المعلم بو بريطة ...بقلم الاستاذ كرومي

صفية عماري

عـــضو برونزي
إنضم
27 أبريل 2010
المشاركات
548
مستوى التفاعل
2
النقاط
18
الإقامة
الجزائر
غير متواجد
المعلم بو بريطة

مع الصبية الهائجين في زقاق تهالة تراني..أجري وراء معلم يعتمر قبعة مشبوهة، وهو يتقي بمحفظته تسديدات الأطفال له بحجارة منتقاة لتهريس رأسه..فلم يكن يهمهم أو يهم من شحنهم عليه ما يحمل ذلك الرأس من فهم وعلم..
كنت أتوخى من الحجارة أمضاها وأملسها وأخفها ،ثم أدهنها بلعابي،وأتراجع للخلف خطوة،ثم ألف الساق بالساق ،وأجعله في دائرة الهدف بواسطة عيني الملتقطة لخياله،وأضيق عيني اليسرى قليلا،قارصا قبل القنص،وأصيح في زهو" يا قياس يا مياس جيبها في ذاك الراس"ثم أستهدفه،وقلما أخطئه في تسديداتي،إلا أنني أشهد بخفته وحنكته في إبعاد الحجارة عن رأسه بمحفظته الكبيرة ..
لم يكن ذلك الرجل سوى أحد المعلمين البارزين الذين جاؤوا للتدريس في واد النخل في نهاية السبعينات ..وكان قدعبأ نفسه علما وثقافة وحيوية وهمة،وانقطع لتلك المهمة الرسوليةزمن الحرمان والفقر والحاجة..
ولم يكن هذا المعلم في نظر الرافضين للمدرسة سوى أنه شخص حشر نصفه السفلي في سراويل إفرنجية،ورص شعره" المنيو" بعناية زائدة،ودهنه بمدهون غير مألوف لدى سكان القرية،ثم سوى فيه طريقا يعرف ب" الشريقة" ..
ويبدو أنه كان مولعا باللغة الفرنسية وأغاني بوف مارلي التي كان يرددها على الأطفال ،وتنبعث أصداؤها من بيته الذي يسكنه في درب الزنوج..
استهجن بعض كبار القرية سلوك المعلم..ودعوا لمقاطعة التدريس النظامي بدعوة إفساد العرف والدين والعادة..ولكن بعض العقلاء تدخلوا لوأد الدعوة القاتلة..
لكن القطرة التي أفاضت كأس الثورة عليه، هوأنه اعتمر قبعة جلدية شبيهة بالتي يتشبث بها رعاة البقر في أمريكا،اتقاء حر الشمس اللاسع،ولكي يروح عن نفسه في المسافة بين بيته والقسم استراح لإحدى الأغنيات الفرنسية ، وكان من حين لآخر يستعين بإيقاع التصفير وهز الرأس،ثم احتواه ظلام في رأس الزقاق،واستمر يصفر ويغني حتى خرج للفضاء المفتوح..وقبل أن يصل للمدرسة عرج على واد ترمى فيه الزبالة والجيف، لم يستدبر القبلة، وبال واقفا ، ومن غير استنجاء أو استجمار..
ولم يكن يدري أن أحد الحمقى يترصده من ظلام زقاق الزنوج حتى قسمه الطيني في إحدى اللبيوت المعتمدة للتدريس،فلم يكن بالقرية يومها مدرسة أو مدير..
ذهب الرجل الأحمق لبعض كبار القرية، وأخص فيهم المناهضين للمدرسة ، وأخبرهم أن المعلم الجديد الذي جاء ليعلم الأولاد" رومي..يبول واقف..ويصفر كيلقور..ويدير البريطة.."اتخذ القرار في الحين بضرورة شحن الأطفال الصغار عليه ورميه بالحجارة ،وهم يقولون" ميسوم بوبريطة يا الرومي الكبير"
ترجم الأطفال الشحن على المعلم إلى أعمال عدوانية وسب ورجم ، كنت معهم أنفذ التوصية بأمانة وإخلاص،أبحث عن رأس رومي، كافر..
اجتمع تيار الوعي في القرية،يترأسهم خال والدتي، وقرروا معاقبة الجناة المخططين والمنفذين، أي اليد والقفاز، وجمعنا خالي أمام مدخل القرية ، وجاؤوا بالحبال وربطنا على جدوع نخل أباعلة،ولاسيما نخلة "الضقل" دات التاريخ العريق في معاقبة الجناة،وفرضوا غرامات جزائيةعلى حمقى القرية وعلى آبائنا، ثم دعوا المعلم "ميسوم" ليركلنا أو يرمينا بالحجارة لكنه أبى وقال لهم" لقد سامحتهم"، وكان سعيدا بعدالة القرية ورجالها العقلاء..

بقلم / الاستاذ عبد الله كرومي بجامعة ادرار
 
أعلى