انتهى معمر ألقذافي , مات , قتل , و لا قيمة لاختلاف الروايات عن مقتله , هل الذي قتله رصاص الثوار الليبيين أم رصاص الناتو !!! و كلنا نعلم أن مصير ألقذافي أصبح محسوما باتجاه واحد من يوم صدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1973 بالتدخل العسكري في ليبيا , فقد أصبح الموضوع من يومها مسألة وقت ليس إلا , و لو أن الكبار اتفقوا من يومها لما أعطيت للقذافي كل هذه الشهور .ألقذافي مهما اختلفنا فيه , و مهما اختلفنا عليه , أراد من اللحظة الأولى أن يكون رجلا مختلفا , و لذلك فإنه وجد نفسه في خصومة قاتلة مع الكثيرين , مع أقوى أقوياء الأرض , و مع أضعف ضعفاء الأرض الذين هم ليسوا أقل خطرا عندما تأتيهم الفرصة المناسبة !!! و مثل كل الأبطال التراجيديين الذين قرءنا عنهم من أيام سوفكليس و أسخيلوس و هوميروس , و حتى أخر الملاحم الحديثة , و سواء كانوا أخيار أم أشرار , فإنهم يعرفون مصيرهم , يرسمون مصيرهم باختياراتهم و يذهبون إليه , بل إنهم لا يكون في وسعهم سوى أن يذهبوا إلى هذا المصير .
الآن , السؤال متعلق بليبيا , هذا القطر العربي الذي يعتبر استقراره مطلبا لكل جيرانه و هم كثيرون و متناقضون أيضا , بعضهم يخاف من التقسيم لأنه حين إذ سيكون نموذجا يحتذى !!! و بعضهم يخافون من الفوضى , لأن ليبيا في بواباتها الشمالية و الجنوبية و الغربية و الشرقية مفتوحة على كل الجهات , و لو أصبحت لا سمح الله ساحة للفوضى , فسوف يعاني جيرانها الأمرين , و ربما الذين أسقطوها في بعض دول حلف الناتو يدفعون ثمنا باهظا .
كما أن ليبيا فريسة ثمينة مغرية و لحمها شهي , فهي ثالث دولة في أفريقيا من حيث حجم إنتاجها النفطي , و نفطها من النوع الممتاز و النخب الأول , و هو بالإضافة إلى قيمته الإستراتيجية التي لا غنى عنها للماكينة العسكرية للدول الكبرى فإنه يدر عشرات المليارات سنويا , فلمن يكون النفط , و في جيب من تتراكم المليارات , و من يفوز بأكبر قدر من الغنيمة , و خاصة أن صيادي الطرائد الثمينة هم دائما من النوع الشجع الذين لا يشبعون , و الذين لا يؤمنون أن الشعب الليبي هو صاحب كل هذا و يستحق كل هذا , بل يرون أنه يكفيه القليل و هم أولى بالغنيمة .
ربما كانت الأوضاع قبل مقتل معمر ألقذافي أسهل كثيرا على المجلس الانتقالي , فقد كان حلف الناتو مكلفا بكل شيء , هو الذي يدير العمليات على الأرض , و ينشر قواته الخاصة دون إعلان , و هو الذي يجمع للمجلس الانتقالي الاعترافات به التي تأتيه من هنا و هناك !!! و لكن الآن , بعد انتهاء معمر ألقذافي فإن المجلس الانتقالي هو الذي سيواجه الحقائق , و الأسئلة الكبرى , و الاستحقاقات القاسية , و كل شيء سيقال باسمه , و كل شيء سيجري بتوقيعه , فكيف سينهض بالمسؤولية , و كيف سيعبر المرحلة الانتقالية , و كيف سيصل بليبيا إلى شاطئ السلامة و الأمان ؟؟؟
منذ الخامس عشر من فبراير هذه السنة و حتى يوم أمس الأول فقدت ليبيا أشياء كثيرة على صعيد البنية التحتية , و آلاف من البشر , و مؤسساتها و هياكلها الرئيسية , و الكثير من أموالها التي مازالت في يد الآخرين , بل إن نفطها مازال بحاجة إلى وقت ليصل إنتاجه إلى المستوى المطلوب , كما أن الجماهيرية التي رسمها ألقذافي من بنات أفكاره انهارت و تمزقت ملامحها , و هكذا فإن ليبيا بحاجة أولا لأن تعود دولة , و الدولة تحتاج إلى جيش و أمن و نظام حكم و مؤسسات دستورية و تشريعية و قضائية , و تحتاج إلى مصالحة وطنية , و كل ذلك هو التحدي و هو الاختبار الرئيسي .
و أعتقد أن العرب الذين قدموا لحلف الناتو الغطاء المطلوب لكي يتدخل , يجب أن يكونوا موجودين في قرارات إعادة بناء الدولة الليبية !!! فهل نراهم يحضرون فعلا ؟؟؟
لقد عاش معمر ألقذافي حياته بالطول و العرض كما يقولون , كان له في كل عرس قرص , و كان في قلب الهجوم طيلة الوقت , لم يكن رجلا عاديا من عباد الله الصالحين الذين يمرون على الدنيا مرور الكرام , بل إعصار متحركا في كل مكان يتوجه إليه , و كانت له أيادي بيضاء على كثيرين في هذه الدنيا ربما تتعرض لأشد الإنكار الآن , و كانت له أيادي سوداء قد لا يرى البعض غيرها الآن , و لكن الرجل انتهى , لم يعد موجودا لا بخيره و لا بشره , و هو في ذمة التاريخ الذي سيقول عنه كلمته النهائية , و مطلوب الآن أن تكون ليبيا موجودة و أمنة و مستقرة , و فاعلة في محيطها العربي و الإفريقي و الإسلامي , فالدول لا تعيش أبدا إذا لم يكن لها دور تقوم به .