- المشاركات
- 28
- مستوى التفاعل
- 1
- النقاط
- 1
النظام القانوني للمرفق العام اعداد الباحث حسوني محمد عبد الغني
مقدمة
يُعدّ المرفق العام من الموضوعات الأساسية في القانون الإداري، لأنه يمثل الوسيلة العملية التي تُشبع بها الدولة والجماعات الإقليمية والمؤسسات العمومية الحاجات العامة للأفراد، سواء تعلق الأمر بالأمن أو الصحة أو التعليم أو النقل أو المياه أو غيرها من الخدمات الضرورية. ولهذا ارتبطت فكرة المرفق العام تاريخيًا بنشأة القانون الإداري وتطوره، حتى أصبحت من أهم معايير تمييز النشاط الإداري عن غيره من الأنشطة. وفي الجزائر، اكتسب المرفق العام مكانة خاصة بحكم اتساع تدخل الدولة في المجالين الاجتماعي والاقتصادي، وبحكم اتجاه المشرّع إلى تنظيم كثير من المرافق العامة ضمن إطار قانوني يجمع بين قواعد القانون العام وبعض تقنيات القانون الخاص بحسب طبيعة المرفق ونمط تسييره. وتكمن أهمية الموضوع في أن المرفق العام لا يخضع لقواعد موحدة بصورة مطلقة، بل يتأثر بطبيعته الإدارية أو الاقتصادية، وبالجهة القائمة عليه، وبأسلوب إدارته، وبالمبادئ التي تحكم سيره، مثل المساواة واستمرار الخدمة وقابلية النظام للتكيف مع متطلبات المصلحة العامة. وتتمثل إشكالية البحث في بيان المقصود بالمرفق العام، وتحديد عناصر نظامه القانوني، وبيان تصنيفاته وأساليب تسييره والمبادئ الحاكمة له في التشريع الجزائري. واعتمد هذا البحث على المنهج الوصفي التحليلي بالرجوع إلى النصوص الرسمية الجزائرية وبعض المراجع والمقالات الجامعية الجزائرية.
المبحث الأول: ماهية المرفق العام وأساسه القانوني
المطلب الأول: تعريف المرفق العام
يُفهم المرفق العام في الفقه الإداري على أنه نشاط أو تنظيم تتولاه السلطة العامة أو تشرف عليه بقصد إشباع حاجة عامة وتحقيق المصلحة العامة. وتوضح الدراسات الجزائرية أن المرفق العام يُعد المظهر الإيجابي لنشاط الإدارة، في مقابل الضبط الإداري، وأنه قد يظهر في صورة مؤسسة أو هيئة أو نشاط منظم لخدمة الجمهور. كما تشير محاضرات جامعة سطيف 2 إلى أن المرافق العامة الإدارية تتميز بطبيعة نشاطها الخدمي والإداري وخضوعها لقواعد القانون العام، في حين تظهر مرافق أخرى ذات طبيعة اقتصادية أو اجتماعية تخضع لنظام قانوني مختلط.
المطلب الثاني: عناصر المرفق العام
يستخلص من الكتابات الجامعية الجزائرية أن المرفق العام يقوم على عناصر أساسية، أهمها وجود حاجة عامة يراد إشباعها، ووجود سلطة عامة تنشئ المرفق أو تنظم نشاطه أو تشرف عليه، ثم خضوعه، كأصل عام، إلى نظام قانوني خاص واستثنائي يختلف عن قواعد القانون الخاص البحتة. وقد نصت محاضرات جامعة سطيف 2 صراحة على أن خضوع المرفق العام لنظام قانوني خاص واستثنائي يعني خضوعه لمجموعة من الأحكام والمبادئ القانونية المستمدة أساسًا من قواعد القانون العام ذات الطابع غير المألوف في القانون الخاص.
