ليليات رمادة الليلة الرابعة والعشرون (24) لواسيني الاعرج

الناقد الجزائري

عضو نشيط جدا
المشاركات
110
الحلول
3
مستوى التفاعل
19
النقاط
18
ليليات رمادة
الليلة الرابعة والعشرون (24)

الليل يتحرك بخوف ووجل. اسمح لي الليلة أن أبوح لك بشيء عن مدينتنا وهي تموت بهدوء وسكينة، ليس بالمرض ولكن ببشر هم المرض نفسه قبل المرض. الناس تعودوا على المرض بعضهم يجابهه بالمزيد من الحذر والبعض الآخر غير معني مطلقا به. يهيم في المدينة بلا قناع أو غطاء او حذر او بقنينة كحول يدوية يفرك بها يديه وأصابعه كلما ضغط على زر أو لامس يدا. في النهاية لا نعرف المصاب من غيره. لقد رفضوا إجراء التحاليل الاختبارية الشاملة، ثم المتابعة، السبب بسيط وهو، من تكون نتيجته اليوم سلبية، قد تكون غدا إيجابية. الأجمل من هذا كله أن المدينة انتقلت إلى الحرب المعلنة، لا نعرف جيدا بين من ومن؟ لكن المؤكد أن هناك في الوسط مصلحة كبيرة، وكبيرة جدا. زمان، كانوا يتقاسمون الغنائم بانتظام ويتركون قليلا يسدون به أفواه الشعب. اليوم، انتهت سنوات الرخاء ودخلنا في الحقيقة المرة: بلا مؤسسات ولا اقتصاد ولا رجال، بعد أن تم عزل أو حتى قتل كل من كان يرى طريقا آخر. حبيبي عذرا، ثرثرت عليك كثيرا. أنت لم تتعود مني هذه اللغة. هناك أشياء تطغى على رغباتنا، لأنه لو عليّ كنت حكيت لك عن يومياتي وتفكيري الكلي فيك، وكيف أني أتشبث بالأمل كي لا أخسرنا. الأمل يحتاج أيضا إلى من يؤمن به ويحميه. تخيل كل الرصاص الذي نسمعه ليلا، قنواتنا الست ولا خبر كأن شيئا لم يكن. القنوات الخاصة عين على الأخبار وعيون على الإعلانات التي تعيش بها كلها، أي منزلق صغير يحرمها منها لأن الدولة هي المالكة للوكالة الوطنية للإشهار. أعلنت قبل يومين، قناة 24 الفرنسية عن مقتل ضابط برتبة جنرال متقاعد، العميد باشا السبعي، الذي اختص في محاربة كارتيل جبل كوكو أو مافيا مدلين كما تسمى هنا. واختطاف صحفي كتب كثيرا عن الكارتيل وعلاقاته مع دول الجوار والحركات الإسلامية التي تنشط في شمال مالي وجنوب ليبيا. كما اغتيل القاضي الذي حقق في قضية 701 عن الكوكايين المهربة عبر الحاويات في موانئ الغرب الكبير. وانتهت بسجن عدد الكبير من المدنيين والعسكريين المتورطين فيها. كما نفذ رئيس الدرك الوطني بأعجوبة من كمين كان مرتبا له سلفا، في منحدرات المنطقة الوسطى، باتجاه ميدلين. وكرد فعل، فقد تم مسح الجزء التحتي من مدلين أو ما يسمى بالغارند مارشي (السوق الكبيرة) حيث كانت العصابات تنشط بسهولة. المكان أصبح شبه مكتسب، يتم فيه تبادل كل شيء ممنوع، ومقايضة الكيف المعالج بالأسلحة، واستلام طلبات ما يريدونه من أعضاء بشرية، كلى، رئات، قلوب، أكباد، أمعاء، طحال وحتى القلوب... في أعالي مدلين تعقد الصفقات داخل مستشفيات متنقلة خاصة يشتغل فيها أطباء متخصصون، يتقاضون رواتب كبيرة إضافة إلى النسب المئوية التي يستلمونها بعد تسليم الأعضاء جاهزة ومهيأة لبعثها نحو الجهة التي طلبتها. تسافر بعض هذه الأعضاء إلى الخارج، لا نعرف كيف وبأية قناة، عبر طائرات خاصة. الأمر شديد الخطورة ومرعب. بعد الهجوم الأخير تمت ضعضعة السوق. الأموات لا يحصون بسبب القصف بالطائرات المتحركة ذاتيا "درون". تم تصوير القصف بكاميرات سرية. أكياس الكوكايين منتشرة في كل مكان، الأجساد المحروقة، الأحمرة والأبقار والأغنام. حتى إسقاط الطائرة الصغيرة التي كانت تستعد للإقلاع نحو جهة مجهولة وعلى متنها مجموعة من قادة كارتل مدلين التحتية، تم تصويره. هناك سوق مدلين العليا التي يلتقي فيها كبار البارونات لعقد الصفقات الكبرى، وكلها فيلات ومسابح جميلة، ولا أحد يقترب منها. ما لمح به بكر لم يكن محض خيال، ولكن له ما يبرره. قال لي في الثلاثة أيام القادمة، سيكون الأمر صعبا لكن كل شيء سيتضح بعدها. أحداث كثيرة ليس هذا وقت الحديث عنها لكنها ستكون صعبة، لأن كارتل كوكو أصبح قوة ضاربة في السلطة ذاتها.
لا تخف عليّ حبيبي، أصبحت قدرية أكثر مما تتخيل. اتعامل مع الحياة كما تأتي. مع فارق بسيط مع غيري من اليائسين: أني ما زلت أحلم بيوم أجمل، وبسماء أصفى، وبرياح أقل، وأني قادرة على إنقاذ أرواح كثيرة.

