- المشاركات
- 94
- مستوى التفاعل
- 2
- النقاط
- 6
[h=2]ذكرى مولده صلى الله عليه وآله وسلم[/h]"إنَّ الله وملائكته يصلُّون على النَّبيِّ يا أيُّها الَّذين آمنوا صلُّوا عليه وسلِّموا تسليماً "
اللهم صل على سيدنا محمد فخر الأنبياء، وقدوة الأصفياء، ونبراس الأولياء، ودليل السعداء ونعيم الأوفياء، وحبيب أهل الجنة يوم الجزاء، اللهم صل على سيدنا محمد سراج شمس مجدك المنير الأبهى، ونور قمر عزك الساطع الأزهى، وضياء نجم فضلك العالي الأجلى، وكوكب سرك البديع الأعلى، الذي أعليت قدره في النبيين، وأظهرت مجده في المرسلين، وقرنت اسمه مع اسمك على ساق عرشك في أعلى عليين، ورفعت ذكره مع ذكرك إلى يوم الدين، وفضلته على الأولين، وكرمته في الآخرين، وشرفت به سكان السماوات والأرضين.
الحمد لله الذي جعلنا من أمةٍ هي خير الأمم وأرسل فينا رسولا هو أفضل الرسل وأنزل عليه كتابا هو أحفظ الكتب، والصلاة والسلام على البشير النذير والسراج المنير، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، وعلى من تبعهم بإيمان وإحسان إلى يوم الدين.
كيف نفرح بمولد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ بل كيف نفرح برسول الله صلى الله عم ولد فيه ليه آله وسلم؟ وكيف ينبغي أن نحتفل ببزوغ شمس هدايته للعالمين؟ وكيف ننظر إلى يوم وُلد فيه خير الخلق كلهم؟ وكيف نشكر الله على إيجاد نعمته العظمى صلى الله عليه وآله وسلم؟ كيف نحرص على محبته صلى الله عليه وآله وسلم في وسط يكاد يلغي وصْلتنا به؟ وكيف نتوسط بين قوم جعلوا ذكرى مولده مناسبة للمزيد من الغفلة والمعصية والمنكر، وبين قوم أنكروا الاحتفال أصلا وجعلوه بدعة وضلالة و خروج عن المنهاج وحتى كفرا؟ كيف نتجنب آفة الابتداع مثلما نتجنب آفة الابتعاد؟
*يحتفل أحدنا ويبتهج أيما ابتهاج إذا رزقه الله مولودا جديدا ،وخاصة إذا كان عقيما فإنه سيقيم الولائم ويصرف الأموال، وهو في ذلك فرح مسرور، آملا أن يكون هذا المولود من الصالحين، فتقر به عينه ويأنس به سكنه، ويستمر به ذكره، ولا ينقطع به عمله، فيعد له الأيام والشهور والسنوات ويذكره بميلاده ورضاعه وفطامه ودراسته وشبابه، فيزيده ذلك من حُبه والاهتمام به.
إذا كان هذا هكذا مع ميلاد أبنائنا فكيف ينبغي أن يكون مع ميلاد سيدنا وحبيبنا وقدوتنا وشفيعنا صلى الله عليه و آله وسلم؟ أليس ينبغي أن يكون أحب إلينا من أنفسنا وأولادنا ووالدينا والناس أجمعين؟ ألم يقل صلى الله عليه وآله وسلم: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده، والناس أجمعين" [1]، ألم يقل في الحديث الذي رواه الإمام مسلم: "ما من مؤمن إلا وأنا أَولى الناس به في الدنيا والآخرة، اقرؤوا إن شئتم: "النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم" "(الأحزاب 6.
وإذا كنا نحب مؤمنا لإيمانه أو مُحسنا لإحسانه أو كريما لكرمه أو إماما لإمامته أو جميلا أو عالما لعلمه، فأولى وأتم وأعلى وأكرم أن نحب سيد هؤلاء جميعا، سيد ولد آدم أجمعين، الذي أرسله الحق سبحانه ﴿ رحمة للعالمين﴾.
ألا نتذكر ميلاده الشريف وهو أشرف ميلاد؟ ألا نحتفل بمجيئه الزاهر وهو أزهر مجيء؟ ألا نجدد التذكر فتنفعنا الذكرى؟ وأنعِِم به من تذكرٍ وأنعم بها من ذكرى؟
ألا نفقه تسخير أفضل الأوقات لترسيخ أفضل الأعمال؟
يوم لا كالأيام.......
أوَ كيف لا نحتفل بيوم لا كالأيام؟ يوم احتفلت به كل الأيام؟ وملأ الوجود فيه عطر خير الأنام، عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام؟ يوم ارتجس فيه إيوان كسرى، وسقطت منه أربع عشرة شرفة، يوم أخمدت فيه نار فارس، ولم تخمد قبل ذلك بألف عام! وكيف لا نحتفي بيوم سطع فيه نور أضاءت له قصور الشام وأسواقها؟ كيف لا نحتفل بمن احتفلت الأرض اخضرارا بقدومه (في قبيلة بني سعد) وامتلأ الضرع سرورا بمجيئه؟ كيف لا نحتفل بمن كانت تظلله الغمامة أينما سار أو وقف؟ كيف لا نحتفل بمن يمحو الله به الكفر ويتبث به الإيمان؟ كيف لا نفرح بمن يحشر الناس على قدمه يوم القيامة؟ كيف لا نفرح بالشافع المشفع؟
كيف لا نحتفل يا غافل والكون كله يحتفل!؟
ألا يا محب المصطفى زد صبابة
وضمخ لسان الذكر منك بطيبه
ولا تعبأن بالمبطلين فإنما
علامة حب الله حب حبيبه
بمجيئه فرح الملائكة والأنبياء والصالحون، وتكمد الغيظ اليهود والنصارى والمشركون، فمع من يُعقل أن نكون؟ أمع المصطفين المقربين المحبين المحبوبين، أم مع المغضوب عليهم والضالين والغافلين؟
الفرح برسول الله دواء وشفاء، وعتق من النار، كيف لا وقد أخبر صلى الله عليه وآله وسلم أن الله يخفف عن عمه أبي لهب من عذاب جهنم كل اثنين، لا لشيء إلا لفرحه بميلاد الرحمة المهداة والنعمة المعطاة! وتعبيره عن الفرح بعتق جاريته ثويبة التي بشرته بخبر الميلاد السعيد. فافهم!
فرحتم به يا معشر قريش
يقول الحاكم النيسابوري رضي الله عنه: "عن عائشة رضي الله عنها قالت كان زفر قد سكن مكة يتجر بها، فلما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في مجلس من قريش: "يا معشر قريش هل الليلة مولود؟!، قالوا: والله ما نعلمه. قال: الله أكبر، أما إذا أخطأكم فلا بأس، فانظروا واحفظوا ما أقول لكم، وُلد هذه الليلة نبي هذه الأمة الأخيرة، بين كتفيه علامة فيها شعرات متواترات كأنهن عُرف فرس، لا يرضع ليلتين، وذلك أن عفريتا من الجن أدخل أصبعيه في فمه فمنعه الرضاع. فتصدع القوم من مجلسهم وهم متعجبون من قوله وحديثه، فلما صاروا إلى منازلهم أخبر كل إنسان منهم أهله، فقالوا: قد وُلد لعبد الله بن عبد المطلب غلام سموه محمدا. فالتقى القوم فقالوا: هل سمعتم حديث اليهودي، وهل بلغكم مولد هذا الغلام؟ فانطلقوا حتى جاؤوا اليهودي، فأخبروه الخبر، قال فاذهبوا معي حتى أنظر إليه، فخرجوا حتى أدخلوه على آمنة، فقال: أخرجي إلينا ابنَك، فأخرجَته، وكشفوا له عن ظهره، فرأى تلك الشامة، فوقع اليهودي مغشيا عليه! فلما أفاق، قالوا ويلك ما لك؟! قال: ذهبت والله النبوة من بني إسرائيل! فرحتم به يا معشر قريش، أما والله ليسطون بكم سطوة يخرج خبرها من المشرق والمغرب! وكان في النفر يومئذ الذين قال لهم اليهودي ما قال: هشام بن الوليد بن المغيرة، ومسافر بن أبي عمرو، وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، وعتبة بن ربيعة شاب فوق المحتلم في نفر من بني مناف وغيرهم من قريش" .
