المسؤولية العقدية والمسؤولية التقصيرية ..اعداد الباحث حسوني محمد عبد الغني

MīLÿ Sîsî

عضو جديد
المشاركات
28
مستوى التفاعل
1
النقاط
1
المسؤولية العقدية والمسؤولية التقصيرية
اعداد الباحث حسوني محمد عبد الغني
مقدمة

تُعدّ المسؤولية المدنية من أهم موضوعات القانون المدني، لأنها تمثل الأداة القانونية التي تكفل جبر الضرر وإعادة التوازن بين المصالح الخاصة عند الإخلال بالالتزامات. وتتخذ هذه المسؤولية صورتين أساسيتين: مسؤولية عقدية تقوم عند الإخلال بالتزام ناشئ عن عقد صحيح، ومسؤولية تقصيرية تقوم عند الإخلال بواجب قانوني عام هو عدم الإضرار بالغير. وقد كرّس المشرّع الجزائري هذا التمييز في القانون المدني؛ فنظّم آثار عدم تنفيذ الالتزام العقدي في مواد التنفيذ بطريق التعويض، كما نظّم المسؤولية عن الأفعال الشخصية ضمن العمل المستحق للتعويض. وتظهر أهمية الموضوع في آثاره العملية، خاصة من حيث شروط القيام، وعبء الإثبات، ونطاق التعويض، وإمكان الإعفاء أو التخفيف، ومدى جواز الجمع أو التخيير بين النظامين. وتتمثل الإشكالية في بيان الأساس القانوني لكل من المسؤولية العقدية والمسؤولية التقصيرية، وأوجه الاتفاق والاختلاف بينهما، والآثار المترتبة على هذا التمييز في التشريع الجزائري. واعتمدت في هذا البحث المنهج الوصفي التحليلي بالرجوع إلى نصوص القانون المدني الجزائري وبعض الدراسات الجامعية الجزائرية. وعلى هذا الأساس تم تقسيم الموضوع إلى أربعة مباحث: ماهية المسؤولية العقدية، ثم ماهية المسؤولية التقصيرية، ثم أوجه التمييز بينهما، ثم الآثار القانونية المترتبة على هذا التمييز.

المبحث الأول: ماهية المسؤولية العقدية
المطلب الأول: مفهوم المسؤولية العقدية

المسؤولية العقدية هي الجزاء المدني الذي يترتب على إخلال أحد المتعاقدين بالتزام ناشئ عن عقد صحيح وساري المفعول، متى أدى هذا الإخلال إلى إلحاق ضرر بالطرف الآخر. وقد أبرزت الدراسات الجامعية الجزائرية أن هذه المسؤولية لا تتصور إلا بوجود رابطة عقدية سابقة بين الدائن والمدين، بخلاف المسؤولية التقصيرية التي تنشأ خارج نطاق العقد. كما أن القانون المدني الجزائري ربطها بعدم التنفيذ أو التأخر في التنفيذ، ثم رتب التعويض متى استحال التنفيذ العيني أو تأخر المدين في الوفاء بالتزامه.

المطلب الثاني: شروط قيام المسؤولية العقدية

يشترط لقيام المسؤولية العقدية وجود عقد صحيح، وأن يقع إخلال بالتزام عقدي، وأن يترتب عن هذا الإخلال ضرر، وأن تقوم علاقة سببية بين الإخلال والضرر. ويستفاد ذلك من نص المادة 176 من القانون المدني التي تقضي بأنه إذا استحال على المدين تنفيذ الالتزام عينًا حُكم عليه بتعويض الضرر الناجم عن عدم التنفيذ، وكذلك إذا تأخر في التنفيذ، ما لم يثبت أن الاستحالة أو التأخير يرجعان إلى سبب أجنبي لا يد له فيه. كما تؤكد المادة 182 أن التعويض يشمل ما لحق الدائن من خسارة وما فاته من كسب متى كان ذلك نتيجة طبيعية لعدم الوفاء أو التأخر فيه.

المطلب الثالث: آثار المسؤولية العقدية

الأصل في الالتزامات العقدية هو التنفيذ العيني، فإذا تعذر أو لم يعد مجديًا انتقل الجزاء إلى التنفيذ بطريق التعويض. ولهذا نص القانون المدني على وسائل متعددة تبدأ بالمطالبة بالتنفيذ أو الفسخ مع التعويض في العقود الملزمة للجانبين، وفق المادة 119، وقد أجاز أيضًا للمتعاقدين تحديد التعويض مسبقًا فيما يعرف بالشرط الجزائي، مع بقاء سلطة القاضي في الرقابة عليه وفق المواد 183 و184. كما يجوز الاتفاق على تحمل تبعة الحادث المفاجئ أو القوة القاهرة، لكن لا يجوز الإعفاء من الغش أو الخطأ الجسيم أو العمل الإجرامي.

