- المشاركات
- 260
- مستوى التفاعل
- 33
- النقاط
- 28
الإيمان بالقدر والثبات عند المحن
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)
أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها و أن كل بدعة ضلالة ، عباد الله إن الله عز وجل بيده الأمر كله وإليه يرجع الأمر كله لا معقب لحكمه ، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ، سير العالم كله على وفق قضائه و قدره النافذ الذي لا يمكن أن يعقب عليه أحد ولا أن يعترض عليه أحد ، له الحكمة البالغة في الأمر كله ، له الأمر من قبل ومن بعد ، وإنه سبحانه وتعالى سير العالم على وفق سننه النافذة الماضية التي لا يمكن أن تحول دونها أسباب أهل الدنيا ولا أن تردها وإن من حكمه أنه ينصر دينه ويعلي كلمته ويرفع رسله عليهم الصلاة والسلام وأن ما يحول دون ذلك من الباطل يذهب كما يذهب الغثاء فوق السيل ، لا يبقى له أثر ولا يمكن أن يلتفت إليه أحد ، وإنه سبحانه وتعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالبينات والهدى محنة للناس وابتلاء ، وإن مما جاء به هذا الرسول الكريم أن نؤمن بالقدر خيره وشره حلوه ومره وأن نعلم أن القدر الخير قسمان منه ما هو ما حلو ومنه ما هو مر وكلاهما للمؤمنين وحدهم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: \"عجبا لأمر المؤمن كل أمر المؤمن له خير إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن\" ، إن الذي يؤمن بقضاء الله وقدره لا يستعجل في الأمر فلا يستعجله أمر يعلم أنه قد حسم قبل أن يخلق الله السماوات والأرض على أن يتصرف أي تصرف لا يوافق الشرع ، فلذلك لا بد أن يكون أهل الإيمان محافظين على موقفهم باعتدالهم وتوازنهم في السراء وفي الضراء ومحافظين على العدل والصدق في الأمر كله لا يحملهم شنآن قوم على أن يكذبوا ولا أن يتقولوا ، ولا يحملهم كذلك الرضا على أن يزيدوا بل لا بد أن يكونوا أهل اعتدال وصدق وتوازن في الأمر كله كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد أدبه الله بذلك خير تأديب فقال تعالى في سورة العقود: (ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله) وقال تعالى: (ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله) ، إن كثيرا من الأزمات التي يشهدها المؤمنون في مختلف أنحاء البلاد قد يكون لها بعض الآثار السلبية في نفوسهم ، فقد يتأثر بها بعض الناس خوفا وطمعا فيقصر عن الحق ويتراجع عن بعض مواقفه ، وتنقص جديته في القيام بأمر الله عز وجل ، وذلك امتحان وابتلاء من سنة الله ، فإن الله غني عن عباده وعن ما يقدمونه ، ومن نكص على عقبيه جراء أية أزمة فلا يضر إلا نفسه ولا يمكن أن يضر الله شيئا وقد قال الله تعالى: (ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين) وإن الله تعالى تعهد بصرف الذين لا يرتضي حكمتهم عن طريق الحق فقال تعالى: (سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا) وكذلك فإن في المقابل أقواما آخرين إذا جاءت الأزمات كثيرا ما تستعجلهم فيزيدون حماسا فيفعلون أفعالا أو يقولون أقوالا غير موزونة بميزان الشرع وتتعدى حد العدل والإنصاف فيحملهم ذلك على التصرف المقيت المذموم أو على الكذب والافتراء أو على غير ذلك من المواقف التي لا يقرها