الشكوى المسبقة كشرط لمتابعة الشخص المعنوي

MīLÿ Sîsî

عضو جديد
المشاركات
28
مستوى التفاعل
1
النقاط
1
الشكوى المسبقة كشرط لمتابعة الشخص المعنوي اعداد الباحث حسوني محمد عبد الغني
مقدمة

تُعد الشكوى المسبقة من القيود الإجرائية التي ترد على الأصل العام المتمثل في حرية النيابة العامة في تحريك الدعوى العمومية. وتبرز أهمية هذا الموضوع حين يتصل بالشخص المعنوي، لأن مساءلته الجزائية في التشريع الجزائري أصبحت مبدأً مقررًا في حالات ينص عليها القانون، مع تخصيص إجراءات خاصة لمتابعته وتمثيله أمام القضاء. غير أن الإشكال يثور عندما يشترط المشرع تقديم شكوى مسبقة قبل مباشرة المتابعة، فيُطرح السؤال حول طبيعة هذا الشرط، ومداه، والجهة المخول لها تقديمه، وآثاره على مباشرة الدعوى العمومية، وهل يتعلق بمتابعة الشخص المعنوي ذاته أم بمتابعة مسيّريه أو ممثليه. وتزداد أهمية الإشكال في الجزائر بالنظر إلى التطور الذي عرفته المادة 6 مكرر من قانون الإجراءات الجزائية، وإلى الجدل الفقهي الذي أثارته حول جرائم التسيير في المؤسسات العمومية الاقتصادية. وتتمثل إشكالية البحث في بيان المقصود بالشكوى المسبقة، وتحديد مجال تطبيقها بالنسبة للشخص المعنوي، وبيان آثارها القانونية في ضوء التشريع الجزائري. واعتمدت في هذا البحث المنهج الوصفي التحليلي بالرجوع إلى النصوص القانونية الرسمية، وبعض المقالات والدراسات الجامعية الجزائرية.

المبحث الأول: الإطار المفاهيمي للشكوى المسبقة ولمتابعة الشخص المعنوي
المطلب الأول: مفهوم الشكوى المسبقة

الشكوى المسبقة هي إجراء قانوني يتطلبه المشرع في بعض الجرائم قبل تحريك الدعوى العمومية، بحيث لا يكفي علم النيابة العامة أو الضبطية القضائية بالواقعة، بل يلزم صدور شكوى ممن خوله القانون ذلك. وتظهر أهميتها في أنها ليست مجرد إخطار عادي، بل قيد على سلطة الاتهام؛ لذلك ربط قانون الإجراءات الجزائية أيضًا بين سحب الشكوى وانقضاء الدعوى العمومية متى كانت الشكوى شرطًا لازمًا للمتابعة. وقد نصت المادة 6 من قانون الإجراءات الجزائية، كما وردت في النص المعدل سنة 2015 وفي نسخة 2019 المنشورة من وزارة العدل، على أن الدعوى العمومية تنقضي بسحب الشكوى إذا كانت شرطًا لازمًا للمتابعة.

المطلب الثاني: مفهوم الشخص المعنوي في المتابعة الجزائية

يقصد بالشخص المعنوي ذلك الكيان الذي يمنحه القانون شخصية قانونية مستقلة عن الأشخاص الطبيعيين المكوّنين له، كالشركات والجمعيات وبعض المؤسسات. وفي المجال الجزائي، أصبح الشخص المعنوي محل مساءلة وعقاب كلما نص القانون صراحة على ذلك، وهو ما تؤكده النصوص التي تربط تطبيق العقوبات على الشخص المعنوي بالشروط المنصوص عليها في المادة 51 مكرر من قانون العقوبات، كما تؤكده الدراسات الجامعية الجزائرية التي خصصت أبوابًا مستقلة للمسؤولية الجزائية للأشخاص المعنوية وإجراءات متابعتها القضائية.

