جريمة تبييض الأموال اعداد الباحث حسوني محمد عبد الغني

MīLÿ Sîsî

عضو جديد
المشاركات
28
مستوى التفاعل
1
النقاط
1
جريمة تبييض الأموال اعداد الباحث حسوني محمد عبد الغني
مقدمة

تُعد جريمة تبييض الأموال من أخطر الجرائم الاقتصادية والمالية المعاصرة، لما لها من صلة وثيقة بالجريمة المنظمة والفساد والاتجار غير المشروع وتمويل الإرهاب، ولما تخلّفه من آثار سلبية على النظام المالي والاقتصادي واستقرار المعاملات والثقة في المؤسسات. وقد أدرك المشرّع الجزائري خطورة هذه الجريمة، فانتقل من مجرد مواجهتها بوسائل متفرقة إلى بناء منظومة قانونية خاصة تجمع بين التجريم والعقاب من جهة، والوقاية والرقابة والإخطار بالشبهة من جهة أخرى، ضمن القانون رقم 05-01 وتعديلاته، إلى جانب النصوص العقابية في قانون العقوبات، ثم عزّز هذه المنظومة لاحقًا بتعديلات سنة 2023، وأظهر الإطار الرسمي المعلن من خلية معالجة الاستعلام المالي استمرار تحديث هذه المنظومة بتعديل جديد سنة 2025. وتبرز أهمية الموضوع في كونه يجمع بين القانون الجنائي والقانون المالي والقانون المصرفي، كما تبرز إشكاليته في بيان ماهية جريمة تبييض الأموال، وأركانها، والعقوبات المقررة لها، وآليات مكافحتها في التشريع الجزائري. واعتمد هذا البحث المنهج الوصفي التحليلي، من خلال الرجوع إلى النصوص القانونية الرسمية الجزائرية وبعض الدراسات الجامعية والمقالات العلمية الجزائرية المتخصصة.

المبحث الأول: ماهية جريمة تبييض الأموال
المطلب الأول: تعريف جريمة تبييض الأموال

يقصد بتبييض الأموال كل عملية ترمي إلى إضفاء مظهر المشروع على أموال أو ممتلكات متحصلة من نشاط إجرامي. وفي التشريع الجزائري، بيّنت الدراسات القانونية المنشورة أن المادة 389 مكرر من قانون العقوبات تعتبر من صور تبييض الأموال: تحويل الممتلكات أو نقلها مع علم الفاعل بأنها عائدات إجرامية، بغرض إخفاء أو تمويه المصدر غير المشروع لتلك الممتلكات، كما تشمل أيضًا إخفاء الحقيقة المتعلقة بطبيعتها أو مصدرها أو مكانها أو كيفية التصرف فيها أو الحقوق المتعلقة بها.

المطلب الثاني: خصائص الجريمة

تتميز جريمة تبييض الأموال بعدة خصائص؛ فهي جريمة تبعية أو لاحقة لجريمة أصلية سابقة تولّد العائدات غير المشروعة، كما أنها جريمة عابرة للحدود في كثير من صورها، وغالبًا ما ترتبط بالأنشطة المالية والمصرفية والشركات الوهمية والتحويلات المعقدة. ولهذا وصفها الفقه الجزائري بأنها من الجرائم التي يصعب كشفها وإثباتها بسبب اعتمادها على التمويه والوسائل التقنية والمالية الحديثة.

المطلب الثالث: مراحل تبييض الأموال

تمر عمليات تبييض الأموال عادة بثلاث مراحل متداخلة: مرحلة الإيداع بإدخال الأموال غير المشروعة إلى الدورة المالية، ثم مرحلة التمويه أو التمويه المتتابع عبر تحويلات وعمليات مركبة لإخفاء المصدر الحقيقي، ثم مرحلة الدمج بإعادة إدخال الأموال في الاقتصاد المشروع في صورة استثمارات أو ممتلكات أو معاملات تبدو قانونية. وقد تناولت الدراسات الجزائرية الحديثة هذه المراحل باعتبارها الإطار العملي لفهم السلوك الإجرامي في هذا النوع من الجرائم.

المبحث الثاني: أركان جريمة تبييض الأموال
المطلب الأول: الركن المفترض

الركن المفترض في جريمة تبييض الأموال هو وجود عائدات إجرامية سابقة تكون محلا لعمليات الإخفاء أو التمويه أو التحويل. ولهذا ذهب عدد من الباحثين الجزائريين إلى أن هذه الجريمة لا تقوم استقلالًا من الناحية الواقعية إلا بوجود جريمة أصلية أنتجت الأموال محل التبييض، وهو ما يجعلها مختلفة عن كثير من الجرائم التقليدية.

المطلب الثاني: الركن المادي

يتجسد الركن المادي في مجموعة من الأفعال التي حددها النص الجزائي، مثل تحويل الأموال أو نقلها أو إخفاء حقيقتها أو مصدرها أو حيازتها أو استعمالها مع العلم بطبيعتها غير المشروعة. وتظهر خصوصية هذا الركن في أن السلوك المجرّم لا ينحصر في فعل واحد، بل يتخذ صورًا متعددة، وهو ما أثار إشكالات تطبيقية أشار إليها الفقه الجزائري عند تفسير المادة 389 مكرر وما يليها.