الشرع ، أما أهل الصدق والإخلاص لله سبحانه وتعالى فإنهم لا يدافعون عن أنفسهم لأنهم يعلمون أن للبيت ربا سيمنعه ، ولا يدافعون كذلك عن أهوائهم لعلمهم أن الشرع قد هذب الأهواء وأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث بالحق الفاصل الذي ليس وراءه وراء ، فلذلك لا يتعدون موقفهم الوسطي المعتدل ، ويعلمون أن الحق لا بد من إظهاره ونصرته وأن الباطل لا بد من إنكاره ورده ، مهما كلف ذلك من الأثمان لا يبالون بما أصابهم في سبيل ذلك ولا يتراجعون عن حق ولا يلينون من جراء ضغط ولا يرجعون عن موقف دانوا الله به واقتنعوا أنه المرضي لله والموافق لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إن هذا الموقف الصحيح لا بد من ترسيخه في النفوس ولا بد أن يعلم الناس جميعا أن الله سبحانه وتعالى قد امتحنهم وابتلاهم بهذا الدين فهم في كل يوم يشهدون أمرا من أمر الله في هذا الدين ونهيا موجها إليهم فإن هم استجابوا لأمر الله عز وجل نجحوا في الامتحان فنالوا جنات النعيم التي أعد الله فيها لعباده مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، وإن هم رسبوا في الامتحان كانوا وفدا إلى النار خاسرين خائبين لا يباليهم الله بالة لا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم ، فالسعيد من نجح في هذا الامتحان ووفق للاستمرار عليه والصبر على طريق الحق حتى يلقى الله عز وجل وهذه الدنيا أيام معدودات وأوقات يسيرة محدودة والسائر فيها إذا كان يتراجع لأية نكبة أو ينصرف وراء هواه بأي إغراء فإنما هو مفتون لأن الوقت ضيق وسينقضي كل ما في هذه الحياة الدنيا ، كل ما فيها من النعيم منقطع لا محالة وكل ما فيها من العذاب والإهانة منقطع لا محالة فليس شيء منها بباق ولا بدائم ، إذا أذل فيها الإنسان فبعد ذلك الكرامة وإذا أهنئ فيها فبعد ذلك الإهانة ، فلا بد أن يعرف الإنسان ويشهد من الله سبحانه وتعالى حال القبض وحال البسط فالله تعالى هو القابض الباسط المعز المذل وهو الذي يقول في كتابه (قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل قدير تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب) وإنما حصل في هذه البلاد كغيرها إنما هو أمر عابر ومعتاد وكان الناس يتوقعونه وهو حاصل في كل البلاد بل كانوا يتوقعون أعظم منه ، ولذلك فلا عار على هذا الشعب الكريم الذي هو أبي ملتزم بشرع الله سبحانه وتعالى أن يثبت تمسكه بهذا الموقف المعتدل ، فلم يظهر منه ـ ولله الحمد ـ ما يخالف الشرع لم يدعه الحماس إلى مخالفة الشرع فقد استتب الأمن ولله الحمد ولم يحصل أي شيء يخالف مقتضى ما أمر الله به ولم يحمله كذلك الإغراء على قول الباطل أو الشهادة على أهل الحق بما ليس فيهم في الأعم الأغلب وإن حصل بعض ذلك فهو نشاز لا يباليه أحد باله ، ثم بعد هذا فمن نعم الله سبحانه وتعالى على إخوانكم الذين امتحنوا وإنما هم ضعفاء من أمثالكم ونظرائكم من نعمة الله سبحانه وتعالى عليهم أن ثبتوا فلم تغرهم الإغراءات ولم تزدرهم كذلك التهديدات وإن هذا الموقف إنما يأتي من عند الله سبحانه وتعالى وتثبيته ليس لإنسان فيه ملكة ولا هو قناعة يمكن أن يكتسبها الإنسان فيستمر عليها بل هو من تثبيت الله الذي نوه به في سورة إبراهيم حين قال: (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء) وهذه سلسلة من الأفعال الربانية متسقة في هذه الآية اتساقا عجيبا ، أولها ثبات المؤمن (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة) وبعدها إضلال الله تعالى لمن لا يرتضيه (ويضل الله الظالمين) وبعد ذلك في آخر السلسلة (ويفعل الله ما يشاء) فلله الحكم من قبل ومن بعد ، وله الأمر كله وإليه يرجع الأمر كله ، إن الجميع إنما هو من عند الله سبحانه وتعالى فما كان فيه من الخير لا بد من شكره لله وما كان فيه من الغير لا بد من الرضا فيه و التسليم لحكم الله ، ولا بد كذلك من العلم أن الأسباب الموقف المعتدل فيها هو أن يعلم المؤمن أن التوكل على الأسباب شرك وأن تركها معصية ، فلا يترك الإنسان أسباب الخير والنجاح ولا يتوكل على هذه الأسباب ، بل اتكال المؤمن على الله في أمره كله ، وهو حسبنا ونعم الوكيل ، ثم اعلموا كذلك أن ما حصل بعد الأزمة من الانفراج المؤقت إنما هو أيضا من عند الله وحده لا شريك له وبفضله ومنه وإذا من عليكم بشيء من ذلك فلكم الحق في أن تقولوا ما قال موسى عليه السلام (وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل) ثم لكم الحق كذلك أن تتساءلوا ما الذي حصل بعد ما حصل؟ إن الذين أخذوا لم يقولوا إلا ما كانوا يقولونه و لن يقواولوا إلا ما كانوا يقولونه، لا يمكن أن يحملهم موقف متشنج على أن يقولوا الكذب أو أن يداهنوا في الدين ولا يمكن أن يحملهم الإغراء كذلك عن التراجع عن العهد الذي أخذوه على أنفسهم بين يدي الله سبحانه وتعالى وبايعوا الله عليه بنصرة دينه والقول بالحق أينما كانوا لا يخافون في الله لومة لائم ، كذلك لا بد أن تعلموا عباد الله أن كل إنسان هو عرضة لمثل هذه المواقف يبتليه الله بها ويمتحنه وأن الذين يمتحنون بها أنواع فليس الامتحان بها راجعا إلى قول يقوله الإنسان أو موقف يتخذه ، ولذلك تشهدون تنوع الذين امتحنوا في امتحان واحد فمنهم من يشتغل بالسياسة ومنهم من لم تكن له بها أية صلة ولا علاقة ، ومنهم من يتكلم في المنابر ومنهم من لم يتكلم فيها ولا له بها أية صلة ولا علاقة ، والمشتغلون بالسياسية فيها كذلك أنواع منوعة منهم من هو من النظام الحاكم ولا يزال منه ، ومنهم من ليس منه كذلك ، فإذا عرف الإنسان هذا عرف أن الجميع من عند الله سبحانه وتعالى وأنه ابتلاء ، فكل إنسان عرضة لذلك الابتلاء ، ثم اعلموا كذلك رحمني الله وإياكم أن إسناد الأمر إلى الله في الأمور كلها هو حلقة من حلقات التصور الإسلامي التي لا بد أن يجعلها الإنسان في نفسه ، فالمسلم يميز بين دائرة الأسباب ودائرة القدر كما يميز بين دائرة الحلال ودائرة الحرام ولذلك لا بد أن نميز بين دائرة الأسباب وبين دائرة التصرف الرباني الحكيم ، فالتصرف الرباني يستحق الشكر على كل حال ، فالحمد الله الذي لا يحمد على مكروه سواه ، فالله يستحق الحمد على كل حال وإذا جاء منه ضراء فقد دفع ما هو أعظم منها وإذا جاءت منه سراء فيرجى منه أكبر منها كذلك أما ما لدى المخلوق من الأسباب فلا بد أن يعرف الإنسان أن هذه الأسباب هي من القدر وأنه يتعبد الله بها ، ولذلك فإن مواقفكم المشرفة في مآزرة إخوانكم وفي مساعدتكم للمستضعفين المظلومين وإعلانكم للحق لا تخافون فيه لومة لائم بالإضافة إلى ما أديتموه أيضا من عدم التصرف