- المشاركات
- 677
- مستوى التفاعل
- 61
- النقاط
- 28
محمد تحريشي
ساعة واحدة ·
حواري حول علاقة الروائي بالناقد
الدكتور محمد تحريشي لـ "الخبر"
تتصف العلاقة بين الرِّوائي والناقد عندنا بخاصية الإلغاء المتبادل
يرى، الدكتور محمد تحريشي، الناقد والأستاذ بجامعة بشار، أن النقد الأدبي عليه أن يتجاوز مسألة الاحتفاء بالنصوص أو تعرية مواطن الضعف والقوة في النصوص، حتى يصبح قراءة منتجة لنص جديد،وقال الدكتور تحريشي في حوار مع "الخبر" إنّ الرّواية، و هي تنطلق من ضمير الأنا في شخصية الرّاوي، قد يجعلها تنزاح إلى التقاطع مع السيرة الذاتية للكاتب.
حاوره: حميد عبد القادر
تعرف الساحة الأدبية خلال السنوات الأخيرة ما يعرف برواية "السيرة - الذاتية، كيف تقرأ تحولات هذه الرواية؟
إنّ رواية "السيرة الذاتية"، هي منحى من الكتابة ينطلق من أحداث ذات صلة بالكاتب بطريق مباشرة أو غير مباشرة، و ثم فهي تنطلق من أحداث واقعية و تعمل عليها الخيال لتتحول إلى كتابة أدبية؛ في حين أن الرِّواية قد تنطلق من الخيال لتتصور أحداث ستبدو و كأنها واقعية. اهتم الدارسون و النقاد بهذه الثنائية المهمة، و سعوا إلى التمييز بين السيرة الذاتية و الرّواية؛ فقد أشار جورج ماي «إنَّ الرّواية والسيرة الذاتية هما شكلان يمثّلان قطبين لجنسٍ أدبيّ مترامي الأطراف، يجمع بين الآثار المنضوية فيه أنها تتخذ من حياة إنسان موضوعاً لها"، و على الرغم من هذا التحديد الدقيق، إلا أن النقاش استمر حول العلاقة بين السيرة الذاتية والرواية في كونهما جنسين أدبيين مختلفين، أو في كونهما جنسا واحدا؛ خاصة و أنّ الرّواية، و هي تنطلق من ضمير الأنا في شخصية الرّاوي، قد يجعلها تنزاح إلى التقاطع مع السيرة الذاتية للكاتب الذي قد ينهل من تجاربه الحياتية و الخبراتية، و من ثم يحصل التقاطع و التداخل و التماس. يقول إلياس فركوح تعقيبا على ما جاء في كتاب جورج ماي"...ترسمُ لنا الفرقَ الجوهريّ، بعد الإنجاز، بين كتابتين تُعلِنُ الأُولى منهما (السيرة الذاتية) أنها تقدّمُ للقارئ أحداثاً ووقائع حقيقيّة بصدقٍ ألزمها به ما أطلقَ عليه فيليب لوجون «ميثاق السيرة الذاتيّة» ـ كأنما هو ميثاق شَرَفٍ أبرمتهُ (أنا) الكاتبُ المُعلَن مع قارئٍ مجهول، لكنه مفتَرَض-. بينما تذهبُ الثانيةُ (الرّواية) لتقولَ صراحةً بأنها كتابةٌ تخلّقت من خيالٍ أعادَ صياغة بعض الأحداث وقُصاصات الوقائع ليقدّمها للقارئ على سبيل التقابل والتوازي، وربما المفارقة، لا التطابق ولا الانعكاس. لا، بل إنَّ كثيراً من نماذجها يعلنُ كُتّابُها أن لا شيء فيها من الواقع ـ.."، و أرى أن الفيصل في هذا القضية هو قدرة الكاتب و موهبته على أن يكتب أدباً، و أن يحقق ما يكتب أدبية تولد متعة فنية، سواء أكانت سيرة رواية أو رواية بغض النظر عن بعض النصوص التي قد لا تخضع إلى أي تصنيف أو تحديد فني أو جمالي أو إجناسي. فقد وصف عبد الرحمن منيف الرواية بأنها سيرة من لا سيرة لهم.
