أحزان «سيدي بوزيد»: تونس المرفهين وتونس الكادحات اللواتي يمتن

ساحرة الجنوب

عـــضو مـآسـي
المشاركات
1,659
مستوى التفاعل
129
النقاط
63
أحزان «سيدي بوزيد»: تونس المرفهين وتونس الكادحات اللواتي يمتن

رثى الجميع عبر وسائل التواصل المختلفة ضحايا منطقة السبالة رثاء بليغا جميلا، تقشعر له الأبدان. تفتقت قرائح التونسيين من هول الفاجعة الثقيلة شعرا ونثرا ورسومات.
إنه عديد مزايا الأموات في جنازة مهيبة لكامل المنطقة. وتحول منديل المرأة الكادحة الملون رمزا ككوفية فلسطينية، يلتهب رثاء.
بكل ثقل الوجع، بلغتنا تلك النهاية المأساوية لأحلام تنبت بالكد والعرق والدماء على الأيدي والجباه. غادرن الدنيا وجبروتها، مكافحات لم يحنيهن الزمن لكن انحنين لخدمة الأرض بمقابل زهيد. سقطت الأحلام الراسيات كالجبال فكان السقوط مزلزلا مدمرا للقلوب ولمحيط سيدي بوزيد.
يستيقظن باكرا، إن استطعن النوم، بحماس لتحقيق جزء من تلك الأحلام الكبيرة، للخدمة في مزارع كبار الملاك وسماسرة البشر، يركبن شاحنات متخلفة، صفائح ثلجية في الشتاء والتي تلتهب صيفا، متراصات واقفات لإشباع جشع مالكها ومالك المزارع، رجال بلا رحمة ولا قلب. وها هي السلطات تنعى من بعيد بكلمات بلاستيكية نتنة الروائح تمت رسكلتها آلاف المرات. فمن يحس بجمرة الفراق غير الأهل، غير الأولاد الصغار.
دائما تلقى العاملات الهشة حتفهن بالجملة هكذا وبعد أيام من حادثة عاملات مزارع الفراولة في المغرب الشقيق، تتواصل الأحزان المغاربية بفاجعة السبالة، التي راحت ضحيتها خمس عشرة عاملة والعشرات المجروحات بعد اصطدام شاحنة الموت بشاحنة الدجاج. كما تنقل الأنعام ينقل البشر، الذين لا قيمة لهم في زمن الشؤم هذا وزمن المجون السياسي وجنونه.
«وحدهم الفقراء يستيقظون مبكرا حتى لا يسبقهم إلى العذاب أحد. «محمد الماغوط. يالهي ما أفقر النساء وما أقواهن لا ينمن الليل ولا يرتحن في النهار، ولا حدود لآمالهن. فكان الموت لهن بالمرصاد»: رحلت مولات الفولارة.

مولات الحولي كركار (عكرمي يحياوي)

نساء من أوساط ريفية بأثواب تقليدية، بمناديل تنتقي من الطبيعة أشكالها وألوانها وبقطعة الحولي، التي تنساب وجسد المرأة كأنها شلالات فضية سائلة متموجة. حادثة أثارت السخط إلى جانب الأسى، الذي اجتاح كل وسائل الاعلام والتواصل في كل البلاد المغاربية وغيرها. وتساؤلات عن مقدار الفروقات الاجتماعية بين المعدمين من يسعون أبدا لقوتهم اليومي ومن ينهبون بالأكياس، من هم فوق ومن يغرقون في أسفل درجات الفقر. ومهما كانت الأسباب فالحادث الفظيع يعري الخطابات العملاقة من طرف الساسة والمجتمع المدني، الذي دخل في مطالبات حريرية، مهما كانت الأسباب.
سائق متهور أو فرامل مهترئة لا يثنيهن ذلك على مواصلة السير في الدروب الشائكة، في الأوحال، على قطع الزجاج والصخور المتشظية. هن دائما في رحلة لا تنتهي على لقمة العيش الكريمة أو شبه الكريمة. كل القرية في حزن عميق، ورايات الرؤوس الملونة تعتلي البيوت كمآذن شامخة. تبكي وتزغرد. الحزن في كل مكان ولا مكان للأطفال سوى دموع المآقي وأسى القلوب الصغيرة الغضة، التي كانت تعيش بأمان بوجود الأمهات. هاهو تراث الأمهات المثقل بالكد والعمل الشاق، تراث معجون بالعرق والدماء والأمل في رؤية الأولاد موفوري الصحة والكرامة ويستيقظون للذهاب للمدرسة. لم يعد للحكايات وشخوصها الخيالية مكانا في واقعنا هذا، نعيش ونمشي ونأكل بصحبة الغيلان وأنصاف البشر وأصحاب العين الواحدة المرعبين. ربما يبقى صغار المترفين بحاجة لرواة في صالونات المؤتمرات عديمة الجدوى والمصداقية يكررون حكايات تنقل حيلة النساء للظفر بزوج أو للخروج من الحرملك وتخطي عتبات الأبواب المقفلة بإحكام.
هناك من توقف عند المجزرة ليلوم الذكور، سواء كانوا أبناء أم أزواجا بالرغم من قوتهم البدنية من «يضربون الحيطان ايطيحوها» من يفضل المقاهي والتدخين والتشييش وشرب الكحول بما تعطيه له الكادحات أما كانت أو أختا أو زوجة. شباب مستقيل سلبي. يعيش عالة على المجتمع. للأسف سلبية ضاربة في عمق المجتمعات المغاربية تكدح فيه النساء في الحقول والمزارع والمراعي. وحتى في الجامعات والمستشفيات، ثم يستسلمن للتسلط الذكوري الضارب في عمق الثقافة التقليدية ليصبحن خادمات بالبيوت، بينما الرجل على أريكته يقلب في القنوات، ينتظر القهوة و العشاء. «إنها أمه وأمك وأمهاتهم من قضين نحبهن في الشاحنة. لتقفل المقاهي ولتعاد صياغة شعارات المساواة أمام المصاب الجلل.
هل ستكون هذه الفاجعة نهاية الأحزان بالخضراء، وأن تنسى فاجعة الأطفال المطعمين بالسم، والنساء اللواتي ينقلن كما تنقل الأنعام لأماكن عملهن. أم فعلا الصغار في الكردونة (علب الكارتون) والكبار في الكميونة (الشاحنة). هل تحيا دائما تونسهم، تونس المرفهين وتموت دائما تونس الكادحات.
 
أعلى