- المشاركات
- 110
- الحلول
- 3
- مستوى التفاعل
- 19
- النقاط
- 18
ليليات رمادة
الليلة الرابعة والعشرون (24)
الليل يتحرك بخوف ووجل. اسمح لي الليلة أن أبوح لك بشيء عن مدينتنا وهي تموت بهدوء وسكينة، ليس بالمرض ولكن ببشر هم المرض نفسه قبل المرض. الناس تعودوا على المرض بعضهم يجابهه بالمزيد من الحذر والبعض الآخر غير معني مطلقا به. يهيم في المدينة بلا قناع أو غطاء او حذر او بقنينة كحول يدوية يفرك بها يديه وأصابعه كلما ضغط على زر أو لامس يدا. في النهاية لا نعرف المصاب من غيره. لقد رفضوا إجراء التحاليل الاختبارية الشاملة، ثم المتابعة، السبب بسيط وهو، من تكون نتيجته اليوم سلبية، قد تكون غدا إيجابية. الأجمل من هذا كله أن المدينة انتقلت إلى الحرب المعلنة، لا نعرف جيدا بين من ومن؟ لكن المؤكد أن هناك في الوسط مصلحة كبيرة، وكبيرة جدا. زمان، كانوا يتقاسمون الغنائم بانتظام ويتركون قليلا يسدون به أفواه الشعب. اليوم، انتهت سنوات الرخاء ودخلنا في الحقيقة المرة: بلا مؤسسات ولا اقتصاد ولا رجال، بعد أن تم عزل أو حتى قتل كل من كان يرى طريقا آخر. حبيبي عذرا، ثرثرت عليك كثيرا. أنت لم تتعود مني هذه اللغة. هناك أشياء تطغى على رغباتنا، لأنه لو عليّ كنت حكيت لك عن يومياتي وتفكيري الكلي فيك، وكيف أني أتشبث بالأمل كي لا أخسرنا. الأمل يحتاج أيضا إلى من يؤمن به ويحميه. تخيل كل الرصاص الذي نسمعه ليلا، قنواتنا الست ولا خبر كأن شيئا لم يكن. القنوات الخاصة عين على الأخبار وعيون على الإعلانات التي تعيش بها كلها، أي منزلق صغير يحرمها منها لأن الدولة هي المالكة للوكالة الوطنية للإشهار. أعلنت قبل يومين، قناة 24 الفرنسية عن مقتل ضابط برتبة جنرال متقاعد، العميد باشا السبعي، الذي اختص في محاربة كارتيل جبل كوكو أو مافيا مدلين كما تسمى هنا. واختطاف صحفي كتب كثيرا عن الكارتيل وعلاقاته مع دول الجوار والحركات الإسلامية التي تنشط في شمال مالي وجنوب ليبيا. كما اغتيل القاضي الذي حقق في قضية 701 عن الكوكايين المهربة عبر الحاويات في موانئ الغرب الكبير. وانتهت بسجن عدد الكبير من المدنيين والعسكريين المتورطين فيها. كما نفذ رئيس الدرك الوطني بأعجوبة من كمين كان مرتبا له سلفا، في منحدرات المنطقة الوسطى، باتجاه ميدلين. وكرد فعل، فقد تم مسح الجزء التحتي من مدلين أو ما يسمى بالغارند مارشي (السوق الكبيرة) حيث كانت العصابات تنشط بسهولة. المكان أصبح شبه مكتسب، يتم فيه تبادل كل شيء ممنوع، ومقايضة الكيف المعالج بالأسلحة، واستلام طلبات ما يريدونه من أعضاء بشرية، كلى، رئات، قلوب، أكباد، أمعاء، طحال وحتى القلوب... في أعالي مدلين تعقد الصفقات داخل مستشفيات متنقلة خاصة يشتغل فيها أطباء متخصصون، يتقاضون رواتب كبيرة إضافة إلى النسب المئوية التي يستلمونها بعد تسليم الأعضاء جاهزة ومهيأة لبعثها نحو الجهة التي طلبتها. تسافر بعض هذه الأعضاء إلى الخارج، لا نعرف كيف وبأية قناة، عبر طائرات خاصة. الأمر شديد الخطورة ومرعب. بعد الهجوم الأخير تمت ضعضعة السوق. الأموات لا يحصون بسبب القصف بالطائرات المتحركة ذاتيا "درون". تم تصوير القصف بكاميرات سرية. أكياس الكوكايين منتشرة في كل مكان، الأجساد المحروقة، الأحمرة والأبقار والأغنام. حتى إسقاط الطائرة الصغيرة التي كانت تستعد للإقلاع نحو جهة مجهولة وعلى متنها مجموعة من قادة كارتل مدلين التحتية، تم تصويره. هناك سوق مدلين العليا التي يلتقي فيها كبار البارونات لعقد الصفقات الكبرى، وكلها فيلات ومسابح جميلة، ولا أحد يقترب منها. ما لمح به بكر لم يكن محض خيال، ولكن له ما يبرره. قال لي في الثلاثة أيام القادمة، سيكون الأمر صعبا لكن كل شيء سيتضح بعدها. أحداث كثيرة ليس هذا وقت الحديث عنها لكنها ستكون صعبة، لأن كارتل كوكو أصبح قوة ضاربة في السلطة ذاتها.