-1-

كانت سيارتي تتزحلق بنعومة على الطريق الأسفلتي. أسمع برك الماء وهي تتمزق تحت العجلات.
جعلني المطر الناعم أدندن. امتدت يدي نحو الجهاز. ضغطت على الزر؟ ييروما . كأنه سمعني. جاء صوت عزفه مصحوبا بنقرات المطر الخفيف. أسمعه وأتمتم وراء موسيقاه:

إذا كنت تبحثين عن طريق لك وحدك،
لا طريق لك سوي قلبي.
إذا ثقلت عليك الآلام وأصبح من الصعب عليك تحملها،
ثقي فقط في قلبي وضميني... ضميني.
إنه بداخلك، كالنهر يتدفق.

كم أشتهي أن أمنحك كل قلبي،
بحيث أكون معك في كل وقت،
ثم ماذا لو عانقتني لمدة أطول لنصبح واحدا
أنتظرك قليلا فقط لنكون معا... هناك.

ذكرني الجو الممطر وصوت البيانو الناعم، بصديقتي سما، سمكة الساحل الشرقي الجميلة، طالبة دفعتنا، دخلنا معا وتخرجنا معا، وعازفة البيانو الرشيقة. نفس الإيقاعات. كانت عندما تجلس وراء بيانو نادي الطلبة تنسى كل ما يحيط بها، ولا ترى إلا بقلبها. لا تتوقف عن العزف، وكلما عزفت مقطوعة أثيرة على قلبها، بكت. مسحورة دوما بشيء ما تحسه وكلما حاولت لمسه تحلل بين يديها. لهذا عانت من خيبات كثيرة، تبدأ من خيبة لم تفهمها أبدا، سلمت فيها بسهولة، كانت أحيانا تغار منها ومن جمالها الساحر، وحبيب أناني لم يصل يوما إلى عمق قلبها، وخالة كانت الوحيدة التي عرفت سرها الجميل، ومنحتها فرصة أن تدخل الصيدلة، وتتعلم الموسيقى والعزف على البيانو. من أم جزائرية هاجرت إلى سوريا في وقت مبكر، وأب سوري، هاجر مع والده واستقروا بالعاصمة، بعد الانقلاب على نور الدين الأتاسي. كان والده طبيبا، زرع في كل أبنائه وأحفاده هذه المهنة الشريفة التي يصبح الإنسان فيها منقذا للأرواح.
كانت السيارة خفيفة بين يدي ونحن نعبر تحت جسر العشاق الذي تحول إلى كتلة حديدية، صدئت، ينتحر منها العشاق بسبب الخيبات القاسية.
رن تليفوني. رأيت اسم سلمي. سالي.من زمان لم نتواصل.
- لحظة حبيبتي سالي. أوقف السيارة.
حشرت سيارتي على اليمين في زاوية ضيقة.
  • هلا سالي كيفك.
  • أينك أنت في هذا العالم. من وفاة يما زهرة الله يرحمها، ما سمعت صوتك. فحص الأبوة بطلت؟
  • يا مجنونة كيف نبطل؟ قلت لي لازم أربعة شهور فما فوق.
  • حبيت نبشرك. جاءتني هجرة إلى أستراليا. روحة بلا عودة هههه.
  • مش قلت لي كندا. وحسن؟
  • كندا أتعبوني جدا. وعلى كل حال الملف عندهم. أستراليا سبقت خلاص. أما صاحبك حسن، تزوج نهائيا وأنجب بنتا
أخرى عوضته عن سارة، التي بدأت تكبر بسرعة. وكلما كلمتها عن والدها، صرخت: ما نحبش نشوفو. مش قلت لي استراليا هي أبعد نقطة في الدنيا. خلاص، لن يجدنا هناك. أنا تعبت ولا أريد لابنتي قدرا بائسا كقدري. وحتى صاحب المخبر باعه، والمشتري يريد أن يخفف من اليد العاملة، وأنا أعمل بالساعات، سأكون من أوائل المطرودين. يعدون قائمة المطرودين وأنا من ضمنها. ونقابتنا تريد المحافظة على العمال الرسميين، وأنا لست رسمية، وكلهم عائلات كبيرة، بينما أنا أعيش مع ابنتي فقط. تخيلي منطق هذه البلاد. على كل كيفما كانت، أستراليا لن تكون أسوأ من بلادنا. وكلما حكيت لشخص أني ذاهبة لسيدني حسدني بعينيه.
- لعنة الله على نقابة الزبالة، مجموعة من المستعاشين، في كل مكان هم هم لن يتغيروا أبدا. ويتصرفون بنفس الطريقة
المحسوبية والمصلحية. لا نقابة ولا هم يحزنون. عصابة خطيرة.
 

