- المشاركات
- 58
- مستوى التفاعل
- 1
- النقاط
- 6
بحث حول اعوان القضاء اعداد الباحث حسوني محمد عبد الغني
مقدّمة
يُعتَبر القضاء من أهمّ مؤسسات الدولة، فهو الأداة التي تتحقق من خلالها العدالة ويحفظ بها النظام والحقوق، غير أنّ القاضي لا يستطيع بمفرده القيام بكل الإجراءات والأعمال الفنية والإدارية المرتبطة بالدعوى القضائية. لذلك أوجد المشرّع فئة مهنية خاصة تُسمّى أعوان القضاء، تقوم بمساعدة القاضي في القيام بوظيفته، سواء على مستوى تسيير الجلسات، أو تحرير المحاضر، أو التبليغ والتنفيذ، أو تقديم الخبرة الفنية، أو الترجمة وغيرها من الأعمال المساندة. وتتوقف فعالية المنظومة القضائية بدرجة كبيرة على كفاءة هؤلاء الأعوان وحسن تنظيم مهامهم. ومن هنا تبرز الإشكالية: من هم أعوان القضاء؟ وكيف صنّفهم المشرّع؟ وما هو دورهم وأهم حقوقهم وواجباتهم في النظام القضائي، خصوصًا في التشريع الجزائري؟
المبحث الأول: الإطار العام لأعوان القضاء
المطلب الأول: تعريف أعوان القضاء
يُقصَد بأعوان القضاء كل الأشخاص الذين يُسهمون في خدمة العدالة ومساعدة القضاة على ممارسة مهامهم، دون أن تكون لهم صفة القاضي أو سلطة إصدار الأحكام. فهم يشكّلون حلقة وصل بين القضاء والمتقاضين والإدارة، ويقومون بأعمال إدارية أو فنية أو تنفيذية مرتبطة بالدعوى، مثل تحرير المحاضر، حفظ السجلات، تبليغ الأحكام، تنفيذ السندات، أو إبداء الرأي الفني في مسائل تقنية. وبالتالي فإن أعوان القضاء يُعتَبرون جزءًا من المنظومة القضائية، لكنهم لا يمارسون وظيفة الفصل في الخصومات، وإنما وظيفة المساعدة والإسناد والدعم الفني والتنظيمي والإداري لسير العمل القضائي.
المطلب الثاني: الأساس القانوني ومكانة أعوان القضاء في التنظيم القضائي
ينظّم المشرّع وضعية أعوان القضاء من خلال نصوص خاصة في قوانين الإجراءات (المدنية والإدارية والجزائية) وكذلك من خلال قوانين أو مراسيم تُحدّد النظام الأساسي لبعض الفئات كأمناء الضبط والمحضرين القضائيين والخبراء. ويُنظر إلى هؤلاء الأعوان على أنهم جزء من "أسرة القضاء"، إلى جانب القضاة والمحامين، لما لهم من دور مباشر في تشكيل ملف الدعوى وتنفيذ الحكم وضمان احترام الإجراءات الشكلية. وتختلف مكانة كل فئة باختلاف طبيعة عملها، فبعضهم يُعتبَر من موظفي الدولة الخاضعين للقانون العام (مثل أعوان كتابات الضبط)، وبعضهم من أصحاب المهن الحرّة المنظّمة بقانون خاص (كالخبير والمحضر القضائي).
المطلب الثالث: تصنيف أعوان القضاء
يمكن تصنيف أعوان القضاء إلى عدّة فئات بحسب طبيعة الدور الذي يقومون به:
أعوان الضبط القضائي والإداري: مثل كتاب وأمناء الضبط في المحاكم والمجالس، الذين يتكفلون بضبط الجلسات، وحفظ الملفات، وتحرير المحاضر القضائية.
أعوان التنفيذ والتبليغ: وعلى رأسهم المحضر القضائي الذي يتولى تبليغ الأحكام والإنذارات وتنفيذ السندات التنفيذية.
أعوان الخبرة الفنية: مثل الخبير القضائي والمترجم، الذين يقدمون رأيًا فنيًا أو لغويًا في مسائل لا يحيط بها القاضي علمًا كافيًا.
مهن مساندة موسّعة (في بعض التشريعات): كالموثقين والمحامين، باعتبارهم شركاء في تحقيق العدالة، وإن كان تصنيفهم يختلف من نظام لآخر.