المطلب الثالث: الأساس القانوني للمرفق العام في الجزائر
لا يوجد في الجزائر قانون واحد جامع لكل نظرية المرفق العام، لكن نظامه القانوني يتوزع بين الدستور، والقوانين المنظمة للجماعات الإقليمية، والنصوص المتعلقة بالمؤسسات العمومية، وقواعد القضاء الإداري، والنصوص الخاصة بتفويضات المرفق العام. فالدستور الجزائري لسنة 2020 يكرس الإطار العام لدولة القانون ولتنظيم المرافق العمومية في سياق حماية الحقوق والخدمات العامة، بينما ينص قانون البلدية رقم 11-10 وقانون الولاية رقم 12-07 على الإطار القانوني لاختصاصات الجماعات الإقليمية التي تباشر أو تشرف على مرافق عامة محلية. كما أن قانون الإجراءات المدنية والإدارية يحدد الجهة القضائية المختصة في المنازعات الإدارية المرتبطة بالمرافق العامة.
المبحث الثاني: أنواع المرافق العامة في الجزائر
المطلب الأول: المرافق العامة الإدارية
المرافق العامة الإدارية هي المرافق التي تمارس نشاطًا إداريًا أو خدميًا بحتًا، مثل مرافق الأمن والقضاء والتعليم والصحة وبعض خدمات الإدارة المحلية. وتؤكد محاضرات جامعة سطيف 2 أن هذه المرافق تمثل الصورة التقليدية للمرفق العام، وأن أثر ثبوت صفتها الإدارية يتمثل في خضوعها الكامل لقواعد القانون العام بما تتضمنه من امتيازات وقيود. كما أن خدماتها تكون في الغالب مجانية أو شبه مجانية، لأنها لا تستهدف الربح، وإنما إشباع حاجات عامة أساسية.
المطلب الثاني: المرافق العامة الاقتصادية
المرافق العامة الاقتصادية أو الصناعية والتجارية هي تلك التي تزاول نشاطًا ذا طبيعة اقتصادية أو تجارية أو صناعية مع بقاء هدفها العام قائمًا. وقد أوضحت محاضرات جامعة سطيف 2 أن هذه المرافق تخضع لمزيج من قواعد القانون العام والقانون الخاص، وأن عقودها مع المستهلكين أو العملاء تكون، في الأصل، عقودًا مدنية أو تجارية، كما أن منازعات نشاطها العادي قد تدخل في اختصاص القضاء العادي، بينما يبقى القانون العام حاضرًا كلما استعملت امتيازات السلطة العامة أو تعلق الأمر بتنظيم المرفق ذاته.
المطلب الثالث: المرافق العامة المهنية والاجتماعية
تطرقت المراجع الجامعية أيضًا إلى أصناف أخرى، منها المرافق العامة المهنية التي تنظم مهنًا معينة عن طريق هيئات مهنية، والمرافق الاجتماعية التي تتعلق بالخدمات ذات الطابع الاجتماعي. وهذه الأصناف لا تخضع لنظام واحد بسيط، بل تتأثر بطبيعة النشاط وبالنصوص الخاصة المنظمة لها، بحيث قد يتوزع الاختصاص بشأنها بين القضاء الإداري والقضاء العادي بحسب موضوع النزاع وطبيعة الوسائل المستعملة.
المبحث الثالث: المبادئ التي تحكم سير المرفق العام
المطلب الأول: مبدأ المساواة أمام المرفق العام
يُعد مبدأ المساواة من المبادئ الأساسية التي تحكم المرفق العام، ومؤداه أن الجهة القائمة على المرفق تلتزم بأداء خدماته لكل من تتوافر فيه شروط الاستفادة دون تمييز غير مشروع. وقد نصت محاضرات جامعة سطيف 2 على أن المساواة أمام المرفق العام ليست مساواة مطلقة، بل مساواة قانونية نسبية تقوم على وحدة المراكز القانونية وتساوي المنتفعين الذين تتوافر فيهم الشروط نفسها. ولذلك يجوز للمرفق أن يضع شروطًا تنظيمية أو رسومًا أو إجراءات معينة، ما دامت مطبقة على الجميع على قدم المساواة.
