بحث حول اختصاصات القضاء العسكري

Noure Lhayat

عضو نشيط جدا
المشاركات
100
مستوى التفاعل
2
النقاط
18
بحث حول اختصاصات القضاء العسكري

اعداد الباحث حسوني محمد عبد الغني

مقدّمة

يُعدّ القضاء العسكري جزءًا من المنظومة القضائية الوطنية، ويُمارس عبر جهات قضائية عسكرية تختص أساسًا بالنظر في الدعوى العمومية ذات الصلة بالمجال العسكري وفق ضوابط قانونية خاصة. وقد عرف هذا المجال تطورًا مهمًا بعد تعديل قانون القضاء العسكري بموجب القانون رقم 18-14 المؤرخ في 29 يوليو 2018 الذي عدّل وتمّم الأمر 71-28 المتضمن قانون القضاء العسكري، ومن أبرز ما جاء به: تقرير ممارسة القضاء العسكري تحت رقابة المحكمة العليا، وتحديد نطاق الأشخاص الخاضعين، وإعادة تنظيم الجهات القضائية العسكرية (محاكم عسكرية ومجالس استئناف عسكرية) على مستوى النواحي العسكرية.

إشكالية البحث:
ما هي حدود اختصاص القضاء العسكري في الجزائر؟ وما هي معايير تحديده (الشخصي، الموضوعي/النوعي، الإقليمي، الزماني)؟ وكيف يُعالج تنازع الاختصاص بين الجهات القضائية العسكرية؟

أهداف البحث:

ضبط مفهوم الاختصاص في القضاء العسكري وبيان معاييره.

تحديد نطاق الأشخاص الخاضعين للقضاء العسكري.

توضيح الاختصاص الإقليمي والزماني (زمن السلم/الحرب) وآليات حسم التنازع.

المنهج المتبع:
المنهج الوصفي–التحليلي، بالاعتماد على النصوص القانونية الرسمية وتحليلها في ضوء قواعد الاختصاص.

خطة البحث:

المبحث الأول: الإطار المفاهيمي والتنظيمي للقضاء العسكري

المبحث الثاني: نطاق الاختصاص (الشخصي/الموضوعي)

المبحث الثالث: الاختصاص الإقليمي والزماني وتنازع الاختصاص

المبحث الأول: الإطار المفاهيمي والتنظيمي للقضاء العسكري
المطلب الأول: مفهوم القضاء العسكري وطبيعته

يُقصد بالقضاء العسكري: مجموعة القواعد والجهات القضائية التي تتولى الفصل في القضايا الجزائية ذات الصلة بالمؤسسة العسكرية، وفق قانون خاص (قانون القضاء العسكري). وقد نصّ تعديل 2018 على أن القضاء العسكري يمارس من طرف الجهات القضائية العسكرية تحت رقابة المحكمة العليا.

المطلب الثاني: تنظيم الجهات القضائية العسكرية

كرّس تعديل 2018 تنظيم الجهات القضائية العسكرية في محاكم عسكرية ومجالس استئناف عسكرية.
كما نص على إنشاء محكمة عسكرية ومجلس استئناف عسكري في كل ناحية عسكرية، مع إمكانية عقد الجلسات داخل إقليم الناحية العسكرية بموجب مقرر من وزير الدفاع الوطني.

المطلب الثالث: أساس الاختصاص داخل قانون القضاء العسكري

أشار نص الجريدة الرسمية إلى أن قانون القضاء العسكري يتضمن “تنظيم الجهات القضائية العسكرية واختصاصها” ضمن هيكلة “الكتاب الأول”، وهو ما يدل على أن الاختصاص عنصر جوهري في هذا القانون ومفصل في أبوابه.

المبحث الثاني: نطاق اختصاص القضاء العسكري
المطلب الأول: الاختصاص الشخصي (من يخضع للقضاء العسكري)

يظهر الاختصاص الشخصي بوضوح في تعديل المادة 3، حيث تقرر أن أحكام قانون القضاء العسكري تُطبق على:
“جميع المستخدمين العسكريين والمدنيين التابعين لوزارة الدفاع الوطني”.

كما تتضمن أحكام الاختصاص (في سياقات معينة) إمكانية امتداد نظر الجهة القضائية العسكرية للنظر في جرائم تخص أشخاصًا أجانب عن الجيش أو محرّرين من التزاماتهم العسكرية عن وقائع سابقة، بحسب ما ورد ضمن نصوص الاختصاص والإسناد.

خلاصة هذا المطلب: الاختصاص الشخصي يرتبط أساسًا بصفة الشخص (عسكري/مدني تابع لوزارة الدفاع)، مع حالات تمتد فيها المتابعة لغير العسكريين بحسب شروط القانون.