ومن الاعتدال ومن عدم الاعتداء على الآخرين كل ذلك يحمد للمؤمنين وكله من توفيق الله تعالى وفضله ، وهذا الموقف لا بد من الاستمرار عليه في كل الأحوال ، لا بد أن نعلم أن الله سبحانه وتعالى كما أمرنا بقول الحق نهانا كذلك عن الظلم ونهانا عن الإفساد في الأرض ونهانا عن السعي فيها بأي فساد فما نشهده في بعض الشعوب إذا حصل احتكاك ولو كان قليلا محدودا من ردات الفعل المتشنجة الغالبة التي كثيرا ما تتعدى حدود الشرع نسأل الله أن يجنبه هذه البلاد وأن يبقيها آمنة مطمئنة إلى يوم التناد وأن يدفع عنها ظلم أهل الظلم وفساد أهل الفساد ، وإن موقفكم المشرف هذا تثابون عليه ثوابا عظيما هو خير من موقف المتشنجين الذين يخالفون الشرع ويتعدون حدود الله سبحانه وتعالى ، فأنتم بهذا قد وقفتم مع الحق وأعلنتم مناصرتكم لله ولرسوله وللمؤمنين المظلومين ومع ذلك لم تقولوا إلا الحق ولم تفعلوا فعلا مشينا ولم تتصرفوا تصرفا مخالفا للنظم والقوانين المعمول بها في بلادكم وأنتم تعلمون أن أية مخالفة في القوانين المعمول بها في بلادكم لا تأتي بفائدة فليست فيها إلا زيادة للأمر وحمل الآخرين على تصرفات قد لا يكونون راغبين فيها أصلا ، فلذلك عليكم عباد الله أن تلتزموا بهذا الموقف المشرف المعتدل وأن لا تتعدوه وأن تعلموا أن الله سبحانه وتعالى غني عن العباد جميعا وأن الأمر كله إليه يرفع إليه أمر الليل قبل النهار وأمر النهار قبل الليل لا ينام ولا ينبغي له أن ينام هو الحي القيوم سبحانه وتعالى.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ).
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم وتاب علي وعليكم إنه هو التواب الرحيم.
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)
أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها و أن كل بدعة ضلالة ، عباد الله إن الله عز وجل بيده الأمر كله وإليه يرجع الأمر كله لا معقب لحكمه ، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ، سير العالم كله على وفق قضائه و قدره النافذ الذي لا يمكن أن يعقب عليه أحد ولا أن يعترض عليه أحد ، له الحكمة البالغة في الأمر كله ، له الأمر من قبل ومن بعد ، وإنه سبحانه وتعالى سير العالم على وفق سننه النافذة الماضية التي لا يمكن أن تحول دونها أسباب أهل الدنيا ولا أن تردها وإن من حكمه أنه ينصر دينه ويعلي كلمته ويرفع رسله عليهم الصلاة والسلام وأن ما يحول دون ذلك من الباطل يذهب كما يذهب الغثاء فوق السيل ، لا يبقى له أثر ولا يمكن أن يلتفت إليه أحد ، وإنه سبحانه وتعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالبينات والهدى محنة للناس وابتلاء ، وإن مما جاء به هذا الرسول الكريم أن نؤمن بالقدر خيره وشره حلوه ومره وأن نعلم أن القدر الخير قسمان منه ما هو ما حلو ومنه ما هو مر وكلاهما للمؤمنين وحدهم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: \"عجبا لأمر المؤمن كل أمر المؤمن له خير إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن\" ، إن الذي يؤمن بقضاء الله وقدره لا يستعجل في الأمر فلا يستعجله أمر يعلم أنه قد حسم قبل أن يخلق الله السماوات والأرض على أن يتصرف أي تصرف لا يوافق الشرع ، فلذلك لا بد أن يكون أهل الإيمان محافظين