هناك من النقاد من يصفها باللارواية، لأنها تقوم على قتل الرواية، من حيث التركيز على البوح وإبعاد تقنيات الكتابة الروائية الكلاسيكية، هل توافق هذا الطرح؟
إن مشكلة التصنيف مطروحة بحدة، و هي في الواقع لا ترتبط بالتحديد المفاهيمي، بقدر ما تتعلق بالجانب الإجرائي و تمثله في النصوص و مدى تاُثيرها في المتلقي بقدرتها على إيجاد فعالية قراءة تنتج معرفة بالنص، و لعل مصدر الشك في السيرة أنها تعتمد على التسجيل و التوثيق، و من هاهنا يتسرب إليها الشك في كونها أدباً يولد متعة و فنا و جمالا، و قد تتحول إلى شطحات ذاتية تصور نزوات الذات و انكساراتها بعيدا عن كل أدبية.
إن مسألة البوح دقيقة جدا، فالبوح قد يكون ذاتيا يشبه جلسات علم النفس التربوي العلاجي، أكثر مما يكون أدبا، و قد يكون البوح رواية تنطق فنا و جمالا، و يمكن هاهنا أن أذكر رواية "بوح الرجل القادم من الظلام" لإبراهيم سعدي، فهي رواية على الرغم من أن شكلها يشبه السيرة الرّواية، و كذلك رواية "ذلك الحنين" للسايح الحبيب التي نهلت من السيرة الذاتية و عرفت كيف تحول الذاتي إلى أدبي، و الشيء بالشيء يذكر، فإن رواية "سيدة المقام" لواسيني الأعرج رواية استقت وجودها من سيرة ذاتية، إلا أنها اتسمت بأدبية مميزة تولد لدى المتلقي متعة فنية.
إن مسألة الوصف تطرح نفسها بإلحاح شديد في السيرة، و تجعلنا نصادف بعض الأعمال لم تحسن توظيف هذه التقنية الروائية، و قد يتناسى صاحب السيرة أنّ الكتابة السردية تعتمد على البناء الدرامي و الاشتغال على اللغة، و من ثم قد نصادف في بعض الأعمال صفحات كلها وصف لا يبطئ حركة السرد فقط، بل قد يبطلها و يقتل العملي الفني. إن الكتابة الرّوائية فعل متجدد بقدرته على تجاوز المألوف و المعتاد في البناء و في تقنيات الكتابة و استرتيجيتها ليقدم إضافة نوعية ضمن فعالية التراكم في الكتابة. إن انفتاح الكتابة الروائية على ما قدمه بروست و نتالي ساروت، جعل الكتاب في حركة ديمومة للوصول إلى الجديد الذي عليه أن يتجاوز ما هو متداول، و لعل الهم الكبير الذي يحمله كل كاتب هو كيف يتجاوز نصه المرجع للوصول إلى النص الحلم.
هل معنى هذا أن روائيي الجيل الجديد ليسوا ورثة الكتابة الروائية كما وصلتنا من الرواد منذ الطاهر وطار مثلا؟
إن تراكم الكتابة، حتى لا أقول صراع الأجيال ظاهرة صحية و طبيعية، و لكنها قد تصبح مرضية إن كان المقصود منها محو كل آثار السابقين و عدم الاعتراف بفضل السبق و البداية، بغض النظر عن كل شيء؛ ففي السبعينات من القرن الماضي رفع بعض الكتاب الشباب في ذلك الوقت شعار تحطيم الأصنام، و كان المقصود بذلك الجيل الأول من الكتاب، ثم في نهاية التسعينات من القرن الماضي و بداية الألفين رُفع شعار تحطيم الديناصورات، و لعل المقصود بهؤلاء أولئك الكتّاب المكرسين. إن ذكر الطاهر وطار بوصفه مرجعا فنيا لا يلغي كتابا آخرين مثلوا كذلك مرجعا للكتابة الروائية في الجزائر من ذلك رضا حوحو و عبد الحميد بن هدوقة و عبد المالك مرتاض و غيرهم. إن الكتاب الشباب يستمدون كتاباتهم من مراجع متعددة، خاصة بعد انفتاح العالم بتكنولوجيات الإعلام و الاتصال و وسائط التواصل الاجتماعي، و التصالح مع الذات و مع التراث و مع التاريخ، خاصة أن الرّوايات الفائزة في الجوائز الكبرى في الرّواية كانت نصوصا تاريخية بطريقة أو بأخرى. إن مبدأ الاستمرارية و الاستفادة من التراكم الرّوائي ضرورة حتمية حتى لو أنكر ذلك ناكر أو جاحد.
