مراحل سنّ التشريع الفرعي

MīLÿ Sîsî

عضو جديد
المشاركات
28
مستوى التفاعل
1
النقاط
1
مراحل سنّ التشريع الفرعي في الجزائر
اعداد الباحث حسوني محمد عبد الغني
مقدمة
يُعدّ التشريع الفرعي من أهم أدوات الضبط القانوني في الدولة الحديثة، لأنه يمكّن السلطة التنفيذية من تفصيل الأحكام العامة الواردة في التشريع، أو تنظيم المسائل التي لم يخصّصها الدستور للقانون، وبذلك يضمن استمرارية المرفق العام وفعالية تنفيذ القواعد القانونية. وتبرز أهمية دراسة مراحل سنّ التشريع الفرعي في الجزائر من خلال اتساع المجال التنظيمي في ظل دستور 2020، وتنوع صوره بين المراسيم الرئاسية والمراسيم التنفيذية والقرارات التنظيمية الصادرة عن أعضاء الحكومة والسلطات الإدارية المختصة. وتتمثل إشكالية البحث في بيان: ما المقصود بالتشريع الفرعي في النظام القانوني الجزائري، وما هي مراحله القانونية والعملية منذ المبادرة به إلى غاية نشره ونفاذه؟ ويهدف البحث إلى تحديد الأساس الدستوري للتشريع الفرعي، وبيان الجهات المختصة به، وشرح المسار الإجرائي الذي يمرّ به، ثم إبراز الضمانات الرقابية التي تحكمه. وللإجابة عن هذه الإشكالية تم اعتماد المنهج الوصفي التحليلي، من خلال تحليل النصوص الدستورية والتنظيمية الجزائرية، مع الاستئناس ببعض الدراسات الجامعية والمقالات القانونية الجزائرية ذات الصلة. وعلى هذا الأساس قُسّم البحث إلى أربعة مباحث: ماهية التشريع الفرعي وأساسه الدستوري، ثم مرحلة المبادرة والإعداد، ثم مرحلة الدراسة والمصادقة والتوقيع، ثم مرحلة النشر والنفاذ والرقابة.

المبحث الأول: ماهية التشريع الفرعي وأساسه الدستوري
المطلب الأول: مفهوم التشريع الفرعي

الفرع الأول: تعريف التشريع الفرعي
يقصد بالتشريع الفرعي مجموعة القواعد القانونية العامة والمجردة التي تصدرها السلطة التنفيذية أو السلطات الإدارية المختصة، في حدود اختصاصها الدستوري أو القانوني، بقصد تنفيذ القوانين أو تنظيم المسائل الداخلة في المجال التنظيمي. وفي الفقه الجزائري يستعمل أحيانًا بمفهوم قريب من “التنظيم” أو “اللوائح” أو “النصوص التنظيمية”. كما بيّن دليل إعداد النصوص القانونية أن النصوص التنظيمية تتمثل في المراسيم الرئاسية والمراسيم التنفيذية والقرارات الوزارية المشتركة والقرارات والمقررات.

الفرع الثاني: خصائصه
يتميز التشريع الفرعي بأنه أدنى مرتبة من القانون في تدرج القواعد القانونية، وأنه يصدر عن السلطة التنفيذية لا عن البرلمان، وأن وظيفته إما تنفيذية بتطبيق القانون، وإما تنظيمية مستقلة في المسائل غير المخصصة للقانون. ولهذا أكدت الدراسات الجزائرية الحديثة أن التشريع الفرعي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمبدأ الفصل بين السلطات وبمبدأ المشروعية، فلا يجوز له اقتحام المجال المحجوز للتشريع.

المطلب الثاني: الأساس الدستوري للتشريع الفرعي

الفرع الأول: المجال التنظيمي لرئيس الجمهورية
نص دستور 2020 صراحة في المادة 141 على أن رئيس الجمهورية يمارس السلطة التنظيمية في المسائل غير المخصصة للقانون، كما نصت المادة 91 على أن من صلاحياته تولي السلطة التنظيمية وتوقيع المراسيم الرئاسية. ومؤدى ذلك أن التنظيم المستقل، أي الخارج عن مجال تطبيق القوانين، يدخل في اختصاص رئيس الجمهورية.