على موقفهم باعتدالهم وتوازنهم في السراء وفي الضراء ومحافظين على العدل والصدق في الأمر كله لا يحملهم شنآن قوم على أن يكذبوا ولا أن يتقولوا ، ولا يحملهم كذلك الرضا على أن يزيدوا بل لا بد أن يكونوا أهل اعتدال وصدق وتوازن في الأمر كله كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد أدبه الله بذلك خير تأديب فقال تعالى في سورة العقود: (ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله) وقال تعالى: (ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله) ، إن كثيرا من الأزمات التي يشهدها المؤمنون في مختلف أنحاء البلاد قد يكون لها بعض الآثار السلبية في نفوسهم ، فقد يتأثر بها بعض الناس خوفا وطمعا فيقصر عن الحق ويتراجع عن بعض مواقفه ، وتنقص جديته في القيام بأمر الله عز وجل ، وذلك امتحان وابتلاء من سنة الله ، فإن الله غني عن عباده وعن ما يقدمونه ، ومن نكص على عقبيه جراء أية أزمة فلا يضر إلا نفسه ولا يمكن أن يضر الله شيئا وقد قال الله تعالى: (ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين) وإن الله تعالى تعهد بصرف الذين لا يرتضي حكمتهم عن طريق الحق فقال تعالى: (سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا) وكذلك فإن في المقابل أقواما آخرين إذا جاءت الأزمات كثيرا ما تستعجلهم فيزيدون حماسا فيفعلون أفعالا أو يقولون أقوالا غير موزونة بميزان الشرع وتتعدى حد العدل والإنصاف فيحملهم ذلك على التصرف المقيت المذموم أو على الكذب والافتراء أو على غير ذلك من المواقف التي لا يقرها الشرع ، أما أهل الصدق والإخلاص لله سبحانه وتعالى فإنهم لا يدافعون عن أنفسهم لأنهم يعلمون أن للبيت ربا سيمنعه ، ولا يدافعون كذلك عن أهوائهم لعلمهم أن الشرع قد هذب الأهواء وأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث بالحق الفاصل الذي ليس وراءه وراء ، فلذلك لا يتعدون موقفهم الوسطي المعتدل ، ويعلمون أن الحق لا بد من إظهاره ونصرته وأن الباطل لا بد من إنكاره ورده ، مهما كلف ذلك من الأثمان لا يبالون بما أصابهم في سبيل ذلك ولا يتراجعون عن حق ولا يلينون من جراء ضغط ولا يرجعون عن موقف دانوا الله به واقتنعوا أنه المرضي لله والموافق لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إن هذا الموقف الصحيح لا بد من ترسيخه في النفوس ولا بد أن يعلم الناس جميعا أن الله سبحانه وتعالى قد امتحنهم وابتلاهم بهذا الدين فهم في كل يوم يشهدون أمرا من أمر الله في هذا الدين ونهيا موجها إليهم فإن هم استجابوا لأمر الله عز وجل نجحوا في الامتحان فنالوا جنات النعيم التي أعد الله فيها لعباده مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، وإن هم رسبوا في الامتحان كانوا وفدا إلى النار خاسرين خائبين لا يباليهم الله بالة لا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم ، فالسعيد من نجح في هذا الامتحان ووفق للاستمرار عليه والصبر على طريق الحق حتى يلقى الله عز وجل وهذه الدنيا أيام معدودات وأوقات يسيرة محدودة والسائر فيها إذا كان يتراجع لأية نكبة أو ينصرف وراء هواه بأي إغراء فإنما هو مفتون لأن الوقت ضيق وسينقضي كل ما في هذه الحياة الدنيا ، كل ما فيها من النعيم منقطع لا محالة وكل ما