قال ابن حجر العسقلاني رحمه الله: (في ديوانه "السبع السيارة النيرات"، دراسة وتحقيق محمد أيوب صادر)
حفظت لمولده السماء وبشرت
فالماردون بشهبها قد رجموا
والشياطين ارتمت واستيأست
كهانها من علم غيب يقدم
إيوان كسرى انشق ثم تساقطتشرفاته
بل كاد رعبا يهدم
والماء غاض ونار ساداة أخمدت
من بعد ما كانت تشب وتضرم
هذا وآمنة رأت نارا لهابصرى
أضاءت والديجاي تظلم
قال أبو العباس المرسي: "والله لو غاب عني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طرفة عين ما عددت نفسي مسلما"، فجعلوا من محبته صلى الله عليه وآله وسلم تذكر كامل سيرته: من نسبه إلى ميلاده إلى شبابه إلى تجارته إلى زواجه إلى بعثته إلى تربيته وتأليفه وجهاده ودعوته ووصاياه وبشاراته ونذاراته؟ قال صلى الله عليه وسلم: "والله لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين" ، حتى يكون كله صلى الله عليه وسلم؛ شخصه ورسالته وحديثه وذكره ومحابه وأحبابه أحب إلينا من كل مخلوق يجوز حبه. ومن محابه صلى الله عليه وآله وسلم يوم ولادته، روى مسلم في صحيحه عن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه أنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الإثنين فقال: "هذا يوم ولدت فيه
وأنزل علي فيه". فكان يتذكر يوم ولادته مثلما يتذكر يوم بعثته ونزول القرآن عليه.
وما زالت هذه الأمة ولله الحمد تفرح وتبتهج بهذه المناسبة، فيجتمع الناس -وهم مبتسمون- على تلاوة القرآن الكريم وقراءة الحديث الشريف، ومدارسة السيرة النبوية، ويتغنون بالأمداح والأناشيد، ويصلون الرحم، ويتزاورون ويصلحون ذات البين، فيدخل السرور على الصغار والكبار والنساء والرجال.
بل كيف لا نحتفل برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في كل يوم وكل لحظة، وهو الشاهد علينا في الدنيا والآخرة، وهو الذي يستقبل أعمالنا كل اثنين وخميس فيحمد الله على خيرها ويستغفر لنا على تفريطنا، وهو الذي يسلم علينا في كل لحظة سلمنا فيها عليه، وهو البشير الذي حمل لنا البشرى والمبشرات، وهو النذير الذي بعث بين يدي عذاب شديد، وهو السراج الذي أضاء به الكون أنوارا وأزهارا، وهو الماحي الذي يمحو الله به الخطايا، وهو الرحمة المهداة والعروة الوثقى "إنما أنا رحمة مهداة" ، و هو العاقب الذي ختمت به الرسالات، وهو الذي يعز عليه ما يعاني المؤمنون، وهو الحريص على هداية الخلق أجمعين، وهو رءوف ورحيم، وهو قرآن وكريم، وهو خلق وعظيم، قال الله تعالى: ﴿ لقد جاءكم رسول من أنفسكم، عزيز عليه ما عنتم، حريص عليكم، بالمؤمنين رءوف رحيم﴾ .
دَعْ مَا ادَّعَتْهُ النَّصَارَى فيِ نَبِيِّهِمِ
وَاحْكُمْ بِمَا شِئْتَ مَدْحًا فِيهِ وَاحْتَكِمِ
وَانْسُبْ إِلىَ ذَاتِهِ مَا شِئْتَ مِنْ شَرَفٍ
وَانْسُبْ إِلى قَدْره مَا شِئْتَ مِنْ عِظَمِ
فَإِنَّ فَضْلَ رَسُولِ اللهِ لَيْسَ لَهُ
حَدٌّ فَيُعْرِبَ عَنْهُ نَاطِقٌ بفم
لتكن الذكرى رجوعا إلى الله بالتذلل بين يديه افتقارا وانكسارا، واستنصارا واستبشارا، ورجوعا إلى كتابه تلاوة وحفظا وتخلقا وتحكيما، ليكون حب الله وحب رسوله أحب إلينا من كل شيء، قال الله عز وجل: ﴿ قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره﴾. فانظر ما تنطوي عليه جوانحك؟ أهو حب صادق ثمنه بذل كل ما تملك؟ أم ليس لك من الأمر إلا الكلام؟
قال الله تعالى: ﴿ لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا ومغانم كثيرة يأخذونها، وكان الله عزيزا حكيما﴾. علم الله ما في القلوب من نية ويقين فأكرمهم بالفتح والمغانم الكثيرة، فهل أعددنا قلوبنا لتلقي الخير والخبر، واستقبال النصر والظفر؟
روى البخاري عن عبد الله بن هشام قال: "كنا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب. فقال له عمر: يا رسول الله! لأنت أحبُّ إلي من كل شيء إلا نفسي! فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "لا والذي نفسي بيده، حتى أكونَ أحبَّ إليك من نفسك!" فقال عمر: فإنه الآن والله لأنْتَ أحبُّ إلي من نفسي! فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "الآن يا عمر"!"
ومن تمام الذكرى أن نشعر بالحاجة إلى ميلاد قلبي ينقلنا من عالم الغفلة والظنون إلى عالم المعرفة واليقين. قال الله جل وعلا: ﴿ أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا نمشي به في الناس﴾. وهذه حياة ثانية، ونشأة أخرى يحياها الذين جعل الله لهم نورا يمشون به.
معالم المحبة والاتباع
ليس اتباع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ادعاءا باللسان، أو حديثا بالبيان، أو تظاهرا بالوجدان، إنما هو تلمذة وشوق وسير وسلوك وجهاد، يروى عن ذي النون المصري أنه كان في مجلس يتحدث فيه عن محبة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: "اسكتوا لئلا تسمعها النفوس فتدعيها".
فلا يتحقق الاتباع حتى تصفو السريرة فيكون هوى أحدنا تبعا لما جاء به، وحتى تخلص المحبة فيحبه أكثر من نفسه التي بين جنبيه، وحتى تصدق التلمذة فيؤثر محابّه على محبوباته، وحتى تتحرر الوجهة فيتبع سبيل المؤمنين ويحبهم، ويحمل الحمل الثقيل معهم؛ حمل الدعوة على بصيرة، وحتى تصير لله عبدا مخلِصا مخلَصا، قدمك على قدم الإمام الأعظم والمحبوب الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم.
اللهم ارزقنا نية الاتباع وسنة الاتباع وسداد الاتّباع وكمال الاتّباع
الجزائر : الفاتح من ربيع الأول 1434- 13 جانفي 2013
أقوال أئمة السنة في شرعية الاحتفال بمولد رسول الله سيد البشرية
المولد النبوي الشريف هو يوم مولد رسول الإسلام محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه،ويكون في 12 ربيع الأول حسب بعض المصادر من كل عام. حيث يحتفل به المسلمون في معظم الدول الإسلامية، ليس باعتباره عيدًا، بل فرحًا بولادة رسول الإسلام محمد بن عبد الله. وتبدأ الاحتفالات من بداية شهر ربيع الأول إلى نهايته، وذلك بإقامة مجالس ينشد فيها قصائد مدح النبي، ويكون فيها الدروس من سيرته، ويقدم فيها الحلوى والطعام. لكن السلفية وخاصة التكفيرية منها -البعيدة كل البعد عن فهم الإسلام ومقاصده النبيلة السامية - تعتبرالاحتفال بالمولد النبوي هو "بدعة من البدع في دين الإسلام، ما أنزل الله بها من
سلطان ولم يعمله السلف من قبل". وعليه نورد مجموعة من الأقوال وردت نصوص كثيرة لعلماء من أهل السنة الكباريجيزون فيها الاحتفال بالمولد النبوي، منها:السيوطي، حيث قال: "عندي أن أصل عمل المولد الذي هو اجتماع الناس وقراءة ما تيسر من القرآن ورواية الأخبار الواردة في مبدأ أمر النبي صلى الله عليه وسلم وما وقع في مولده من الآيات ثم يمد لهم سماط يأكلونه وينصرفون من غير زيادة على ذلك هو من البدع الحسنة التي يثاب عليها صاحبها لما فيه من تعظيم قدر النبي صلى الله عليه وسلم وإظهار الفرح والاستبشار بمولده الشريف".