لو نتحدث عن مسألة النقد الأدبي، لما انتشرت في المدة الأخيرة تصورات نقدية عدائية تجاه الروايات الجديدة؟
هل على الناقد أن يكون عدائيا تجاه النصوص التي يشتغل عليها؟ و هل عليه أن ينظر إليها باحتقار و دونية، مفترضا خصومة، إن لم أقل عداوة؟ و هل عليه أن يطعن في كل شيء في النص، إلى درجة أن يجرد الكاتب من صفة مبدع أو فنان أو أديب، و من ثم يعتني بالكشف عن العورات و لو بهتانا و ظلما، و هو إنْ لم يفعل ذلك يكون تابعا أو إمعة مطعون فيه. و إنْ وقف هذا الناقد باحترام وتواضع أمام النص موضوع الدراسة أو القراءة، و يسعى إلى قراءة منتجة لا تفترض وصاية على النص، أو تعاليا و تعالما و استعراض. و مما كتبت يوما ما نصّه "إن العلاقة بين النقد والإبداع علاقة تضايف وتكامل وعلاقة سابق بلاحق، وعلاقة انسجام وتناغم وعلاقة تنافر وخصام وعلاقة إلغاء وإقصاء، ولعل هذه العلاقة متعددة الأوجه المتشابهة من جهة والمتنافرة من جهة أخرى، وتتصف هذه العلاقة في الوطن العربي عموما وفي الجزائر على وجه الخصوص بخاصية الإلغاء المتبادل، وقد تعرضت في مقال لي في مجلة "كتابات معاصرة" العدد32 إلى هذه المسألة تحت عنوان: الناقد المبدع إلغاء متبادل..... أعتقد أن النقد عليه أن يتجاوز مسألة الاحتفاء بالنصوص أو تعرية مواطن الضعف والقوة في النصوص. قد تكون القراءة الاحتفائية ضرورية في زمن، ولكن أرى أن النقد هو كل قراءة منتجة لنص جديد، إنه كتابة ثانية للنص المبدع، ولا نعدم القراءة الانتقائية للنصوص التي قد تحكمها علاقات شخصية أو توجهات إيديولوجية أو حسابات دعائية." فهل قدر الناقد أن يكون تابعا؟ و هل قدر المبدع أن يكون خصما؟ و هل قدر النص أن يكون أداة إدانة و ليس حجة براءة؟
هل ساهمت ظاهرة تراجع الأيديولوجية في وقوع النص الروائي في أزمة؟
لا أتصور نصا، مهما كان، من دون إيديولوجية، و إنما يمكن التحدث عن الأدلجة لما يتخلى النص عن أدبيته ليصبح خطابا إيديولوجيا لا علاقة له بالأدب، أدب يقوم على الشعارات السياسية و الصراع الحزبي و التناحر الفكري، و قد عانت بعض النصوص من طغيان الإيديولوجية في فترة السبعينات. كان الناقد عامر مخلوف علميا في منشور له على صفحته بعنوان: نقد أم حقد. قدم فيه قراءة مهمة للنقد في السبعينات قال عنه".... لكن القارئ لا يجد فيه ممارسة نقدية تتناول نصوصا محددة، بل هي كتابات تهوّم في فضاء من العموميات و ترصف تراكيب إنشائية مشحونة بالكراهية و البغض...."
إلى أي مدى يحضر المجتمع (الناس..الشارع..المقهى..الحارات..) في الرواية الجزائرية الجديدة؟
رصدت الرواية الجديدة حركية المجتمع و تحولاته، و النصوص قد يشملها حصر و لا عد، و يمكن أن أذكر هاهنا رواية "في عشق امرأة عاقر" لسمير قاسيمي، و هي نص سردي قدّم إضافة نوعية للكتابة السردية في الجزائر، و رصد حركة المجتمع الجزائري في فترة حساسة جدا، و قدّم رؤية فنية مميزة في نظرة الرواية للمجتمع، حتى و إن كانت في بعض جوانبها سوداوية. و يمكن أن أذكر أيضا نصوص عز الدين جلاوجي، و منها رواية "العشق المقدنس". و من الشباب يمكن ذكر رواية "قدس الله سري" لمحمد الأمين بن ربيع، و هي نص مميز رصد حركة المجتمع من زاوية رؤية فنية مميزة.