المطلب الثالث: القواعد العامة لمتابعة الشخص المعنوي

لا تتم متابعة الشخص المعنوي في القانون الجزائري بالطريقة نفسها التي يُتابَع بها الشخص الطبيعي؛ لذلك أفرد له قانون الإجراءات الجزائية قواعد خاصة، أهمها ما يتعلق بالاختصاص وتمثيله في الدعوى. وتُظهر نسخة قانون الإجراءات الجزائية المنشورة من وزارة العدل أن المواد 65 مكرر 2 إلى 65 مكرر 4 تنظم تمثيل الشخص المعنوي بواسطة ممثله القانوني، وحالة تعيين ممثل عنه إذا وُجد تعارض أو لم يوجد من يمثله، كما تنظم بعض التدابير التي يمكن أن يخضع لها أثناء التحقيق. وهذا يدل على أن الأصل في متابعة الشخص المعنوي هو الخضوع لهذه القواعد الخاصة، لا لاشتراط الشكوى المسبقة إلا إذا ورد نص استثنائي بذلك.

المبحث الثاني: الأساس القانوني للشكوى المسبقة في التشريع الجزائري
المطلب الأول: القاعدة العامة والقيود الواردة عليها

الأصل أن الدعوى العمومية يحركها ويباشرها رجال القضاء أو الموظفون المعهود إليهم بها قانونًا، مع إمكان تحريكها من الطرف المضرور وفق الشروط التي يحددها القانون. وقد كرّس تعديل 2017 هذا المبدأ في المادة الأولى مكرر من قانون الإجراءات الجزائية. غير أن هذا الأصل لا يمنع المشرع من تقرير قيود خاصة في بعض الجرائم، مثل الشكوى أو الإذن أو الطلب. ومن ثم فإن الشكوى المسبقة تظل استثناءً لا يُتوسع فيه، ولا تقوم إلا بنص صريح.

المطلب الثاني: المادة 6 مكرر لسنة 2015

أدخل الأمر الصادر سنة 2015 المادة 6 مكرر، ونصت صراحة على أنه: لا تحرك الدعوى العمومية ضد مسيري المؤسسات العمومية الاقتصادية التي تملك الدولة كل رأسمالها أو ذات الرأسمال المختلط عن أعمال التسيير التي تؤدي إلى سرقة أو اختلاس أو تلف أو ضياع أموال عمومية أو خاصة إلا بناء على شكوى مسبقة من الهيئات الاجتماعية للمؤسسة المنصوص عليها في القانون التجاري والتشريع الساري المفعول. كما رتبت عقوبات على أعضاء الهيئات الاجتماعية الذين لا يبلغون عن الوقائع ذات الطابع الجزائي. وهذا النص هو الأساس الحقيقي للنقاش في الفقه الجزائري حول الشكوى المسبقة، وهو أيضًا يبيّن أن القيد كان يتعلق أساسًا بمتابعة المسيرين في إطار جرائم التسيير، لا بمتابعة كل شخص معنوي بإطلاق.

المطلب الثالث: إلغاء القيد ثم عودته في سنة 2025

تُظهر نسخة 2019 من قانون الإجراءات الجزائية المنشورة من وزارة العدل أن المادة 6 مكرر ملغاة بالقانون 10/19، وهو ما يعني أن القيد الاستثنائي أزيل في تلك المرحلة. غير أن المستجد التشريعي لسنة 2025 يعيد الموضوع إلى الواجهة؛ فالقانون رقم 25-14 نُشر في الجريدة الرسمية في العدد 54 بتاريخ 13 غشت 2025، وقرار المحكمة الدستورية المتصل برقابة دستورية بعض مواده أورد ضمن مضمونه مسألة اشتراط الشكوى المسبقة لتحريك الدعوى العمومية في جرائم تسيير المؤسسات العمومية الاقتصادية، بما يفيد عودة هذا القيد في الصياغة الجديدة. ولأن النص المتاح في نتائج الجريدة الرسمية يُظهر ذلك في سياق الرقابة الدستورية، فإن الأدق علميًا هو القول إن المشرع الجزائري عاد سنة 2025 إلى تبني الشكوى المسبقة في هذا المجال الخاص.