ابن تيمية في كتابه (اقتضاء الصراط المستقيم)، قال (رحمه الله): (فتعظيم المولد، واتخاذه موسماً، قد يفعله بعض الناس، ويكون له فيه أجر عظيم؛ لحسن قصده، وتعظيمه لرسول الله صلى الله عليه وسلم). ابن الجوزي، حيث قال عن المولد النبوي: "من خواصه أنه أمان في ذلك العام وبشرى عاجلة بنيل البغية والمرام" . ابن حجر العسقلاني، حيث قال الحافظ السيوطي: "وقد سئل شيخ الإسلام حافظ العصر أبو الفضل ابن حجر عن عمل المولد فأجاب بما نصه: أصل عمل المولد بدعة لم تنقل عن السلف الصالح من القرون الثلاثة، ولكنها مع ذلك اشتملت على محاسن وضدها، فمن تحرى في عملها المحاسن وتجنب ضدها كانت بدعة حسنة، وقد ظهر لي تخريجها على أصل ثابت، وهو ما ثبت في الصحيحين من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قدم المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسألهم، فقالوا: هو يوم أغرق الله فيه فرعون, ونجى موسى، فنحن نصومه شكرا لله، فيستفاد منه فعل الشكر لله على ما من به في يوم معين من إسداء نعمة، أو دفع نقمة.. إلى أن قال : وأي نعمة أعظم من نعمة بروز هذا النبي صلى الله عليه وسلم.. نبي الرحمة في ذلك اليوم، فهذا ما يتعلق بأصل عمله، وأما ما يعمل فيه: فينبغي أن يقتصر فيه على ما يفهم الشكر لله تعالى من نحو ما تقدم من التلاوة والإطعام والصدقة وإنشاد شيء من المدائح النبوية والزهدية المحركة للقلوب إلى فعل الخير والعمل للآخرة" . السخاوي، حيث قال عن المولد النبوي: "لم يفعله أحد من السلف في القرون الثلاثة, وإنما حدث بعدُ, ثم لا زال أهل الاسلام من سائر الأقطار والمدن يعملون المولد ويتصدقون في لياليه بأنواع الصدقات ويعتنون بقراءة مولده الكريم، ويظهر عليهم من بركاته كل فضل عميم" . ابن الحاج المالكي، حيث قال: "فكان يجب أن نزداد يوم الاثنين الثاني عشر في ربيع الأول من العبادات والخير شكرا للمولى على ما أولانا من هذه النعم العظيمة وأعظمها ميلاد المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم". وقال أيضا: "ومن تعظيمه صلى الله عليه وآله وسلم الفرح بليلة ولادته وقراءة المولد". ابن عابدين، حيث قال: "اعلم أن من البدع المحمودة عمل المولد الشريف من الشهر الذي ولد فيه صلى الله عليه وآله وسلم". وقال أيضا: "فالاجتماع لسماع قصة صاحب المعجزات عليه أفضل الصلوات وأكمل التحيات من اعظم القربات لما يشتمل عليه من المعجزات وكثرة الصلوات". الحافظ عبد الرحيم العراقي، حيث قال: "إن اتخاذ الوليمة وإطعام الطعام مستحب في كل وقت فكيف إذا انضم إلى ذلك الفرح والسرور بظهورنوررسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الشهر الشريف ولا يلزم من كونه بدعة كونه مكروها فكم من بدعة مستحبة قد تكون واجبة". الحافظ شمس الدين ابن الجزري، حيث قال الحافظ السيوطي: "ثم رأيت إمام القراء الحافظ شمس الدين ابن الجزري قال في كتابه المسمى (عرف التعريف بالمولد الشريف) ما نصه: قد رؤي أبو لهب بعد موته في النوم فقيل له: ما حالك؟ فقال: في النار إلا أنه يخفف عني كل ليلة اثنين، وأمص من بين أصبعي ماء بقدر هذا- وأشار لرأس أصبعه -، وأن ذلك بإعتاقي لثويبة عندما بشرتني بولادة النبي صلى الله عليه وسلم وبإرضاعها له. فإذا كان أبو لهب الكافر الذي نزل القرآن بذمه جوزي في النار بفرحه ليلة مولد النبي صلى اله عليه وسلم به فما حال المسلم الموحد من أمة النبي صلى الله عليه وسلم يسر بمولده ويبذل ما تصل إليه قدرته في محبته صلى الله عليه وسلم، لعمري إنما يكون جزاؤه من الله الكريم أن يدخله بفضله جنات النعيمة" . أبو شامة (شيخ النووي)، حيث قال: "ومن أحسن ما ابتدع في زماننا ما يُفعل كل عام في اليوم الموافق لمولده صلى الله عليه وآله وسلم من الصدقات، والمعروف، وإظهار الزينة والسرور، فإن ذلك مشعرٌ بمحبته صلى الله عليه وآله وسلم وتعظيمه في قلب فاعل ذلك وشكراً لله تعالى على ما منّ به من إيجاد رسوله الذي أرسله رحمة للعالمين" . الشهاب أحمد القسطلاني (شارح البخاري)، حيث قال: "فرحم الله امرءا اتخذ ليالي شهر مولده المبارك أعيادا، ليكون أشد علة على من في قلبه مرض وإعياء داء"[26]. الحافظ شمس الدين بن ناصر الدين الدمشقي، حيث قال في كتابه المسمى (مورد الصادي في مولد الهادي): "قد صح أن أبا لهب يخفف عنه عذاب النار في مثل يوم الاثنين لإعتاقه ثويبة سرورًا بميلاد النبي صلى الله عليه وسلم".
من المتأخرين
*حسنين محمد مخلوف شيخ الأزهر، حيث قال: "إن إحياء ليلة المولد الشريف وليالي هذا الشهر الكريم الذي أشرق فيه النور المحمدي إنما يكون بذكر الله تعالى وشكره لما أنعم به على هذه الأمة من ظهور خير الخلق إلى عالم الوجود، ولا يكون ذلك إلا في أدب وخشوع وبعد عن المحرمات والبدع والمنكرات. ومن مظاهر الشكر على حبه مواساة المحتاجين بما يخفف ضائقتهم، وصلة الأرحام، والإحياء بهذه الطريقة وإن لم يكن مأثورا في عهده صلى الله عليه وآله وسلم ولا في عهد السلف الصالح إلا أنه لا بأس به وسنة حسنة" .
*محمد متولي الشعراوي، حيث قال: "وإكرامًا لهذا المولد الكريم فإنه يحق لنا أن نظهر معالم الفرح والابتهاج بهذه الذكرى الحبيبة لقلوبنا كل عام وذلك بالاحتفال بها من وقتها" .
*المبشر الطرازي، شيخ علماء التركستان: حيث قال: "إن الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف أصبح واجبًا أساسيًا لمواجهة ما استجد من الاحتفالات الضارة في هذه الأيام".
* الشيخ محمد علوي المالكي، حيث قال: "إننا نقول بجواز الاحتفال بالمولد النبوي الشريف والاجتماع لسماع سيرته والصلاة والسلام عليه وسماع المدائح التي تُقال في حقه، وإطعام الطعام وإدخال السرور على قلوب الأمة" .