المطلب الثاني: مبدأ استمرارية المرفق العام
يقوم هذا المبدأ على ضرورة استمرار المرفق العام في أداء خدماته بانتظام واضطراد، لأن الغاية من إنشائه هي تلبية حاجات عامة مستمرة لا تقبل التعطيل. وتؤكد المحاضرات الجامعية أن استمرار تسيير المرفق بانتظام يُعد من القواعد الأساسية في سير المرافق العامة، كما يظهر ذلك بوضوح في مجال تفويض المرفق العام، حيث يلتزم المفوض له بضمان استمرار الخدمة واحترام انتظامها طوال مدة التفويض. وهذا المبدأ يفسر كثيرًا من السلطات الممنوحة للإدارة في الرقابة والتعديل والفسخ لحماية المصلحة العامة وعدم توقف الخدمة العمومية.
المطلب الثالث: مبدأ التكيف أو قابلية المرفق العام للتغيير
يقصد بهذا المبدأ أن المرفق العام لا يبقى جامدًا، بل يجب أن يتطور مع التطورات الاقتصادية والاجتماعية والتقنية والقانونية، حتى يتمكن من الاستجابة المستمرة لحاجات المواطنين. وقد أوضحت محاضرات جامعة سطيف 2 أن هذا المبدأ يمنح السلطات الإدارية المختصة صلاحية تعديل شروط وقواعد سير المرفق متى اقتضت المصلحة العامة ذلك، وأنه لا يجوز للأفراد التمسك بحقوق مكتسبة تمنع الإدارة من تحديث تنظيم المرفق إذا كان التغيير مبررًا بالمصلحة العامة. وهذا المبدأ يبرز بقوة في عصر الرقمنة والإدارة الإلكترونية وتحديث الخدمة العمومية.
المطلب الرابع: المبادئ الحديثة في تسيير المرفق العام
إلى جانب المبادئ الكلاسيكية، أشارت المراجع الجامعية الحديثة إلى مبادئ أخرى مثل الشفافية، والجودة، وتحسين الخدمة، والانفتاح على المرتفقين. وقد بينت المحاضرات نفسها أن الشفافية تساعد على مراقبة الخدمات المقدمة وضمان مراعاة المصالح الاقتصادية للمنتفعين، كما أن الجودة أصبحت جزءًا من المفهوم الحديث للمرفق العام، خاصة مع تصاعد مطالب فعالية الإدارة وحسن الأداء.
المبحث الرابع: أساليب تسيير المرفق العام ونظامه القضائي
المطلب الأول: التسيير المباشر للمرفق العام
يقصد بالتسيير المباشر أن تتولى الإدارة العامة بنفسها إدارة المرفق عن طريق موظفيها وأعوانها وبأموالها ووسائلها، وتحت مسؤوليتها المباشرة. وتوضح محاضرات جامعة سطيف 2 أن هذا الأسلوب يُستخدم خصوصًا في المرافق العامة الإدارية والخدمية التي تؤدي خدماتها مجانًا أو بمقابل رمزي، مثل بعض مرافق الدفاع والأمن والتعليم والصحة والحالة المدنية. ويترتب على هذا الأسلوب أن العاملين بالمرفق يكونون، في الأصل، من الموظفين العموميين، وأن المرفق يخضع بشكل أوضح لقواعد القانون العام.
المطلب الثاني: التسيير غير المباشر وتفويض المرفق العام
قد لا تدير الإدارة المرفق بنفسها، بل تعهد بتسييره إلى شخص طبيعي أو معنوي آخر وفق آلية قانونية منظَّمة، وهو ما يعرف بتفويض المرفق العام. وتُظهر الدراسات الجزائرية أن هذا الأسلوب يهدف إلى الاستفادة من كفاءة القطاع الخاص أو من تقنيات التسيير الحديثة، مع احتفاظ السلطة المفوضة بسلطات الرقابة والتوجيه والتعديل وتوقيع الجزاءات وفسخ الاتفاقية عند الاقتضاء، حفاظًا على المصلحة العامة وضمانًا لاستمرارية المرفق العام. كما تشير المحاضرات الجامعية إلى أن المشرع الجزائري نظم تفويض المرفق العام بنصوص خاصة، وأبقى للسلطة المفوضة دورًا أساسيًا في متابعة التنفيذ والتدخل عند الإخلال.