المبحث الثاني: أهم فئات أعوان القضاء في التشريع الجزائري
المطلب الأول: أمين الضبط ودوره في العمل القضائي
يُعتبَر أمين الضبط من أهم أعوان القضاء داخل المحكمة، فهو المسؤول عن تسيير كتابة الضبط وحفظ الوثائق والسجلات المتعلقة بالقضايا، ويشكل مع القاضي "ثنائي الجلسة" في كثير من الهيئات القضائية. يتولى أمين الضبط تسجيل الدعاوى والطعون، وضبط محاضر الجلسات، وتدوين الأحكام والقرارات، والتأشير على المحاضر، وتسليم النسخ التنفيذية للأحكام، وتنظيم الأرشيف القضائي. كما يقوم بدور إداري مهم يتمثل في الاتصال بالأطراف ومحاميهم، وتحديد مواعيد الجلسات، وتحرير التبليغات أحيانًا بالتنسيق مع المحضر القضائي. ويخضع أمناء الضبط لنظام أساسي خاص باعتبارهم موظفين عموميين تابعين لوزارة العدل، يخضعون لسلطة المسؤول الإداري والقضائي في آن واحد.
المطلب الثاني: المحضر القضائي (أو عون التنفيذ)
المحضر القضائي (أو عون التنفيذ) هو عون من أعوان القضاء يمارس مهنة حرة منظّمة، ويُناط به قانونًا مهام التبليغ والتنفيذ، فهو الذي يقوم بتبليغ الأحكام والقرارات والإنذارات الرسمية، كما يتولى مباشرة إجراءات التنفيذ الجبري على أموال المدينين، مثل الحجز والبيع بالمزاد، وفقًا للقانون. ويُعتبَر المحضر القضائي حلقة أساسية بين الحكم القضائي ومرحلته التنفيذية، إذ لولا تدخّله يبقى الحكم حبرًا على ورق. ويتمتع بصفة الضابط العمومي في حدود اختصاصه، مما يمنح محاضره قوة إثبات خاصة. ويلتزم المحضر بالحياد، واحترام الإجراءات، وعدم إفشاء أسرار الأطراف، كما يخضع لرقابة النيابة العامة والجهات المهنية المختصة، ويمكن مساءلته تأديبيًا ومدنيًا في حال ارتكب خطأ أثناء أداء مهامه.
المطلب الثالث: الخبير القضائي والمترجم كأعوان فنيين للقضاء
الخبير القضائي هو شخص يملك تكوينًا علميًا أو تقنيًا في مجال معيّن (هندسي، طبي، محاسبي، معماري…) يقوم القاضي بندبه لإبداء رأي فني في نقطة تقنية لا يستطيع القاضي تقديرها بمفرده. تقدَّم خبرته في شكل تقرير مكتوب يبيّن الوقائع والفحوص والاستنتاجات، مع بقاء سلطة التقدير النهائية للقاضي. أمّا المترجم المحلّف فهو عون يُكلَّف بترجمة أقوال أو وثائق لأطراف لا يتقنون لغة المحكمة، أو ترجمة وثائق أجنبية يراد تقديمها كدليل، وهو يمارس وظيفة حساسة تتطلب الدقة والحياد. كلاهما يُعتَبر من أعوان القضاء الفنيين، يخضعون لشروط خاصة للتسجيل في الجداول (شهادة، خبرة، حسن سيرة)، ولهم حقوق في الأجر والتعويض، مقابل التزامات في الحياد وكتمان السر واحترام آجال التكليف.
المبحث الثالث: أهمية أعوان القضاء وضمانات عملهم
المطلب الأول: دور أعوان القضاء في حسن سير العدالة
تساهم مختلف فئات أعوان القضاء في تحويل العمل القضائي من نصوص مجردة إلى واقع عملي منظم؛ فالقاضي لا يستطيع بمفرده مباشرة الإجراءات التقنية والإدارية المرتبطة بكل دعوى. فأمناء الضبط يضمنون حفظ الملفات وتدوين الجلسات وتنظيم السجلات، مما يوفر قاعدة بيانات دقيقة يعتمد عليها القاضي عند دراسة القضايا. والمحضرون القضائيون يضمنون تنفيذ الأحكام وتبليغها، فيتحقق بذلك مبدأ فعالية القضاء، إذ لا قيمة لحكم لا يُنفَّذ. أما الخبراء والمترجمون فيوفرون للقاضي المعطيات الفنية واللغوية اللازمة للفصل في النزاع على أساس علمي صحيح. وهكذا، فإن أعوان القضاء يشكلون البنية التحتية البشرية التي تسند عمل القضاء وتضمن انسيابه وجودته.