* يوسف القرضاوي، رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، حيث قال عن ذكرى المولد: "إذا انتهزنا هذه الفرصة للتذكير بسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبشخصية هذا النبي العظيم، وبرسالته العامة الخالدة التي جعلها الله رحمة للعالمين، فأي بدعة في هذا وأية ضلالة؟".
* محمد سعيد رمضان البوطي، حيث قال: "الاحتفال بذكرى مولد رسول الله نشاط اجتماعي يبتغي منه خير دينيّ، فهو كالمؤتمرات والندوات الدينية التي تعقد في هذا العصر، ولم تكن معروفة من قبل. ومن ثم لا ينطبق تعريف البدعة على الاحتفال بالمولد، كما لاينطبق على الندوات والمؤتمرات الدينية. ولكن ينبغي أن تكون هذه الاحتفالات خالية من المنكرات".
*الشيخ عبد الله بن بيه، حيث قال: "فحاصل الأمر أن من احتفل به فسرد سيرته صلى الله عليه وسلم والتذكير بمناقبه العطرة احتفالاً غير ملتبس بأي فعل مكروه من النّاحية الشرعية وليس ملتبساً بنيّة السنّة ولا بنيّة الوجوب فإذا فعله بهذه الشروط التي ذكرت؛ ولم يلبسه بشيء مناف للشرع، حباً للنبي صلى الله عليه وسلم ففعله لا بأس به إن شاء اللهُ وهو مأجور".
*نوح القضاة مفتي الأردن سابقاً، حيث قال: "ولا شك أن مولد المصطفى صلى الله عليه وسلم من أعظم ما تفضل الله به علينا، ومن أوفر النعم التي تجلى بها على هذه الأمة؛ فحق لنا أن نفرح بمولده صلى الله عليه وسلم".
*علي جمعة مفتي مصر، حيث قال: "الاحتفال بذكرى مولده صلى الله عليه وسلم من أفضل الأعمال وأعظم القربات؛ لأنه تعبير عن الفرح والحب له صلى الله عليه وسلم، ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم أصل من أصول الإيمان".
* وهبة الزحيلي، حيث قال: "إذا كان المولد النبوي مقتصرًا على قراءة القرآن الكريم، والتذكير بأخلاق النبي عليه الصلاة والسلام، وترغيب الناس في الالتزام بتعاليم الإسلام وحضّهم على الفرائض وعلى الآداب الشرعية، ولايكون فيها مبالغة في المديح ولا إطراءٌ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم (لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم ولكن قولوا عبد الله ورسوله) وهذا إذا كان هذا الاتجاه في واقع الأمر لا يُعد من البدع".
*محمد بن عبد الغفار الشريف، الأمين العام للأوقاف في الكويت، حيث قال: "الاحتفال بمولد سيد الخلق عليه وعلى آله أفضل الصلاة والتسليم أمر مستحب، وبدعة حسنة في رأي جماهير العلماء".
* محمد راتب النابلسي، حيث قال: "الاحتفال بعيد المولد ليس عبادة ولكنه يندرج تحت الدعوة إلى الله، ولك أن تحتفل بذكرى المولد على مدى العام في ربيع الأول وفي أي شهر آخر، في المساجد وفي البيوت" .
*عمر بن حفيظ، حيث قال: "مجالس الموالد كغيرها من جميع المجالس؛ إن كان ما يجري فيها منالأعمال صالح وخير، كقراءة القران، والذكر للرحمن، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وإطعام الطعام للإكرام ومن أجل الله تعالى، وحمد الله تعالى، والثناء على رسوله صلى الله عليه وسلم، ودعاء الحق سبحانه، والتذكير والتعليم، وأمثال ذلك مما دعت إليه الشريعة ورغبت فيه؛ فهي مطلوبة ومندوبة شرعاً".
*عبد الملك السعدي، المفتي العام للعراق سابقًا: "لم يكن الاحتفال بالمولد النبوي الشريف معروفاً في عصر الصحابة الكرام. ولكن لا يَلزم من عدم وجوده في عصر النبي -صلى الله عليه سلم- أو في عصر الصحابة كونه بدعة سيئة أو منافياً للشريعة، فالاحتفال بالمولد إن أُقيم على أساس أنَّه عبادة مشروعة -كالصوم والصلاة والعبادات الأخرى- : فهو بدعة. وكذا لا نسمِّيه عيدا، بل إحياء ذكرى؛ لأنَّه لا يوجد سوى عيدين في الإسلام. وإن أقيم على أساس إحياء ذكرى مولد سيد المرسلين وإعادة ذكريات سيرته العطرة وخلا من المنكرات واختلاط الرجال بالنساء والمبالغة في مدحه صلى الله عليه سلم فلا يعد بدعة".
أئمة السنة ممن ألفوا كتبا بخصوص مولد النبي
نذكر محمد علوي المالكي عددًا من العلماء ممن ألفوا في المولد النبوي كتبًا، منهم:الحافظ عبد الرحيم العراقي: توفي 808 هـ، له مولد باسم المورد الهني في المولد السني. الحافظ ابن كثير: توفي 774 هـ، وله مولد طبع بتحقيق د صلاح الدين المنجد. الحافظ السخاوي: توفي 902 هـ، وله مولد باسم الفخر العلوي في المولد النبوي. الحافظ ابن الجوزي: توفي 597 هـ، وله مولد باسم العروس، وقد طبع في مصر. الحافظ أبو الخطاب عمر بن علي بن محمد المعروف بابن دحية الكلبي: توفي 633 هـ، وله مولد باسم التنوير في مولد البشير النذير. شمس الدين ابن ناصر الدين الدمشقي: توفي 842 هـ، وله مولد باسم المورد الصاوي في مولد الهادي وجامع الآثار في مولد المختار واللفظ الرائق في مولد خير الخلائق. ملا علي قاري: توفي 1014 هـ، وله مولد باسم المورد الروي في المولد النبوي وهو مطبوع. الحافظ شمس الدين ابن الجزري: توفي 660 هـ، إمام القراء، وله مولد باسم عرف التعريف بالمولد الشريف. علي زين العابدين السمهودي: توفي 911 هـ، وله مولد اسمه الموارد الهنية في مولد خير البرية. الحافظ محمد الشيباني المعروف بابن الديبع: توفي 944 هـ. ابن حجر الهيتمي: توفي 974 هـ، وله مولد باسم إتمام النعمة على العالم بمولد سيد ولد آدم. الخطيب الشربيني: توفي 1014 هـ، وله مولد باسم المولد الروي في المولد النبوي. المحدث جعفر بن حسن البرزنجي: توفي 1177 هـ، وله مولد باسم عقد الجوهر في مولد النبي الأزهر، وهو من أكثر الموالد انتشارا في البلاد الإسلامية. أبو البركات أحمد الدردير: توفي 1201 هـ، وله مولد مطبوع في مصر. عبد الهادي نجا الأيباري المصري: توفي 1305 هـ، وله مولد مخطوط. يوسف النبهاني : توفي 1350 هـ، وله مولد باسم جواهر النظم البديع في مولد الشفيع، طبع في بيروت. عمر بن حفيظ : وله مولد باسم الضياء اللامع بذكر مولد النبي الشافع. نوح القضاة: مفتي الأردن سابقا: وله مولد باسم مولد الهادي صلى الله عليه وسلم، طبع في الأردن.