المطلب الثالث: النظام القضائي لمنازعات المرفق العام
النظام القضائي لمنازعات المرفق العام في الجزائر ليس موحدًا دائمًا، بل يختلف بحسب طبيعة المرفق وطبيعة النشاط والوسيلة القانونية المستعملة. فالمرافق العامة الإدارية ومظاهر استعمال امتيازات السلطة العامة تخضع، من حيث الأصل، لاختصاص القضاء الإداري وفق قانون الإجراءات المدنية والإدارية، في حين أن بعض منازعات المرافق الاقتصادية أو الصناعية والتجارية قد تدخل في اختصاص القضاء العادي عندما تتصل بالنشاط التجاري العادي أو بعلاقات القانون الخاص. كما أن محاضرات جامعة سطيف 2 تؤكد هذا الازدواج في الاختصاص، خاصة بالنسبة للمرافق الاقتصادية والاجتماعية.
خاتمة
يتضح من خلال هذا البحث أن المرفق العام في الجزائر يمثل حجر الزاوية في النشاط الإداري، وأن نظامه القانوني يقوم على فكرة خدمة المصلحة العامة وإشباع الحاجات الجماعية، لكنه لا يخضع لقواعد جامدة أو موحدة في كل حالاته. فهناك مرافق عامة إدارية تخضع أساسًا للقانون العام، ومرافق عامة اقتصادية أو اجتماعية تخضع لنظام مختلط يجمع بين القانون العام والقانون الخاص. كما أن سير المرفق العام تحكمه مبادئ أساسية، أهمها المساواة، والاستمرارية، وقابلية التكيف، إلى جانب مبادئ حديثة مثل الشفافية والجودة. ويظهر أيضًا أن المشرع الجزائري لم يكتفِ بالتسيير المباشر للمرافق، بل اعتمد كذلك أسلوب التفويض مع الإبقاء على رقابة الإدارة وسلطتها في حماية المصلحة العامة. ومن ثم فإن النظام القانوني للمرفق العام في الجزائر هو نظام مرن ومتطور، يجمع بين ضرورات الخدمة العامة ومتطلبات الفعالية الحديثة، مع بقاء القضاء ضامنًا لاحترام المشروعية وحسن سير المرافق العمومية.
المصادر والمراجع
أولًا: النصوص القانونية
دستور الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية، العدد 82، 30 ديسمبر 2020.
القانون رقم 11-10، المتعلق بالبلدية، الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية، 22 يونيو 2011. وقد ظهر عنوانه صراحة في الجريدة الرسمية ضمن الإحالة: “القانون رقم 10-11 ... والمتعلق بالبلدية” بسبب اتجاه الكتابة في النص المصوَّر، والمقصود به قانون البلدية لسنة 2011.
القانون رقم 12-07، المتعلق بالولاية، الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية، 21 فبراير 2012.
القانون رقم 08-09، المتضمن قانون الإجراءات المدنية والإدارية، الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية، 25 فبراير 2008.
ثانيًا: المراجع الجامعية الجزائرية
كعرار سفيان، نظرية المرفق العام والمؤسسات العمومية (محاضرات موجهة لطلبة ماستر 2 إدارة عامة)، جامعة سطيف 2، منشور سنة 2025.
وهاب عبد الرزاق، مذكرة ماستر في موضوع يتعلق بالمرفق العام، جامعة محمد خيضر بسكرة، ويتضح من الملخص أن المرفق العام وسيلة السلطة التنفيذية لتحقيق الخدمة العمومية وتلبية الحاجات العامة.
بابي عبد الجبار، ترقية المرفق العام في الجزائر، مرجع جامعي منشور عبر جامعة ورقلة، ويتناول إصلاح الخدمة العمومية وتحديث المرافق العامة.
ثالثًا: المقالات العلمية الجزائرية
عبد الكريم، نظرة مفاهيمية للمرفق العام في الجزائر، مقال علمي، 2016.
عبد المجيد، المرافق العامة ونظامها القانوني في التشريع الجزائري، مقال علمي، 2018.