المطلب الثالث: الركن المعنوي

الركن المعنوي في هذه الجريمة هو القصد الجنائي، ويقوم على علم الفاعل بأن الأموال أو الممتلكات محل التصرف هي عائدات إجرامية، مع اتجاه إرادته إلى إخفاء مصدرها أو تمويه حقيقتها أو دمجها في النشاط المشروع. ولهذا تُعد مسألة العلم من أكثر المسائل العملية تعقيدًا في الإثبات، وقد خصتها دراسات جزائرية ببحث مستقل بسبب ما تثيره من صعوبات في العمل القضائي.

المبحث الثالث: النظام القانوني والعقابي للجريمة
المطلب الأول: الأساس التشريعي

اعتمد المشرّع الجزائري في مكافحة تبييض الأموال على مسارين متكاملين: الأول هو قانون العقوبات الذي جرم الفعل في المواد 389 مكرر وما بعدها، والثاني هو القانون رقم 05-01 المتعلق بالوقاية من تبييض الأموال وتمويل الإرهاب ومكافحتهما، المعدل بالأمر رقم 12-02 ثم بالقانون رقم 15-06 ثم بالقانون رقم 23-01. كما أظهرت الصفحة الرسمية لخلية معالجة الاستعلام المالي أن هذا القانون عُدّل أيضًا بالقانون رقم 25-10 المؤرخ في 24 يوليو 2025، وهو ما يدل على استمرار تحديث الإطار القانوني الجزائري في هذا المجال.

المطلب الثاني: العقوبات المقررة

تقرر التشريعات الجزائرية عقوبات أصلية وتكميلية على مرتكبي جرائم تبييض الأموال، وتشددها بحسب الظروف. وتشير الدراسات القانونية الجزائرية إلى أن قانون العقوبات خصص المواد 389 مكرر 1 وما بعدها للعقوبات، كما أن المادة 389 مكرر 5 تناولت العقوبات التكميلية بالنسبة للشخص الطبيعي، مع امتداد المسؤولية إلى الشخص المعنوي في الحدود التي يقررها القانون. كما أن الفقه الجزائري أبرز أن الغرامات والتدابير المصاحبة من أهم أدوات الردع في هذه الجريمة نظرًا لطابعها المالي.

المطلب الثالث: المسؤولية عن الجريمة

لا تقتصر المسؤولية في هذه الجريمة على الشخص الطبيعي؛ إذ تتسع، وفق الشروط القانونية، إلى الشخص المعنوي متى ارتكبت الجريمة لحسابه أو باسمه بواسطة أجهزته أو ممثليه. وقد ركزت الكتابات الجامعية الجزائرية على هذه المسألة، خاصة في علاقتها بالبنوك والمؤسسات المالية والقطاع الاقتصادي المنظم، نظرًا لأن البنية المؤسسية قد تُستغل لتمرير الأموال غير المشروعة أو إخفائها.

المبحث الرابع: آليات الوقاية والمكافحة في الجزائر
المطلب الأول: الآليات الوقائية

أرسى القانون الخاص بمكافحة تبييض الأموال منظومة وقائية تقوم على معرفة الزبائن، والرقابة الداخلية، ومتابعة العمليات المشبوهة، والتكوين، والإبلاغ. ويُظهر النظام المنشور في الجريدة الرسمية سنة 2013 أن المصارف والمؤسسات المالية ومصالح بريد الجزائر ملزمة بامتلاك برنامج مكتوب للوقاية والكشف عن تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، وأن هذا البرنامج يجب أن يتضمن إجراءات الرقابة، ومنهجية العناية الواجبة المتعلقة بمعرفة الزبائن، وتوفير تكوين مناسب للمستخدمين، وجهاز علاقة وإخطار بالشبهة مع خلية معالجة الاستعلام المالي.

المطلب الثاني: الإخطار بالشبهة ودور خلية معالجة الاستعلام المالي

يُعد الإخطار بالشبهة من أهم الأدوات العملية في مكافحة هذه الجريمة. وقد نص التنظيم الرسمي على وجود جهاز خاص بالعلاقة مع خلية معالجة الاستعلام المالي، كما ألزم المؤسسات الخاضعة برقابة اللجنة المصرفية باتباع معايير صارمة في معرفة الزبائن وعملياتهم، والكشف والمراقبة والإخطار بالشبهة. كما تبيّن الصفحة الرسمية لخلية معالجة الاستعلام المالي أن الدولة الجزائرية واصلت تحديث هذا الجانب عبر تعليمات سنة 2023 المنشورة رسميًا سنة 2024، والمتعلقة بالتزامات مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب وتمويل انتشار أسلحة الدمار الشامل.