الفرع الثاني: المجال التنظيمي للوزير الأول أو رئيس الحكومة
قررت المادة 141 نفسها أن تطبيق القوانين يندرج في المجال التنظيمي الذي يعود للوزير الأول أو لرئيس الحكومة، حسب الحالة، وهو ما يفيد أن التنظيم التنفيذي يختلف عن التنظيم المستقل من حيث الموضوع والأساس. وقد كرّر دليل إعداد النصوص القانونية هذا التمييز حين أوضح أن المراسيم التنفيذية هي الأداة التي يمارس بها الوزير الأول أو رئيس الحكومة صلاحية تطبيق القانون.

المطلب الثالث: صور التشريع الفرعي

الفرع الأول: المراسيم الرئاسية والمراسيم التنفيذية
تُعدّ المراسيم الرئاسية الصورة الأساسية للتنظيم المستقل الذي يمارسه رئيس الجمهورية، بينما تُعدّ المراسيم التنفيذية الأداة الرئيسية لتنفيذ القوانين من طرف الوزير الأول أو رئيس الحكومة. والتمييز بينهما ليس شكليًا فقط، بل هو تمييز دستوري من حيث مصدر الاختصاص وطبيعة الموضوع.

الفرع الثاني: القرارات والقرارات الوزارية المشتركة
إلى جانب المراسيم، تعود المبادرة بالنصوص التنظيمية أيضًا إلى أعضاء الحكومة في حدود اختصاصهم، وتمارس غالبًا عن طريق القرارات أو القرارات الوزارية المشتركة إذا تعلقت المسألة بأكثر من قطاع. كما يشير دليل إعداد النصوص القانونية إلى ضرورة عرض بعض القرارات ذات الأثر المالي أو الاجتماعي أو الاقتصادي على الوزير الأول أو رئيس الحكومة قبل إرسالها إلى الأمانة العامة للحكومة للنشر.

المبحث الثاني: مرحلة المبادرة بإعداد التشريع الفرعي
المطلب الأول: تحديد الجهة المختصة بالمبادرة

الفرع الأول: المبادرة على المستوى الرئاسي والحكومي
تمرّ عملية سنّ التشريع الفرعي أولًا بتحديد صاحب الاختصاص. فإذا تعلق الأمر بمسألة غير مخصصة للقانون، كانت المبادرة في إطار السلطة التنظيمية لرئيس الجمهورية؛ أما إذا تعلق الأمر بتطبيق قانون، كانت المبادرة في المجال التنظيمي للوزير الأول أو رئيس الحكومة. ويؤكد الدستور ودليل إعداد النصوص القانونية هذا التوزيع بوضوح.

الفرع الثاني: المبادرة القطاعية
قد تكون المبادرة من الوزارة المختصة عندما يتعلق النص بميدان فني أو إداري يدخل ضمن اختصاصها، وحينئذ تعدّ الإدارة أو القطاع المعني مشروع النص الأولي، مع مراعاة قواعد الاختصاص ومبدأ عدم التعدي على المجال التشريعي أو على اختصاص سلطة تنظيمية أعلى.

المطلب الثاني: الدراسة الأولية لمشروع النص

الفرع الأول: دراسة الملاءمة والضرورة
قبل الشروع في تحرير النص التنظيمي، يجب التأكد من ضرورته ومن ملاءمته القانونية والعملية. وقد شدد دليل إعداد النصوص القانونية على أهمية دراسة الخيارات، والتحقق من مدى الحاجة إلى النص، وتفادي كثرة الإحالات على نصوص تنظيمية دون إصدارها، لأن ذلك يضعف فعالية القانون والأمن القانوني.

الفرع الثاني: اختيار نوع النص المناسب
من المراحل الجوهرية في سنّ التشريع الفرعي اختيار الأداة القانونية الملائمة: مرسوم رئاسي، مرسوم تنفيذي، قرار وزاري مشترك، أو قرار. ويجب أن يتم هذا الاختيار على ضوء الدستور ومبدأ تدرج القواعد القانونية، مع تجنب معالجة مسائل تشريعية بنصوص تنظيمية أو العكس.

المطلب الثالث: الصياغة الأولية والاستشارات الأولية

الفرع الأول: إعداد المشروع وصياغته
بعد حسم الاختصاص ونوع النص، تعدّ الجهة المبادرة مشروع النص مرفقًا بعرض الأسباب، ثم يُرسل إلى الأمانة العامة للحكومة بالعربية والفرنسية. وتعد هذه الخطوة بداية المرحلة الرسمية لدراسة النص والمصادقة عليه.