اللهم صل على سيدنا محمد فخر الأنبياء، وقدوة الأصفياء، ونبراس الأولياء، ودليل السعداء ونعيم الأوفياء، وحبيب أهل الجنة يوم الجزاء، اللهم صل علىسيدنا محمد سراج شمس مجدك المنير الأبهى، ونور قمر عزك الساطع الأزهى، وضياء نجم فضلك العالي الأجلى، وكوكب سرك البديع الأعلى، الذي أعليت قدره في النبيين، وأظهرت مجده في المرسلين، وقرنت اسمه مع اسمك على ساق عرشك في أعلى عليين، ورفعت ذكره مع ذكرك إلى يوم الدين، وفضلته على الأولين، وكرمته في الآخرين، وشرفت به سكان السماوات والأرضين
اللهم صل على سيدنا محمد فخر الأنبياء، وقدوة الأصفياء، ونبراس الأولياء، ودليل السعداء ونعيم الأوفياء، وحبيب أهل الجنة يوم الجزاء، اللهم صل على سيدنا محمد سراج شمس مجدك المنير الأبهى، ونور قمر عزك الساطع الأزهى، وضياء نجم فضلك العالي الأجلى، وكوكب سرك البديع الأعلى، الذي أعليت قدره في النبيين، وأظهرت مجده في المرسلين، وقرنت اسمه مع اسمك على ساق عرشك في أعلى عليين، ورفعت ذكره مع ذكرك إلى يوم الدين، وفضلته على الأولين، وكرمته في الآخرين، وشرفت به سكان السماوات والأرضين.
الحمد لله الذي جعلنا من أمةٍ هي خير الأمم وأرسل فينا رسولا هو أفضل الرسل وأنزل عليه كتابا هو أحفظ الكتب، والصلاة والسلام على البشير النذير والسراج المنير، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، وعلى من تبعهم بإيمان وإحسان إلى يوم الدين.
كيف نفرح بمولد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ بل كيف نفرح برسول الله صلى الله عم ولد فيه ليه آله وسلم؟ وكيف ينبغي أن نحتفل ببزوغ شمس هدايته للعالمين؟ وكيف ننظر إلى يوم وُلد فيه خير الخلق كلهم؟ وكيف نشكر الله على إيجاد نعمته العظمى صلى الله عليه وآله وسلم؟ كيف نحرص على محبته صلى الله عليه وآله وسلم في وسط يكاد يلغي وصْلتنا به؟ وكيف نتوسط بين قوم جعلوا ذكرى مولده مناسبة للمزيد من الغفلة والمعصية والمنكر، وبين قوم أنكروا الاحتفال أصلا وجعلوه بدعة وضلالة و خروج عن المنهاج وحتى كفرا؟ كيف نتجنب آفة الابتداع مثلما نتجنب آفة الابتعاد؟
*يحتفل أحدنا ويبتهج أيما ابتهاج إذا رزقه الله مولودا جديدا ،وخاصة إذا كان عقيما فإنه سيقيم الولائم ويصرف الأموال، وهو في ذلك فرح مسرور، آملا أن يكون هذا المولود من الصالحين، فتقر به عينه ويأنس به سكنه، ويستمر به ذكره، ولا ينقطع به عمله، فيعد له الأيام والشهور والسنوات ويذكره بميلاده ورضاعه وفطامه ودراسته وشبابه، فيزيده ذلك من حُبه والاهتمام به.
إذا كان هذا هكذا مع ميلاد أبنائنا فكيف ينبغي أن يكون مع ميلاد سيدنا وحبيبنا وقدوتنا وشفيعنا صلى الله عليه و آله وسلم؟ أليس ينبغي أن يكون أحب إلينا من أنفسنا وأولادنا ووالدينا والناس أجمعين؟ ألم يقل صلى الله عليه وآله وسلم: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده، والناس أجمعين" [1]، ألم يقل في الحديث الذي رواه الإمام مسلم: "ما من مؤمن إلا وأنا أَولى الناس به في الدنيا والآخرة، اقرؤوا إن شئتم: "النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم" "(الأحزاب 6.
وإذا كنا نحب مؤمنا لإيمانه أو مُحسنا لإحسانه أو كريما لكرمه أو إماما لإمامته أو جميلا أو عالما لعلمه، فأولى وأتم وأعلى وأكرم أن نحب سيد هؤلاء جميعا، سيد ولد آدم أجمعين، الذي أرسله الحق سبحانه ﴿ رحمة للعالمين﴾.
ألا نتذكر ميلاده الشريف وهو أشرف ميلاد؟ ألا نحتفل بمجيئه الزاهر وهو أزهر مجيء؟ ألا نجدد التذكر فتنفعنا الذكرى؟ وأنعِِم به من تذكرٍ وأنعم بها من ذكرى؟
ألا نفقه تسخير أفضل الأوقات لترسيخ أفضل الأعمال؟
يوم لا كالأيام.......
أوَ كيف لا نحتفل بيوم لا كالأيام؟ يوم احتفلت به كل الأيام؟ وملأ الوجود فيه عطر خير الأنام، عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام؟ يوم ارتجس فيه إيوان كسرى، وسقطت منه أربع عشرة شرفة، يوم أخمدت فيه نار فارس، ولم تخمد قبل ذلك بألف عام! وكيف لا نحتفي بيوم سطع فيه نور أضاءت له قصور الشام وأسواقها؟ كيف لا نحتفل بمن احتفلت الأرض اخضرارا بقدومه (في قبيلة بني سعد) وامتلأ الضرع سرورا بمجيئه؟ كيف لا نحتفل بمن كانت تظلله الغمامة أينما سار أو وقف؟ كيف لا نحتفل بمن يمحو الله به الكفر ويتبث به الإيمان؟ كيف لا نفرح بمن يحشر الناس على قدمه يوم القيامة؟ كيف لا نفرح بالشافع المشفع؟
كيف لا نحتفل يا غافل والكون كله يحتفل!؟
ألا يا محب المصطفى زد صبابة
وضمخ لسان الذكر منك بطيبه
ولا تعبأن بالمبطلين فإنما
علامة حب الله حب حبيبه
بمجيئه فرح الملائكة والأنبياء والصالحون، وتكمد الغيظ اليهود والنصارى والمشركون، فمع من يُعقل أن نكون؟ أمع المصطفين المقربين المحبين المحبوبين، أم مع المغضوب عليهم والضالين والغافلين؟
الفرح برسول الله دواء وشفاء، وعتق من النار، كيف لا وقد أخبر صلى الله عليه وآله وسلم أن الله يخفف عن عمه أبي لهب من عذاب جهنم كل اثنين، لا لشيء إلا لفرحه بميلاد الرحمة المهداة والنعمة المعطاة! وتعبيره عن الفرح بعتق جاريته ثويبة التي بشرته بخبر الميلاد السعيد. فافهم!
فرحتم به يا معشر قريش
يقول الحاكم النيسابوري رضي الله عنه: "عن عائشة رضي الله عنها قالت كان زفر قد سكن مكة يتجر بها، فلما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في مجلس من قريش: "يا معشر قريش هل الليلة مولود؟!، قالوا: والله ما نعلمه. قال: الله أكبر، أما إذا أخطأكم فلا بأس، فانظروا واحفظوا ما أقول لكم، وُلد هذه الليلة نبي هذه الأمة الأخيرة، بين كتفيه علامة فيها شعرات متواترات كأنهن عُرف فرس، لا يرضع ليلتين، وذلك أن عفريتا من الجن أدخل أصبعيه في فمه فمنعه الرضاع. فتصدع القوم من مجلسهم وهم متعجبون من قوله وحديثه، فلما صاروا إلى منازلهم أخبر كل إنسان منهم أهله، فقالوا: قد وُلد لعبد الله بن عبد المطلب غلام سموه محمدا. فالتقى القوم فقالوا: هل سمعتم حديث اليهودي، وهل بلغكم مولد هذا الغلام؟ فانطلقوا حتى جاؤوا اليهودي، فأخبروه الخبر، قال فاذهبوا معي حتى أنظر إليه، فخرجوا حتى أدخلوه على آمنة، فقال: أخرجي إلينا ابنَك، فأخرجَته، وكشفوا له عن ظهره، فرأى تلك الشامة، فوقع اليهودي مغشيا عليه! فلما أفاق، قالوا ويلك ما لك؟! قال: ذهبت والله النبوة من بني إسرائيل! فرحتم به يا معشر قريش، أما والله ليسطون بكم سطوة يخرج خبرها من المشرق والمغرب! وكان في النفر يومئذ الذين قال لهم اليهودي ما قال: هشام بن الوليد بن المغيرة، ومسافر بن أبي عمرو، وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، وعتبة بن ربيعة شاب فوق المحتلم في نفر من بني مناف وغيرهم من قريش" .
