
الإنفاق على التعليم والتكوين والبحث العلمي لتحسين إنتاجية الاقتصاد.
سياسات نشِطة للتشغيل تدعم خلق مناصب عمل جديدة.
أي أن الدولة لا تكتفي بتقليص الإنفاق، بل تعيد توجيهه نحو مشاريع تخلق القيمة المضافة ومداخيل مستقبلية.
المطلب الثاني: مزايا المنهج التنموي ومخاطره
مزاياه:
يساعد على تحريك عجلة الاقتصاد وزيادة النمو.
يسهم في خلق مناصب الشغل وتقليص البطالة والفقر.
يرفع الإيرادات الجبائية لاحقًا، ما يساعد على معالجة العجز بشكل مستدام.
يعزز البناء الهيكلي للاقتصاد (تنويع، إنتاجية، تنافسية).
لكن له مخاطر إذا أسيء استعماله:
إذا تم تمويل الإنفاق التنموي عن طريق مزيد من المديونية دون دراسة، قد يتفاقم العجز والدين معًا.
إذا كانت المشاريع ضعيفة الجدوى أو يشوبها الفساد، يتحول الإنفاق التنموي إلى تبذير.
يحتاج إلى وقت حتى تظهر نتائجه، ما يجعله أقل فاعلية في مواجهة الأزمات المالية الحادة قصيرة الأجل.
إذن، المنهج التنموي ليس عذرًا لتوسيع الإنفاق بشكل غير منضبط، بل يتطلب حسن اختيار المشاريع وفعالية التنفيذ.
المطلب الثالث: نحو مقاربة متوازنة بين المنهج الانكماشي والمنهج التنموي
الطرح الأكثر واقعية اليوم هو عدم الاقتصار على منهج واحد، بل الدمج الذكي بين المنهجين بحسب:
وضعية الاقتصاد،
حجم العجز ومستوى الدين،
الظرف الاجتماعي والسياسي.
يمكن تصور سياسة مالية متوازنة تقوم على:
إصلاحات انكماشية انتقائية:
تقليص حقيقي لأوجه الإنفاق غير المنتج (البذخ الإداري، فساد الصفقات، دعم غير موجه).
تحسين تحصيل الضرائب ومحاربة التهرب دون إثقال كاهل المنتجين.
تركيز الإنفاق على المشاريع ذات المردودية العالية:
إعطاء الأولوية للبنى التحتية الأساسية، الطاقة المتجددة، اللوجستيك، التعليم التقني.
تقييم اقتصادي للمشاريع قبل تمويلها (دراسة جدوى).
حماية الفئات الهشة أثناء الإصلاح:
تحويل الدعم العشوائي إلى دعم موجه بدقة.
برامج تشغيل وتكوين للشباب المتضرر من إعادة الهيكلة.
بهذه المقاربة، يتم تصحيح الاختلالات المالية (منهج انكماشي) دون خنق الاقتصاد، بل مع الحفاظ على محرك النمو والتنمية (منهج تنموي).
الخاتمة
يتبين من خلال هذا البحث أن معالجة العجز المالي للموازنة قضية مركّبة تتجاوز مجرد أرقام في قانون المالية، لتتصل بخيارات استراتيجية في السياسة الاقتصادية والاجتماعية للدولة.
فالمنهج الانكماشي يركز على ضبط العجز سريعًا عبر خفض النفقات وزيادة الإيرادات، لكنه قد يتسبب في ركود اقتصادي وضغوط اجتماعية إذا طُبق بعنف. أما المنهج التنموي فيراهن على تحفيز النمو والاستثمار كطريق غير مباشر لمعالجة العجز على المدى المتوسط والبعيد، لكنه يتطلب حوكمة جيدة واختيارًا رشيدًا للمشاريع حتى لا يتحول إلى تعميق للعجز.
ومن ثَمّ، فإن الحل الواقعي يكمن في تبني سياسة مالية متوازنة تجمع بين:
ترشيد حقيقي للإنفاق ومكافحة الهدر والفساد،
وتوجيه الموارد المتاحة نحو مشاريع ذات مردودية اقتصادية واجتماعية عالية،
مع الحفاظ على شبكة أمان اجتماعي للفئات الأضعف.
وبذلك يمكن للدولة أن تسير في مسار مزدوج: تصحيح مالي تدريجي دون التضحية بأهداف التنمية الشاملة والمستدامة.
المراجع المقترحة (يمكنك وضعها في آخر البحث)
بول كروغمان وآخرون، الاقتصاد، ترجمة: قسم الترجمة، دار المريخ للنشر، الرياض، 2018.
محمد لقمان، المالية العامة والسياسة المالية، دار المجد للنشر، عمّان، 2014.