المبحث الثالث: نطاق الشكوى المسبقة بالنسبة لمتابعة الشخص المعنوي
المطلب الأول: هل الشكوى شرط عام لمتابعة الشخص المعنوي؟

الجواب لا. فالقواعد العامة المنظمة لمتابعة الشخص المعنوي في قانون الإجراءات الجزائية تتعلق بالتمثيل والاختصاص والتدابير الإجرائية، ولا تجعل الشكوى المسبقة شرطًا عامًا في جميع الجرائم التي يُسأل عنها الشخص المعنوي. كما أن الأدبيات الجامعية الجزائرية التي تناولت المسؤولية الجزائية للأشخاص المعنوية ركزت على شروط قيام المسؤولية، والجرائم التي يسأل عنها الشخص المعنوي، والعقوبات المقررة له، وإجراءات متابعته، دون أن تعتبر الشكوى المسبقة قاعدة عامة، بل قيدًا خاصًا يرتبط بنصوص محددة.

المطلب الثاني: المجال الحقيقي لتطبيق الشكوى المسبقة

المجال الذي ظهر فيه هذا الشرط بوضوح هو جرائم تسيير المؤسسات العمومية الاقتصادية، لا كل الجرائم المنسوبة إلى الأشخاص المعنوية. وتؤكد المقالات الجزائرية المنشورة على ASJP أن النقاش الفقهي والقضائي انصب على تحريك الدعوى العمومية ضد مسيري المؤسسة العمومية الاقتصادية، وعلى فعالية قيد الشكوى، وتحديد الهيئات الاجتماعية المختصة بتقديمها، وتقييم أثر وضع القيد ثم إلغائه. ولذلك فإن عنوان البحث، إذا فُهم على إطلاقه، يحتاج إلى تدقيق: فالأصح قانونًا هو الحديث عن الشكوى المسبقة كشرط خاص في بعض صور المتابعة المرتبطة بالشخص المعنوي، وبالخصوص في جرائم تسيير المؤسسة العمومية الاقتصادية.

المطلب الثالث: التمييز بين الشخص المعنوي ومسيّريه

يجب التمييز بين متابعة الشخص المعنوي ذاته، باعتباره كيانًا قانونيًا مستقلًا، وبين متابعة مسيّريه أو ممثليه من الأشخاص الطبيعيين. فالمادة 6 مكرر لسنة 2015 صيغت بصراحة بشأن مسيري المؤسسات العمومية الاقتصادية، بينما المواد 65 مكرر وما بعدها تنظم متابعة الشخص المعنوي وتمثيله إجرائيًا. ومن ثم قد يكون الشخص المعنوي حاضرًا في خلفية النزاع أو ذا صلة بالفعل الجرمي، لكن القيد الإجرائي المنصوص عليه في المادة 6 مكرر كان موجّهًا، في ظاهره وصياغته، إلى تحريك الدعوى ضد المسيرين عن أفعال التسيير. وهذا التمييز من أهم النقاط التي ينبغي إبرازها في البحث حتى لا يقع خلط بين محل الشكوى وبين محل المسؤولية الجزائية.

المبحث الرابع: الآثار القانونية للشكوى المسبقة والإشكالات العملية
المطلب الأول: أثر غياب الشكوى المسبقة

متى جعل القانون الشكوى شرطًا لازمًا للمتابعة، فإن غيابها يمنع تحريك الدعوى العمومية ابتداءً، أو يؤدي إلى بطلان الإجراءات إذا بوشرت المتابعة دونها. وهذا ما تؤكده الأدبيات الجزائرية حول القيود الواردة على سلطة النيابة العامة، كما تؤكده الدراسات الخاصة بخصوصيات بعض الجرائم التي لا تصح فيها المتابعة دون شكوى مسبقة من الجهة المختصة. وفي الجرائم التي جعل فيها المشرع الشكوى قيدًا لازمًا، فإن هذا الشرط يتعلق بالنظام الإجرائي للدعوى العمومية لا بجوهر التجريم ذاته.

المطلب الثاني: أثر سحب الشكوى

إذا كانت الشكوى شرطًا لازمًا للمتابعة، فإن سحبها يؤدي إلى انقضاء الدعوى العمومية، وهو ما قرره قانون الإجراءات الجزائية في المادة 6 بصيغته المعروضة في النصوص المتاحة. وتكمن أهمية هذا الأثر في أنه يمنح الجهة الشاكية دورًا يتجاوز مجرد الإخطار، ليصل إلى التأثير المباشر في مصير الدعوى العمومية. ولهذا ترتبط الشكوى المسبقة بفلسفة تشريعية خاصة قوامها عدم ترك تحريك الدعوى للنيابة العامة وحدها في بعض المجالات الاقتصادية أو العائلية أو المهنية الحساسة.

