مقال مراحل سنّ التشريع الفرعي

MīLÿ Sîsî

عضو جديد
المشاركات
28
مستوى التفاعل
1
النقاط
1
مراحل سنّ التشريع الفرعي في الجزائر
اعداد الباحث حسوني محمد عبد الغني
مقدمة
يُعدّ التشريع الفرعي من الموضوعات الأساسية في القانون العام، بالنظر إلى مكانته في بناء المنظومة القانونية وضمان حسن تنفيذ القوانين وتسيير المرافق العامة بانتظام واطراد. وتبرز أهمية هذا الموضوع في النظام القانوني الجزائري من خلال اتساع الدور الذي تؤديه السلطة التنفيذية في مجال إصدار النصوص التنظيمية، سواء تعلق الأمر بالتنظيم المستقل الذي يمارسه رئيس الجمهورية في المسائل غير المخصصة للقانون، أو بالتنظيم التنفيذي الذي يهدف إلى تطبيق القوانين وتجسيدها في الواقع العملي. كما تزداد أهمية دراسة مراحل سنّ التشريع الفرعي بسبب ما يقتضيه هذا المجال من احترام لمبدأ المشروعية وتدرج القواعد القانونية، حتى لا تتحول السلطة التنظيمية إلى وسيلة للاعتداء على الاختصاص التشريعي أو لتجاوز الحدود التي رسمها الدستور. وانطلاقًا من ذلك، تثار إشكالية جوهرية مفادها: كيف يتم سنّ التشريع الفرعي في الجزائر، وما هي أهم المراحل التي يمرّ بها منذ نشأة فكرته إلى غاية نشره ونفاذه وخضوعه للرقابة؟ ويهدف هذا المقال إلى إبراز الإطار المفاهيمي والدستوري للتشريع الفرعي، وبيان الجهات المختصة بإصداره، وتحليل المراحل العملية والقانونية التي يمرّ بها، مع توضيح آليات الرقابة التي تكفل خضوعه للدستور والقانون. ولتحقيق هذا الهدف تم الاعتماد على المنهج الوصفي التحليلي، من خلال دراسة النصوص الدستورية والتنظيمية الجزائرية، والاستئناس ببعض الكتابات الفقهية والجامعية الجزائرية ذات الصلة.