من بين الروايات التي ظهرت في السنوات الأخيرة ما يطلق عليه تسمية رواية الصحراء، هل يمكن القول إنها تشكل لحظة فريدة في الفضاء الإبداعي الجزائري؟
إن الصحراء موضوع استهوى الروائيين الجزائريين، لعل أول رواية كتبت في الجزائر هي للروائي محمد ولد الشيخ موسومة "مريم بين النخيل" والتي صدرت سنة 1930 بمناسبة الذكرى المئوية لاحتلال فرنسا للجزائر. في دراسة لي سابقة موسومة" تجليات الصحراء في رواية "تلك المحبة" للسايح الحبيب"، ناقشت بعض جوانب هذا السؤال، و كنت قد أشرت إلى أن الصحراء شكلت موضوعا مهما للكتابة الرّوائية عبر نصوص أسست لنمط من الكتابة يمثل امتدادا للكتابة الروائية، وفي الوقت ذاته رسم لنفسه خصوصية تنبع من خصوصية هذا الفضاء. ويرى حسن المودن أيضا" أن الأدب السردي العربي قد عرف، مع روايات الصحراء، ظهور نصوص سردية تجعل شخوصها و حكاياها و تأملاتها تستوطن الصحراء، تقود الصراع ضد قوى الموت، وتلاحق أسئلة المطلق والخير والشر في صراعاتها الأبدية"، و مع ذلك قد نصادف نصوصا جزائرية عن الصحراء، و لكن قد لا نلامس توجها فكريا و فنيا و جماليا لكتابة عن الصحراء تستمد حضورها من الميثولوجيا و من ما قبل التاريخ، و من أبعاد وجودية مثل ما قد نلامسه عند الرّوائي الليبي ابرهيم الكوني، و هذا لا يلغي ما كتبته مليكة مقدم، و محمد سالمي، الحاج الصديق الزيواني، و عبد الله كروم، و حاج فنداوي، و عبد الله عزيزي، و بن عمارة خليفة، و عبد القادر ضيف الله.
ساعة واحدة ·
حواري حول علاقة الروائي بالناقد
الدكتور محمد تحريشي لـ "الخبر"
تتصف العلاقة بين الرِّوائي والناقد عندنا بخاصية الإلغاء المتبادل
يرى، الدكتور محمد تحريشي، الناقد والأستاذ بجامعة بشار، أن النقد الأدبي عليه أن يتجاوز مسألة الاحتفاء بالنصوص أو تعرية مواطن الضعف والقوة في النصوص، حتى يصبح قراءة منتجة لنص جديد،وقال الدكتور تحريشي في حوار مع "الخبر" إنّ الرّواية، و هي تنطلق من ضمير الأنا في شخصية الرّاوي، قد يجعلها تنزاح إلى التقاطع مع السيرة الذاتية للكاتب.
حاوره: حميد عبد القادر
تعرف الساحة الأدبية خلال السنوات الأخيرة ما يعرف برواية "السيرة - الذاتية، كيف تقرأ تحولات هذه الرواية؟
إنّ رواية "السيرة الذاتية"، هي منحى من الكتابة ينطلق من أحداث ذات صلة بالكاتب بطريق مباشرة أو غير مباشرة، و ثم فهي تنطلق من أحداث واقعية و تعمل عليها الخيال لتتحول إلى كتابة أدبية؛ في حين أن الرِّواية قد تنطلق من الخيال لتتصور أحداث ستبدو و كأنها واقعية. اهتم الدارسون و النقاد بهذه الثنائية المهمة، و سعوا إلى التمييز بين السيرة الذاتية و الرّواية؛ فقد أشار جورج ماي «إنَّ الرّواية والسيرة الذاتية هما شكلان يمثّلان قطبين لجنسٍ أدبيّ مترامي الأطراف، يجمع بين الآثار المنضوية فيه أنها تتخذ من حياة إنسان موضوعاً لها"، و على الرغم من هذا التحديد الدقيق، إلا أن النقاش استمر حول العلاقة بين السيرة الذاتية والرواية في كونهما جنسين أدبيين مختلفين، أو في كونهما جنسا واحدا؛ خاصة و أنّ الرّواية، و هي تنطلق من ضمير الأنا في شخصية الرّاوي، قد يجعلها تنزاح إلى التقاطع مع السيرة الذاتية للكاتب الذي قد ينهل من تجاربه الحياتية و الخبراتية، و من ثم يحصل التقاطع و التداخل و التماس. يقول إلياس فركوح تعقيبا على ما جاء في كتاب جورج ماي"...