لا تخف عليّ حبيبي، أصبحت قدرية أكثر مما تتخيل. اتعامل مع الحياة كما تأتي. مع فارق بسيط مع غيري من اليائسين: أني ما زلت أحلم بيوم أجمل، وبسماء أصفى، وبرياح أقل، وأني قادرة على إنقاذ أرواح كثيرة.
-1-
كانت سيارتي تتزحلق بنعومة على الطريق الأسفلتي. أسمع برك الماء وهي تتمزق تحت العجلات.
جعلني المطر الناعم أدندن. امتدت يدي نحو الجهاز. ضغطت على الزر؟ ييروما . كأنه سمعني. جاء صوت عزفه مصحوبا بنقرات المطر الخفيف. أسمعه وأتمتم وراء موسيقاه:
إذا كنت تبحثين عن طريق لك وحدك،
لا طريق لك سوي قلبي.
إذا ثقلت عليك الآلام وأصبح من الصعب عليك تحملها،
ثقي فقط في قلبي وضميني... ضميني.
إنه بداخلك، كالنهر يتدفق.
كم أشتهي أن أمنحك كل قلبي،
بحيث أكون معك في كل وقت،
ثم ماذا لو عانقتني لمدة أطول لنصبح واحدا
أنتظرك قليلا فقط لنكون معا... هناك.
ذكرني الجو الممطر وصوت البيانو الناعم، بصديقتي سما، سمكة الساحل الشرقي الجميلة، طالبة دفعتنا، دخلنا معا وتخرجنا معا، وعازفة البيانو الرشيقة. نفس الإيقاعات. كانت عندما تجلس وراء بيانو نادي الطلبة تنسى كل ما يحيط بها، ولا ترى إلا بقلبها. لا تتوقف عن العزف، وكلما عزفت مقطوعة أثيرة على قلبها، بكت. مسحورة دوما بشيء ما تحسه وكلما حاولت لمسه تحلل بين يديها. لهذا عانت من خيبات كثيرة، تبدأ من خيبة لم تفهمها أبدا، سلمت فيها بسهولة، كانت أحيانا تغار منها ومن جمالها الساحر، وحبيب أناني لم يصل يوما إلى عمق قلبها، وخالة كانت الوحيدة التي عرفت سرها الجميل، ومنحتها فرصة أن تدخل الصيدلة، وتتعلم الموسيقى والعزف على البيانو. من أم جزائرية هاجرت إلى سوريا في وقت مبكر، وأب سوري، هاجر مع والده واستقروا بالعاصمة، بعد الانقلاب على نور الدين الأتاسي. كان والده طبيبا، زرع في كل أبنائه وأحفاده هذه المهنة الشريفة التي يصبح الإنسان فيها منقذا للأرواح.
كانت السيارة خفيفة بين يدي ونحن نعبر تحت جسر العشاق الذي تحول إلى كتلة حديدية، صدئت، ينتحر منها العشاق بسبب الخيبات القاسية.
رن تليفوني. رأيت اسم سلمي. سالي.من زمان لم نتواصل.
- لحظة حبيبتي سالي. أوقف السيارة.
حشرت سيارتي على اليمين في زاوية ضيقة.
- لعنة الله على نقابة الزبالة، مجموعة من المستعاشين، في كل مكان هم هم لن يتغيروا أبدا. ويتصرفون بنفس الطريقة
المحسوبية والمصلحية. لا نقابة ولا هم يحزنون. عصابة خطيرة.