الناقد الجزائري

عضو نشيط جدا
المشاركات
110
الحلول
3
مستوى التفاعل
19
النقاط
18
  • المهم حبيبتي. لازم نشوف بعض وأعمل تحليل. شوي صعب لأني سأدخل إبرة طويلة في بطنك وعليك أن تكوني صبورة، وإلا سنفسد كل شيء.
  • سأحاول. تعرفين أحيانا أقول لماذا تكْسَار الرأس؟ في العرف هارون هو ابن كريم. وهذا يريحني. لا أحد من المحيط القريب يزعجني. في قلبي وقلب شادي هو ابننا، لماذا نتعب أنفسنا في الركض وراء شيء قد يكون جرحا قاتلا.
  • يا ريت تفكرين كذلك. أنا معك بكلي. على كل خليني آخذ العينة، وبعدها الفحص ليس إشكالا. نحتفظ به، ويوم تقررين لن يكون أي إشكال.
  • على أي نلتقي ونحكي. حقيقي لم يعد الموضوع يشغلني كما كان.
ثم صمتت قليلا وسمعت نشيجا في الخلفية. أحسست أنها كانت تبكي.
  • حبيبتي سالي؟ ماذا حدث؟ سارة بخير؟
  • بخير يا غالية. في الحقيقية أحببت أن أخبرك خبرا سيئا. عن سما
  • شكون سما؟ عازفة البيانو. والله قبل لحظات كنت أسمع ييروما وتذكرتها ونحن في الحي الجامعي وهي وراء البيانو
بشعرها الأشقر الناعم الطويل، وهي تعزف النهر يدفق بداخلك River flows in you.
  • بالضبط. المهبولة التي كانت تموت على البيانو.
  • هذا الوباء قتلنا وفصل كليا بيننا. كانت تسأل كثيرا وتتلفن من حين لآخر. سألتها عن البيانو في مرة من المرات، فضحكت طويلا وقال: واش خاصك يا العمياء، خاصني الكحل يا لالة هههه ثم تغرق في ضحكة طويلة. أنا بطالة درجة أولى. ثم وجدت عملا في مدينة زوجها. فأصبح التواصل شبه مستحيل. المهم إن شاء الله خير؟
  • توفيت بكرونا قبل يومين. لم أعرف إلا هذا الصباح من أحد أصدقاء الدفعة ياسين. كتب عنها نصا جميلا أبكاني. فقد لخص مأساتها. أبنها كمحب وليس كشخص عادي.
  • ماذا قال. هو كان يحبها، لكنه لم يكن يريد الزواج.
  • " سما العالية. سما الهاربة نحو التيه. ماذا كان يضرك لو أخبرت قلبي الموجوع فقط. ها أنا ذا استعيدك من ركام
الأيام المحروقة، وأكتب عنك. مواطنة بسيطة كما الملايين، لولا الموت الظالم لما ذكرك أحد، ولما انتبه لقلبك الطيب إلا من يشبهك. أكتب عن واحدة من بين آلاف الطبيبات والأطباء والممرضات والممرضين والمسعفات والمسعفين، الذين يموتون يوميا في صمت وهم يؤدون واجبهم اليومي. ويواجهون مأساة فيروس كورونا بصبر وشجاعة، وأحيانا بدون كمامات ولا أقنعة طبية حقيقية، بينما فيالق الجهلة والغوغاء يتقاتلون على الزلابية، وألبسة العيد، ويتدافعون في الأسواق على الفراغ، ويحفرون قبورا عميقة ليس لهم فقط، ولكن لذويهم أيضا. بأية لغة أتحدث عنك يا سما؟ بلغة الأرض التي لم تعد تكفي للتعبيرعن تراب مريض، بلغة الماضي الذي جمعنا ثم رمانا كل واحد في مدار، أم بلغة الحاضر حيث لا شيء سوى غيمة سوداء التصقت بالسماء ولم تمطر أبدا؟ بلغة الأقدار، من يعرف سرها والخديعات التي تتبطنها؟ موتك ليس قدرا هاربا يا قديسة سما، ولكنه قدر وراءه مسؤولية أفراد. الذين سجنوك هناك، في مصلحة مرضى كورونا وأنت حامل، في شهرك الثامن. وضعوك في فوهة الموت، ونسوك هناك، كمن ينسى حقيبة لم تعد ألبستها صالحة. كنت أعرف أن الوضعية الصحية في بلادنا كارثية. وأن العصابة عاثت فسادا بنهبها الكلي، وأن المسؤول على قطاعها نفسه لا يؤمن بها. كلما سعل أحدهم، أفردت له طائرة خاصة تأخذه باتجاه أوروبا، أو أمريكا، أو آسيا، على حساب دولة شاخت في وقت مبكر، ومال سرق قبل أن يصل إلى البنوك الوطنية، بينما يموت الزوالية عند أبواب المستشفيات. أعرف أيضا أن الطبيب الذي يموت اليوم، بشكل مفجع، قبل أقل من سنة ضربوه وسحبوه على بطنه في الشوارع والطرقات العامة، وأدخلوه إلى السجون، لأنه خرج ينادي بضرورة الإصلاح الصحي ورفع المظالم. هكذا كان منطق العصابة وما يزال. أبكيك يا سما هذا المساء وأنت تموتين وحيدة، في عزلة اليائس، بشكل ظالم وكان يمكن إنقاذك بقليل من التفهم لوضعك الصحي.
ماذا كان يكلفهم أن يمنحوك عطلة أمومة أمرت بها قوانين البلاد؟ أي قانون حقير لا يرحم امرأة على أبواب الموت؟
أو على الأقل أن يغيروك نحو مصلحة أخرى دون مقايضة مالية؟ أو أن يستجيبوا لتضرعات زميلاتك وزملائك الذين تطوعوا لتعويضك. أبكيك يا سما، وأنت تنسحبين من هذه الدنيا مثقلة بجنين عمره ثمانية أشهر، لا ذنب له سوى أنه جاء في زمن لم يكن مطلقا له. زمن موبوء صنعوه هم ثم اختفوا في العواصم الأجنبية، وسجون الخمسة نجوم. أبكيك، لأني لا افهم كيف يموت إنسان مليء بالحياة في هذا العمر؟ في 28 سنة يا سما نحلم بعالم أجمل مليء بالألوان والنور والشمس والأسفار، وحب الحياة، وسلة أطفال معشقة بالورود. في هذا العمر يا سما، ينسحب الموت من طريقنا لأننا نملك الطاقة والحب الكبيرين لكسره وتقويض سلطانه. أبكيك لأني أعرف جيدا كيف سيكون قتلتك غدا؟ ربما الليلة، سيبرئ المسؤولون عن قتلك ساحتهم، وسيقولون إنك اخترت العمل في أجنحة الموت، فهم لا يملكون حتى جرأة الاعتراف بما اقترفوا. أبكيك يا سما لأن وزير الصحة وسدنته، ليسوا أكثر من دراويش يضربون خط الرمل، ويقرؤون في صفحات الغيب، لكي يزول فيروس كورونا بدل الحجر الصحي الكلي الذي كان بإمكانه أن ينقذ البلاد ويريحها وقتا كبيرا. ما في الأفق، ستكون عواقبه بلا حدود. أبكيك يا سما وأنت تودعين ابنتك الوحيدة وتوصين عليها عمتها للاهتمام بها لأنك بحاسة الأمومة المسروقة كنت تعرفين أنك لن تعودي هذه المرة إلى بيتك، ولن تضمي ابنتك إلى صدرك المجروح كما تفعل الطيور العائدة من رحلة المبهم. أبكيك لأنك كان يمكن أن تكوني اليوم حبيبتي التي فيّ، أو زوجتي لو كنتُ رجلا صالحا مؤمنا بالزوجية، أو حتى أختي التي تفخر بها العائلة لأنها تخطت كل العقبات وأنهت دراستها بإرادة من حديد.