ترسمُ لنا الفرقَ الجوهريّ، بعد الإنجاز، بين كتابتين تُعلِنُ الأُولى منهما (السيرة الذاتية) أنها تقدّمُ للقارئ أحداثاً ووقائع حقيقيّة بصدقٍ ألزمها به ما أطلقَ عليه فيليب لوجون «ميثاق السيرة الذاتيّة» ـ كأنما هو ميثاق شَرَفٍ أبرمتهُ (أنا) الكاتبُ المُعلَن مع قارئٍ مجهول، لكنه مفتَرَض-. بينما تذهبُ الثانيةُ (الرّواية) لتقولَ صراحةً بأنها كتابةٌ تخلّقت من خيالٍ أعادَ صياغة بعض الأحداث وقُصاصات الوقائع ليقدّمها للقارئ على سبيل التقابل والتوازي، وربما المفارقة، لا التطابق ولا الانعكاس. لا، بل إنَّ كثيراً من نماذجها يعلنُ كُتّابُها أن لا شيء فيها من الواقع ـ.."، و أرى أن الفيصل في هذا القضية هو قدرة الكاتب و موهبته على أن يكتب أدباً، و أن يحقق ما يكتب أدبية تولد متعة فنية، سواء أكانت سيرة رواية أو رواية بغض النظر عن بعض النصوص التي قد لا تخضع إلى أي تصنيف أو تحديد فني أو جمالي أو إجناسي. فقد وصف عبد الرحمن منيف الرواية بأنها سيرة من لا سيرة لهم.
هناك من النقاد من يصفها باللارواية، لأنها تقوم على قتل الرواية، من حيث التركيز على البوح وإبعاد تقنيات الكتابة الروائية الكلاسيكية، هل توافق هذا الطرح؟
إن مشكلة التصنيف مطروحة بحدة، و هي في الواقع لا ترتبط بالتحديد المفاهيمي، بقدر ما تتعلق بالجانب الإجرائي و تمثله في النصوص و مدى تاُثيرها في المتلقي بقدرتها على إيجاد فعالية قراءة تنتج معرفة بالنص، و لعل مصدر الشك في السيرة أنها تعتمد على التسجيل و التوثيق، و من هاهنا يتسرب إليها الشك في كونها أدباً يولد متعة و فنا و جمالا، و قد تتحول إلى شطحات ذاتية تصور نزوات الذات و انكساراتها بعيدا عن كل أدبية.
إن مسألة البوح دقيقة جدا، فالبوح قد يكون ذاتيا يشبه جلسات علم النفس التربوي العلاجي، أكثر مما يكون أدبا، و قد يكون البوح رواية تنطق فنا و جمالا، و يمكن هاهنا أن أذكر رواية "بوح الرجل القادم من الظلام" لإبراهيم سعدي، فهي رواية على الرغم من أن شكلها يشبه السيرة الرّواية، و كذلك رواية "ذلك الحنين" للسايح الحبيب التي نهلت من السيرة الذاتية و عرفت كيف تحول الذاتي إلى أدبي، و الشيء بالشيء يذكر، فإن رواية "سيدة المقام" لواسيني الأعرج رواية استقت وجودها من سيرة ذاتية، إلا أنها اتسمت بأدبية مميزة تولد لدى المتلقي متعة فنية.
إن مسألة الوصف تطرح نفسها بإلحاح شديد في السيرة، و تجعلنا نصادف بعض الأعمال لم تحسن توظيف هذه التقنية الروائية، و قد يتناسى صاحب السيرة أنّ الكتابة السردية تعتمد على البناء الدرامي و الاشتغال على اللغة، و من ثم قد نصادف في بعض الأعمال صفحات كلها وصف لا يبطئ حركة السرد فقط، بل قد يبطلها و يقتل العملي الفني. إن الكتابة الرّوائية فعل متجدد بقدرته على تجاوز المألوف و المعتاد في البناء و في تقنيات الكتابة و استرتيجيتها ليقدم إضافة نوعية ضمن فعالية التراكم في الكتابة. إن انفتاح الكتابة الروائية على ما قدمه بروست و نتالي ساروت، جعل الكتاب في حركة ديمومة للوصول إلى الجديد الذي عليه أن يتجاوز ما هو متداول، و لعل الهم الكبير الذي يحمله كل كاتب هو كيف يتجاوز نصه المرجع للوصول إلى النص الحلم.