المطلب الثاني: حقوق وضمانات أعوان القضاء
حتى يتمكن أعوان القضاء من أداء مهامهم بفعالية، منحهم المشرّع جملة من الحقوق والضمانات، تختلف حسب الفئة وطبيعة المهنة؛ فموظفو كتابات الضبط يتمتعون بحقوق الموظف العام من أجر وترقية واستقرار وظيفي وتأمين اجتماعي، مع إمكانية الاستفادة من التكوين المستمر. أمّا المحضرون والخبراء والمترجمون، فيتمتعون بحق الأتعاب والتعويض عن المصاريف، ويُحدَّد أجرهم وفقًا لنصوص تنظيمية أو قرارات قضائية. كما تُمنَح لهم حماية قانونية ضد الاعتداءات التي قد يتعرّضون لها أثناء أداء مهامهم، وبخاصة أعوان التنفيذ. وتُعد هذه الحقوق ضرورية لتحصين الأعوان من الضغوط، ولضمان استقلاليتهم النسبيّة أثناء مزاولة وظائفهم القضائية المساندة.
المطلب الثالث: مسؤولية أعوان القضاء وتأديبهم
في مقابل الحقوق الممنوحة، يتحمّل أعوان القضاء مسؤوليات قانونية وأخلاقية مهمّة، إذ يخضعون لواجب الانضباط واحترام القانون والحياد والسرية، ويمكن مساءلتهم تأديبيًا ومدنيًا وجزائيًا عند الإخلال بواجباتهم. فموظفو الضبط يخضعون من حيث التأديب لقانون الوظيفة العمومية والنظام الأساسي لأسلاك العدالة، ويمكن توجيه إنذارات أو توقيفات أو عزل في الحالات الجسيمة. والمحضرون والخبراء والمترجمون يخضعون لرقابة مهنية وقضائية، ويمكن شطبهم من الجداول أو توقيفهم عن العمل عند ثبوت الغش أو الإهمال أو خيانة الأمانة. هذه المسؤولية التأديبية تشكل آلية لضبط أداء أعوان القضاء ومنع التجاوزات، وتعمّق الثقة في المنظومة القضائية ككلّ.
الخاتمة
من خلال ما سبق يتبيّن أن أعوان القضاء يشكّلون ركيزة أساسية في بناء المنظومة القضائية، إذ لا يمكن تصور سير العدالة بصورة فعّالة دون مساهمتهم في مختلف مراحل الدعوى من تسجيلها إلى الحكم فيها وتنفيذها. وقد وضّحنا أن أعوان القضاء يشملون فئات متعدّدة مثل أمناء الضبط، والمحضرين القضائيين، والخبراء، والمترجمين، ولكل فئة اختصاصات محددة ينظّمها القانون. كما أشرنا إلى أن المشرّع حاول تحقيق توازن بين الحقوق التي تضمن لهم ظروف عمل مناسبة، والالتزامات والمسؤوليات التي تضمن نزاهتهم وحيادهم وحسن أدائهم. وبذلك يتأكد أن تطوير العدالة لا يمرّ فقط عبر إصلاح القوانين أو تحسين تكوين القضاة، بل يقتضي أيضًا الاهتمام بتأهيل أعوان القضاء وتحسين وضعيتهم المهنية وتقوية آليات الرقابة عليهم في إطار من الشفافية وسيادة القانون.
قائمة المراجع المقترحة
عبد الحميد الفقه، شرح قانون الإجراءات المدنية والإدارية، دار هومة للنشر والتوزيع، الجزائر، 2015.
عمار بوضياف، التنظيم القضائي الجزائري، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 2012.
محمد حسنين، أعوان القضاء في التشريع الجزائري، دار الهدى للنشر والتوزيع، الجزائر، 2018.
أحمد بوكرزازة، الشرح العملي لقانون الإجراءات المدنية والإدارية، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 2020.