الفرع الثاني: الاستشارات القبلية واللجان الخاصة
قد تستلزم بعض النصوص التنظيمية استطلاع رأي لجان خاصة أو هيئات تقنية، خاصة في المجالات الإدارية أو الوظيف العمومي أو المسائل ذات الطبيعة الفنية. وقد نص دليل إعداد النصوص القانونية على إشراك هذه اللجان قبل إحالة المشروع إلى الأمانة العامة للحكومة، بما يضمن جودة النص وواقعيته.

المبحث الثالث: مرحلة دراسة المشروع والمصادقة عليه وتوقيعه
المطلب الأول: دراسة المشروع على مستوى الأمانة العامة للحكومة

الفرع الأول: توزيع المشروع على القطاعات المعنية
بعد استلام المشروع، تقوم الأمانة العامة للحكومة بتوزيعه على القطاعات الوزارية والهيئات المعنية لتلقي الملاحظات والاقتراحات، وهو ما يدخل في إطار التشاور الحكومي الرامي إلى تدعيم التنسيق بين الوزارات وتحقيق الانسجام في المنظومة القانونية والتنظيمية.

الفرع الثاني: الاجتماعات التنسيقية وضبط الصيغة النهائية
تعقد الأمانة العامة للحكومة اجتماعات تنسيقية مع ممثلي القطاعات المعنية لدراسة المشروع والتحقق من سلامته ومطابقته للأحكام القانونية السارية، ثم تُضبط الصيغة النهائية للنص. وإذا وقع خلاف بين القطاعات، يُعرض النص مرفقًا بمذكرة تبين نقاط الاختلاف للفصل فيها.

المطلب الثاني: عرض المشروع على الهيئات الحكومية المختصة

الفرع الأول: عرضه في اجتماع الحكومة
يبين دليل إعداد النصوص القانونية أنه فور الانتهاء من إعداد الصياغة النهائية، ترسل إلى الأمانة العامة للحكومة قصد تسجيلها في جدول أعمال اجتماع الحكومة، ويُعرض المشروع لدراسته، فإذا لم يكن محل تحفظ صودق عليه، ثم يُقترح تسجيله في جدول أعمال مجلس الوزراء عند الاقتضاء.

الفرع الثاني: موقع مجلس الوزراء في المسار الإجرائي
عندما يقتضي نوع النص أو أهميته عرضه على مجلس الوزراء، فإن هذه المرحلة تمثل محطة حاسمة قبل التوقيع، لأنها تسمح بالحسم السياسي والقانوني في المشروع على أعلى مستوى داخل السلطة التنفيذية. كما أن بعض الأوامر تتخذ في مجلس الوزراء بنص دستوري، وهو ما يعكس أهمية هذه الهيئة في بعض مسارات إنتاج القواعد القانونية.

المطلب الثالث: توقيع التشريع الفرعي

الفرع الأول: سلطة التوقيع
بعد اكتمال الدراسة والمصادقة، يصل المشروع إلى مرحلة التوقيع، وهي المرحلة التي يكتسب فيها النص وجوده الرسمي. وقد أوضح دليل إعداد النصوص القانونية أن رئيس الجمهورية يختص بتوقيع المراسيم الرئاسية، بينما يختص الوزير الأول أو رئيس الحكومة، حسب الحالة، بتوقيع المراسيم التنفيذية، أما النصوص الوزارية فيوقعها الوزير المختص أو المسؤولون المعنيون إذا كان النص مشتركًا.

الفرع الثاني: القيمة القانونية للتوقيع
التوقيع ليس إجراءً شكليًا صرفًا، بل هو تعبير عن تحمل الجهة المختصة المسؤولية الدستورية والقانونية عن مضمون النص. كما يحدد تاريخ التوقيع تاريخ النص إذا كان أمرًا أو مرسومًا، وهو ما يؤثر لاحقًا في ترقيمه ونشره ونفاذه.

المبحث الرابع: مرحلة النشر والنفاذ والرقابة على التشريع الفرعي
المطلب الأول: نشر التشريع الفرعي

الفرع الأول: النشر في الجريدة الرسمية
يُعدّ النشر المرحلة الأخيرة في عملية إعداد النصوص القانونية، إذ يخرج النص إلى العلن ويصبح حجة على المخاطبين به. وقد نص دليل إعداد النصوص القانونية على أن النشر في الجريدة الرسمية إجراء ضروري، وعلى أن النصوص القانونية يجب أن تتضمن في مادتها الأخيرة حكمًا يقضي بنشرها في الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية.