هل معنى هذا أن روائيي الجيل الجديد ليسوا ورثة الكتابة الروائية كما وصلتنا من الرواد منذ الطاهر وطار مثلا؟
إن تراكم الكتابة، حتى لا أقول صراع الأجيال ظاهرة صحية و طبيعية، و لكنها قد تصبح مرضية إن كان المقصود منها محو كل آثار السابقين و عدم الاعتراف بفضل السبق و البداية، بغض النظر عن كل شيء؛ ففي السبعينات من القرن الماضي رفع بعض الكتاب الشباب في ذلك الوقت شعار تحطيم الأصنام، و كان المقصود بذلك الجيل الأول من الكتاب، ثم في نهاية التسعينات من القرن الماضي و بداية الألفين رُفع شعار تحطيم الديناصورات، و لعل المقصود بهؤلاء أولئك الكتّاب المكرسين. إن ذكر الطاهر وطار بوصفه مرجعا فنيا لا يلغي كتابا آخرين مثلوا كذلك مرجعا للكتابة الروائية في الجزائر من ذلك رضا حوحو و عبد الحميد بن هدوقة و عبد المالك مرتاض و غيرهم. إن الكتاب الشباب يستمدون كتاباتهم من مراجع متعددة، خاصة بعد انفتاح العالم بتكنولوجيات الإعلام و الاتصال و وسائط التواصل الاجتماعي، و التصالح مع الذات و مع التراث و مع التاريخ، خاصة أن الرّوايات الفائزة في الجوائز الكبرى في الرّواية كانت نصوصا تاريخية بطريقة أو بأخرى. إن مبدأ الاستمرارية و الاستفادة من التراكم الرّوائي ضرورة حتمية حتى لو أنكر ذلك ناكر أو جاحد.
لو نتحدث عن مسألة النقد الأدبي، لما انتشرت في المدة الأخيرة تصورات نقدية عدائية تجاه الروايات الجديدة؟
هل على الناقد أن يكون عدائيا تجاه النصوص التي يشتغل عليها؟ و هل عليه أن ينظر إليها باحتقار و دونية، مفترضا خصومة، إن لم أقل عداوة؟ و هل عليه أن يطعن في كل شيء في النص، إلى درجة أن يجرد الكاتب من صفة مبدع أو فنان أو أديب، و من ثم يعتني بالكشف عن العورات و لو بهتانا و ظلما، و هو إنْ لم يفعل ذلك يكون تابعا أو إمعة مطعون فيه. و إنْ وقف هذا الناقد باحترام وتواضع أمام النص موضوع الدراسة أو القراءة، و يسعى إلى قراءة منتجة لا تفترض وصاية على النص، أو تعاليا و تعالما و استعراض. و مما كتبت يوما ما نصّه "إن العلاقة بين النقد والإبداع علاقة تضايف وتكامل وعلاقة سابق بلاحق، وعلاقة انسجام وتناغم وعلاقة تنافر وخصام وعلاقة إلغاء وإقصاء، ولعل هذه العلاقة متعددة الأوجه المتشابهة من جهة والمتنافرة من جهة أخرى، وتتصف هذه العلاقة في الوطن العربي عموما وفي الجزائر على وجه الخصوص بخاصية الإلغاء المتبادل، وقد تعرضت في مقال لي في مجلة "كتابات معاصرة" العدد32 إلى هذه المسألة تحت عنوان: الناقد المبدع إلغاء متبادل..... أعتقد أن النقد عليه أن يتجاوز مسألة الاحتفاء بالنصوص أو تعرية مواطن الضعف والقوة في النصوص. قد تكون القراءة الاحتفائية ضرورية في زمن، ولكن أرى أن النقد هو كل قراءة منتجة لنص جديد، إنه كتابة ثانية للنص المبدع، ولا نعدم القراءة الانتقائية للنصوص التي قد تحكمها علاقات شخصية أو توجهات إيديولوجية أو حسابات دعائية." فهل قدر الناقد أن يكون تابعا؟ و هل قدر المبدع أن يكون خصما؟ و هل قدر النص أن يكون أداة إدانة و ليس حجة براءة؟