قال ابن حجر العسقلاني رحمه الله: (في ديوانه "السبع السيارة النيرات"، دراسة وتحقيق محمد أيوب صادر)
حفظت لمولده السماء وبشرت
فالماردون بشهبها قد رجموا
والشياطين ارتمت واستيأست
كهانها من علم غيب يقدم
إيوان كسرى انشق ثم تساقطتشرفاته
بل كاد رعبا يهدم
والماء غاض ونار ساداة أخمدت
من بعد ما كانت تشب وتضرم
هذا وآمنة رأت نارا لهابصرى
أضاءت والديجاي تظلم
قال أبو العباس المرسي: "والله لو غاب عني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طرفة عين ما عددت نفسي مسلما"، فجعلوا من محبته صلى الله عليه وآله وسلم تذكر كامل سيرته: من نسبه إلى ميلاده إلى شبابه إلى تجارته إلى زواجه إلى بعثته إلى تربيته وتأليفه وجهاده ودعوته ووصاياه وبشاراته ونذاراته؟ قال صلى الله عليه وسلم: "والله لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين" ، حتى يكون كله صلى الله عليه وسلم؛ شخصه ورسالته وحديثه وذكره ومحابه وأحبابه أحب إلينا من كل مخلوق يجوز حبه. ومن محابه صلى الله عليه وآله وسلم يوم ولادته، روى مسلم في صحيحه عن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه أنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الإثنين فقال: "هذا يوم ولدت فيه
وأنزل علي فيه". فكان يتذكر يوم ولادته مثلما يتذكر يوم بعثته ونزول القرآن عليه.
وما زالت هذه الأمة ولله الحمد تفرح وتبتهج بهذه المناسبة، فيجتمع الناس -وهم مبتسمون- على تلاوة القرآن الكريم وقراءة الحديث الشريف، ومدارسة السيرة النبوية، ويتغنون بالأمداح والأناشيد، ويصلون الرحم، ويتزاورون ويصلحون ذات البين، فيدخل السرور على الصغار والكبار والنساء والرجال.
بل كيف لا نحتفل برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في كل يوم وكل لحظة، وهو الشاهد علينا في الدنيا والآخرة، وهو الذي يستقبل أعمالنا كل اثنين وخميس فيحمد الله على خيرها ويستغفر لنا على تفريطنا، وهو الذي يسلم علينا في كل لحظة سلمنا فيها عليه، وهو البشير الذي حمل لنا البشرى والمبشرات، وهو النذير الذي بعث بين يدي عذاب شديد، وهو السراج الذي أضاء به الكون أنوارا وأزهارا، وهو الماحي الذي يمحو الله به الخطايا، وهو الرحمة المهداة والعروة الوثقى "إنما أنا رحمة مهداة" ، و هو العاقب الذي ختمت به الرسالات، وهو الذي يعز عليه ما يعاني المؤمنون، وهو الحريص على هداية الخلق أجمعين، وهو رءوف ورحيم، وهو قرآن وكريم، وهو خلق وعظيم، قال الله تعالى: ﴿ لقد جاءكم رسول من أنفسكم، عزيز عليه ما عنتم، حريص عليكم، بالمؤمنين رءوف رحيم﴾ .
دَعْ مَا ادَّعَتْهُ النَّصَارَى فيِ نَبِيِّهِمِ
وَاحْكُمْ بِمَا شِئْتَ مَدْحًا فِيهِ وَاحْتَكِمِ
وَانْسُبْ إِلىَ ذَاتِهِ مَا شِئْتَ مِنْ شَرَفٍ
وَانْسُبْ إِلى قَدْره مَا شِئْتَ مِنْ عِظَمِ
فَإِنَّ فَضْلَ رَسُولِ اللهِ لَيْسَ لَهُ
حَدٌّ فَيُعْرِبَ عَنْهُ نَاطِقٌ بفم
لتكن الذكرى رجوعا إلى الله بالتذلل بين يديه افتقارا وانكسارا، واستنصارا واستبشارا، ورجوعا إلى كتابه تلاوة وحفظا وتخلقا وتحكيما، ليكون حب الله وحب رسوله أحب إلينا من كل شيء، قال الله عز وجل: ﴿ قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره﴾. فانظر ما تنطوي عليه جوانحك؟ أهو حب صادق ثمنه بذل كل ما تملك؟ أم ليس لك من الأمر إلا الكلام؟
قال الله تعالى: ﴿ لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا ومغانم كثيرة يأخذونها، وكان الله عزيزا حكيما﴾. علم الله ما في القلوب من نية ويقين فأكرمهم بالفتح والمغانم الكثيرة، فهل أعددنا قلوبنا لتلقي الخير والخبر، واستقبال النصر والظفر؟
روى البخاري عن عبد الله بن هشام قال: "كنا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب. فقال له عمر: يا رسول الله! لأنت أحبُّ إلي من كل شيء إلا نفسي! فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "لا والذي نفسي بيده، حتى أكونَ أحبَّ إليك من نفسك!" فقال عمر: فإنه الآن والله لأنْتَ أحبُّ إلي من نفسي! فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "الآن يا عمر"!"
ومن تمام الذكرى أن نشعر بالحاجة إلى ميلاد قلبي ينقلنا من عالم الغفلة والظنون إلى عالم المعرفة واليقين. قال الله جل وعلا: ﴿ أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا نمشي به في الناس﴾. وهذه حياة ثانية، ونشأة أخرى يحياها الذين جعل الله لهم نورا يمشون به.
معالم المحبة والاتباع
ليس اتباع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ادعاءا باللسان، أو حديثا بالبيان، أو تظاهرا بالوجدان، إنما هو تلمذة وشوق وسير وسلوك وجهاد، يروى عن ذي النون المصري أنه كان في مجلس يتحدث فيه عن محبة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: "اسكتوا لئلا تسمعها النفوس فتدعيها".
فلا يتحقق الاتباع حتى تصفو السريرة فيكون هوى أحدنا تبعا لما جاء به، وحتى تخلص المحبة فيحبه أكثر من نفسه التي بين جنبيه، وحتى تصدق التلمذة فيؤثر محابّه على محبوباته، وحتى تتحرر الوجهة فيتبع سبيل المؤمنين ويحبهم، ويحمل الحمل الثقيل معهم؛ حمل الدعوة على بصيرة، وحتى تصير لله عبدا مخلِصا مخلَصا، قدمك على قدم الإمام الأعظم والمحبوب الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم.
اللهم ارزقنا نية الاتباع وسنة الاتباع وسداد الاتّباع وكمال الاتّباع
الجزائر : الفاتح من ربيع الأول 1434- 13 جانفي 2013
أقوال أئمة السنة في شرعية الاحتفال بمولد رسول الله سيد البشرية
المولد النبوي الشريف هو يوم مولد رسول الإسلام محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه،ويكون في 12 ربيع الأول حسب بعض المصادر من كل عام. حيث يحتفل به المسلمون في معظم الدول الإسلامية، ليس باعتباره عيدًا، بل فرحًا بولادة رسول الإسلام محمد بن عبد الله. وتبدأ الاحتفالات من بداية شهر ربيع الأول إلى نهايته، وذلك بإقامة مجالس ينشد فيها قصائد مدح النبي، ويكون فيها الدروس من سيرته، ويقدم فيها الحلوى والطعام. لكن السلفية وخاصة التكفيرية منها -البعيدة كل البعد عن فهم الإسلام ومقاصده النبيلة السامية - تعتبرالاحتفال بالمولد النبوي هو "بدعة من البدع في دين الإسلام، ما أنزل الله بها من
سلطان ولم يعمله السلف من قبل". وعليه نورد مجموعة من الأقوال وردت نصوص كثيرة لعلماء من أهل السنة الكباريجيزون فيها الاحتفال بالمولد النبوي، منها:السيوطي، حيث قال: "عندي أن أصل عمل المولد الذي هو اجتماع الناس وقراءة ما تيسر من القرآن ورواية الأخبار الواردة في مبدأ أمر النبي صلى الله عليه وسلم وما وقع في مولده من الآيات ثم يمد لهم سماط يأكلونه وينصرفون من غير زيادة على ذلك هو من البدع الحسنة التي يثاب عليها صاحبها لما فيه من تعظيم قدر النبي صلى الله عليه وسلم وإظهار الفرح والاستبشار بمولده الشريف".