كنت في الإسعافات، أي العلاقة المباشرة مع الموت الحامل لكل الأخطار. أبكيك لأنك أنت أيضا كنت في حاجة إلى من يسعفك في شهرك الثامن، ولم ينتبه لخوفك أحد. أبكيك لأنك تعرفين أن المخاطر كبيرة، لأنك كنت مؤمنة بما تفعلين، بينما كان زبانية الإدارة يتضاحكون خلف الأبواب من وفائك لعملك. أبكيك يا سما، لأنك في الوقت الذي كنت تمنحين فيه الحياة لكل من كان في حاجة إلى ساعديك وقلبك ولطفك، كانوا يمنحونك وساما وطنيا من درجة الاستحقاق الأولى، اسمه وسام الشهادة. لم تكوني في حاجة لذلك في هذا العمر. أبكيك لأنك أديت واجبك الطبي، وكنت في مستوى قسمك، لكنهم بدل أن يريحوك قليلا، راحوا يقايضونك في أيام العمل والاستراحة.
أدين اللحظة التي سرقت منك عمرا مشرقا في ريعان الشباب والجمال.
أدين اليد التي لم تسحبك من موت شب في فيك، ولم تسعفك.
أدينهم جميعا، من أكبرهم لأصغرهم، بكل ما أملك من طاقة، لأنهم قتلوك قبل فيروس كورونا. كيف يمكن لطبيبة حامل، في شهرها الثامن، أن توضع في قسم الإسعافات، حتى ولو أرادت ذلك، وهي بلا مناعة؟
أدين الذين أسعفتهم بكل ما تملكين من طاقة، وعندما انكسرت وقفوا يتفرجون على موتك وكأن الأمر لا يعنيهم.
أدينهم جميعا بلا استثناء، لأنهم قتلوا طبيبة سخرت عمرها للخير وإسعاف المحتاج، قتلوا أمّا كانت تنتظر ابنها الثاني لتسعد عائلتها بالحلم الممكن في ظل هذا الرماد، قتلوا زوجة هدفها الأسمى أن تسعد كل من يحيط بها وتمنح الجميع السكينة والحب، يتّموا طفلة صغيرة تعد الأيام في انتظار عودة أمها، قتلوا جنينا بريئا خطؤه الأوحد أنه جاء في زمن رمادي لم يكن له، زمن صنعوه هم، ثم هربوا بعيدا يتأملون مشهد حرائق وطن فصّلوه على مقاسهم. نهبوه ثم تركوه هيكلا عظميا.
أدينهم بلا هوادة، لأنه اليوم أو ربما غدا، سيبكونك بدموع التماسيح، وسينتقل الوزير بحاشية الكذابين، إلى عين المكان، ويصدر قرارا بإقالة المدير، أو أحد أعوانه، لكن في النهاية سينسحبون وينسونك في العتبة. فمن يرجع اليوم سما وجنينها إلى ابنتها وعائلتها؟
سيصورهم التليفزيون وهم يرفعون الإبهام تهديدا، ضد كل من تسول له نفسه بتخطي قوانين الجمهورية وأوامر الرئيس؟
ثم يغلق ملفك نهائيا، كما الملفات التي سبقته.
