الحقوق الشخصية الدائنية

MīLÿ Sîsî

عضو جديد
المشاركات
28
مستوى التفاعل
1
النقاط
1
الحقوق الشخصية الدائنية اعداد الباحث حسوني محمد عبد الغني

مقدمة
تُعدّ الحقوق الشخصية الدائنية من الموضوعات الأساسية في النظرية العامة للحق وفي نظرية الالتزام بوجه خاص، لأنها تمثل الإطار القانوني الذي يحكم جانبًا واسعًا من المعاملات المدنية والمالية بين الأفراد، وتظهر أهميتها العملية في العقود، والتعويضات، والوفاء بالالتزامات، والضمانات المقررة للدائن في مواجهة المدين. وتزداد قيمة هذا الموضوع في القانون المدني الجزائري لارتباطه المباشر بمصادر الالتزام وبالتمييز بين مختلف أصناف الحقوق المالية، ولا سيما التمييز بين الحق الشخصي والحق العيني، لما يترتب عن ذلك من آثار مهمة في الحماية القانونية، والنفاذ، والتتبع، والتنفيذ. وتتمثل إشكالية البحث في بيان المقصود بالحقوق الشخصية الدائنية، وما أنواعها وأطرافها ومصادرها، وكيف يمكن تمييزها عن الحقوق العينية في إطار القانون المدني الجزائري. ويهدف البحث إلى ضبط المفهوم القانوني للحق الشخصي الدائني، وبيان خصائصه وأنواعه، وتحديد أطرافه، وتحليل مصادره، ثم إبراز أوجه الاختلاف بينه وبين الحق العيني. ولتحقيق ذلك تم اعتماد المنهج الوصفي التحليلي، من خلال تحليل أحكام القانون المدني الجزائري والاستئناس ببعض الكتابات الفقهية والمقالات الجامعية الجزائرية ذات الصلة.

المبحث الأول: ماهية الحقوق الشخصية الدائنية
المطلب الأول: تعريف الحق الشخصي الدائني

الفرع الأول: التعريف القانوني
الحق الشخصي الدائني هو رابطة قانونية بين شخصين، يكون بمقتضاها للدائن سلطة قانونية تخوله مطالبة المدين بأداء معين، يتمثل في إعطاء شيء، أو القيام بعمل، أو الامتناع عن عمل. وبهذا المعنى فإن الحق الشخصي لا يرد مباشرة على شيء معين، وإنما يرد على ذمة شخص آخر يلتزم قانونًا تجاه الدائن بأداء محدد. وقد عبّرت الكتابات الجامعية الجزائرية عن هذا المعنى بكونه سلطة يقررها القانون لشخص يسمى الدائن قبل شخص آخر يسمى المدين، تمكنه من إلزامه بأداء معين.

الفرع الثاني: علاقته بالالتزام
الحق الشخصي من جهة الدائن يقابله الالتزام من جهة المدين؛ فإذا نظرنا إلى الرابطة من ناحية صاحب المصلحة سمّيناها حقًا شخصيًا دائنًا، وإذا نظرنا إليها من ناحية الملتزم سمّيناها التزامًا. ومن ثمّ فإن دراسة الحقوق الشخصية الدائنية لا تنفصل عن النظرية العامة للالتزام، لأن هذا الحق لا يقوم إلا متى وجدت رابطة قانونية تجعل في ذمة المدين واجبًا يمكن إجباره على تنفيذه وفق القانون.

المطلب الثاني: خصائص الحق الشخصي الدائني

الفرع الأول: كونه رابطة نسبية
يمتاز الحق الشخصي الدائني بأنه رابطة نسبية، أي أنه لا ينشئ أثره إلا بين أطرافه، فلا يكون للدائن من حيث الأصل إلا الرجوع على المدين أو من يقوم مقامه، بخلاف الحق العيني الذي تكون له حجية في مواجهة الكافة. ولذلك يرتبط الحق الشخصي بمبدأ نسبية آثار التصرفات القانونية، وخاصة العقود، فلا يتعدى أثره إلى الغير إلا في الحدود التي يقررها القانون.

الفرع الثاني: وروده على الذمة المالية لا على الشيء مباشرة
لا يخول الحق الشخصي لصاحبه سلطة مباشرة على شيء معين، وإنما يخول له المطالبة بأداء من المدين. فالدائن في عقد البيع مثلًا لا يباشر سلطته على المبيع بوصفه صاحب حق عيني إلا بعد انتقال الملكية إليه، وإنما قبل ذلك يكون له حق شخصي في مطالبة البائع بالتسليم ونقل الملكية. وهذه الخاصية هي التي تجعل الضمان العام للدائن العادي يتمثل في أموال المدين كلها لا في مال معين بذاته، ما لم يكن مزودًا بتأمين عيني أو امتياز خاص.