الفرع الثاني: آثار النشر
يرتبط نفاذ التشريع الفرعي واحتجاج الإدارة به على الأفراد بتمام نشره بالطرق الرسمية؛ فالدستور أكد أنه لا يُحتج بالقوانين والتنظيمات إلا بعد نشرها رسميًا، وهو ما يكرّس الأمن القانوني ويمنع إلزام الأفراد بقواعد غير معلنة.

المطلب الثاني: نفاذ التشريع الفرعي

الفرع الأول: بدء السريان
الأصل أن التنظيم يبدأ سريانه بعد نشره وفق القواعد القانونية المعمول بها، وقد ربط دليل إعداد النصوص القانونية الحجية والسريان بإجراء النشر. كما قد يتضمن النص ذاته تاريخًا خاصًا لدخوله حيز النفاذ أو أحكامًا انتقالية تؤجل بعض آثاره.

الفرع الثاني: الأحكام الانتقالية والنهائية
قد يستلزم حسن تطبيق النص التنظيمي الجديد إدراج أحكام انتقالية تضمن استمرار سريان بعض الأحكام السابقة مؤقتًا، أو تمكين المخاطبين بالنص من مهلة لتسوية أوضاعهم، وهو ما يعدّ من مظاهر احترام الأمن القانوني وتجنب الاضطراب التشريعي.

المطلب الثالث: الرقابة على التشريع الفرعي

الفرع الأول: الرقابة الدستورية
أوضح دليل إعداد النصوص القانونية، استنادًا إلى الدستور، أن المحكمة الدستورية تراقب دستورية التنظيمات التي يتعين إخطارها بها خلال شهر من تاريخ نشرها في الجريدة الرسمية، وأن التنظيم يفقد أثره من يوم صدور قرار المحكمة الدستورية إذا قضت بعدم دستوريته. وهذه الرقابة تشكل ضمانة أساسية لمنع تجاوز السلطة التنظيمية لحدودها الدستورية.

الفرع الثاني: الرقابة القضائية الإدارية
إلى جانب الرقابة الدستورية، يخضع التشريع الفرعي للرقابة القضائية الإدارية أمام مجلس الدولة والجهات القضائية الإدارية المختصة، من خلال دعوى الإلغاء بسبب تجاوز السلطة متى خالف النص التنظيمي الدستور أو القانون أو قواعد الاختصاص أو الشكل أو الغاية. وتؤكد الكتابات الجامعية الجزائرية أن هذه الرقابة تعدّ أداة جوهرية لحماية مبدأ المشروعية.

خاتمة

يتبين من خلال هذا البحث أن سنّ التشريع الفرعي في الجزائر ليس مجرد عمل إداري بسيط، بل هو مسار قانوني منظم يبدأ بتحديد الجهة المختصة وبحث مدى الحاجة إلى النص، ثم يمر بإعداد المشروع وصياغته واستشارة الجهات المعنية، ثم دراسته على مستوى الأمانة العامة للحكومة والهيئات الحكومية المختصة، ثم توقيعه من السلطة صاحبة الاختصاص، وأخيرًا نشره في الجريدة الرسمية حتى يصبح نافذًا وملزمًا. كما يتضح أن دستور 2020 وضع تمييزًا واضحًا بين التنظيم المستقل الذي يمارسه رئيس الجمهورية والتنظيم التنفيذي الذي يعود إلى الوزير الأول أو رئيس الحكومة، وأن هذا المسار كله محاط بضمانات رقابية دستورية وقضائية تكفل احترام مبدأ المشروعية وتدرج القواعد القانونية. ومن ثمّ، فإن فعالية التشريع الفرعي لا تتوقف فقط على صدوره، بل تتوقف كذلك على جودة صياغته، واحترام إجراءاته، وانسجامه مع الدستور والقانون.

المصادر والمراجع
دستور الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، العدد 82، 30 ديسمبر 2020.
الأمانة العامة للحكومة، دليل إعداد النصوص القانونية، الجزائر، 2024.
نعيمة بوزكري، ميلود بن عبد العزيز، ضوابط صياغة التشريع الفرعي وأثره على تحقيق الأمن القانوني في الجزائر، مجلة الباحث للدراسات الأكاديمية، 2024.
دراجي، موقع اللائحة في النظام القانوني الجزائري بين سلطة التنظيم وسلطة التشريع، مقال جامعي، 2016.
شنيني رفيدة، رقابة القضاء على السلطة التنظيمية لرئيس الجمهورية، مذكرة ماستر، جامعة محمد خيضر بسكرة.
أدحيمن محمد الطاهر، السلطة التنظيمية في الدستور الجزائري، مذكرة ماجستير، جامعة الجزائر، 2002.
 
أعلى