يقصد بالتشريع الفرعي في الجزائر مجموعة القواعد القانونية العامة والمجردة التي تصدرها السلطة التنفيذية أو بعض السلطات الإدارية المختصة، في حدود ما يخوله لها الدستور أو القانون، بقصد تنظيم بعض المسائل أو تنفيذ النصوص التشريعية. ويُعرف كذلك بالتنظيم أو اللوائح، وهو في جميع الأحوال يحتل مرتبة أدنى من القانون ضمن سلم تدرج القواعد القانونية، الأمر الذي يفرض عليه احترام النصوص الأعلى منه، وفي مقدمتها الدستور ثم القوانين. ويستند التشريع الفرعي في الجزائر إلى أساس دستوري واضح، حيث خوّل دستور الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية لرئيس الجمهورية ممارسة السلطة التنظيمية في المسائل غير المخصصة للقانون، كما أسند للوزير الأول أو رئيس الحكومة، حسب الحالة، المجال التنظيمي المتعلق بتطبيق القوانين. ويكشف هذا التوزيع عن وجود نوعين من التشريع الفرعي: أولهما تنظيم مستقل لا يستند مباشرة إلى قانون سابق بل إلى الدستور، وثانيهما تنظيم تنفيذي يتفرع عن القانون ويهدف إلى تفصيل أحكامه وبيان كيفيات تطبيقه. وتتخذ النصوص التنظيمية في الجزائر عدة صور، أهمها المراسيم الرئاسية والمراسيم التنفيذية والقرارات الوزارية المشتركة والقرارات الإدارية، وتختلف هذه الصور بحسب الجهة المختصة بالإصدار وبحسب طبيعة الموضوع المراد تنظيمه.
وتبدأ مراحل سنّ التشريع الفرعي في الجزائر بمرحلة المبادرة، وهي المرحلة التي يتم فيها تحديد الحاجة إلى إصدار نص تنظيمي جديد، سواء بسبب وجود نص قانوني يتطلب التطبيق، أو بسبب ضرورة تنظيم مسألة تدخل في المجال التنظيمي المستقل. وفي هذه المرحلة يتم تحديد الجهة المختصة بالمبادرة، فقد تكون رئاسة الجمهورية إذا تعلق الأمر بمسألة تدخل ضمن السلطة التنظيمية لرئيس الجمهورية، وقد تكون الوزارة أو القطاع الوزاري المختص إذا تعلق الأمر بنص تنفيذي أو تنظيمي يدخل ضمن مجال اختصاصه. ولا تقتصر هذه المرحلة على مجرد الرغبة في إصدار النص، بل تستلزم دراسة أولية لمدى ضرورته وملاءمته القانونية والعملية، مع التحقق من عدم وجود نص سابق يغني عنه، ومن عدم تعارضه مع أحكام الدستور أو القانون. وبعد ذلك يتم اختيار نوع النص المناسب، لأن سلامة التكييف القانوني للنص تعدّ عنصرًا أساسيًا في مشروعيته، فلا يجوز معالجة مسائل تشريعية بنصوص تنظيمية، كما لا يجوز إصدار قرار إداري في موضوع يتطلب مرسومًا أو نصًا أعلى مرتبة.
وعقب مرحلة المبادرة، ينتقل مسار سنّ التشريع الفرعي إلى مرحلة الإعداد والصياغة، وهي من أكثر المراحل حساسية، لأن جودة النص التنظيمي وفعاليته تتوقفان بدرجة كبيرة على سلامة بنائه اللغوي والقانوني. وفي هذه المرحلة تقوم الجهة المبادرة بإعداد مشروع النص وصياغته صياغة دقيقة وواضحة، مع بيان أسبابه وأهدافه والنتائج المرجوة منه، ثم قد تلجأ إلى استشارة بعض الهيئات أو المصالح أو اللجان التقنية المختصة كلما اقتضت طبيعة الموضوع ذلك. وتكتسي هذه الاستشارات أهمية خاصة في المسائل ذات الطابع الفني أو المالي أو الاجتماعي، لأنها تساعد على تدعيم النص المقترح وجعله أكثر قابلية للتطبيق. وبعد استكمال الصياغة الأولية، يُوجَّه المشروع إلى الأمانة العامة للحكومة التي تضطلع بدور محوري في فحص النصوص القانونية والتنظيمية ومتابعة مسارها الإجرائي.
وتأتي بعد ذلك مرحلة الدراسة والتنسيق، حيث تتولى الأمانة العامة للحكومة دراسة المشروع من الناحية الشكلية والموضوعية، وتتأكد من مطابقته للقواعد الدستورية والتشريعية النافذة، ومن انسجامه مع بقية النصوص المعمول بها داخل المنظومة القانونية. كما تقوم، عند الاقتضاء، بإحالة المشروع على القطاعات الوزارية أو الهيئات المعنية لإبداء الرأي والملاحظات، وذلك من أجل تحقيق التنسيق بين مختلف القطاعات ومنع التداخل أو التعارض في الاختصاصات. وقد تعقد اجتماعات تنسيقية لتسوية النقاط الخلافية والوصول إلى صيغة نهائية متوازنة للنص. وتبرز في هذه المرحلة أهمية التقييم القانوني المسبق، لأنه يشكل ضمانة أساسية لحسن إعداد النصوص التنظيمية ولتجنب ما قد يشوبها لاحقًا من عيوب عدم المشروعية. وإذا تعلق الأمر بنص ذي أهمية خاصة أو بموضوع يتطلب عرضه على الحكومة أو مجلس الوزراء، فإن المشروع يُدرج ضمن جدول الأعمال لدراسته والمصادقة عليه وفق الإجراءات المعمول بها.
أما مرحلة التوقيع، فهي المرحلة التي يكتسب فيها مشروع التشريع الفرعي صفته الرسمية، إذ يُوقّع من طرف السلطة المختصة دستوريًا أو قانونيًا. فإذا كان النص مرسومًا رئاسيًا، وقّعه رئيس الجمهورية، وإذا كان مرسومًا تنفيذيًا وقّعه الوزير الأول أو رئيس الحكومة بحسب الحالة، أما القرارات والقرارات الوزارية المشتركة فتوقّعها السلطات الوزارية أو الإدارية المختصة. ولا يُعدّ التوقيع مجرد إجراء شكلي، بل هو عمل قانوني يعبّر عن إرادة السلطة المختصة في إصدار النص وتحمل المسؤولية المترتبة عنه، كما يحدد تاريخ النص ويهيئه للمرحلة التالية المتمثلة في النشر.
وتتمثل المرحلة الأخيرة في نشر التشريع الفرعي في الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، وهي مرحلة جوهرية لا تكتمل بدونها عملية سنّ النص التنظيمي، لأن النشر هو الذي يكفل علم المخاطبين بالنص بمضمونه، ويجعله قابلاً للاحتجاج في مواجهتهم. فالأصل أن النصوص القانونية والتنظيمية لا تكون نافذة ولا ملزمة إلا بعد نشرها وفق الطرق الرسمية المقررة قانونًا. وقد يتضمن النص التنظيمي نفسه حكمًا يحدد تاريخ دخوله حيز النفاذ، سواء فور نشره أو في تاريخ لاحق، كما قد يشتمل على أحكام انتقالية لتنظيم الانتقال من النظام القانوني السابق إلى النظام الجديد. وتظهر أهمية هذه الأحكام في المحافظة على الأمن القانوني، وتفادي الاضطراب الذي قد ينجم عن التطبيق الفوري للنصوص الجديدة دون تمهيد أو إعداد.
وإلى جانب هذه المراحل، فإن التشريع الفرعي في الجزائر لا يتحرر من الرقابة، بل يظل خاضعًا لعدة صور من الرقابة القانونية التي تهدف إلى ضمان احترامه لمبدأ المشروعية. فمن جهة، توجد رقابة دستورية تمارسها المحكمة الدستورية في الحدود ووفق الإجراءات المقررة قانونًا، وذلك للتحقق من مدى مطابقة النصوص التنظيمية للدستور. ومن جهة أخرى، توجد رقابة قضائية إدارية تمارسها الجهات القضائية الإدارية، وعلى رأسها مجلس الدولة، من خلال دعوى الإلغاء بسبب تجاوز السلطة، متى ثبت أن النص التنظيمي مشوب بعيب في الاختصاص أو الشكل أو مخالفة القانون أو الانحراف بالسلطة. وتكتسي هذه الرقابة أهمية بالغة لأنها تمنع الإدارة من التعسف في استعمال صلاحياتها التنظيمية، وتكرس خضوع جميع السلطات لأحكام الدستور والقانون. ومن ثمّ، فإن سنّ التشريع الفرعي لا يمكن النظر إليه بوصفه مجرد سلسلة إجراءات تقنية، بل هو مسار قانوني متكامل تتداخل فيه اعتبارات الاختصاص والصياغة والمشروعية والفعالية، بما يجعل من النص التنظيمي أداة ضرورية لتفعيل السياسة التشريعية للدولة وضمان حسن سير المؤسسات والإدارات العمومية.