المطلب الثالث: أنواع الحقوق الشخصية الدائنية

الفرع الأول: الحقوق الشخصية بحسب محل الأداء
تنقسم الحقوق الشخصية الدائنية بحسب محل الالتزام إلى: حقوق يكون محلها إعطاء شيء، كالتزام البائع بنقل الملكية أو التزام المقترض برد مبلغ القرض؛ وحقوق يكون محلها القيام بعمل، كالتزام المقاول بالبناء أو الطبيب بالعلاج في حدود التزامه القانوني؛ وحقوق يكون محلها الامتناع عن عمل، كالتزام التاجر بعدم منافسة شريكه إذا اتفقا على ذلك في الحدود المشروعة. وهذا التقسيم من أهم التقسيمات العملية لأنه يرتبط بطرق التنفيذ وآثار الإخلال بالالتزام.

الفرع الثاني: الحقوق الشخصية بحسب المصدر
كما يمكن تقسيم الحقوق الشخصية الدائنية بحسب مصدرها إلى حقوق ناشئة عن تصرف قانوني، وفي مقدمتها العقد والإرادة المنفردة، وحقوق ناشئة عن واقعة قانونية، مثل الفعل الضار والإثراء بلا سبب، وحقوق يقررها القانون مباشرة دون توقف على إرادة الأطراف. وهذا التقسيم له أهمية منهجية، لأنه يربط بين الحق الشخصي وبين القواعد التي تحكم نشأته وإثباته وانقضاءه.

المبحث الثاني: أطراف الحقوق الشخصية الدائنية
المطلب الأول: الدائن

الفرع الأول: مفهوم الدائن
الدائن هو الطرف الإيجابي في الرابطة الالتزامية، أي الشخص الذي يثبت له الحق في مطالبة المدين بأداء معين. وقد يكون شخصًا طبيعيًا أو شخصًا معنويًا، كما قد يكون دائنًا عاديًا لا يتمتع إلا بالضمان العام على أموال المدين، أو دائنًا ممتازًا أو مرتهنًا إذا كان حقه الشخصي مقترنًا بتأمين يمنحه أفضلية في استيفاء حقه.

الفرع الثاني: سلطات الدائن
يترتب للدائن عدة سلطات قانونية، أهمها المطالبة بالوفاء، واللجوء إلى التنفيذ الجبري عند الاقتضاء، والمطالبة بالتعويض إذا أخل المدين بالتزامه، واتخاذ الوسائل القانونية للمحافظة على الضمان العام المقرر له على أموال المدين. غير أن هذه السلطات تبقى، في أصلها، موجهة ضد المدين أو ذمته المالية، لا ضد الشيء محل الالتزام مباشرة، ما لم يتحول الحق الشخصي إلى حق عيني أو يقترن بتأمين عيني.

المطلب الثاني: المدين

الفرع الأول: مفهوم المدين
المدين هو الطرف السلبي في الرابطة القانونية، أي الشخص الملتزم بأداء معين لصالح الدائن. ولا يشترط أن يكون شخصًا واحدًا، فقد يكون متعددًا، كما في التضامن بين المدينين، وقد يكون التزامه أصليًا أو تبعيًا بحسب علاقته بالمصدر المنشئ للحق الشخصي.

الفرع الثاني: التزامات المدين
يلتزم المدين بتنفيذ ما ثبت في ذمته على الوجه الذي يحدده القانون أو الاتفاق أو طبيعة الالتزام. فإن لم يقم بالوفاء جاز للدائن الرجوع عليه بالتنفيذ أو التعويض وفق الأحكام المقررة في القانون المدني. وتختلف طبيعة التزام المدين بحسب محل الأداء، فقد يكون التزامًا بنقل حق، أو بتسليم شيء، أو بعمل، أو بالامتناع عن عمل.

المطلب الثالث: تعدد أطراف الحق الشخصي

الفرع الأول: تعدد الدائنين أو المدينين
قد يكون الحق الشخصي بين دائن واحد ومدين واحد، وقد يرد على عدة دائنين أو عدة مدينين. وفي حالة التعدد تطبق الأحكام الخاصة بعدم القابلية للانقسام أو التضامن أو الاشتراك، بحسب طبيعة الالتزام أو ما ينص عليه القانون أو الاتفاق. وهذا التعدد لا يخرج الحق من طبيعته الشخصية، وإنما يغير فقط في مركز أطرافه وفي طرق تنفيذه.