وزارة العدل، النظام الأساسي لأعوان مصالح كتابة الضبط، منشورات وزارة العدل، الجزائر، آخر إصدار.
مقدّمة
يُعتَبر القضاء من أهمّ مؤسسات الدولة، فهو الأداة التي تتحقق من خلالها العدالة ويحفظ بها النظام والحقوق، غير أنّ القاضي لا يستطيع بمفرده القيام بكل الإجراءات والأعمال الفنية والإدارية المرتبطة بالدعوى القضائية. لذلك أوجد المشرّع فئة مهنية خاصة تُسمّى أعوان القضاء، تقوم بمساعدة القاضي في القيام بوظيفته، سواء على مستوى تسيير الجلسات، أو تحرير المحاضر، أو التبليغ والتنفيذ، أو تقديم الخبرة الفنية، أو الترجمة وغيرها من الأعمال المساندة. وتتوقف فعالية المنظومة القضائية بدرجة كبيرة على كفاءة هؤلاء الأعوان وحسن تنظيم مهامهم. ومن هنا تبرز الإشكالية: من هم أعوان القضاء؟ وكيف صنّفهم المشرّع؟ وما هو دورهم وأهم حقوقهم وواجباتهم في النظام القضائي، خصوصًا في التشريع الجزائري؟
المبحث الأول: الإطار العام لأعوان القضاء
المطلب الأول: تعريف أعوان القضاء
يُقصَد بأعوان القضاء كل الأشخاص الذين يُسهمون في خدمة العدالة ومساعدة القضاة على ممارسة مهامهم، دون أن تكون لهم صفة القاضي أو سلطة إصدار الأحكام. فهم يشكّلون حلقة وصل بين القضاء والمتقاضين والإدارة، ويقومون بأعمال إدارية أو فنية أو تنفيذية مرتبطة بالدعوى، مثل تحرير المحاضر، حفظ السجلات، تبليغ الأحكام، تنفيذ السندات، أو إبداء الرأي الفني في مسائل تقنية. وبالتالي فإن أعوان القضاء يُعتَبرون جزءًا من المنظومة القضائية، لكنهم لا يمارسون وظيفة الفصل في الخصومات، وإنما وظيفة المساعدة والإسناد والدعم الفني والتنظيمي والإداري لسير العمل القضائي.
المطلب الثاني: الأساس القانوني ومكانة أعوان القضاء في التنظيم القضائي
ينظّم المشرّع وضعية أعوان القضاء من خلال نصوص خاصة في قوانين الإجراءات (المدنية والإدارية والجزائية) وكذلك من خلال قوانين أو مراسيم تُحدّد النظام الأساسي لبعض الفئات كأمناء الضبط والمحضرين القضائيين والخبراء. ويُنظر إلى هؤلاء الأعوان على أنهم جزء من "أسرة القضاء"، إلى جانب القضاة والمحامين، لما لهم من دور مباشر في تشكيل ملف الدعوى وتنفيذ الحكم وضمان احترام الإجراءات الشكلية. وتختلف مكانة كل فئة باختلاف طبيعة عملها، فبعضهم يُعتبَر من موظفي الدولة الخاضعين للقانون العام (مثل أعوان كتابات الضبط)، وبعضهم من أصحاب المهن الحرّة المنظّمة بقانون خاص (كالخبير والمحضر القضائي).
المطلب الثالث: تصنيف أعوان القضاء
يمكن تصنيف أعوان القضاء إلى عدّة فئات بحسب طبيعة الدور الذي يقومون به:
أعوان الضبط القضائي والإداري: مثل كتاب وأمناء الضبط في المحاكم والمجالس، الذين يتكفلون بضبط الجلسات، وحفظ الملفات، وتحرير المحاضر القضائية.
أعوان التنفيذ والتبليغ: وعلى رأسهم المحضر القضائي الذي يتولى تبليغ الأحكام والإنذارات وتنفيذ السندات التنفيذية.
أعوان الخبرة الفنية: مثل الخبير القضائي والمترجم، الذين يقدمون رأيًا فنيًا أو لغويًا في مسائل لا يحيط بها القاضي علمًا كافيًا.
مهن مساندة موسّعة (في بعض التشريعات): كالموثقين والمحامين، باعتبارهم شركاء في تحقيق العدالة، وإن كان تصنيفهم يختلف من نظام لآخر.
