مقال السياسة الجنائية الجزائرية في مواجهة الجرائم المدعومة بالذكاء الاصطناعي

طالبة أكاديمية

عضو جديد
المشاركات
8
مستوى التفاعل
0
النقاط
1
السياسة الجنائية الجزائرية في مواجهة الجرائم المدعومة بالذكاء الاصطناعي: بين فعالية المكافحة ومقتضيات السيادة الوطنية
اعداد الباحث حسوني محمد عبد الغني


الملخص

أصبحت الجرائم المدعومة بالذكاء الاصطناعي من أخطر صور الإجرام المعاصر بسبب قدرتها على الأتمتة، والتوسع السريع، وإخفاء الأثر، وإنتاج محتوى مضلل عالي الإقناع مثل التزييف العميق. وتضع هذه الجرائم السياسة الجنائية الجزائرية أمام تحدٍّ مركّب: تحقيق الفعالية في التجريم والتحري والإثبات من جهة، وحماية السيادة الوطنية الرقمية من جهة أخرى، خاصة ما يتعلق بسيادة البيانات والاختصاص القضائي وحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي. يهدف هذا المقال إلى إبراز ملامح الاستجابة القانونية الجزائرية في مواجهة هذه الجرائم، وتحليل انعكاساتها على السيادة الوطنية، ثم اقتراح بعض مسارات التطوير وفق ما تقتضيه الضرورة التقنية والضمانات الدستورية.

الكلمات المفتاحية: السياسة الجنائية، الذكاء الاصطناعي، الجريمة السيبرانية، التزييف العميق، الأدلة الرقمية، حماية المعطيات، السيادة الوطنية.

مقدمة

يشهد العالم تحولًا نوعيًا في أنماط الجريمة بفعل الذكاء الاصطناعي، الذي لم يعد مجرد تقنية مساعدة، بل أضحى عاملًا يرفع من قدرة الجناة على الاستهداف الدقيق، وتوليد المحتوى الاحتيالي، وإدارة الهجمات الرقمية على نطاق واسع. وفي السياق الجزائري، يطرح هذا التطور سؤالًا محوريًا: إلى أي حدّ تواكب السياسة الجنائية الجزائرية الجرائم المدعومة بالذكاء الاصطناعي دون الإضرار بمقتضيات السيادة الوطنية، خصوصًا في شقها الرقمي المرتبط بالبيانات والاختصاص والأدلة؟ تتجلى أهمية الموضوع في تزايد المخاطر العملية (التزييف العميق، الاحتيال المؤتمت، اختراق الأنظمة)، وفي تداخلها مع قضايا سيادية مثل التحكم في البيانات والتعاون القضائي الدولي. ويعتمد المقال المنهج التحليلي للنصوص القانونية الجزائرية ذات الصلة، مع استحضار البعد الدولي بوصفه عنصرًا لازمًا في مكافحة الجرائم العابرة للحدود.

1. الجرائم المدعومة بالذكاء الاصطناعي: خصائص جديدة تُربك السياسة الجنائية

لا تُعد الجرائم المدعومة بالذكاء الاصطناعي جرائم “مستحدثة” بالمعنى التقليدي دائمًا، بل هي غالبًا جرائم معروفة (احتيال، ابتزاز، تزوير، تشهير، اختراق…) لكن الذكاء الاصطناعي يمنحها ثلاث خصائص رئيسية:

1.1. قابلية التوليد والإقناع (التزييف العميق)
تسمح تقنيات التزييف العميق بإنتاج صور وأصوات وفيديوهات تبدو واقعية، فتُستعمل لانتحال الهوية، والابتزاز، والتشهير، والتضليل. الخطورة هنا ليست في الفعل وحده، بل في زعزعة الثقة في الدليل السمعي البصري، ما يصعّب الإثبات ويزيد العبء على الخبرة التقنية.

1.2. الأتمتة والتوسع (الجريمة على نطاق واسع)
يمكن للذكاء الاصطناعي توليد رسائل تصيّد احتيالي “مخصصة” لكل ضحية، وتحسين سيناريوهات الخداع، وإدارة هجمات رقمية متزامنة، ما يرفع الحجم ويخفض التكلفة ويزيد صعوبة التتبع.

1.3. عابرية الحدود وتعقيد الإسناد
غالبًا ما تتوزع عناصر الجريمة بين عدة دول (فاعل، ضحية، خوادم، منصة)، فتتعقد قواعد الاختصاص وجمع الأدلة، وتصبح المساعدة القضائية الدولية شرطًا عمليًا للفعالية.

2. أسس الاستجابة القانونية الجزائرية لمواجهة الجرائم الرقمية ذات الصلة بالذكاء الاصطناعي

تعتمد السياسة الجنائية الجزائرية على منظومة قانونية يمكن توظيفها لمواجهة جزء معتبر من هذه الجرائم، حتى لو لم يُذكر “الذكاء الاصطناعي” صراحة في النصوص.

2.1. القانون المتعلق بالجرائم المتصلة بتكنولوجيات الإعلام والاتصال
يعد القانون رقم 09-04 المؤرخ في 5 غشت 2009 (المتضمن القواعد الخاصة للوقاية من الجرائم المتصلة بتكنولوجيات الإعلام والاتصال ومكافحتها) قاعدة مركزية لتأطير الجرائم الرقمية وآليات الوقاية والمكافحة، وهو قابل لاستيعاب صور متعددة من الجرائم التي تُرتكب بوسائط رقمية مدعومة بالذكاء الاصطناعي، من حيث المبدأ والآليات الإجرائية والمؤسساتية (وفق ما يقرره النص).
مرجع النشر: الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية.

