- المشاركات
- 382
- مستوى التفاعل
- 30
- النقاط
- 28
من تاريخ شفشاون : سجْن الشيخ "الوهابي" تقي الدين الهلالي بعد صدامه مع بعض الأعيان و الأهالي
لعل بداية سنة 1947 التي عاشها الشيخ محمد تقي الدين الهلالي السجلماسي بمدينة شفشاون قادما من تطاون هي التي شهدت أول مواجهة فكرية علنية بين التيار السلفي "الوهابي" ، تمييزا عن السلفية المغربية التي حمل لواءها الشيخ أبي شعيب الدكالي، و التوجه العقدي و الفقهي السائد بالمملكة المغربية الشريفة المنبني على العقيدة الأشعرية و فقه الإمام مالك و تصوف جنيد السالك.
ازداد الشيخ الهلالي حوالي سنة 1311 (وفاق 1892ميلادية) جنوب المملكة المغربية تحديدا بمنطقة وادي سجلماسة حيث نشأ و استهل مشواره العلمي و تمذهب على الطريقة التيجانية قبل أن يتخلى عنها و يؤلف ناصحا مريديها كتابه "الهدية الهادية إلى الطائفة التيجانية".
غادر الشيخ الهلالي المغرب في أواسط العشرينيات من القرن الميلادي الماضي نحو الشرق العربي طلبا للدراسة و التحصيل ونسج صداقات مهمة مع أبرز الشخصيات المشرقية منهم الملك عبدالعزيز مؤسس دولة المملكة العربية السعودية الذي استضافه بضعة أشهر بتوصية مدونة من الشيخ المصري رشيد رضا فتم تعيينه مراقبا للتدريس في المسجد النبوي ثم انتقل إلى المعهد العلمي السعودي بمكة المكرمة.
بتزكية من شكيب أرسلان سافر إلى ألمانيا حيث قدم رسالة الدكتورة بجامعة برلين سنة 1940م و اتصل بالزعيم هتلر الذي سمح له بإنشاء إذاعة عربية موجهة إلى العرب بلغتهم تعاطفا من ألمانيا مع دول المستعمرات الفرنسية و الانجليزية في سياق عداوة الحرب العالمية الثانية.
أثناء الحرب العالمية الثانية حث الزعيم الفلسطيني المفتي الأمين الحسيني الدكتور الهلالي إلى العودة إلى المغرب فاستقر سنة 1942م مدرسا بالمعهد الحر بمدينة تطاون بعدما أخذ بيده و مده بمساعدته الأستاذ عبدالخالق الطريس.
إبّان مقامه بتطاون استفحل بالشيخ الهلالي مرض الربو نصحه على إثره الأطباء بقضاء فترة نقاهته في جو جاف نقي بعيد عن الرطوبة و تأثيراتها .
توجه تقي الدين الهلالي إلى مدينة الأمير مولاي علي بن موسى بن راشد شفشاون في بداية خريف سنة 1946م و شهرته كشهرة علم في رأسه نار و قصد بها فندقElParador لكنه فوجئ برفض مدير الفندق إقامته به بدعوى مرضه المعدي بعدما لاحظ كثرة سعاله و دوام لهاثه و بصقه فخشي من تقزز النزلاء .
قد يكون السبب الحقيقي وراء رفض مدير الفندق مكوث الهلالي به هو إخلاله بالتزاماته لسلطات الحماية الإسبانية بالمنطقة الخليفية بعدم تعاونه مع الوطنيين المغاربة و التضييق عليه فيعود إلى تطاون حيث تسهل مراقبته و التجسس على بريده الذي عج في تلك المرحلة بالمراسلات مع زعيم جماعة الإخوان بمصر حسن البنّا .
ما أن علم أحد وطنيي شفشاون الشريف أحمد بن الأمين الريسوني بوضعية الشيخ الهلالي إلا و عرض عليه استضافته بمنزل في ملكيته بساحة "وْطا الحمَّام" محاذيا لباب السور الذي سيُصبِح عما قريب "مركز الدراسات و الأبحاث الأندلسية".