ابن تيمية في كتابه (اقتضاء الصراط المستقيم)، قال (رحمه الله): (فتعظيم المولد، واتخاذه موسماً، قد يفعله بعض الناس، ويكون له فيه أجر عظيم؛ لحسن قصده، وتعظيمه لرسول الله صلى الله عليه وسلم). ابن الجوزي، حيث قال عن المولد النبوي: "من خواصه أنه أمان في ذلك العام وبشرى عاجلة بنيل البغية والمرام" . ابن حجر العسقلاني، حيث قال الحافظ السيوطي: "وقد سئل شيخ الإسلام حافظ العصر أبو الفضل ابن حجر عن عمل المولد فأجاب بما نصه: أصل عمل المولد بدعة لم تنقل عن السلف الصالح من القرون الثلاثة، ولكنها مع ذلك اشتملت على محاسن وضدها، فمن تحرى في عملها المحاسن وتجنب ضدها كانت بدعة حسنة، وقد ظهر لي تخريجها على أصل ثابت، وهو ما ثبت في الصحيحين من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قدم المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسألهم، فقالوا: هو يوم أغرق الله فيه فرعون, ونجى موسى، فنحن نصومه شكرا لله، فيستفاد منه فعل الشكر لله على ما من به في يوم معين من إسداء نعمة، أو دفع نقمة.. إلى أن قال : وأي نعمة أعظم من نعمة بروز هذا النبي صلى الله عليه وسلم.. نبي الرحمة في ذلك اليوم، فهذا ما يتعلق بأصل عمله، وأما ما يعمل فيه: فينبغي أن يقتصر فيه على ما يفهم الشكر لله تعالى من نحو ما تقدم من التلاوة والإطعام والصدقة وإنشاد شيء من المدائح النبوية والزهدية المحركة للقلوب إلى فعل الخير والعمل للآخرة" . السخاوي، حيث قال عن المولد النبوي: "لم يفعله أحد من السلف في القرون الثلاثة, وإنما حدث بعدُ, ثم لا زال أهل الاسلام من سائر الأقطار والمدن يعملون المولد ويتصدقون في لياليه بأنواع الصدقات ويعتنون بقراءة مولده الكريم، ويظهر عليهم من بركاته كل فضل عميم" . ابن الحاج المالكي، حيث قال: "فكان يجب أن نزداد يوم الاثنين الثاني عشر في ربيع الأول من العبادات والخير شكرا للمولى على ما أولانا من هذه النعم العظيمة وأعظمها ميلاد المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم". وقال أيضا: "ومن تعظيمه صلى الله عليه وآله وسلم الفرح بليلة ولادته وقراءة المولد". ابن عابدين، حيث قال: "اعلم أن من البدع المحمودة عمل المولد الشريف من الشهر الذي ولد فيه صلى الله عليه وآله وسلم". وقال أيضا: "فالاجتماع لسماع قصة صاحب المعجزات عليه أفضل الصلوات وأكمل التحيات من اعظم القربات لما يشتمل عليه من المعجزات وكثرة الصلوات". الحافظ عبد الرحيم العراقي، حيث قال: "إن اتخاذ الوليمة وإطعام الطعام مستحب في كل وقت فكيف إذا انضم إلى ذلك الفرح والسرور بظهورنوررسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الشهر الشريف ولا يلزم من كونه بدعة كونه مكروها فكم من بدعة مستحبة قد تكون واجبة". الحافظ شمس الدين ابن الجزري، حيث قال الحافظ السيوطي: "ثم رأيت إمام القراء الحافظ شمس الدين ابن الجزري قال في كتابه المسمى (عرف التعريف بالمولد الشريف) ما نصه: قد رؤي أبو لهب بعد موته في النوم فقيل له: ما حالك؟ فقال: في النار إلا أنه يخفف عني كل ليلة اثنين، وأمص من بين أصبعي ماء بقدر هذا- وأشار لرأس أصبعه -، وأن ذلك بإعتاقي لثويبة عندما بشرتني بولادة النبي صلى الله عليه وسلم وبإرضاعها له. فإذا كان أبو لهب الكافر الذي نزل القرآن بذمه جوزي في النار بفرحه ليلة مولد النبي صلى اله عليه وسلم به فما حال المسلم الموحد من أمة النبي صلى الله عليه وسلم يسر بمولده ويبذل ما تصل إليه قدرته في محبته صلى الله عليه وسلم، لعمري إنما يكون جزاؤه من الله الكريم أن يدخله بفضله جنات النعيمة" . أبو شامة (شيخ النووي)، حيث قال: "ومن أحسن ما ابتدع في زماننا ما يُفعل كل عام في اليوم الموافق لمولده صلى الله عليه وآله وسلم من الصدقات، والمعروف، وإظهار الزينة والسرور، فإن ذلك مشعرٌ بمحبته صلى الله عليه وآله وسلم وتعظيمه في قلب فاعل ذلك وشكراً لله تعالى على ما منّ به من إيجاد رسوله الذي أرسله رحمة للعالمين" . الشهاب أحمد القسطلاني (شارح البخاري)، حيث قال: "فرحم الله امرءا اتخذ ليالي شهر مولده المبارك أعيادا، ليكون أشد علة على من في قلبه مرض وإعياء داء"[26]. الحافظ شمس الدين بن ناصر الدين الدمشقي، حيث قال في كتابه المسمى (مورد الصادي في مولد الهادي): "قد صح أن أبا لهب يخفف عنه عذاب النار في مثل يوم الاثنين لإعتاقه ثويبة سرورًا بميلاد النبي صلى الله عليه وسلم".
من المتأخرين
*حسنين محمد مخلوف شيخ الأزهر، حيث قال: "إن إحياء ليلة المولد الشريف وليالي هذا الشهر الكريم الذي أشرق فيه النور المحمدي إنما يكون بذكر الله تعالى وشكره لما أنعم به على هذه الأمة من ظهور خير الخلق إلى عالم الوجود، ولا يكون ذلك إلا في أدب وخشوع وبعد عن المحرمات والبدع والمنكرات. ومن مظاهر الشكر على حبه مواساة المحتاجين بما يخفف ضائقتهم، وصلة الأرحام، والإحياء بهذه الطريقة وإن لم يكن مأثورا في عهده صلى الله عليه وآله وسلم ولا في عهد السلف الصالح إلا أنه لا بأس به وسنة حسنة" .
*محمد متولي الشعراوي، حيث قال: "وإكرامًا لهذا المولد الكريم فإنه يحق لنا أن نظهر معالم الفرح والابتهاج بهذه الذكرى الحبيبة لقلوبنا كل عام وذلك بالاحتفال بها من وقتها" .
*المبشر الطرازي، شيخ علماء التركستان: حيث قال: "إن الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف أصبح واجبًا أساسيًا لمواجهة ما استجد من الاحتفالات الضارة في هذه الأيام".
* الشيخ محمد علوي المالكي، حيث قال: "إننا نقول بجواز الاحتفال بالمولد النبوي الشريف والاجتماع لسماع سيرته والصلاة والسلام عليه وسماع المدائح التي تُقال في حقه، وإطعام الطعام وإدخال السرور على قلوب الأمة" .