الليلة الرابعة والعشرون (24)
الليل يتحرك بخوف ووجل. اسمح لي الليلة أن أبوح لك بشيء عن مدينتنا وهي تموت بهدوء وسكينة، ليس بالمرض ولكن ببشر هم المرض نفسه قبل المرض. الناس تعودوا على المرض بعضهم يجابهه بالمزيد من الحذر والبعض الآخر غير معني مطلقا به. يهيم في المدينة بلا قناع أو غطاء او حذر او بقنينة كحول يدوية يفرك بها يديه وأصابعه كلما ضغط على زر أو لامس يدا. في النهاية لا نعرف المصاب من غيره. لقد رفضوا إجراء التحاليل الاختبارية الشاملة، ثم المتابعة، السبب بسيط وهو، من تكون نتيجته اليوم سلبية، قد تكون غدا إيجابية. الأجمل من هذا كله أن المدينة انتقلت إلى الحرب المعلنة، لا نعرف جيدا بين من ومن؟ لكن المؤكد أن هناك في الوسط مصلحة كبيرة، وكبيرة جدا. زمان، كانوا يتقاسمون الغنائم بانتظام ويتركون قليلا يسدون به أفواه الشعب. اليوم، انتهت سنوات الرخاء ودخلنا في الحقيقة المرة: بلا مؤسسات ولا اقتصاد ولا رجال، بعد أن تم عزل أو حتى قتل كل من كان يرى طريقا آخر. حبيبي عذرا، ثرثرت عليك كثيرا. أنت لم تتعود مني هذه اللغة. هناك أشياء تطغى على رغباتنا، لأنه لو عليّ كنت حكيت لك عن يومياتي وتفكيري الكلي فيك، وكيف أني أتشبث بالأمل كي لا أخسرنا. الأمل يحتاج أيضا إلى من يؤمن به ويحميه. تخيل كل الرصاص الذي نسمعه ليلا، قنواتنا الست ولا خبر كأن شيئا لم يكن. القنوات الخاصة عين على الأخبار وعيون على الإعلانات التي تعيش بها كلها، أي منزلق صغير يحرمها منها لأن الدولة هي المالكة للوكالة الوطنية للإشهار. أعلنت قبل يومين، قناة 24 الفرنسية عن مقتل ضابط برتبة جنرال متقاعد، العميد باشا السبعي، الذي اختص في محاربة كارتيل جبل كوكو أو مافيا مدلين كما تسمى هنا. واختطاف صحفي كتب كثيرا عن الكارتيل وعلاقاته مع دول الجوار والحركات الإسلامية التي تنشط في شمال مالي وجنوب ليبيا. كما اغتيل القاضي الذي حقق في قضية 701 عن الكوكايين المهربة عبر الحاويات في موانئ الغرب الكبير. وانتهت بسجن عدد الكبير من المدنيين والعسكريين المتورطين فيها. كما نفذ رئيس الدرك الوطني بأعجوبة من كمين كان مرتبا له سلفا، في منحدرات المنطقة الوسطى، باتجاه ميدلين. وكرد فعل، فقد تم مسح الجزء التحتي من مدلين أو ما يسمى بالغارند مارشي (السوق الكبيرة) حيث كانت العصابات تنشط بسهولة. المكان أصبح شبه مكتسب، يتم فيه تبادل كل شيء ممنوع، ومقايضة الكيف المعالج بالأسلحة، واستلام طلبات ما يريدونه من أعضاء بشرية، كلى، رئات، قلوب، أكباد، أمعاء، طحال وحتى القلوب... في أعالي مدلين تعقد الصفقات داخل مستشفيات متنقلة خاصة يشتغل فيها أطباء متخصصون، يتقاضون رواتب كبيرة إضافة إلى النسب المئوية التي يستلمونها بعد تسليم الأعضاء جاهزة ومهيأة لبعثها نحو الجهة التي طلبتها. تسافر بعض هذه الأعضاء إلى الخارج، لا نعرف كيف وبأية قناة، عبر طائرات خاصة. الأمر شديد الخطورة ومرعب. بعد الهجوم الأخير تمت ضعضعة السوق. الأموات لا يحصون بسبب القصف بالطائرات المتحركة ذاتيا "درون". تم تصوير القصف بكاميرات سرية. أكياس الكوكايين منتشرة في كل مكان، الأجساد المحروقة، الأحمرة والأبقار والأغنام. حتى إسقاط الطائرة الصغيرة التي كانت تستعد للإقلاع نحو جهة مجهولة وعلى متنها مجموعة من قادة كارتل مدلين التحتية، تم تصويره. هناك سوق مدلين العليا التي يلتقي فيها كبار البارونات لعقد الصفقات الكبرى، وكلها فيلات ومسابح جميلة، ولا أحد يقترب منها. ما لمح به بكر لم يكن محض خيال، ولكن له ما يبرره. قال لي في الثلاثة أيام القادمة، سيكون الأمر صعبا لكن كل شيء سيتضح بعدها. أحداث كثيرة ليس هذا وقت الحديث عنها لكنها ستكون صعبة، لأن كارتل كوكو أصبح قوة ضاربة في السلطة ذاتها.