صبرينة عصام، تسيير المرفق العام في القانون الجزائري، مقال علمي، منشور بتاريخ 14-12-2017
مقدمة
يُعدّ المرفق العام من الموضوعات الأساسية في القانون الإداري، لأنه يمثل الوسيلة العملية التي تُشبع بها الدولة والجماعات الإقليمية والمؤسسات العمومية الحاجات العامة للأفراد، سواء تعلق الأمر بالأمن أو الصحة أو التعليم أو النقل أو المياه أو غيرها من الخدمات الضرورية. ولهذا ارتبطت فكرة المرفق العام تاريخيًا بنشأة القانون الإداري وتطوره، حتى أصبحت من أهم معايير تمييز النشاط الإداري عن غيره من الأنشطة. وفي الجزائر، اكتسب المرفق العام مكانة خاصة بحكم اتساع تدخل الدولة في المجالين الاجتماعي والاقتصادي، وبحكم اتجاه المشرّع إلى تنظيم كثير من المرافق العامة ضمن إطار قانوني يجمع بين قواعد القانون العام وبعض تقنيات القانون الخاص بحسب طبيعة المرفق ونمط تسييره. وتكمن أهمية الموضوع في أن المرفق العام لا يخضع لقواعد موحدة بصورة مطلقة، بل يتأثر بطبيعته الإدارية أو الاقتصادية، وبالجهة القائمة عليه، وبأسلوب إدارته، وبالمبادئ التي تحكم سيره، مثل المساواة واستمرار الخدمة وقابلية النظام للتكيف مع متطلبات المصلحة العامة. وتتمثل إشكالية البحث في بيان المقصود بالمرفق العام، وتحديد عناصر نظامه القانوني، وبيان تصنيفاته وأساليب تسييره والمبادئ الحاكمة له في التشريع الجزائري. واعتمد هذا البحث على المنهج الوصفي التحليلي بالرجوع إلى النصوص الرسمية الجزائرية وبعض المراجع والمقالات الجامعية الجزائرية.
المبحث الأول: ماهية المرفق العام وأساسه القانوني
المطلب الأول: تعريف المرفق العام
يُفهم المرفق العام في الفقه الإداري على أنه نشاط أو تنظيم تتولاه السلطة العامة أو تشرف عليه بقصد إشباع حاجة عامة وتحقيق المصلحة العامة. وتوضح الدراسات الجزائرية أن المرفق العام يُعد المظهر الإيجابي لنشاط الإدارة، في مقابل الضبط الإداري، وأنه قد يظهر في صورة مؤسسة أو هيئة أو نشاط منظم لخدمة الجمهور. كما تشير محاضرات جامعة سطيف 2 إلى أن المرافق العامة الإدارية تتميز بطبيعة نشاطها الخدمي والإداري وخضوعها لقواعد القانون العام، في حين تظهر مرافق أخرى ذات طبيعة اقتصادية أو اجتماعية تخضع لنظام قانوني مختلط.
المطلب الثاني: عناصر المرفق العام
يستخلص من الكتابات الجامعية الجزائرية أن المرفق العام يقوم على عناصر أساسية، أهمها وجود حاجة عامة يراد إشباعها، ووجود سلطة عامة تنشئ المرفق أو تنظم نشاطه أو تشرف عليه، ثم خضوعه، كأصل عام، إلى نظام قانوني خاص واستثنائي يختلف عن قواعد القانون الخاص البحتة. وقد نصت محاضرات جامعة سطيف 2 صراحة على أن خضوع المرفق العام لنظام قانوني خاص واستثنائي يعني خضوعه لمجموعة من الأحكام والمبادئ القانونية المستمدة أساسًا من قواعد القانون العام ذات الطابع غير المألوف في القانون الخاص.