2.2. قانون التوقيع والتصديق الإلكترونيين
يفيد القانون رقم 04-15 المؤرخ في 1 فيفري 2015 (القواعد العامة المتعلقة بالتوقيع والتصديق الإلكترونيين) في حماية الثقة في المعاملات الرقمية، لأن كثيرًا من الاحتيال المدعوم بالذكاء الاصطناعي يستهدف الهوية الرقمية، والمراسلات، والوثائق الإلكترونية، وأدلة الالتزام.
مرجع النشر: الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية.

2.3. قانون عصرنة العدالة
يدعم القانون رقم 03-15 المؤرخ في 1 فيفري 2015 (المتعلق بعصرنة العدالة) التوجه نحو رقمنة المرفق القضائي، بما يساعد على رفع جاهزية التعامل مع الملفات ذات الطابع التقني والأدلة الإلكترونية.
مرجع النشر: الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية.

2.4. حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي وتعديل 2025
يمثل القانون رقم 18-07 المؤرخ في 10 يونيو 2018 (المتعلق بحماية الأشخاص الطبيعيين في مجال معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي) ركيزة وقائية وسيادية، لأن البيانات هي الوقود الأساسي لجرائم الذكاء الاصطناعي (جمعًا وتحليلًا واستغلالًا). وقد عُدّل هذا القانون بالقانون رقم 25-11 المؤرخ في 24 يوليو 2025، وهو تعديل حديث يعكس تطور الرؤية التشريعية لمخاطر البيئة الرقمية.
مرجع النشر: الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية.

3. أثر الجرائم المدعومة بالذكاء الاصطناعي على السيادة الوطنية

تتجلى علاقة الموضوع بالسيادة الوطنية في ثلاثة مستويات متداخلة:

3.1. سيادة البيانات
عندما تُخزّن بيانات الضحايا أو الأدلة الرقمية على خوادم خارج الإقليم، تصبح الدولة أمام تحديات تتعلق بالوصول إلى الأدلة، وضمان احترام حماية المعطيات، وعدم وقوع البيانات تحت سيطرة قانون أجنبي أو منصة أجنبية.

3.2. سيادة الاختصاص القضائي
تفرض الجرائم العابرة للحدود اختبارًا لقواعد الاختصاص المكاني، وتجعل تحديد الجهة القضائية المختصة وجمع الأدلة مرتبطًا بآليات التعاون الدولي، دون أن يعني ذلك التنازل عن المصلحة الوطنية، بل تنظيم التعاون بما يحقق الفعالية ويحفظ السيادة.

3.3. سيادة الأمن الرقمي
قد تستهدف الهجمات المدعومة بالذكاء الاصطناعي البنى التحتية أو الخدمات الرقمية أو المجال المعلوماتي، ما يحول الجريمة من اعتداء على فرد إلى تهديد لمرفق أو وظيفة سيادية.

4. آفاق تطوير السياسة الجنائية الجزائرية في حدود السيادة والضمانات

يمكن اقتراح مسارات عملية دون الخروج عن فلسفة المنظومة القانونية الجزائرية:

تدقيق التكييفات القانونية لبعض الأفعال المستجدة (خاصة التزييف العميق عند انتحال الهوية أو الإضرار الجسيم)، أو اعتبار استعمال الذكاء الاصطناعي ظرفًا مشددًا عندما يرفع حجم الضرر أو يهدد الأمن العام.

تقوية قواعد الإثبات الرقمي عبر معايير أوضح لجمع الدليل وحفظه (سلسلة الحيازة) وتعزيز الخبرة التقنية لكشف التلاعب.

رفع الجاهزية المؤسسية والتكوينية لفرق التحري الرقمي والخبراء والقضاة في الجرائم الرقمية المتطورة.

تعزيز المقاربة الوقائية بحماية المعطيات والحد من الاستهداف المؤتمت، لأن كثيرًا من الجرائم يبدأ من تسرب البيانات أو سوء معالجتها.

خاتمة

يتضح أن الذكاء الاصطناعي لا يخلق الجريمة من عدم، لكنه يغيّر سرعتها ونطاقها ووسائلها، ويجعل المكافحة أكثر تعقيدًا من حيث الإثبات والاختصاص والتعاون الدولي. وتمتلك الجزائر قواعد قانونية مهمة لمواجهة الجرائم الرقمية ذات الصلة، أبرزها قانون مكافحة الجرائم المتصلة بتكنولوجيات الإعلام والاتصال، وقانون التوقيع والتصديق الإلكترونيين، وقانون حماية المعطيات وتعديله في 2025، إلى جانب توجه عصرنة العدالة. غير أن التطور التقني يفرض تحديثًا متوازنًا: فعالية جنائية أكبر مع حماية السيادة الوطنية الرقمية وضمان الحقوق والحريات.

قائمة المراجع

القانون رقم 09-04 المؤرخ في 5 غشت 2009، المتضمن القواعد الخاصة للوقاية من الجرائم المتصلة بتكنولوجيات الإعلام والاتصال ومكافحتها، منشور في الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية.

القانون رقم 03-15 المؤرخ في 1 فيفري 2015، المتعلق بعصرنة العدالة، منشور في الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية.

القانون رقم 04-15 المؤرخ في 1 فيفري 2015، يحدد القواعد العامة المتعلقة بالتوقيع والتصديق الإلكترونيين، منشور في الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية.

القانون رقم 18-07 المؤرخ في 10 يونيو 2018، المتعلق بحماية الأشخاص الطبيعيين في مجال معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي، منشور في الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية.

القانون رقم 25-11 المؤرخ في 24 يوليو 2025، يعدل ويتمم القانون رقم 18-07، منشور في الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية.
 
أعلى