المطلب الثالث: فعالية السياسة التشريعية الجزائرية

يتضح من التطور التشريعي أن الجزائر انتقلت من منطق التجريم المجرد إلى منطق السياسة الوقائية الشاملة، القائمة على الرقابة والتقييم والإنذار المبكر والتنسيق بين السلطات والهيئات الخاضعة والهيئات المتخصصة. وقد ربطت الدراسات الجزائرية الحديثة بين تعديل القانون 23-01 وبين تعزيز النهج القائم على المخاطر، وتدعيم التزامات الخاضعين، وتوسيع أدوات المكافحة والامتثال. ومع ذلك، ما تزال فعالية هذه السياسة مرتبطة بمدى التطبيق العملي، وكفاءة التكوين، وسرعة تبادل المعلومات، وفعالية الإثبات القضائي.

خاتمة

نخلص إلى أن جريمة تبييض الأموال في التشريع الجزائري تمثل جريمة مالية مركبة تقوم على عائدات إجرامية سابقة، وتتعدد صورها المادية بين التحويل والإخفاء والتمويه والحيازة والاستعمال، مع ضرورة توافر العلم بالمصدر غير المشروع. وقد واجهها المشرّع الجزائري بنظام مزدوج يجمع بين التجريم والعقاب في قانون العقوبات، والوقاية والرقابة والامتثال والإخطار بالشبهة في القانون رقم 05-01 وتعديلاته المتعاقبة، ولا سيما تعديلات 2012 و2015 و2023، مع الإشارة إلى تعديل جديد معلن رسميًا سنة 2025. ويُظهر ذلك أن المشرّع الجزائري يعتبر هذه الجريمة من أخطر الجرائم الماسة بالاقتصاد الوطني والنظام المالي، وأن مكافحتها لا تتحقق بالعقوبة وحدها، بل تتطلب أيضًا آليات رقابية ومؤسسات متخصصة وتعاونًا فعالًا بين الهيئات المالية والقضائية والإدارية.

المصادر والمراجع
أولًا: النصوص القانونية

الأمر رقم 66-156، المتضمن قانون العقوبات، معدل ومتمم، مع الإحالة إلى التعديلات التي جرّمت تبييض الأموال في المواد 389 مكرر وما بعدها.

القانون رقم 05-01، المؤرخ في 6 فبراير 2005، المتعلق بالوقاية من تبييض الأموال وتمويل الإرهاب ومكافحتهما.

الأمر رقم 12-02، المؤرخ في 13 فبراير 2012، يعدل ويتمم القانون رقم 05-01 المتعلق بالوقاية من تبييض الأموال وتمويل الإرهاب ومكافحتهما.

القانون رقم 15-06، المعدل والمتمم للقانون رقم 05-01.

القانون رقم 23-01، المؤرخ في 7 فبراير 2023، يعدل ويتمم القانون رقم 05-01 المتعلق بالوقاية من تبييض الأموال وتمويل الإرهاب ومكافحتهما.

القانون رقم 25-10، المؤرخ في 24 يوليو 2025، يعدل ويتمم القانون رقم 05-01 المتعلق بالوقاية من تبييض الأموال وتمويل الإرهاب ومكافحتهما.

نظام بنك الجزائر المؤرخ في 28 نوفمبر 2012، المنشور في الجريدة الرسمية سنة 2013، والمتعلق بالتزامات اليقظة ومعرفة الزبائن والإخطار بالشبهة.

ثانيًا: المذكرات والبحوث الجامعية الجزائرية

هديل رانية، النظام القانوني لجريمة تبييض الأموال في التشريع الجزائري، مذكرة ماستر، جامعة محمد خيضر بسكرة.

زوايدية عماد، روابحية عبد الرؤوف، الوقاية من تبييض الأموال وفقا للقانون 23-01، مذكرة جامعية، جامعة 8 ماي 1945 قالمة، 2024.

روميسة بلقاسم كحلولي، دور البنوك في محاربة جريمة تبييض الأموال، مذكرة ماستر، جامعة 8 ماي 1945 قالمة، 2020.

جريمة تبييض الأموال، مذكرة ماستر، جامعة عبد الحميد بن باديس مستغانم.

مكافحة جريمة تبييض الأموال في التشريع الجزائري، مذكرة ماستر، جامعة عبد الحميد بن باديس مستغانم.

ثالثًا: المقالات العلمية الجزائرية

إبراهيم، إشكالات تطبيق نص المادة 389 مكرر من قانون العقوبات الجزائري، مقال علمي، 2012.

دريس باخوية، جريمة تبييض الأموال (المكافحة والعوائق)، مقال علمي، 2012.

العيد، جريمة تبييض الأموال: المفهوم والأركان، مقال علمي، 2017.

بوهالي، سبل مكافحة جريمة تبييض الأموال في التشريع الجزائري، مقال علمي، 2023.

مرين، الوقاية من جريمة تبييض الأموال ومكافحتها في التشريع الجزائري، مقال علمي، 2024.

تعويلت، الإثبات في جريمة تبييض الأموال في القانون الجزائري، مقال علمي، 2024
 
أعلى