المطلب الثالث: الأساس القانوني للمرفق العام في الجزائر
لا يوجد في الجزائر قانون واحد جامع لكل نظرية المرفق العام، لكن نظامه القانوني يتوزع بين الدستور، والقوانين المنظمة للجماعات الإقليمية، والنصوص المتعلقة بالمؤسسات العمومية، وقواعد القضاء الإداري، والنصوص الخاصة بتفويضات المرفق العام. فالدستور الجزائري لسنة 2020 يكرس الإطار العام لدولة القانون ولتنظيم المرافق العمومية في سياق حماية الحقوق والخدمات العامة، بينما ينص قانون البلدية رقم 11-10 وقانون الولاية رقم 12-07 على الإطار القانوني لاختصاصات الجماعات الإقليمية التي تباشر أو تشرف على مرافق عامة محلية. كما أن قانون الإجراءات المدنية والإدارية يحدد الجهة القضائية المختصة في المنازعات الإدارية المرتبطة بالمرافق العامة.
المبحث الثاني: أنواع المرافق العامة في الجزائر
المطلب الأول: المرافق العامة الإدارية
المرافق العامة الإدارية هي المرافق التي تمارس نشاطًا إداريًا أو خدميًا بحتًا، مثل مرافق الأمن والقضاء والتعليم والصحة وبعض خدمات الإدارة المحلية. وتؤكد محاضرات جامعة سطيف 2 أن هذه المرافق تمثل الصورة التقليدية للمرفق العام، وأن أثر ثبوت صفتها الإدارية يتمثل في خضوعها الكامل لقواعد القانون العام بما تتضمنه من امتيازات وقيود. كما أن خدماتها تكون في الغالب مجانية أو شبه مجانية، لأنها لا تستهدف الربح، وإنما إشباع حاجات عامة أساسية.
المطلب الثاني: المرافق العامة الاقتصادية
المرافق العامة الاقتصادية أو الصناعية والتجارية هي تلك التي تزاول نشاطًا ذا طبيعة اقتصادية أو تجارية أو صناعية مع بقاء هدفها العام قائمًا. وقد أوضحت محاضرات جامعة سطيف 2 أن هذه المرافق تخضع لمزيج من قواعد القانون العام والقانون الخاص، وأن عقودها مع المستهلكين أو العملاء تكون، في الأصل، عقودًا مدنية أو تجارية، كما أن منازعات نشاطها العادي قد تدخل في اختصاص القضاء العادي، بينما يبقى القانون العام حاضرًا كلما استعملت امتيازات السلطة العامة أو تعلق الأمر بتنظيم المرفق ذاته.
المطلب الثالث: المرافق العامة المهنية والاجتماعية
تطرقت المراجع الجامعية أيضًا إلى أصناف أخرى، منها المرافق العامة المهنية التي تنظم مهنًا معينة عن طريق هيئات مهنية، والمرافق الاجتماعية التي تتعلق بالخدمات ذات الطابع الاجتماعي. وهذه الأصناف لا تخضع لنظام واحد بسيط، بل تتأثر بطبيعة النشاط وبالنصوص الخاصة المنظمة لها، بحيث قد يتوزع الاختصاص بشأنها بين القضاء الإداري والقضاء العادي بحسب موضوع النزاع وطبيعة الوسائل المستعملة.
المبحث الثالث: المبادئ التي تحكم سير المرفق العام
المطلب الأول: مبدأ المساواة أمام المرفق العام
يُعد مبدأ المساواة من المبادئ الأساسية التي تحكم المرفق العام، ومؤداه أن الجهة القائمة على المرفق تلتزم بأداء خدماته لكل من تتوافر فيه شروط الاستفادة دون تمييز غير مشروع. وقد نصت محاضرات جامعة سطيف 2 على أن المساواة أمام المرفق العام ليست مساواة مطلقة، بل مساواة قانونية نسبية تقوم على وحدة المراكز القانونية وتساوي المنتفعين الذين تتوافر فيهم الشروط نفسها. ولذلك يجوز للمرفق أن يضع شروطًا تنظيمية أو رسومًا أو إجراءات معينة، ما دامت مطبقة على الجميع على قدم المساواة.
