مقال التسرّب (L’infiltration) في قانون الإجراءات الجزائية الجزائري رقم 25-14

LY Dia

عضو نشيط
المشاركات
47
مستوى التفاعل
1
النقاط
6
التسرّب (L’infiltration) في قانون الإجراءات الجزائية الجزائري رقم 25-14
إعداد: الباحث حسوني محمد عبد الغني

يُعدّ "التسرّب" أو ما يُعرف بالفرنسية بـ L’infiltration من بين أبرز تقنيات التحري الخاصة التي جاء بها قانون الإجراءات الجزائية الجزائري المعدّل بموجب القانون رقم 25-14، المنشور في الجريدة الرسمية عدد 54 بتاريخ 13 أوت 2025. وقد خُصّص له قسم مستقل من القانون (المواد من 120 إلى 127)، نظراً لحساسيته وتعقيداته القانونية والعملية، باعتباره وسيلة فعّالة في مكافحة الجريمة الخطيرة والمنظّمة.

يقصد بالتسرّب إدماج ضابط أو عون من الشرطة القضائية في بيئة مشتبه في ضلوعها في ارتكاب جناية أو جنحة، وذلك بصفة مموّهة (كأن يكون شريكًا ظاهريًا أو مساهماً أو شخصاً يتستّر على أشياء متحصلة من الجريمة). الغاية من هذه التقنية هي الكشف عن الوقائع الإجرامية من الداخل، وجمع أدلة الإثبات، دون أن يشعر المشتبه فيهم بوجود متابعة أمنية أو قضائية.

يُرخّص باللجوء إلى تقنية التسرّب عندما تستدعي الضرورة ذلك، سواء في إطار التحري الابتدائي أو أثناء التحقيق القضائي، شريطة أن تتعلق الوقائع الإجرامية بجرائم محددة يُصنّفها القانون ضمن الجرائم المعقّدة أو الخطيرة. من بين هذه الجرائم: القتل العمد، تهريب المخدرات، الجريمة المنظمة العابرة للحدود، الجرائم المرتبطة بتكنولوجيات الإعلام والاتصال، تبييض الأموال، الإرهاب، التهريب، الفساد، جرائم الصرف، الاتجار بالأشخاص والأعضاء، تهريب المهاجرين، وخطف الأشخاص. وقد حددت المادة 114 نطاق هذه الجرائم بشكل دقيق.

أما من حيث الجهة المخوّلة بالترخيص، فإن وكيل الجمهورية يملك صلاحية إصدار إذن بالتسرّب، وفي حال تم اللجوء إلى التقنية خلال التحقيق القضائي، فإن قاضي التحقيق هو من يُصدر الترخيص، بعد أخذ رأي وكيل الجمهورية. وتخضع العملية طيلة مراحلها لرقابة الجهة القضائية التي منحت الترخيص، ما يُكرّس الطابع القضائي الرقابي لهذه الآلية.

تنفيذ العملية يتم بواسطة ضابط أو عون شرطة قضائية، تحت مسؤولية ضابط منسّق يتولّى الإشراف على العملية. ويُسمح للمتسرّب باستعمال هوية مزيّفة، ما يُتيح له الاندماج الكامل داخل محيط المشتبه فيهم. إلا أن المشرّع اشترط ضرورة عدم تجاوز الدور التمثيلي إلى مستوى التحريض على الجريمة، حيث يؤدي ذلك إلى بطلان الإجراءات واعتبارها غير قانونية، حفاظاً على مبدأ النزاهة الإجرائية.

في إطار تنفيذ التسرّب، أجاز القانون لضباط الشرطة القضائية والمتعاونين معهم القيام بأعمال ضرورية تقتضيها طبيعة المهمة، دون أن تترتب عليهم أية مسؤولية جزائية، طالما أنهم يتصرفون في نطاق المهمة المرخّص بها. وتشمل هذه الأعمال مثلاً: اقتناء أو نقل أو تسليم أشياء أو معلومات متحصلة من الجريمة، أو استعمال وسائل مالية أو لوجستيكية (وسائل نقل، إيواء، اتصال) لتسهيل العملية، وذلك كله ضمن حدود الترخيص الممنوح وتحت رقابة السلطة القضائية المختصة.

من الناحية الشكلية، يشترط القانون أن يكون ترخيص التسرّب مكتوبًا ومسببًا، تحت طائلة البطلان. ويجب أن يتضمن وصفًا دقيقًا للجريمة المبرّرة للجوء إلى هذا الإجراء، والهوية الوظيفية للضابط المكلّف بالتنسيق. أما من حيث المدة، فإن الترخيص يُمنح لفترة لا تتجاوز أربعة (4) أشهر، قابلة للتجديد وفق الشروط ذاتها، كما يجوز إنهاء العملية في أي وقت بموجب أمر من الجهة القضائية صاحبة الترخيص.

أولى القانون أهمية قصوى لحماية هوية الضابط أو العون الذي يقوم بالتسرّب، حيث نصّ صراحة على عدم الكشف عن هويته الحقيقية في أي مرحلة من مراحل الإجراءات القضائية، كما أدرج المشرّع جريمة خاصة تتعلق بإفشاء هوية المتسرّب، مع تشديد العقوبة إذا أدى هذا الفعل إلى اعتداءات جسدية أو إلى وفاة الشخص المعني، بالنظر إلى خطورة الموقف الذي قد يكون عرضة له.

بعد انتهاء العملية أو عند وقفها، يمكن للضابط المتسرّب أن يستمر مؤقتًا في أداء بعض الأفعال الضرورية لاستكمال مهمته وتأمين خروجه من الوسط الذي تسلل إليه، وذلك لمدة لا تتجاوز أربعة (4) أشهر إضافية. ويُشترط في ذلك إخطار الجهة القضائية المختصة، مع إمكانية منح ترخيص محدود بالتمديد إذا كانت ظروف الانسحاب الآمن غير متاحة.

وبذلك، يُكرّس قانون الإجراءات الجزائية الجديد 25-14 التسرّب كأداة تحرٍّ متقدّمة لمكافحة الجريمة المنظمة والجرائم المعقّدة، من خلال إطار قانوني محكم يوازن بين فعالية التحقيقات الجنائية وحماية حقوق الأفراد وضمانات المحاكمة العادلة.

المصدر الرسمي: نص قانون الإجراءات الجزائية رقم 25-14 المنشور في الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية (العدد 54 بتاريخ 13 أوت 2025)، قسم “De l’infiltration” (المواد 120 إلى 127) والمواد المرتبطة بنطاق الجرائم (المادة 114).
 
أعلى