المطلب الثالث: الإشكالات الفقهية والعملية

أثارت الشكوى المسبقة في الجزائر عدة إشكالات، أهمها: من هي الهيئات الاجتماعية المختصة بتقديم الشكوى؟ وهل يشكل هذا القيد حماية للتسيير الاقتصادي أم عائقًا لمكافحة الفساد وجرائم الأعمال؟ وقد اهتمت دراسات جزائرية منشورة على ASJP بهذه الإشكالات، سواء من زاوية فعالية قيد الشكوى، أو من زاوية تحديد الهيئات الاجتماعية، أو من زاوية تقييم وضعه وإلغائه ثم العودة إليه. ويكشف هذا الجدل أن الشكوى المسبقة ليست مسألة شكلية بسيطة، بل أداة تشريعية ذات أثر مباشر في السياسة الجنائية وفي التوازن بين حماية المؤسسة الاقتصادية وضمان عدم إفلات الجرائم من المتابعة.

خاتمة

نخلص إلى أن الشكوى المسبقة في التشريع الجزائري لا تُعد شرطًا عامًا لمتابعة الشخص المعنوي بوجه مطلق، وإنما هي قيد استثنائي يرد حيث ينص القانون صراحة على ذلك. وقد ظهر هذا القيد بوضوح في المادة 6 مكرر التي أُدخلت سنة 2015 بشأن جرائم تسيير المؤسسات العمومية الاقتصادية، ثم أُلغيت سنة 2019، قبل أن يعود الموضوع إلى الواجهة مع القانون رقم 25-14 لسنة 2025 وقرار المحكمة الدستورية المتصل برقابة بعض مواده. كما تبيّن أن البحث في هذا الموضوع يقتضي دائمًا التمييز بين متابعة الشخص المعنوي ذاته وفق قواعد تمثيله وإجراءات محاكمته، وبين متابعة مسيّريه عن أفعال التسيير، لأن الشكوى المسبقة ارتبطت تاريخيًا في الجزائر بالصورة الثانية أكثر من ارتباطها بالصورة الأولى. وعليه فإن الدراسة القانونية السليمة يجب أن تنتهي إلى أن الشكوى المسبقة ليست أصلًا عامًا، بل استثناءً تشريعيًا محدد النطاق والغاية.

المصادر والمراجع
أولًا: النصوص القانونية

الأمر رقم 66-155، المتضمن قانون الإجراءات الجزائية، معدل ومتمم،

القانون رقم 07-17، المعدل والمتمم للأمر رقم 66-155، المتضمن قانون الإجراءات الجزائية

القانون رقم 25-14، المتضمن قانون الإجراءات الجزائية، الجريدة الرسمية،

ثانيًا: المقالات والدراسات الجزائرية

الطيب قتال، الشكوى المسبقة: قراءة في المادة 6 مكرر من قانون الإجراءات الجزائية، مقال منشور سنة 2018 على .

عبد الرحمان صيدي، فعالية قيد الشكوى في جرائم تسيير المؤسسة العمومية الاقتصادية، مقال منشور سنة 2018 على .

سلايمي، تحديد الهيئات الاجتماعية في ظل مستجدات المادة 06 مكرر من قانون الإجراءات الجزائية، دراسة منشورة سنة 2019 على ، ولها أيضًا إحالة على مستودع جامعة تيارت.

فطيمة الزهراء، تقييم وضع وإلغاء الشكوى المسبقة كقيد على تحريك الدعوى العمومية ضد مسيري المؤسسات العمومية الاقتصادية، مقال منشور سنة 2021 على .

حملاوي، المسؤولية الجزائية للأشخاص المعنوية في ظل التشريع الجزائري، دراسة جامعية منشورة عبر مستودع جامعة محمد خيضر بسكرة.
 
أعلى