خاتمة
يخلص هذا المقال إلى أن التشريع الفرعي في الجزائر يشكل وسيلة قانونية أساسية لاستكمال البناء التشريعي وتحقيق التنفيذ الفعلي للقوانين، كما يمثل مجالًا حيويًا تمارس من خلاله السلطة التنفيذية جزءًا مهمًا من وظائفها الدستورية والتنظيمية. وقد تبين أن سنّ هذا النوع من التشريع يمرّ بعدة مراحل مترابطة تبدأ بالمبادرة وتحديد الجهة المختصة، ثم إعداد المشروع وصياغته، فدراسته والتنسيق بشأنه، ثم المصادقة عليه وتوقيعه، وأخيرًا نشره في الجريدة الرسمية ودخوله حيز النفاذ. كما اتضح أن هذه المراحل ليست مجرد ترتيبات إجرائية، وإنما تشكل ضمانات حقيقية لحسن إعداد النصوص التنظيمية ولتحقيق الانسجام بين مقتضيات الفعالية الإدارية ومقتضيات الشرعية الدستورية. ويؤكد ذلك أن قيمة التشريع الفرعي لا تقاس فقط بقدرته على تنظيم المسائل العملية، وإنما أيضًا بمدى احترامه لقواعد الاختصاص وتدرج القواعد القانونية وخضوعه للرقابة الدستورية والقضائية. وعليه، فإن دراسة مراحل سنّ التشريع الفرعي تكشف عن أهمية تطوير جودة الصياغة القانونية وتعزيز التنسيق المؤسساتي والرقابة القانونية، بما يسهم في تكريس دولة القانون وترشيد العمل التنظيمي في الجزائر.

المصادر والمراجع

دستور الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، العدد 82، سنة 2020.
الأمانة العامة للحكومة، دليل إعداد النصوص القانونية، الجزائر، 2024.
أدحيمن، محمد الطاهر، السلطة التنظيمية في الدستور الجزائري، مذكرة ماجستير، جامعة الجزائر، 2002.
بوزكري، نعيمة، وبن عبد العزيز، ميلود، ضوابط صياغة التشريع الفرعي وأثره على تحقيق الأمن القانوني في الجزائر، مجلة الباحث للدراسات الأكاديمية، 2024.
دراجي، موقع اللائحة في النظام القانوني الجزائري بين سلطة التنظيم وسلطة التشريع، مقال جامعي، 2016.
شنيني، رفيدة، رقابة القضاء على السلطة التنظيمية لرئيس الجمهورية، مذكرة ماستر، جامعة محمد خيضر بسكرة، سنة النشر.
 
أعلى