الفرع الثاني: الخلف والغير
قد ينتقل الحق الشخصي إلى الخلف العام أو الخاص وفق القواعد القانونية، كما قد يمتد أثر بعض التصرفات إلى الغير في حالات استثنائية يقررها القانون. غير أن الأصل يظل هو نسبية الحق الشخصي وارتباطه بأطراف الرابطة القانونية التي نشأ عنها.

المبحث الثالث: مصادر الحقوق الشخصية الدائنية
المطلب الأول: التصرفات القانونية

الفرع الأول: العقد
يُعدّ العقد المصدر الأهم والأوسع انتشارًا للحقوق الشخصية الدائنية في المعاملات المدنية، لأنه ينشئ التزامات متقابلة أو أحادية بحسب طبيعته، مثل التزامات البائع والمشتري، والمؤجر والمستأجر، والمقرض والمقترض. ولذلك يعده الفقه المصدر الأول من مصادر الالتزام من الناحية العملية، إذ تنشأ عنه أغلب الحقوق الشخصية المتداولة بين الأفراد.

الفرع الثاني: الإرادة المنفردة
قد ينشأ الحق الشخصي الدائني كذلك عن الإرادة المنفردة في الحالات التي يعترف بها القانون، كالوعد بجائزة في بعض الصور، أو غير ذلك من التصرفات التي يرتب القانون عليها التزامًا بمجرد صدور الإرادة المنفردة وفق شروطها القانونية. واعتبار الإرادة المنفردة مصدرًا للالتزام وارد في الشرح الفقهي الجزائري للنظرية العامة للالتزام.

المطلب الثاني: الوقائع القانونية

الفرع الأول: الفعل الضار
ينشأ الحق الشخصي الدائني عن الفعل الضار عندما يترتب على عمل غير مشروع ضرر يلحق بالغير، فيثبت للمضرور حق شخصي قبل المسؤول يطالبه بمقتضاه بالتعويض. وفي هذه الحالة يكون الحق الشخصي ذا مصدر غير إرادي، لأن القانون هو الذي يرتب الالتزام بالتعويض بمجرد تحقق أركان المسؤولية.

الفرع الثاني: الإثراء بلا سبب
كما قد ينشأ الحق الشخصي من الإثراء بلا سبب، متى أثرى شخص على حساب غيره دون مبرر قانوني، فيثبت للمفتقر حق شخصي في الرجوع بالقدر الذي يحدده القانون. ويُعدّ هذا المصدر من أبرز التطبيقات التي يظهر فيها تدخل القانون لتقرير الالتزام خارج دائرة التعاقد والفعل الضار.

المطلب الثالث: القانون

الفرع الأول: القانون كمصدر مباشر
قد ينشئ القانون بنفسه حقوقًا شخصية دائنية دون حاجة إلى اتفاق أو خطأ أو إثراء، متى نصّ على التزام معين في ذمة شخص لصالح آخر. وهنا يكون مصدر الحق هو النص القانوني ذاته، لا إرادة الأشخاص. ويقر الفقه الجزائري ضمن مصادر الالتزام: العقد، والإرادة المنفردة، والفعل المستحق للتعويض، والإثراء بلا سبب، والقانون.

الفرع الثاني: ملاحظة منهجية حول تعداد المصادر
من الناحية الفنية، تشير بعض الدراسات الجزائرية إلى أن القانون المدني الجزائري لا يورد في نص واحد تعدادًا جامعًا مانعًا لمصادر الالتزام، لكن الفقه يستخلصها من أبواب النظرية العامة للالتزام في التقنين المدني، ويجمعها في المصادر الخمسة المتقدمة. ولذلك يصح في إطار البحث الجامعي عرض هذه المصادر بوصفها التقسيم الفقهي المعتمد في شرح القانون المدني الجزائري.

المبحث الرابع: التمييز بين الحقوق الشخصية والحقوق العينية
المطلب الأول: من حيث المحل وطبيعة السلطة

الفرع الأول: محل الحق الشخصي
الحق الشخصي يرد على ذمة شخص معين، إذ يكون للدائن مجرد مطالبة المدين بأداء معين، لذلك فهو لا يعطي لصاحبه سلطة مباشرة على شيء معين. وبهذا المعنى فإن الحماية التي يقررها هذا الحق تنصرف أساسًا إلى المطالبة بالوفاء أو التعويض.