المبحث الثاني: ماهية المسؤولية التقصيرية
المطلب الأول: مفهوم المسؤولية التقصيرية

المسؤولية التقصيرية هي التزام قانوني بالتعويض ينشأ عن الإخلال بواجب عام مفروض على الكافة، هو عدم الإضرار بالغير، دون اشتراط وجود رابطة عقدية سابقة. وقد أوضحت المطبوعة الجامعية لجامعة البليدة 2 أن المشرع الجزائري استعمل عبارة الفعل المستحق للتعويض للدلالة على المسؤولية التقصيرية، ونظم أصلها العام في المادة 124 من القانون المدني، ثم توسع إلى صور أخرى كالمسؤولية عن فعل الغير والشيء.

المطلب الثاني: أركان المسؤولية التقصيرية

تقوم المسؤولية التقصيرية، في صورتها العامة، على ثلاثة أركان: الخطأ، والضرر، والعلاقة السببية. وقد نصت المادة 124 من القانون المدني على أن كل فعل يرتكبه الشخص بخطئه ويسبب ضررًا للغير يلزم من كان سببًا في حدوثه بالتعويض. ويُفهم من ذلك أن مجرد وقوع الخطأ غير كافٍ، بل يجب أن يثبت المضرور حصول ضرر شخصي ومباشر، وأن يكون الضرر نتيجة لذلك الخطأ. وتندرج ضمن هذا الإطار صور التعسف في استعمال الحق، وقد نص عليها المشرع في المادة 124 مكرر باعتبارها خطأ يوجب التعويض في حالات محددة.

المطلب الثالث: آثار المسؤولية التقصيرية

الأثر الأصلي للمسؤولية التقصيرية هو التعويض، ويهدف إلى جبر الضرر لا إلى معاقبة المسؤول. ومن ثم فإن تقدير التعويض فيها يدور مع الضرر وجودًا وقدرًا، دون ارتباط بالعلاقة التعاقدية أو بما كان متوقعًا وقت التعاقد، لأن مصدر الالتزام هنا هو القانون لا العقد. وقد أشارت المحاضرات الجامعية إلى أن المسؤولية التقصيرية هي الأصل العام في جبر الأضرار التي تقع خارج نطاق الروابط التعاقدية، وأن التعويض فيها يقدَّر بحسب ما أصاب المضرور من ضرر فعلي.

المبحث الثالث: أوجه التمييز بين المسؤولية العقدية والمسؤولية التقصيرية
المطلب الأول: من حيث المصدر

يكمن الفرق الجوهري الأول في المصدر؛ فالمسؤولية العقدية مصدرها العقد الصحيح وما يرتبه من التزامات خاصة بين طرفيه، أما المسؤولية التقصيرية فمصدرها القانون، لأنها جزاء للإخلال بالتزام عام بعدم الإضرار بالغير. وقد أكدت الدراسات الجزائرية أن القانون المدني الجزائري تبنى هذا التمييز ونظّم كل نوع في موضع مختلف: المسؤولية العقدية ضمن آثار الالتزام وعدم التنفيذ، والمسؤولية التقصيرية ضمن العمل المستحق للتعويض.

المطلب الثاني: من حيث الشروط والإثبات

في المسؤولية العقدية يجب على الدائن أن يثبت وجود العقد والإخلال بالتزام ناشئ عنه والضرر، ثم يستطيع المدين أن يدفع المسؤولية بإثبات السبب الأجنبي. أما في المسؤولية التقصيرية فإن المضرور يثبت الخطأ والضرر وعلاقة السببية من حيث الأصل، لأن مناطها هو الفعل الضار ذاته لا رابطة تعاقدية سابقة. ولهذا يعد عبء الإثبات في المسؤولية التقصيرية أشد في كثير من الحالات، بينما يضيق نطاق المسؤولية العقدية بحدود الالتزام المتفق عليه بين الطرفين.

المطلب الثالث: من حيث نطاق التعويض

يختلف نطاق التعويض بين النظامين؛ ففي المسؤولية العقدية يقتصر التعويض، إذا لم يوجد غش أو خطأ جسيم، على الضرر الذي كان يمكن توقعه عادة وقت التعاقد، وفق المادة 182 من القانون المدني. أما في المسؤولية التقصيرية فلا يقف التعويض عند الضرر المتوقع، بل يشمل الضرر الناتج عن الفعل الضار متى ثبتت أركانه القانونية. وهذا الفرق له أهمية عملية كبيرة، لأنه يجعل حماية المضرور أوسع غالبًا في نطاق المسؤولية التقصيرية من حيث امتداد التعويض.

المطلب الرابع: من حيث الإعفاء أو التعديل الاتفاقي

يتميز النظام العقدي بإمكان تعديل بعض أحكامه باتفاق المتعاقدين، كإدراج شرط جزائي أو بعض شروط الإعفاء أو التخفيف، غير أن القانون يمنع الإعفاء من الغش أو الخطأ الجسيم أو العمل الإجرامي. أما المسؤولية التقصيرية فالأصل أنها لا تخضع لإرادة الأطراف لأنها تستند إلى قاعدة قانونية آمرة هدفها حماية الغير. لذلك فإن سلطان الإرادة يظهر بوضوح في المسؤولية العقدية أكثر من ظهوره في المسؤولية التقصيرية.