المطلب الثاني: مبدأ استمرارية المرفق العام
يقوم هذا المبدأ على ضرورة استمرار المرفق العام في أداء خدماته بانتظام واضطراد، لأن الغاية من إنشائه هي تلبية حاجات عامة مستمرة لا تقبل التعطيل. وتؤكد المحاضرات الجامعية أن استمرار تسيير المرفق بانتظام يُعد من القواعد الأساسية في سير المرافق العامة، كما يظهر ذلك بوضوح في مجال تفويض المرفق العام، حيث يلتزم المفوض له بضمان استمرار الخدمة واحترام انتظامها طوال مدة التفويض. وهذا المبدأ يفسر كثيرًا من السلطات الممنوحة للإدارة في الرقابة والتعديل والفسخ لحماية المصلحة العامة وعدم توقف الخدمة العمومية.
المطلب الثالث: مبدأ التكيف أو قابلية المرفق العام للتغيير
يقصد بهذا المبدأ أن المرفق العام لا يبقى جامدًا، بل يجب أن يتطور مع التطورات الاقتصادية والاجتماعية والتقنية والقانونية، حتى يتمكن من الاستجابة المستمرة لحاجات المواطنين. وقد أوضحت محاضرات جامعة سطيف 2 أن هذا المبدأ يمنح السلطات الإدارية المختصة صلاحية تعديل شروط وقواعد سير المرفق متى اقتضت المصلحة العامة ذلك، وأنه لا يجوز للأفراد التمسك بحقوق مكتسبة تمنع الإدارة من تحديث تنظيم المرفق إذا كان التغيير مبررًا بالمصلحة العامة. وهذا المبدأ يبرز بقوة في عصر الرقمنة والإدارة الإلكترونية وتحديث الخدمة العمومية.
المطلب الرابع: المبادئ الحديثة في تسيير المرفق العام
إلى جانب المبادئ الكلاسيكية، أشارت المراجع الجامعية الحديثة إلى مبادئ أخرى مثل الشفافية، والجودة، وتحسين الخدمة، والانفتاح على المرتفقين. وقد بينت المحاضرات نفسها أن الشفافية تساعد على مراقبة الخدمات المقدمة وضمان مراعاة المصالح الاقتصادية للمنتفعين، كما أن الجودة أصبحت جزءًا من المفهوم الحديث للمرفق العام، خاصة مع تصاعد مطالب فعالية الإدارة وحسن الأداء.
المبحث الرابع: أساليب تسيير المرفق العام ونظامه القضائي
المطلب الأول: التسيير المباشر للمرفق العام
يقصد بالتسيير المباشر أن تتولى الإدارة العامة بنفسها إدارة المرفق عن طريق موظفيها وأعوانها وبأموالها ووسائلها، وتحت مسؤوليتها المباشرة. وتوضح محاضرات جامعة سطيف 2 أن هذا الأسلوب يُستخدم خصوصًا في المرافق العامة الإدارية والخدمية التي تؤدي خدماتها مجانًا أو بمقابل رمزي، مثل بعض مرافق الدفاع والأمن والتعليم والصحة والحالة المدنية. ويترتب على هذا الأسلوب أن العاملين بالمرفق يكونون، في الأصل، من الموظفين العموميين، وأن المرفق يخضع بشكل أوضح لقواعد القانون العام.
المطلب الثاني: التسيير غير المباشر وتفويض المرفق العام
قد لا تدير الإدارة المرفق بنفسها، بل تعهد بتسييره إلى شخص طبيعي أو معنوي آخر وفق آلية قانونية منظَّمة، وهو ما يعرف بتفويض المرفق العام. وتُظهر الدراسات الجزائرية أن هذا الأسلوب يهدف إلى الاستفادة من كفاءة القطاع الخاص أو من تقنيات التسيير الحديثة، مع احتفاظ السلطة المفوضة بسلطات الرقابة والتوجيه والتعديل وتوقيع الجزاءات وفسخ الاتفاقية عند الاقتضاء، حفاظًا على المصلحة العامة وضمانًا لاستمرارية المرفق العام. كما تشير المحاضرات الجامعية إلى أن المشرع الجزائري نظم تفويض المرفق العام بنصوص خاصة، وأبقى للسلطة المفوضة دورًا أساسيًا في متابعة التنفيذ والتدخل عند الإخلال.