الفرع الثاني: محل الحق العيني
أما الحق العيني فيرد مباشرة على شيء معين بالذات، ويمنح صاحبه سلطة مباشرة على هذا الشيء، مثل حق الملكية أو حق الانتفاع أو الرهن الرسمي. ولهذا السبب يتميز الحق العيني بارتباطه المباشر بالمال محل الحق، لا بذمة شخص معين.

المطلب الثاني: من حيث الأثر والحجية

الفرع الأول: نسبية الحق الشخصي
الحق الشخصي ذو أثر نسبي، فلا يحتج به في الأصل إلا بين طرفيه، أي الدائن والمدين، ولا تكون له حجية مطلقة في مواجهة الكافة. فإذا أخل المدين بالتزامه، رجع عليه الدائن وفق القواعد العامة، لكنه لا يملك تتبع الشيء في يد الغير على أساس حقه الشخصي المجرد.

الفرع الثاني: إطلاق الحق العيني
في المقابل، يكون الحق العيني نافذًا في مواجهة الكافة، ويترتب عليه في كثير من صوره ميزتا التتبع والتقدم، خاصة في الحقوق العينية التبعية، كالامتياز والرهن، حيث يستطيع صاحب الحق العيني تتبع المال في أي يد انتقل إليها واستيفاء حقه بالأولوية وفق ما يقرره القانون.

المطلب الثالث: من حيث الحصر والتنفيذ

الفرع الأول: الحقوق العينية واردة على سبيل الحصر
الأصل في الحقوق العينية أنها محددة بنصوص القانون، فلا يجوز للأفراد استحداث حقوق عينية جديدة بإرادتهم الحرة خارج ما يجيزه المشرع، لما يترتب عليها من آثار في مواجهة الغير والنظام العام للمعاملات المالية.

الفرع الثاني: الحقوق الشخصية غير محصورة
أما الحقوق الشخصية الدائنية فهي غير واردة على سبيل الحصر، لأن نطاقها يتسع باتساع المعاملات والتصرفات والوقائع القانونية التي تنشئ الالتزامات. ولذلك يمكن للأفراد إنشاء صور متنوعة من الحقوق الشخصية عن طريق العقود المختلفة ما دامت لا تخالف القانون أو النظام العام. كما أن التنفيذ فيها يكون، في الأصل، على أموال المدين بوصفها ضمانًا عامًا للدائنين، لا على مال معين إلا إذا وجد تأمين خاص.

خاتمة

يتبين من خلال هذا البحث أن الحق الشخصي الدائني في القانون المدني الجزائري هو رابطة قانونية بين دائن ومدين، تخول الأول مطالبة الثاني بأداء معين يتمثل في إعطاء شيء أو القيام بعمل أو الامتناع عن عمل. كما ظهر أن هذا الحق يتميز بطابعه النسبي وبكونه يرد على الذمة المالية للمدين لا على الشيء مباشرة، وأنه يتعدد بحسب محله ومصدره وأطرافه. وقد تبين كذلك أن مصادره الأساسية، في الفقه المدني الجزائري، تتمثل في العقد، والإرادة المنفردة، والفعل الضار، والإثراء بلا سبب، والقانون. كما أوضح البحث أن التمييز بين الحق الشخصي والحق العيني يقوم على أسس جوهرية، أهمها محل الحق، وطبيعة السلطة المخولة لصاحبه، ومدى الاحتجاج به في مواجهة الغير، وآثار التتبع والتقدم، ومدى الحصر التشريعي. ومن ثمّ، فإن فهم الحقوق الشخصية الدائنية لا يكتمل إلا بربطها بالنظرية العامة للالتزام وبموقعها ضمن تقسيم الحقوق المالية في القانون المدني الجزائري.

المصادر والمراجع

القانون رقم 07-05، المعدل والمتمم للأمر رقم 75-58، المتضمن القانون المدني.
رزين، مركز الدعوى المباشرة من بين نظم التأمينات الشخصية والعينية، مقال جامعي منشور على ، 2023.
زبلان، اعتبار الخلف العام والخلف الخاص والدائن العادي من الغير، مقال جامعي منشور على ، 2022.
بن عريوة، تفسير العقد على ضوء القانون المدني الجزائري، دراسة جامعية، جامعة برج بوعريريج، 2022.
 
أعلى