المبحث الثاني: أهم فئات أعوان القضاء في التشريع الجزائري
المطلب الأول: أمين الضبط ودوره في العمل القضائي
يُعتبَر أمين الضبط من أهم أعوان القضاء داخل المحكمة، فهو المسؤول عن تسيير كتابة الضبط وحفظ الوثائق والسجلات المتعلقة بالقضايا، ويشكل مع القاضي "ثنائي الجلسة" في كثير من الهيئات القضائية. يتولى أمين الضبط تسجيل الدعاوى والطعون، وضبط محاضر الجلسات، وتدوين الأحكام والقرارات، والتأشير على المحاضر، وتسليم النسخ التنفيذية للأحكام، وتنظيم الأرشيف القضائي. كما يقوم بدور إداري مهم يتمثل في الاتصال بالأطراف ومحاميهم، وتحديد مواعيد الجلسات، وتحرير التبليغات أحيانًا بالتنسيق مع المحضر القضائي. ويخضع أمناء الضبط لنظام أساسي خاص باعتبارهم موظفين عموميين تابعين لوزارة العدل، يخضعون لسلطة المسؤول الإداري والقضائي في آن واحد.
المطلب الثاني: المحضر القضائي (أو عون التنفيذ)
المحضر القضائي (أو عون التنفيذ) هو عون من أعوان القضاء يمارس مهنة حرة منظّمة، ويُناط به قانونًا مهام التبليغ والتنفيذ، فهو الذي يقوم بتبليغ الأحكام والقرارات والإنذارات الرسمية، كما يتولى مباشرة إجراءات التنفيذ الجبري على أموال المدينين، مثل الحجز والبيع بالمزاد، وفقًا للقانون. ويُعتبَر المحضر القضائي حلقة أساسية بين الحكم القضائي ومرحلته التنفيذية، إذ لولا تدخّله يبقى الحكم حبرًا على ورق. ويتمتع بصفة الضابط العمومي في حدود اختصاصه، مما يمنح محاضره قوة إثبات خاصة. ويلتزم المحضر بالحياد، واحترام الإجراءات، وعدم إفشاء أسرار الأطراف، كما يخضع لرقابة النيابة العامة والجهات المهنية المختصة، ويمكن مساءلته تأديبيًا ومدنيًا في حال ارتكب خطأ أثناء أداء مهامه.
المطلب الثالث: الخبير القضائي والمترجم كأعوان فنيين للقضاء
الخبير القضائي هو شخص يملك تكوينًا علميًا أو تقنيًا في مجال معيّن (هندسي، طبي، محاسبي، معماري…) يقوم القاضي بندبه لإبداء رأي فني في نقطة تقنية لا يستطيع القاضي تقديرها بمفرده. تقدَّم خبرته في شكل تقرير مكتوب يبيّن الوقائع والفحوص والاستنتاجات، مع بقاء سلطة التقدير النهائية للقاضي. أمّا المترجم المحلّف فهو عون يُكلَّف بترجمة أقوال أو وثائق لأطراف لا يتقنون لغة المحكمة، أو ترجمة وثائق أجنبية يراد تقديمها كدليل، وهو يمارس وظيفة حساسة تتطلب الدقة والحياد. كلاهما يُعتَبر من أعوان القضاء الفنيين، يخضعون لشروط خاصة للتسجيل في الجداول (شهادة، خبرة، حسن سيرة)، ولهم حقوق في الأجر والتعويض، مقابل التزامات في الحياد وكتمان السر واحترام آجال التكليف.
المبحث الثالث: أهمية أعوان القضاء وضمانات عملهم
المطلب الأول: دور أعوان القضاء في حسن سير العدالة
تساهم مختلف فئات أعوان القضاء في تحويل العمل القضائي من نصوص مجردة إلى واقع عملي منظم؛ فالقاضي لا يستطيع بمفرده مباشرة الإجراءات التقنية والإدارية المرتبطة بكل دعوى. فأمناء الضبط يضمنون حفظ الملفات وتدوين الجلسات وتنظيم السجلات، مما يوفر قاعدة بيانات دقيقة يعتمد عليها القاضي عند دراسة القضايا. والمحضرون القضائيون يضمنون تنفيذ الأحكام وتبليغها، فيتحقق بذلك مبدأ فعالية القضاء، إذ لا قيمة لحكم لا يُنفَّذ. أما الخبراء والمترجمون فيوفرون للقاضي المعطيات الفنية واللغوية اللازمة للفصل في النزاع على أساس علمي صحيح. وهكذا، فإن أعوان القضاء يشكلون البنية التحتية البشرية التي تسند عمل القضاء وتضمن انسيابه وجودته.