فيها من العذاب والإهانة منقطع لا محالة فليس شيء منها بباق ولا بدائم ، إذا أذل فيها الإنسان فبعد ذلك الكرامة وإذا أهنئ فيها فبعد ذلك الإهانة ، فلا بد أن يعرف الإنسان ويشهد من الله سبحانه وتعالى حال القبض وحال البسط فالله تعالى هو القابض الباسط المعز المذل وهو الذي يقول في كتابه (قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل قدير تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب) وإنما حصل في هذه البلاد كغيرها إنما هو أمر عابر ومعتاد وكان الناس يتوقعونه وهو حاصل في كل البلاد بل كانوا يتوقعون أعظم منه ، ولذلك فلا عار على هذا الشعب الكريم الذي هو أبي ملتزم بشرع الله سبحانه وتعالى أن يثبت تمسكه بهذا الموقف المعتدل ، فلم يظهر منه ـ ولله الحمد ـ ما يخالف الشرع لم يدعه الحماس إلى مخالفة الشرع فقد استتب الأمن ولله الحمد ولم يحصل أي شيء يخالف مقتضى ما أمر الله به ولم يحمله كذلك الإغراء على قول الباطل أو الشهادة على أهل الحق بما ليس فيهم في الأعم الأغلب وإن حصل بعض ذلك فهو نشاز لا يباليه أحد باله ، ثم بعد هذا فمن نعم الله سبحانه وتعالى على إخوانكم الذين امتحنوا وإنما هم ضعفاء من أمثالكم ونظرائكم من نعمة الله سبحانه وتعالى عليهم أن ثبتوا فلم تغرهم الإغراءات ولم تزدرهم كذلك التهديدات وإن هذا الموقف إنما يأتي من عند الله سبحانه وتعالى وتثبيته ليس لإنسان فيه ملكة ولا هو قناعة يمكن أن يكتسبها الإنسان فيستمر عليها بل هو من تثبيت الله الذي نوه به في سورة إبراهيم حين قال: (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء) وهذه سلسلة من الأفعال الربانية متسقة في هذه الآية اتساقا عجيبا ، أولها ثبات المؤمن (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة) وبعدها إضلال الله تعالى لمن لا يرتضيه (ويضل الله الظالمين) وبعد ذلك في آخر السلسلة (ويفعل الله ما يشاء) فلله الحكم من قبل ومن بعد ، وله الأمر كله وإليه يرجع الأمر كله ، إن الجميع إنما هو من عند الله سبحانه وتعالى فما كان فيه من الخير لا بد من شكره لله وما كان فيه من الغير لا بد من الرضا فيه و التسليم لحكم الله ، ولا بد كذلك من العلم أن الأسباب الموقف المعتدل فيها هو أن يعلم المؤمن أن التوكل على الأسباب شرك وأن تركها معصية ، فلا يترك الإنسان أسباب الخير والنجاح ولا يتوكل على هذه الأسباب ، بل اتكال المؤمن على الله في أمره كله ، وهو حسبنا ونعم الوكيل ، ثم اعلموا كذلك أن ما حصل بعد الأزمة من الانفراج المؤقت إنما هو أيضا من عند الله وحده لا شريك له وبفضله ومنه وإذا من عليكم بشيء من ذلك فلكم الحق في أن تقولوا ما قال موسى عليه السلام (وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل) ثم لكم الحق كذلك أن تتساءلوا ما الذي حصل بعد ما حصل؟ إن الذين أخذوا لم يقولوا إلا ما كانوا يقولونه و لن يقواولوا إلا ما كانوا يقولونه، لا يمكن أن يحملهم موقف متشنج على أن يقولوا الكذب أو أن يداهنوا في الدين ولا يمكن أن يحملهم الإغراء كذلك عن التراجع عن العهد الذي أخذوه على أنفسهم بين يدي الله سبحانه وتعالى وبايعوا الله عليه بنصرة دينه والقول بالحق أينما كانوا لا يخافون في الله لومة لائم ، كذلك لا بد أن تعلموا عباد الله أن كل إنسان هو عرضة لمثل هذه المواقف يبتليه الله بها ويمتحنه وأن الذين يمتحنون بها أنواع فليس الامتحان بها راجعا إلى قول يقوله الإنسان أو موقف يتخذه ، ولذلك تشهدون تنوع الذين امتحنوا في امتحان واحد فمنهم من يشتغل بالسياسة ومنهم من لم تكن له بها أية صلة ولا علاقة ، ومنهم من يتكلم في المنابر ومنهم من لم يتكلم فيها ولا له بها أية صلة ولا علاقة ، والمشتغلون بالسياسية فيها كذلك أنواع منوعة منهم من هو من النظام الحاكم ولا يزال منه ، ومنهم من ليس منه كذلك ، فإذا عرف الإنسان هذا عرف أن الجميع من عند الله سبحانه وتعالى وأنه ابتلاء ، فكل إنسان عرضة لذلك الابتلاء ، ثم اعلموا كذلك رحمني الله وإياكم أن إسناد الأمر إلى الله في الأمور كلها هو حلقة من حلقات التصور الإسلامي التي لا بد أن يجعلها الإنسان في نفسه ، فالمسلم يميز بين دائرة الأسباب ودائرة القدر كما يميز بين دائرة الحلال ودائرة الحرام ولذلك لا بد أن نميز بين دائرة الأسباب وبين دائرة التصرف الرباني الحكيم ، فالتصرف الرباني يستحق الشكر على كل حال ، فالحمد الله الذي لا يحمد على مكروه سواه ، فالله يستحق الحمد على كل حال وإذا جاء منه ضراء فقد دفع ما هو أعظم منها وإذا جاءت منه سراء فيرجى منه أكبر منها كذلك أما ما لدى المخلوق من الأسباب فلا بد أن يعرف الإنسان أن هذه الأسباب هي من القدر وأنه يتعبد الله بها ، ولذلك فإن مواقفكم المشرفة في مآزرة إخوانكم وفي مساعدتكم للمستضعفين المظلومين وإعلانكم للحق لا تخافون فيه لومة لائم بالإضافة إلى ما أديتموه أيضا من عدم التصرف ومن الاعتدال ومن عدم الاعتداء على الآخرين كل ذلك يحمد للمؤمنين وكله من توفيق الله تعالى وفضله ، وهذا الموقف لا بد من الاستمرار عليه في كل الأحوال ، لا بد أن نعلم أن الله سبحانه وتعالى كما أمرنا بقول الحق نهانا كذلك عن الظلم ونهانا عن الإفساد في الأرض ونهانا عن السعي فيها بأي فساد فما نشهده في بعض الشعوب إذا حصل احتكاك ولو كان قليلا محدودا من ردات الفعل المتشنجة الغالبة التي كثيرا ما تتعدى حدود الشرع نسأل الله أن يجنبه هذه البلاد وأن يبقيها آمنة مطمئنة إلى يوم التناد وأن يدفع عنها ظلم أهل الظلم وفساد أهل الفساد ، وإن موقفكم المشرف هذا تثابون عليه ثوابا عظيما هو خير من موقف المتشنجين الذين يخالفون الشرع ويتعدون حدود الله سبحانه وتعالى ، فأنتم بهذا قد وقفتم مع الحق وأعلنتم مناصرتكم لله ولرسوله وللمؤمنين المظلومين ومع ذلك لم تقولوا إلا الحق ولم تفعلوا فعلا مشينا ولم تتصرفوا تصرفا مخالفا للنظم والقوانين المعمول بها في بلادكم وأنتم تعلمون أن أية مخالفة في القوانين المعمول بها في بلادكم لا تأتي بفائدة فليست فيها إلا زيادة للأمر وحمل الآخرين على تصرفات قد لا يكونون راغبين فيها أصلا ، فلذلك عليكم عباد الله أن تلتزموا بهذا الموقف المشرف المعتدل وأن لا تتعدوه وأن تعلموا أن الله سبحانه وتعالى غني عن العباد جميعا وأن الأمر كله إليه يرفع إليه أمر الليل قبل النهار وأمر النهار قبل الليل لا ينام ولا ينبغي له أن ينام هو الحي القيوم سبحانه وتعالى.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ).
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم وتاب علي وعليكم إنه هو التواب الرحيم.