لا تخف عليّ حبيبي، أصبحت قدرية أكثر مما تتخيل. اتعامل مع الحياة كما تأتي. مع فارق بسيط مع غيري من اليائسين: أني ما زلت أحلم بيوم أجمل، وبسماء أصفى، وبرياح أقل، وأني قادرة على إنقاذ أرواح كثيرة.
-1-
كانت سيارتي تتزحلق بنعومة على الطريق الأسفلتي. أسمع برك الماء وهي تتمزق تحت العجلات.
جعلني المطر الناعم أدندن. امتدت يدي نحو الجهاز. ضغطت على الزر؟ ييروما . كأنه سمعني. جاء صوت عزفه مصحوبا بنقرات المطر الخفيف. أسمعه وأتمتم وراء موسيقاه:
إذا كنت تبحثين عن طريق لك وحدك،
لا طريق لك سوي قلبي.
إذا ثقلت عليك الآلام وأصبح من الصعب عليك تحملها،
ثقي فقط في قلبي وضميني... ضميني.
إنه بداخلك، كالنهر يتدفق.
كم أشتهي أن أمنحك كل قلبي،
بحيث أكون معك في كل وقت،
ثم ماذا لو عانقتني لمدة أطول لنصبح واحدا
أنتظرك قليلا فقط لنكون معا... هناك.
ذكرني الجو الممطر وصوت البيانو الناعم، بصديقتي سما، سمكة الساحل الشرقي الجميلة، طالبة دفعتنا، دخلنا معا وتخرجنا معا، وعازفة البيانو الرشيقة. نفس الإيقاعات. كانت عندما تجلس وراء بيانو نادي الطلبة تنسى كل ما يحيط بها، ولا ترى إلا بقلبها. لا تتوقف عن العزف، وكلما عزفت مقطوعة أثيرة على قلبها، بكت. مسحورة دوما بشيء ما تحسه وكلما حاولت لمسه تحلل بين يديها. لهذا عانت من خيبات كثيرة، تبدأ من خيبة لم تفهمها أبدا، سلمت فيها بسهولة، كانت أحيانا تغار منها ومن جمالها الساحر، وحبيب أناني لم يصل يوما إلى عمق قلبها، وخالة كانت الوحيدة التي عرفت سرها الجميل، ومنحتها فرصة أن تدخل الصيدلة، وتتعلم الموسيقى والعزف على البيانو. من أم جزائرية هاجرت إلى سوريا في وقت مبكر، وأب سوري، هاجر مع والده واستقروا بالعاصمة، بعد الانقلاب على نور الدين الأتاسي. كان والده طبيبا، زرع في كل أبنائه وأحفاده هذه المهنة الشريفة التي يصبح الإنسان فيها منقذا للأرواح.
كانت السيارة خفيفة بين يدي ونحن نعبر تحت جسر العشاق الذي تحول إلى كتلة حديدية، صدئت، ينتحر منها العشاق بسبب الخيبات القاسية.
رن تليفوني. رأيت اسم سلمي. سالي.من زمان لم نتواصل.
- لحظة حبيبتي سالي. أوقف السيارة.
حشرت سيارتي على اليمين في زاوية ضيقة.
- هلا سالي كيفك.
- أينك أنت في هذا العالم. من وفاة يما زهرة الله يرحمها، ما سمعت صوتك. فحص الأبوة بطلت؟
- يا مجنونة كيف نبطل؟ قلت لي لازم أربعة شهور فما فوق.
- حبيت نبشرك. جاءتني هجرة إلى أستراليا. روحة بلا عودة هههه.
- مش قلت لي كندا. وحسن؟
- كندا أتعبوني جدا. وعلى كل حال الملف عندهم. أستراليا سبقت خلاص. أما صاحبك حسن، تزوج نهائيا وأنجب بنتا
- لعنة الله على نقابة الزبالة، مجموعة من المستعاشين، في كل مكان هم هم لن يتغيروا أبدا. ويتصرفون بنفس الطريقة
المحسوبية والمصلحية. لا نقابة ولا هم يحزنون. عصابة خطيرة.