من الطرائف إحدى المناسبات التي أكرم فيها الشيخ الضيف ، أن كان يحوم ابن مولاي أحمد الريسوني المؤرخ العلامة سيدي علي الريسوني على مائدة الأكل حول الشيخ الهلالي مرددا بلسان لم تستقم مخارج حروفه "حيما ...حيما" (تصغيرا للحم) كي يطعمه فأنشأ في الحين بيتين "من كان به رحيما / فليطعمه حيما"
"و من كان له مُقيتا / فليطعمه حوتا".
في مقامه بالحاضرة الراشدية الذي استغرق خمسة أشهر ، تواصل الدكتور الهلالي مع أعيان المدينة و وجهائها و اختلط بعلمائها و فقهائها بل تزوج من فتاة متحدرة من مدينة وزان (أنجب له بنتا سماها سارة )و شرع يعارض الفقه و العرف السائد و يحاجج في المجالس و على الموائد و يلقي دروسا في المسجد الأعظم كان من أشد الناس إقبالا عليها الوطنيين الوجيهين السيدين العياشي العلمي و عبدالله قريش.
لم يتوان الهلالي في دروسه من الطعن في العقيدة الأشعرية و المس بفقهاء المالكية و التحذير من الأعراف السائدة بالمملكة المعتبَرة عنده بدعا و ضلالا و ألف في مقامه بشفشاون كتابا عنونه "مختصر هدى الخليل في العقائد و عبادة الجليل".
تكررت معاتبة الشيخ الهلالي لقراءة القرآن جَهْرًا قبل صلاة الجمعة بالمسجد الأعظم "جامع الكبير" المطل على ساحة "وْطا الحمَّام" إلى أن صادف به يوم الجمعة 23 صفر 1366 (وفاق 17 يناير 1947) باشا المدينة السيد اليزيد بن صالح الرزيني و نائب قاضي المدينة (نائبا عن الشريف القاضي سيدي الحسن بن أحمد بن الحسين العلمي) السيد الحسن بن الحاج محمد العمارتي خطيب الجمعة أخ محتسب المدينة السيد الحسين ناظر الزاويتين التهامية الوزانية و الناصرية بشفشاون.
عند دخوله الجامع نهر الهلالي عموم المصلين و صرخ في وجههم آمرا إياهم باجتناب بدعة القراءة الجماعية للقرآن الكريم.
قام باشا المدينة يوبخ الشيخ الهلالي و يتوعده إن لم يمسك لسانه و يوقف دعوته فرد عليه جهارا "اصمت يا جاهل يا ظالم".
قبض على الدكتور الهلالي حينا و اقتيد حافي القدمين إلى السجن حيث قضى ثلاث ليال قبل أن يفرج عنه بعد توسط بعض رجالات المدينة الراشدية صبيحة الإثنين الموالي.
تدخل أصحاب النيات الحسنة للإصلاح بين الباشا بن صالح و الدكتور الهلالي لكنه تشبث بموقفه و هجاه في قصيدة لا فائدة من ذكرها و غادر مدينة شفشاون يوم خروجه من السجن نحو العاصمة الخليفية مخلفا وراءه تائيته الشهيرة في مدح المدينة و الثناء على أهلها و التنويه بإقامته بها في مطلع جاء فيه "جزى الله شفشاون بخير و نعمة / و نجاهم من كل شر و نقمة" .
رحل في صيف سنة 1947م نحو العراق و تنقل بين أقطار متعددة عبر العالم العربي و الإسلامي إلى أن عاد إلى المملكة المغربية و تحديدا إلى شفشاون سنة 1957م حيث وجد السيد العياشي العلمي باشا و ألقى درسا بالمسجد الأعظم افتتحه بالآية الكريمة "و نريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض و نجعلهم أئمة و نجعلهم الوارثين و نمكن لهم في الأرض و نري فرعون و هامان و جنودهما ما كانوا يحذرون".
ابتداء من سنة 1968م شرع الدكتور الهلالي في التدريس بجامعة محمد الخامس بالرباط ثم بفرعها بمدينة فاس و واصل زيارة شفشاون و إلقاء الدروس بها إلى أن وافته المنية بالدارالبيضاء سنة 1987م.