زيان حسني، الموازنة العامة وعجز الميزانية في الدول النامية، دار الهدى، الجزائر، 2016.
علال، عبد القادر، عجز الموازنة وسياسات التقشف في الاقتصاديات العربية، دار الصفاء للنشر، عمّان، 2019.
صالح، يوسف، الإنفاق العام ودوره في تحقيق النمو الاقتصادي، دار الجامعة الجديدة، الإسكندرية، 2015.
اعداد الباحث حسوني محمد عبد الغني
المقدمةتُعدّ الموازنة العامة للدولة أداة رئيسية لتجسيد السياسات الاقتصادية والاجتماعية، غير أن هذه الموازنة كثيرًا ما تعرف حالة عجز مالي عندما تتجاوز النفقات العامة الإيرادات المتاحة. استمرار العجز وبمستويات مرتفعة يهدّد الاستقرار المالي والتوازنات الاقتصادية الكلية (التضخم، المديونية، سعر الصرف)، لذلك تلجأ الحكومات إلى تبني سياسات لمعالجته.
وتبرز في هذا الإطار مقاربتان أساسيتان:
المنهج الانكماشي (Austerity / سياسة التقشف): القائم على تخفيض النفقات وزيادة الإيرادات لتقليص العجز سريعًا.
المنهج التنموي (Developmental / توسعي): القائم على استخدام الإنفاق العمومي الاستثماري لتحفيز النمو، على أمل أن يؤدي النمو لاحقًا إلى توسيع القاعدة الجبائية وتقليص العجز.
ومن هنا تطرح الإشكالية:
كيف تتم معالجة العجز المالي للموازنة بين المنهج الانكماشي والمنهج التنموي؟ وما مزايا ومخاطر كل منهما، وكيف يمكن التوفيق بينهما في سياسة مالية متوازنة؟
سنجيب عن ذلك من خلال:
المبحث الأول: مفهوم العجز المالي للموازنة وأسبابه.
المبحث الثاني: المنهج الانكماشي في معالجة العجز – الآليات والآثار.
المبحث الثالث: المنهج التنموي في معالجة العجز – الآليات والآثار وإمكانية الدمج بين المنهجين.
المبحث الأول: العجز المالي للموازنة – المفهوم والأسباب
المطلب الأول: تعريف العجز المالي وأنواعه
يُعرَّف العجز المالي للموازنة بأنه:
الفرق السالب بين إجمالي النفقات العامة وإجمالي الإيرادات العامة خلال سنة مالية معينة، بحيث تكون النفقات أكبر من الإيرادات.
وينقسم العجز إلى عدة صور، أهمها:
العجز الكلي: الفارق بين إجمالي النفقات وإجمالي الإيرادات (بما فيها الاقتراض).
العجز الأولي (Prim ary Deficit): العجز بعد استبعاد فوائد الدين العام؛ ويُستخدم لقياس الوضع الحقيقي للسياسة الجبائية والإنفاقية.
العجز الهيكلي: العجز الذي يستمر حتى في حالة النمو العادي للاقتصاد؛ وهو مرتبط بخلل في هيكلة النفقات (أجور، دعم…) مقارنة بالإيرادات.
العجز الظرفي (الدوري): الناتج عن ظروف مؤقتة مثل انخفاض أسعار النفط، أو ركود اقتصادي عالمي، أو أزمة صحية (مثل كوفيد-19).
كلما كان العجز هيكليًا ومستمرًا، كان إصلاحه أصعب واحتاج إلى سياسات أعمق من مجرد إجراءات ظرفية قصيرة الأجل.
المطلب الثاني: الأسباب الرئيسية للعجز المالي
من أبرز أسباب العجز في الموازنات العامة:
ارتفاع النفقات الجارية:
تضخم كتلة الأجور في الوظيفة العمومية.
تضخم نفقات الدعم (الطاقة، الغذاء، النقل…).
ارتفاع نفقات التسيير والإدارة.
ضعف الإيرادات الجبائية:
ضيق القاعدة الضريبية (اقتصاد غير رسمي كبير، تهرب جبائي).
الاعتماد على مورد وحيد أو محدود (كما في الدول النفطية).
الظروف الاقتصادية الخارجية:
صدمات أسعار النفط والمواد الأولية.
الأزمات المالية العالمية والركود.
الإنفاق الاستثماري غير الفعال:
مشاريع غير مدروسة أو ضعيفة المردودية.
فساد، سوء تسيير، تأخر في الإنجاز، ما يجعل العائد أقل من التكلفة.
وجود عجز ليس مشكلة في حد ذاته إذا كان موجهاً لتمويل استثمارات منتجة، لكن يصبح خطرًا حين يكون لتمويل نفقات استهلاكية دون مردود اقتصادي.