المطلب الثاني: حقوق وضمانات أعوان القضاء
حتى يتمكن أعوان القضاء من أداء مهامهم بفعالية، منحهم المشرّع جملة من الحقوق والضمانات، تختلف حسب الفئة وطبيعة المهنة؛ فموظفو كتابات الضبط يتمتعون بحقوق الموظف العام من أجر وترقية واستقرار وظيفي وتأمين اجتماعي، مع إمكانية الاستفادة من التكوين المستمر. أمّا المحضرون والخبراء والمترجمون، فيتمتعون بحق الأتعاب والتعويض عن المصاريف، ويُحدَّد أجرهم وفقًا لنصوص تنظيمية أو قرارات قضائية. كما تُمنَح لهم حماية قانونية ضد الاعتداءات التي قد يتعرّضون لها أثناء أداء مهامهم، وبخاصة أعوان التنفيذ. وتُعد هذه الحقوق ضرورية لتحصين الأعوان من الضغوط، ولضمان استقلاليتهم النسبيّة أثناء مزاولة وظائفهم القضائية المساندة.
المطلب الثالث: مسؤولية أعوان القضاء وتأديبهم
في مقابل الحقوق الممنوحة، يتحمّل أعوان القضاء مسؤوليات قانونية وأخلاقية مهمّة، إذ يخضعون لواجب الانضباط واحترام القانون والحياد والسرية، ويمكن مساءلتهم تأديبيًا ومدنيًا وجزائيًا عند الإخلال بواجباتهم. فموظفو الضبط يخضعون من حيث التأديب لقانون الوظيفة العمومية والنظام الأساسي لأسلاك العدالة، ويمكن توجيه إنذارات أو توقيفات أو عزل في الحالات الجسيمة. والمحضرون والخبراء والمترجمون يخضعون لرقابة مهنية وقضائية، ويمكن شطبهم من الجداول أو توقيفهم عن العمل عند ثبوت الغش أو الإهمال أو خيانة الأمانة. هذه المسؤولية التأديبية تشكل آلية لضبط أداء أعوان القضاء ومنع التجاوزات، وتعمّق الثقة في المنظومة القضائية ككلّ.
الخاتمة
من خلال ما سبق يتبيّن أن أعوان القضاء يشكّلون ركيزة أساسية في بناء المنظومة القضائية، إذ لا يمكن تصور سير العدالة بصورة فعّالة دون مساهمتهم في مختلف مراحل الدعوى من تسجيلها إلى الحكم فيها وتنفيذها. وقد وضّحنا أن أعوان القضاء يشملون فئات متعدّدة مثل أمناء الضبط، والمحضرين القضائيين، والخبراء، والمترجمين، ولكل فئة اختصاصات محددة ينظّمها القانون. كما أشرنا إلى أن المشرّع حاول تحقيق توازن بين الحقوق التي تضمن لهم ظروف عمل مناسبة، والالتزامات والمسؤوليات التي تضمن نزاهتهم وحيادهم وحسن أدائهم. وبذلك يتأكد أن تطوير العدالة لا يمرّ فقط عبر إصلاح القوانين أو تحسين تكوين القضاة، بل يقتضي أيضًا الاهتمام بتأهيل أعوان القضاء وتحسين وضعيتهم المهنية وتقوية آليات الرقابة عليهم في إطار من الشفافية وسيادة القانون.
عبد الحميد الفقه، شرح قانون الإجراءات المدنية والإدارية، دار هومة للنشر والتوزيع، الجزائر، 2015.
عمار بوضياف، التنظيم القضائي الجزائري، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 2012.
محمد حسنين، أعوان القضاء في التشريع الجزائري، دار الهدى للنشر والتوزيع، الجزائر، 2018.
أحمد بوكرزازة، الشرح العملي لقانون الإجراءات المدنية والإدارية، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 2020.
وزارة العدل، النظام الأساسي لأعوان مصالح كتابة الضبط، منشورات وزارة العدل، الجزائر، آخر إصدار.