المطلب الثاني: الاختصاص الموضوعي/النوعي (ما هي القضايا التي ينظر فيها؟)

من حيث المبدأ، القضاء العسكري قضاء جزائي خاص (ليس مدنيًا)، ويشتغل على الدعوى العمومية ضمن إطار الجرائم التي يحددها قانون القضاء العسكري والقوانين ذات الصلة. ويؤكد التنظيم الداخلي للقانون أنه يتضمن إجراءات جزائية عسكرية (الكتاب الثاني) تتعلق بالشرطة القضائية العسكرية، والتحقيق العسكري، وإجراءات الحكم والطعن.

ويُفهم من ذلك أن اختصاصه الموضوعي يرتبط بـ:

الجرائم العسكرية بطبيعتها (كما يحددها قانون القضاء العسكري).

جرائم ترتبط بالمؤسسة العسكرية أو بنطاق عسكري/تشكيلة/معدات/أمن عسكري… عندما يقرر القانون ذلك.

المطلب الثالث: أثر الرتبة والصفة الوظيفية على قواعد الاختصاص

أورد نص الاختصاص حالات خاصة عندما يكون المتهم برتبة تساوي “عقيد” أو أعلى، أو عندما يكون “قاضيًا عسكريًا” أو “ضابط شرطة قضائية عسكرية”، وهو ما يدل على وجود قواعد خصوصية في الإسناد عند اجتماع صفات/رتب معينة.

المبحث الثالث: الاختصاص الإقليمي والزماني وتنازع الاختصاص
المطلب الأول: الاختصاص الإقليمي (المكاني)

من قواعد حسم التنازع المكاني داخل القضاء العسكري:

عند تنازع الاختصاص، يكون الاختصاص للجهة القضائية العسكرية التي وقع الجرم في دائرة اختصاصها.

وإذا كان الفاعل “مقيمًا خارج التراب الوطني” فإن الاختصاص يعود للجهة التي “يكون الوصول إليها أسهل” وفق النص.

وهذا يبرز معيارين: مكان ارتكاب الجريمة كقاعدة أصلية، ومعيار سهولة الوصول كحل عملي استثنائي في حالة الإقامة خارج الوطن.

المطلب الثاني: الاختصاص الزماني (زمن السلم وزمن الحرب)

قانون القضاء العسكري يميّز صراحة بين الجهات القضائية العسكرية في زمن السلم وفي زمن الحرب ضمن تنظيمه العام.
كما تظهر آثار هذا التمييز إجرائيًا، مثل تقليص بعض الآجال في زمن الحرب (مثل آجال الطعن بالنقض) مقارنة بزمن السلم.

ويظهر أيضًا توسع/سرعة بعض الإجراءات في زمن الحرب، حيث يرد ضمن النص أن الوكيل العسكري للجمهورية “في زمن الحرب” يمكنه استحضار شخص مباشرة أمام المحكمة العسكرية ضمن قيود يحددها القانون.

المطلب الثالث: تنازع الاختصاص داخل القضاء العسكري (وآلية حسمه)

يرِد في نص الاختصاص ما يفيد أنه عند تعارض الجهات أو تنازعها، تُحسم المسألة بإسناد الاختصاص إلى جهة محددة وفق معايير قانونية، وأبرز معيار صريح هو مكان وقوع الجرم.

خاتمة

يتبين أن اختصاصات القضاء العسكري في الجزائر تقوم على منطق “القضاء الجزائي الخاص” المرتبط بالمؤسسة العسكرية، وتُحدَّد وفق معايير متعددة:

شخصيًا: أساسًا المستخدمون العسكريون والمدنيون التابعون لوزارة الدفاع الوطني.

تنظيميًا: وجود محاكم عسكرية ومجالس استئناف عسكرية على مستوى النواحي العسكرية.

إقليميًا: معيار مكان ارتكاب الجريمة كقاعدة لحسم التنازع.

زمانيًا: تمييز واضح بين زمن السلم وزمن الحرب مع آثار إجرائية (خاصة في الآجال وبعض الإجراءات).

وبالتالي، فإن فهم اختصاص القضاء العسكري يقتضي دائمًا الرجوع إلى نصوص قانون القضاء العسكري المعدلة وربطها بالإجراءات الجزائية الخاصة التي نص عليها القانون ذاته.

المصادر والمراجع (موثوقة/رسمية قدر الإمكان)

الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية – العدد 47 (01 أوت 2018): قانون رقم 18-14 المؤرخ في 29 يوليو 2018 يعدل ويتمم الأمر 71-28 المتضمن قانون القضاء العسكري (النص العربي PDF).

الجريدة الرسمية – العدد 47 (01 août 2018): Loi n° 18-14 (النص الفرنسي PDF).

عرض نص “Code de justice militaire” بصيغته المعدلة (مرجع تجميعي مساعد للاستئناس بالنص الكامل، مع بقاء الجريدة الرسمية هي الأصل).

موقع المحكمة العليا الجزائرية (قرار يتضمن إحالة إلى مواد من قانون القضاء العسكري—مفيد في الجانب التطبيقي/الاجتهاد).
 
أعلى