المطلب الثالث: مخاطر استمرار العجز المالي
استمرار العجز المالي بمستويات مرتفعة يترتب عليه:
ارتفاع المديونية العمومية (داخلية وخارجية)، ما يثقل كاهل الموازنة بفوائد الدين.
الضغوط التضخمية إذا تم تمويل العجز بطباعة النقود أو التمويل غير التقليدي.
تدهور الثقة في الاقتصاد الوطني وفي العملة المحلية.
تراجع القدرة على تمويل الإنفاق الاجتماعي والاستثماري في المستقبل.
لذلك أصبحت مسألة معالجة العجز أحد المحاور المركزية في السياسات المالية المعاصرة.
المبحث الثاني: المنهج الانكماشي في معالجة العجز المالي
المطلب الأول: مفهوم المنهج الانكماشي وأدواته
المنهج الانكماشي هو مجموعة من السياسات المالية التقييدية التي تهدف إلى تقليص العجز عن طريق خفض النفقات وزيادة الإيرادات في الأجل القصير، ولو على حساب مستوى النشاط الاقتصادي. وغالبًا ما تطلق عليه تسمية سياسة التقشف.
أبرز أدواته:
خفض الإنفاق العام:
تجميد أو تقليص التوظيف في القطاع العام.
تقليص نفقات الدعم تدريجيًا.
مراجعة برامج الاستثمارات العمومية وتأجيل بعضها.
زيادة الإيرادات:
رفع بعض الضرائب أو الرسوم.
توسيع الوعاء الضريبي ومحاربة التهرب.
تحسين تحصيل الموارد الجبائية.
ضبط العجز في قوانين المالية:
تحديد سقف للعجز نسبةً إلى الناتج المحلي.
ربط حجم الإنفاق بتوقعات إيرادات أكثر واقعية.
المطلب الثاني: مزايا المنهج الانكماشي
رغم ما يثيره من رفض اجتماعي، للمنهج الانكماشي بعض الإيجابيات:
تقليص العجز بسرعة إذا كانت الإجراءات حاسمة وواضحة.
الحد من نمو الدين العام وتخفيف عبء الفوائد في المدى المتوسط.
إرسال إشارة إيجابية للأسواق والمستثمرين حول جدية الدولة في ضبط ماليتها العامة.
إجبار الإدارة على ترشيد النفقات ومراجعة الأولويات والتخلص من أوجه التبذير.
بهذا المعنى، يمثّل المنهج الانكماشي "عملية جراحية مالية" مؤلمة لكنها قد تكون ضرورية حين تبلغ الاختلالات مستوى خطير.
المطلب الثالث: حدود وسيئات المنهج الانكماشي
في المقابل، يواجه هذا المنهج انتقادات عديدة:
تأثيره السلبي على النمو الاقتصادي، لأن خفض الإنفاق العام يقلل الطلب الكلي ويؤدي إلى ركود أو تباطؤ.
ارتفاع البطالة نتيجة تجميد التوظيف وتقليص الاستثمارات العمومية.
تأثيره الاجتماعي مع تقليص دعم السلع والخدمات، ما يضعف القدرة الشرائية للفئات الهشة.
إمكانية ظهور توترات اجتماعية بسبب الإضرابات والاحتجاجات.
لهذا، يشير الكثير من الاقتصاديين إلى أن التقشف الصارم في اقتصاد يعاني أصلًا من ضعف النمو قد يؤدي إلى "حل المشكلة بمشكلة أكبر"، إذا لم يُرافق بإصلاحات هيكلية وبسياسات حماية اجتماعية.
المبحث الثالث: المنهج التنموي في معالجة العجز المالي وإمكانية الدمج بينهما
المطلب الأول: مفهوم المنهج التنموي وفلسفته
المنهج التنموي ينطلق من فكرة أن أفضل طريقة لمعالجة العجز هي تحفيز النمو الاقتصادي بدل خنقه.
فكلما ارتفع الناتج المحلي الإجمالي وتوسّعت القاعدة الجبائية، ازدادت الإيرادات الضريبية وتقلّص العجز كنسبة من الناتج حتى لو بقيت قيمته المطلقة كبيرة.
يعتمد هذا المنهج على:
الاستثمار العمومي المنتج في البنية التحتية (طرق، موانئ، طاقة، تكنولوجيات رقمية…).
دعم الاستثمار الخاص عبر الحوافز والاستقرار التشريعي.
الإنفاق على التعليم والتكوين والبحث العلمي لتحسين إنتاجية الاقتصاد.
سياسات نشِطة للتشغيل تدعم خلق مناصب عمل جديدة.
أي أن الدولة لا تكتفي بتقليص الإنفاق، بل تعيد توجيهه نحو مشاريع تخلق القيمة المضافة ومداخيل مستقبلية.