أبكيك يا سما وأنا لا أعرفك، ولم أرك، ولم نلتق، إلا بقلبي وكل جوارحي، لأني في هذا المساء أشعر كأني فقدت أقرب إنسان لدي، في العائلة، حبيبتي، صديقتي، أمي، أختي، ابنتي التي لم أرزق بها.
أبكيك لأني لا أملك إلا صراخي وكلماتي.
لروحك الرحمة والسلام ولقلبك الكبير كل السكينة.
نامي يا سما، جنينك سيكبر فيك هناك، لم تعودي في حاجة إلى أحد."
- يا الله. مسكين ياسين كان يحبها لهذا كلامه جاء من قلب محروق. هي اختارت طريق الزواج وهو اختار الحرية
المطلقة، الصحافة، ولما ضاقت عليه انتقل إلى الكتابة. كل المصائر في هذه البلاد تراجيدية.
- كان صادقا. قتلوها.
فجأة سمعتُ دقا على زجاج السيارة. شرطي بلباسه الأبيض المضاد للمطر. وجه جميل كانت المياه تجعله ينزلق على الزجاج، لم تخف أناقته الكمامة. فتحت الزجاج. كانت الدموع تملأ عيني. كان من الصعب علي مسحها.
نظر إلى وجهي. أخرج علبة محارم من جيبه، وقدمها لي. انتبهت إلى أنه كان يلبس قفازا أيضا.
  • خير أختي إن شاء الله ما فيه ضرر؟ تحتاجين إلى مساعدة؟
  • خير خويا. يرحم والديك. شكرا. صاحبتي ماتت بالكورونا.
  • ربي يرحمها ويوسع عليها. هذا وقتنا وهذا حقنا أيضا في الأوبئة. في الأسبوع الماضي فقدت أخي وزوجته وابنته
الكبرى وترك وراءه أربعة أطفال ثلاث بنات وولد. 15، 13، 10، 6 بقيت نشوف فيهم وأتساءل كيف سيكون مصيرهم وماذا سنفعل لهم؟ أنا الوحيد من يعمل في العائلة كلها. الوالدان في آخر العمر. بكيت مثلك حتى طاب قلبي وبعدها بدأت أفكر في ابنتي وأبناء أخي. الدنيا واعرة وتضيق أكثر عندما يغيب الحق فيها.
  • ربي يرحمهم ويعطيك الصبر. قلبي وجعني بزاف.
  • الكل قلبنا يوجعنا. هذا وباء يا سيدتي.
ثم انتبه فجأة إلى إشعار السيارة على الزجاج الأمامي.
  • طبيبة. الأكيد مرت عليك المحن الكثيرة.
  • في الوقت الحالي أعمل مع مخبر باستور، الحمد لله بالتنسيق مع مخبري.
  • كيف تشوفي الحالة. تهولنا يا أختي.
  • يا خويا ربي يجيب الخير. لكن الأطباء يجمعون أنه لو راحوا للحجر الكلي لكان الوضع أفضل. شعبنا صعب ويحتاج
إلى ثقافة مدنية كبيرة تعلمه كيف يواجه المصاعب.
- المهم ربي يحفظك. ويصبرك.
ثم انسحب نحو تنظيم حركة المرور. أعتقد أنه جاء باتجاهي ليقول لي تحركي أختي من فضلك، هذا ليس مكان توقيف السيارات، لكنه لما رأى وضعي البائس، انسحب دون أن يزعجني.