المبحث الرابع: الآثار العملية للتمييز بين المسؤوليتين
المطلب الأول: أثر التمييز على الدعوى القضائية

يؤثر التكييف بين المسؤولية العقدية والتقصيرية على أساس الدعوى والدفوع الممكنة فيها. فإذا كانت العلاقة بين الطرفين تعاقدية وكان الضرر ناتجًا عن عدم تنفيذ العقد أو التأخر في تنفيذه، فإن الأصل هو تطبيق أحكام المسؤولية العقدية. أما إذا وقع ضرر خارج نطاق الالتزام العقدي أو في غياب العقد أصلًا، فإن المرجع يكون إلى أحكام المسؤولية التقصيرية. ولهذا فإن حسن التكييف ليس مسألة نظرية فحسب، بل ينعكس مباشرة على شروط الإثبات ومدى التعويض ووسائل الدفاع.

المطلب الثاني: أثر التمييز على مصلحة المضرور

قد يسعى المضرور أحيانًا إلى الاستفادة من النظام الأكثر حماية له، غير أن الاتجاه الغالب في الفقه والقضاء يقوم على منع الخلط غير المبرر بين المسؤوليتين متى كان مصدر الالتزام واضحًا. فإذا كان هناك عقد صحيح يحكم العلاقة وكان الضرر ناشئًا عن الإخلال به، فلا محل للانتقال إلى أحكام المسؤولية التقصيرية إلا في الحالات التي يخرج فيها الفعل عن دائرة الالتزام العقدي أو يمس حقًا عامًا مستقلاً. ولهذا ظل التمييز بين المسؤوليتين قائمًا في التشريع الجزائري رغم وجود بعض التقاربات في النتائج، خاصة في مجال التعويض.

المطلب الثالث: موقف التشريع الجزائري

يتضح من بنية القانون المدني الجزائري أن المشرع لم يلغِ التمييز بين المسؤولية العقدية والمسؤولية التقصيرية، بل أبقاه قائمًا على مستوى التنظيم القانوني والآثار. فالمواد 176 إلى 184 تعالج التنفيذ بطريق التعويض داخل الإطار العقدي، بينما تؤسس المادة 124 وما بعدها للمسؤولية عن الفعل الضار. وعليه فإن موقف التشريع الجزائري أقرب إلى تكريس الازدواجية المنظمة، لا إلى فكرة وحدة المسؤولية المدنية في جميع صورها.

خاتمة

نخلص إلى أن المسؤولية العقدية والمسؤولية التقصيرية تشكلان فرعين أساسيين للمسؤولية المدنية في القانون الجزائري، غير أن لكل واحدة منهما نطاقًا قانونيًا خاصًا وشروطًا وآثارًا متميزة. فالمسؤولية العقدية تقوم على وجود عقد صحيح وإخلال بالتزام ناشئ عنه، بينما تقوم المسؤولية التقصيرية على الخطأ المضر بالغير خارج الإطار التعاقدي. كما يترتب على هذا التمييز اختلاف في مصدر الالتزام، وعبء الإثبات، ومدى التعويض، وإمكان الإعفاء أو التعديل الاتفاقي. ورغم وجود بعض أوجه التقارب بين النظامين، خاصة من حيث الغاية النهائية المتمثلة في جبر الضرر، فإن المشرع الجزائري ما زال متمسكًا بالتمييز بينهما، وهو تمييز له قيمة علمية وعملية واضحة في ضبط المنازعات وتحديد النظام القانوني الواجب التطبيق.

المصادر والمراجع
النصوص القانونية
الأمر رقم 75-58، المتضمن القانون المدني، معدل ومتمم. الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية. وقد استند البحث خصوصًا إلى المواد 119، 124، 176، 178، 179، 180، 181، 182، 183، 184.
المذكرات والمطبوعات الجامعية الجزائرية
حمو زهرة، المسؤولية العقدية في التشريع الجزائري، مذكرة ماستر، كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة عبد الحميد بن باديس مستغانم، 2022.
عرفي الحاجة الزهرة، آثار المسؤولية العقدية في التشريع الجزائري، مذكرة ماستر، كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة عبد الحميد بن باديس مستغانم، 2021.
عبدو أحمد، دروس في القانون المدني، الجزء الثاني: النظرية العامة للالتزام – المصادر غير الإرادية للالتزام – الفعل المستحق للتعويض (المسؤولية التقصيرية)، مطبوعة جامعية، كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة البليدة 2، السنة الجامعية 2021/2022.
بن صغير شهرزاد، محاضرات مقياس المسؤولية المدنية التقصيرية، كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة سطيف 2.
المقالات العلمية الجزائرية
بناسي شوقي، المسؤولية التقصيرية والمسؤولية العقدية: تمييز نحو زوال؟، المجلة الجزائرية للعلوم القانونية والسياسية، جامعة الجزائر 1 بن يوسف بن خدة، منشور بتاريخ 22-03-2020.
ضو خالد، معروف فاطمة، أركان المسؤولية العقدية وشروط قيامها – دراسة تأصيلية –، مجلة البيبان للدراسات القانونية والسياسية، كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة محمد البشير الإبراهيمي برج بوعريريج، منشور بتاريخ 15-06-2023.
 
أعلى