* يوسف القرضاوي، رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، حيث قال عن ذكرى المولد: "إذا انتهزنا هذه الفرصة للتذكير بسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبشخصية هذا النبي العظيم، وبرسالته العامة الخالدة التي جعلها الله رحمة للعالمين، فأي بدعة في هذا وأية ضلالة؟".
* محمد سعيد رمضان البوطي، حيث قال: "الاحتفال بذكرى مولد رسول الله نشاط اجتماعي يبتغي منه خير دينيّ، فهو كالمؤتمرات والندوات الدينية التي تعقد في هذا العصر، ولم تكن معروفة من قبل. ومن ثم لا ينطبق تعريف البدعة على الاحتفال بالمولد، كما لاينطبق على الندوات والمؤتمرات الدينية. ولكن ينبغي أن تكون هذه الاحتفالات خالية من المنكرات".
*الشيخ عبد الله بن بيه، حيث قال: "فحاصل الأمر أن من احتفل به فسرد سيرته صلى الله عليه وسلم والتذكير بمناقبه العطرة احتفالاً غير ملتبس بأي فعل مكروه من النّاحية الشرعية وليس ملتبساً بنيّة السنّة ولا بنيّة الوجوب فإذا فعله بهذه الشروط التي ذكرت؛ ولم يلبسه بشيء مناف للشرع، حباً للنبي صلى الله عليه وسلم ففعله لا بأس به إن شاء اللهُ وهو مأجور".
*نوح القضاة مفتي الأردن سابقاً، حيث قال: "ولا شك أن مولد المصطفى صلى الله عليه وسلم من أعظم ما تفضل الله به علينا، ومن أوفر النعم التي تجلى بها على هذه الأمة؛ فحق لنا أن نفرح بمولده صلى الله عليه وسلم".
*علي جمعة مفتي مصر، حيث قال: "الاحتفال بذكرى مولده صلى الله عليه وسلم من أفضل الأعمال وأعظم القربات؛ لأنه تعبير عن الفرح والحب له صلى الله عليه وسلم، ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم أصل من أصول الإيمان".
* وهبة الزحيلي، حيث قال: "إذا كان المولد النبوي مقتصرًا على قراءة القرآن الكريم، والتذكير بأخلاق النبي عليه الصلاة والسلام، وترغيب الناس في الالتزام بتعاليم الإسلام وحضّهم على الفرائض وعلى الآداب الشرعية، ولايكون فيها مبالغة في المديح ولا إطراءٌ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم (لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم ولكن قولوا عبد الله ورسوله) وهذا إذا كان هذا الاتجاه في واقع الأمر لا يُعد من البدع".
*محمد بن عبد الغفار الشريف، الأمين العام للأوقاف في الكويت، حيث قال: "الاحتفال بمولد سيد الخلق عليه وعلى آله أفضل الصلاة والتسليم أمر مستحب، وبدعة حسنة في رأي جماهير العلماء".
* محمد راتب النابلسي، حيث قال: "الاحتفال بعيد المولد ليس عبادة ولكنه يندرج تحت الدعوة إلى الله، ولك أن تحتفل بذكرى المولد على مدى العام في ربيع الأول وفي أي شهر آخر، في المساجد وفي البيوت" .
*عمر بن حفيظ، حيث قال: "مجالس الموالد كغيرها من جميع المجالس؛ إن كان ما يجري فيها منالأعمال صالح وخير، كقراءة القران، والذكر للرحمن، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وإطعام الطعام للإكرام ومن أجل الله تعالى، وحمد الله تعالى، والثناء على رسوله صلى الله عليه وسلم، ودعاء الحق سبحانه، والتذكير والتعليم، وأمثال ذلك مما دعت إليه الشريعة ورغبت فيه؛ فهي مطلوبة ومندوبة شرعاً".
*عبد الملك السعدي، المفتي العام للعراق سابقًا: "لم يكن الاحتفال بالمولد النبوي الشريف معروفاً في عصر الصحابة الكرام. ولكن لا يَلزم من عدم وجوده في عصر النبي -صلى الله عليه سلم- أو في عصر الصحابة كونه بدعة سيئة أو منافياً للشريعة، فالاحتفال بالمولد إن أُقيم على أساس أنَّه عبادة مشروعة -كالصوم والصلاة والعبادات الأخرى- : فهو بدعة. وكذا لا نسمِّيه عيدا، بل إحياء ذكرى؛ لأنَّه لا يوجد سوى عيدين في الإسلام. وإن أقيم على أساس إحياء ذكرى مولد سيد المرسلين وإعادة ذكريات سيرته العطرة وخلا من المنكرات واختلاط الرجال بالنساء والمبالغة في مدحه صلى الله عليه سلم فلا يعد بدعة".
أئمة السنة ممن ألفوا كتبا بخصوص مولد النبي
نذكر محمد علوي المالكي عددًا من العلماء ممن ألفوا في المولد النبوي كتبًا، منهم:الحافظ عبد الرحيم العراقي: توفي 808 هـ، له مولد باسم المورد الهني في المولد السني. الحافظ ابن كثير: توفي 774 هـ، وله مولد طبع بتحقيق د صلاح الدين المنجد. الحافظ السخاوي: توفي 902 هـ، وله مولد باسم الفخر العلوي في المولد النبوي. الحافظ ابن الجوزي: توفي 597 هـ، وله مولد باسم العروس، وقد طبع في مصر. الحافظ أبو الخطاب عمر بن علي بن محمد المعروف بابن دحية الكلبي: توفي 633 هـ، وله مولد باسم التنوير في مولد البشير النذير. شمس الدين ابن ناصر الدين الدمشقي: توفي 842 هـ، وله مولد باسم المورد الصاوي في مولد الهادي وجامع الآثار في مولد المختار واللفظ الرائق في مولد خير الخلائق. ملا علي قاري: توفي 1014 هـ، وله مولد باسم المورد الروي في المولد النبوي وهو مطبوع. الحافظ شمس الدين ابن الجزري: توفي 660 هـ، إمام القراء، وله مولد باسم عرف التعريف بالمولد الشريف. علي زين العابدين السمهودي: توفي 911 هـ، وله مولد اسمه الموارد الهنية في مولد خير البرية. الحافظ محمد الشيباني المعروف بابن الديبع: توفي 944 هـ. ابن حجر الهيتمي: توفي 974 هـ، وله مولد باسم إتمام النعمة على العالم بمولد سيد ولد آدم. الخطيب الشربيني: توفي 1014 هـ، وله مولد باسم المولد الروي في المولد النبوي. المحدث جعفر بن حسن البرزنجي: توفي 1177 هـ، وله مولد باسم عقد الجوهر في مولد النبي الأزهر، وهو من أكثر الموالد انتشارا في البلاد الإسلامية. أبو البركات أحمد الدردير: توفي 1201 هـ، وله مولد مطبوع في مصر. عبد الهادي نجا الأيباري المصري: توفي 1305 هـ، وله مولد مخطوط. يوسف النبهاني : توفي 1350 هـ، وله مولد باسم جواهر النظم البديع في مولد الشفيع، طبع في بيروت. عمر بن حفيظ : وله مولد باسم الضياء اللامع بذكر مولد النبي الشافع. نوح القضاة: مفتي الأردن سابقا: وله مولد باسم مولد الهادي صلى الله عليه وسلم، طبع في الأردن.
اللهم صل على سيدنا محمد فخر الأنبياء، وقدوة الأصفياء، ونبراس الأولياء، ودليل السعداء ونعيم الأوفياء، وحبيب أهل الجنة يوم الجزاء، اللهم صل علىسيدنا محمد سراج شمس مجدك المنير الأبهى، ونور قمر عزك الساطع الأزهى، وضياء نجم فضلك العالي الأجلى، وكوكب سرك البديع الأعلى، الذي أعليت قدره في النبيين، وأظهرت مجده في المرسلين، وقرنت اسمه مع اسمك على ساق عرشك في أعلى عليين، ورفعت ذكره مع ذكرك إلى يوم الدين، وفضلته على الأولين، وكرمته في الآخرين، وشرفت به سكان السماوات والأرضين