مي في مواجهة الحداثة المعطوبة

الناقد الجزائري

عضو نشيط جدا
المشاركات
110
الحلول
3
مستوى التفاعل
19
النقاط
18
مي في مواجهة الحداثة المعطوبة
نور العلي

" أتمنَّى أن يأتي بَعد موتي من يُنصفني."
هو الواسيني يا مَيْ حاول بكلّ ما أوتي من علم و قدرة أن ينصفكِ ، كلنا بحاجة من ينصفنا بعد رحيلنا . من يكتب عن أحزاننا السرية و يصفي الحساب مع الأوغاد و الزمن الذي سبقنا و لم يسعفنا لنكتب عن أنفسنا كما يجب 👌
14 يوماً أخذ مني الكتاب بسبب المرض قرأته على مهل و بتلذذ كبير ، عشتُ آلامها من خلالها و احترقتُ بشرر من نارها و أوجعني أنينها ووحدتها المريرة . جرعة ثقيلة من الألم و الصراخ بين دفتي الكتاب ستجد عزيزي القارئ .
لنقول عنها جزء من سيرة ذاتية للكاتبة المشهورة صاحبة أكبر صالون أدبي وملهمة الكثير من رجال الأدب و الشعر مي زيادة أو إيزيس كوبيا ، يبدأ واسيني الرواية برحلة بحث عن مخطوطة العصفورية المفقودة مابين مصر و لبنان من قبل شخصتين بهدف إتمام كتاب يتحدث عن حياة مي الأخيرة .
من خلال قراءة الليالي التي قاربت الثلاثمئة ليلة في العصفوريّة تلك تصبح على مسافة نَفَسٍ واحد من أنفاس صدرها المتهتك ، تستمع بحرقة لنشيجها و وتحاول بتعاطف و حب كبير مسح ملح دموعها بلمسة خيالية روحانية لربما تعطيها قليلاً من السكينة في مثواها
ألقوها في العصفورية تموت وتحتضر على مهل بحجة مرضها و جنونها حبيبها هو ملهمها جوزيف زيادة تفضح مي خلال أوراقها الأخيرة أهلها و عشيرتها التي اتفقت على ردم تاريخها المجيد و إلحاق العار بنجاحاتها و شهرتها و القبض على مكامن ثروتها و أموالها ، ليكمل مسلسل الخيبة و الألم فظاعة ونسيان أصدقائها لها كمقالة زيارة العقاد الكاذبة لها و تخلي الرافعي وسلامة موسى ولطفي السيد ، أمين الريحاني و ... الخ
"أخيراً دونّتك يا وجعي لأوّل مرّة أجد الجرأة و أتحدّث عن علاقاتي السويّة و غير السويّة بمقاييس الآخرين ، عن محيطي الخادع .هن الناس الذي عرفتهم و عرفوني تحدّثت عن الذين أحببتهم و أحبّوني ، عن الذين ركضوا ورائي حتى تدلّت ألسنتهم .
حكيتُ عن الذين زجوا بي في دهاليز الجنون و جعلوا من العصفوريّة سجناً كبيراً أموت فيه بصمت و لا أحد يسمعني حتى النّفس الأخير . "
رواية عن الانكسار و الخيبة عن خيانة الوطن و الصداقة والحب ، عن خيانة الحياة و سرقة الموت للأحبة ، تفيق مي يوماً ما وحيدة مجردة من دفء أمها و ينهار بعدها حائطها و أبجديتها جبران فيحيط الخوف و الألم بحياتها و يخيم البؤس و التعاسة و لكنها تستنجد بالشخص الخطأ رغماً عن كل العلم و النباهة و الثقافة في الحب تقودنا السذاجة للهاوية دائماً رومانسيتها المتأخرة ألقتها في قاع البئر مجردة من أسلحتها و هويتها و عقلها ..
" أنا مَيْ ، أشهد أنّي لم أكن سهلة . و لست سهلة ، ولن أكون سهلة حتى الموت . امرأة من حيرة و انتظار لا أعرف مؤدّاه ، و خوف من مبهم يسطّره الآخرون لي . "
أنا واثقة شجاعة مَي هي من سحبت واسيني لدائرتها ليكتب عنها فلطالما أبهرته المرأة القوية الشجاعة الشغوفة فما بالك بمقاتلة كمَيْ زيادة قادت ثورتها الفكرية وسط مجتمع مصاب بالانفصام و المازوخية و التخلف للخروج من شرنقة الذل و التعصب الذكوري .
كطائر الفينيق تنهض مي من جديد من رمادها بعد أن غسلت آلامها بالنار و قامت بكب جراحاتها بالجمر وتقول للقتلة و الكاذبين ها أنا من جديد
هذه المرأة أنا ... أنا القوة ... أنا الكلمة ... أنا الفصل
وتنتصر لجهنم التي رسموها لها و مستقبل الجنون الذي رسموه لها حين جاء هذا المصير مرضياً لكوكبة من أصدقائها و شافياً لصدورهم ونفسياتهم المريضة فنقدوها ونبذوها بأبشع طريقة .
" كل ما كان يبدو صداقة في الخارج ، كان يخفي عقداً ذكوريّة لم تمحها للأسف لا الحداثة ، و لا الفكر التقليديّ "
حياة مي التي امتلأت بكل شيء بالنجاح والشهرة والأدب ، بالانكسار و الألم و الفقدان جزءاً من حياتنا العربيّة المقهورة اليوم ، و مطيّةً لنكون شركاء في زمن بدأته هي ، وجيلها بعدها ، بشجاعة ، وسط ذكورة متسلّطة ،خربّتها الحروب و الهزائم والخيانات المتعاظمة و أتمننا نحن كلّ البؤس المؤجّل ، بل مدّدناه أكثر من كسره نهائيّاً ، ومنحناه كل سبل الاستمرار المتخلّف و المتطرّف أيضاً .
الرواية ضربة موجعة في عمق الحداثة المزعومة ، الحداثة المعطوبة المجروحة في العمق ، هزيمة التخلف التي غلبت الثقافة و العلم ، قشور الدين و التحضر .
" لا شيء في هذا الشرق الذي أخفق في كلّ شيء حتى في أن يكون هو . خسر شرقيّته ، و أخفق في أن يكون شرقا" ً
محنة مي لم تكن محنة فردية و لا نسوية فقط هي محنة المثقّف العربي الحالية
"محنتي ليست خاصة. ليست ترفاً بائساً. هى محنة المثقف العربي الذى سكن ويبدو إلى الأبد ازدواجية مقيتة، سترافقه إلى قبره بعد أن قبل بها و استكان لها. يصرخ كما المؤذن على ساحل مهجور، أو أجراس كنيسة ثقيلة، فى الحب، في السياسة، في الاجتماع، وكلما تعلق الأمر بموقف حقيقي وبسيط لا يكلف إلا صدقه حينما يقف أمام المرايا القلقة، انسحب و أصبح غير معني بكل ما قاله وحكاه ."
ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص واحد‏، ‏‏نص‏‏‏
ربما تحتوي الصورة على: ‏شخص واحد‏
 
أعلى