هل ساهمت ظاهرة تراجع الأيديولوجية في وقوع النص الروائي في أزمة؟
لا أتصور نصا، مهما كان، من دون إيديولوجية، و إنما يمكن التحدث عن الأدلجة لما يتخلى النص عن أدبيته ليصبح خطابا إيديولوجيا لا علاقة له بالأدب، أدب يقوم على الشعارات السياسية و الصراع الحزبي و التناحر الفكري، و قد عانت بعض النصوص من طغيان الإيديولوجية في فترة السبعينات. كان الناقد عامر مخلوف علميا في منشور له على صفحته بعنوان: نقد أم حقد. قدم فيه قراءة مهمة للنقد في السبعينات قال عنه".... لكن القارئ لا يجد فيه ممارسة نقدية تتناول نصوصا محددة، بل هي كتابات تهوّم في فضاء من العموميات و ترصف تراكيب إنشائية مشحونة بالكراهية و البغض...."
إلى أي مدى يحضر المجتمع (الناس..الشارع..المقهى..الحارات..) في الرواية الجزائرية الجديدة؟
رصدت الرواية الجديدة حركية المجتمع و تحولاته، و النصوص قد يشملها حصر و لا عد، و يمكن أن أذكر هاهنا رواية "في عشق امرأة عاقر" لسمير قاسيمي، و هي نص سردي قدّم إضافة نوعية للكتابة السردية في الجزائر، و رصد حركة المجتمع الجزائري في فترة حساسة جدا، و قدّم رؤية فنية مميزة في نظرة الرواية للمجتمع، حتى و إن كانت في بعض جوانبها سوداوية. و يمكن أن أذكر أيضا نصوص عز الدين جلاوجي، و منها رواية "العشق المقدنس". و من الشباب يمكن ذكر رواية "قدس الله سري" لمحمد الأمين بن ربيع، و هي نص مميز رصد حركة المجتمع من زاوية رؤية فنية مميزة.
من بين الروايات التي ظهرت في السنوات الأخيرة ما يطلق عليه تسمية رواية الصحراء، هل يمكن القول إنها تشكل لحظة فريدة في الفضاء الإبداعي الجزائري؟
إن الصحراء موضوع استهوى الروائيين الجزائريين، لعل أول رواية كتبت في الجزائر هي للروائي محمد ولد الشيخ موسومة "مريم بين النخيل" والتي صدرت سنة 1930 بمناسبة الذكرى المئوية لاحتلال فرنسا للجزائر. في دراسة لي سابقة موسومة" تجليات الصحراء في رواية "تلك المحبة" للسايح الحبيب"، ناقشت بعض جوانب هذا السؤال، و كنت قد أشرت إلى أن الصحراء شكلت موضوعا مهما للكتابة الرّوائية عبر نصوص أسست لنمط من الكتابة يمثل امتدادا للكتابة الروائية، وفي الوقت ذاته رسم لنفسه خصوصية تنبع من خصوصية هذا الفضاء. ويرى حسن المودن أيضا" أن الأدب السردي العربي قد عرف، مع روايات الصحراء، ظهور نصوص سردية تجعل شخوصها و حكاياها و تأملاتها تستوطن الصحراء، تقود الصراع ضد قوى الموت، وتلاحق أسئلة المطلق والخير والشر في صراعاتها الأبدية"، و مع ذلك قد نصادف نصوصا جزائرية عن الصحراء، و لكن قد لا نلامس توجها فكريا و فنيا و جماليا لكتابة عن الصحراء تستمد حضورها من الميثولوجيا و من ما قبل التاريخ، و من أبعاد وجودية مثل ما قد نلامسه عند الرّوائي الليبي ابرهيم الكوني، و هذا لا يلغي ما كتبته مليكة مقدم، و محمد سالمي، الحاج الصديق الزيواني، و عبد الله كروم، و حاج فنداوي، و عبد الله عزيزي، و بن عمارة خليفة، و عبد القادر ضيف الله.