المطلب الثالث: النظام القضائي لمنازعات المرفق العام
النظام القضائي لمنازعات المرفق العام في الجزائر ليس موحدًا دائمًا، بل يختلف بحسب طبيعة المرفق وطبيعة النشاط والوسيلة القانونية المستعملة. فالمرافق العامة الإدارية ومظاهر استعمال امتيازات السلطة العامة تخضع، من حيث الأصل، لاختصاص القضاء الإداري وفق قانون الإجراءات المدنية والإدارية، في حين أن بعض منازعات المرافق الاقتصادية أو الصناعية والتجارية قد تدخل في اختصاص القضاء العادي عندما تتصل بالنشاط التجاري العادي أو بعلاقات القانون الخاص. كما أن محاضرات جامعة سطيف 2 تؤكد هذا الازدواج في الاختصاص، خاصة بالنسبة للمرافق الاقتصادية والاجتماعية.
خاتمة
يتضح من خلال هذا البحث أن المرفق العام في الجزائر يمثل حجر الزاوية في النشاط الإداري، وأن نظامه القانوني يقوم على فكرة خدمة المصلحة العامة وإشباع الحاجات الجماعية، لكنه لا يخضع لقواعد جامدة أو موحدة في كل حالاته. فهناك مرافق عامة إدارية تخضع أساسًا للقانون العام، ومرافق عامة اقتصادية أو اجتماعية تخضع لنظام مختلط يجمع بين القانون العام والقانون الخاص. كما أن سير المرفق العام تحكمه مبادئ أساسية، أهمها المساواة، والاستمرارية، وقابلية التكيف، إلى جانب مبادئ حديثة مثل الشفافية والجودة. ويظهر أيضًا أن المشرع الجزائري لم يكتفِ بالتسيير المباشر للمرافق، بل اعتمد كذلك أسلوب التفويض مع الإبقاء على رقابة الإدارة وسلطتها في حماية المصلحة العامة. ومن ثم فإن النظام القانوني للمرفق العام في الجزائر هو نظام مرن ومتطور، يجمع بين ضرورات الخدمة العامة ومتطلبات الفعالية الحديثة، مع بقاء القضاء ضامنًا لاحترام المشروعية وحسن سير المرافق العمومية.
المصادر والمراجع
أولًا: النصوص القانونية
دستور الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية، العدد 82، 30 ديسمبر 2020.
القانون رقم 11-10، المتعلق بالبلدية، الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية، 22 يونيو 2011. وقد ظهر عنوانه صراحة في الجريدة الرسمية ضمن الإحالة: “القانون رقم 10-11 ... والمتعلق بالبلدية” بسبب اتجاه الكتابة في النص المصوَّر، والمقصود به قانون البلدية لسنة 2011.
القانون رقم 12-07، المتعلق بالولاية، الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية، 21 فبراير 2012.
القانون رقم 08-09، المتضمن قانون الإجراءات المدنية والإدارية، الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية، 25 فبراير 2008.
ثانيًا: المراجع الجامعية الجزائرية
كعرار سفيان، نظرية المرفق العام والمؤسسات العمومية (محاضرات موجهة لطلبة ماستر 2 إدارة عامة)، جامعة سطيف 2، منشور سنة 2025.
وهاب عبد الرزاق، مذكرة ماستر في موضوع يتعلق بالمرفق العام، جامعة محمد خيضر بسكرة، ويتضح من الملخص أن المرفق العام وسيلة السلطة التنفيذية لتحقيق الخدمة العمومية وتلبية الحاجات العامة.
بابي عبد الجبار، ترقية المرفق العام في الجزائر، مرجع جامعي منشور عبر جامعة ورقلة، ويتناول إصلاح الخدمة العمومية وتحديث المرافق العامة.
ثالثًا: المقالات العلمية الجزائرية
عبد الكريم، نظرة مفاهيمية للمرفق العام في الجزائر، مقال علمي، 2016.
عبد المجيد، المرافق العامة ونظامها القانوني في التشريع الجزائري، مقال علمي، 2018.
صبرينة عصام، تسيير المرفق العام في القانون الجزائري، مقال علمي، منشور بتاريخ 14-12-2017