المطلب الثاني: مزايا المنهج التنموي ومخاطره
مزاياه:
يساعد على تحريك عجلة الاقتصاد وزيادة النمو.
يسهم في خلق مناصب الشغل وتقليص البطالة والفقر.
يرفع الإيرادات الجبائية لاحقًا، ما يساعد على معالجة العجز بشكل مستدام.
يعزز البناء الهيكلي للاقتصاد (تنويع، إنتاجية، تنافسية).
لكن له مخاطر إذا أسيء استعماله:
إذا تم تمويل الإنفاق التنموي عن طريق مزيد من المديونية دون دراسة، قد يتفاقم العجز والدين معًا.
إذا كانت المشاريع ضعيفة الجدوى أو يشوبها الفساد، يتحول الإنفاق التنموي إلى تبذير.
يحتاج إلى وقت حتى تظهر نتائجه، ما يجعله أقل فاعلية في مواجهة الأزمات المالية الحادة قصيرة الأجل.
إذن، المنهج التنموي ليس عذرًا لتوسيع الإنفاق بشكل غير منضبط، بل يتطلب حسن اختيار المشاريع وفعالية التنفيذ.
المطلب الثالث: نحو مقاربة متوازنة بين المنهج الانكماشي والمنهج التنموي
الطرح الأكثر واقعية اليوم هو عدم الاقتصار على منهج واحد، بل الدمج الذكي بين المنهجين بحسب:
وضعية الاقتصاد،
حجم العجز ومستوى الدين،
الظرف الاجتماعي والسياسي.
يمكن تصور سياسة مالية متوازنة تقوم على:
إصلاحات انكماشية انتقائية:
تقليص حقيقي لأوجه الإنفاق غير المنتج (البذخ الإداري، فساد الصفقات، دعم غير موجه).
تحسين تحصيل الضرائب ومحاربة التهرب دون إثقال كاهل المنتجين.
تركيز الإنفاق على المشاريع ذات المردودية العالية:
إعطاء الأولوية للبنى التحتية الأساسية، الطاقة المتجددة، اللوجستيك، التعليم التقني.
تقييم اقتصادي للمشاريع قبل تمويلها (دراسة جدوى).
حماية الفئات الهشة أثناء الإصلاح:
تحويل الدعم العشوائي إلى دعم موجه بدقة.
برامج تشغيل وتكوين للشباب المتضرر من إعادة الهيكلة.
بهذه المقاربة، يتم تصحيح الاختلالات المالية (منهج انكماشي) دون خنق الاقتصاد، بل مع الحفاظ على محرك النمو والتنمية (منهج تنموي).
الخاتمة
يتبين من خلال هذا البحث أن معالجة العجز المالي للموازنة قضية مركّبة تتجاوز مجرد أرقام في قانون المالية، لتتصل بخيارات استراتيجية في السياسة الاقتصادية والاجتماعية للدولة.
فالمنهج الانكماشي يركز على ضبط العجز سريعًا عبر خفض النفقات وزيادة الإيرادات، لكنه قد يتسبب في ركود اقتصادي وضغوط اجتماعية إذا طُبق بعنف. أما المنهج التنموي فيراهن على تحفيز النمو والاستثمار كطريق غير مباشر لمعالجة العجز على المدى المتوسط والبعيد، لكنه يتطلب حوكمة جيدة واختيارًا رشيدًا للمشاريع حتى لا يتحول إلى تعميق للعجز.
ومن ثَمّ، فإن الحل الواقعي يكمن في تبني سياسة مالية متوازنة تجمع بين:
ترشيد حقيقي للإنفاق ومكافحة الهدر والفساد،
وتوجيه الموارد المتاحة نحو مشاريع ذات مردودية اقتصادية واجتماعية عالية،
مع الحفاظ على شبكة أمان اجتماعي للفئات الأضعف.
وبذلك يمكن للدولة أن تسير في مسار مزدوج: تصحيح مالي تدريجي دون التضحية بأهداف التنمية الشاملة والمستدامة.
بول كروغمان وآخرون، الاقتصاد، ترجمة: قسم الترجمة، دار المريخ للنشر، الرياض، 2018.
محمد لقمان، المالية العامة والسياسة المالية، دار المجد للنشر، عمّان، 2014.
زيان حسني، الموازنة العامة وعجز الميزانية في الدول النامية، دار الهدى، الجزائر، 2016.
علال، عبد القادر، عجز الموازنة وسياسات التقشف في الاقتصاديات العربية، دار الصفاء للنشر، عمّان، 2019.
صالح، يوسف، الإنفاق العام ودوره في تحقيق النمو الاقتصادي، دار الجامعة الجديدة، الإسكندرية، 2015.