مسحت دمعي بعلبة المحارم التي وضعها الشرطي في يدي. ثم حاولت أن أخرج سيارتي من الزاوية الضيقة التي وضعتها فيها. كنت سعيدة بالشرطي. لم يكن يشبه في شيء شريف. كان أقرب إلى كمال الطيب. لا نحتاج إلى هزات كبيرة لنفرح، لمسة صغيرة تكفي، يمكنها أن ترفعنا إلى السماء، وكلمة يمكن أن تدفننا تحت الأرض.
اعتذرت لسالي ووعدتها بالاتصال بها فور وصولي إلى المخبر.
واصلت محاولاتي لإخراج السيارة، لكن حركة المرور كانت قوية.
أخذتني حشرجة في حلقي، لم أستطع مقاومتها. في أي عالم نحن، ومع أية مخلوقات كارثية متخلفة نحن. لم أستطع أن أتحكم في دمعي.
رآني الشرطي في تلك الوضعية الصعبة، أوقف حركة المرور، وأفسح لي الطريق براحة. سمعت صوته وهو يؤشر بعصاه البيضاء التي رفعها عاليا.
ثم أنزلت زجاج السيارة:
- شكرا خويا...
 

الناقد الجزائري

عضو نشيط جدا
المشاركات
110
الحلول
3
مستوى التفاعل
19
النقاط
18
- علي. بابا كان يحب علي بن ابي طالب.
لم أمسك نفسي من الضحك، على الرغم من جرح القلب.
  • وأنا بابا كان يحب عمر بن الخطاب.
  • سماك عمر؟؟؟ هههههه
رأيته يضحك من قلبه.
  • لا لا... سماني رمادة على عام الرماد مع الطاعون، المجاعة والميزرية الكحلة.ههههه، لكن الناس ينادونني راما.
  • ربي يحفظك راما. شي مرة نجيك أنا والمدام نديروا التحاليل عندك.
  • مرحبا خويا علي.
زحلقت في كفه بطاقتي، ثم انطلقت باتجاه العيادة.

-2-

من تعب المدينة إلى تعب التحاليل، دخلت أخيرا إلى بيتي.
كنت منهكة لكني سعيدة قليلا. عمل جمال ديكو كان رائعا. لقد عرف كيف يضع كل قطعة في مكانها. الخزانة بالداخل، قال إنها حميمية ولا تتحمل رؤى البشر الكثيرة. من خشب يجرح بسرعة. المرفع معبر الهشاشات الجميلة التي تعطي إحساسا جميلا عن الإنسان الذي يسكن في هذا البيت. وضعه في البهو. أما صورة البوسفور، التي ألححت عليها، فقد وضعها داخل إطار أزرق جميل قال إنه سيغيره لاحقا بما هو أجمل. وضعه في صدر الصالون لا يمكن لأي ضيف ألا يراه. فبدت أمي أجمل. كانت تشبه لبهار في أناقتها بشعرها بما كانت تلبس. أكثر من هذا كله اليد التي أخذت تلك الصورة كانت شديدة الشاعرية بروح جميلة.
قلت لبهار التي كانت أول الواصلين.
  • ألم تلحظي شيئا في أمي؟
  • كل ما فيها يصرخ بي. أشبهها بشكل غريب. الفرق الوحيد أن أمي قمعت في وقت مبكر، وأنا رفضت تبعية الرجال، والظروف والمجتمع والدين كما اشتهوا تفسيره.
  • تشبهك كثيرا. المهم فكرة محل الحاج قوار ماشية. أمامنا ثلاثة أيام لننهي معه الصفقة، وهكذا تصبحين في منأى عن مزاج والدك وزوجته نور.
  • لكن كثير عليك أختي.
  • أعرف حماسك. ثم إن تجارتك اتسعت، ويمكنك أن توسعيه كما تشائين.
  • حتى نكون عادلين، ندخل شركاء، علي العمل وعليك المكان.
  • اللي يريحك. لكنه محلك افعلي به ما تشائين.

ساعدتني بهار في تجهيز العشاء. يدها مثل يد أمي: بنينة وطيبة.
أعرف أن أخي يحب الجلبان بالقرنون. بينما الدكتور افترضت أنه يحب اللحم المشوي والسلاطة الخفيفة. بينما الباقي المقبلات وعدتني بها شالا وبكر، من مطعمهم.
كنا في المطبخ عندما وصلت شالا دون بكر.
كانت سعيدة جدا. قالت وهي تنزع معطفها:
  • أسعد عندما أكون بينكم، خارج عزلة مدلين حتى ولو كانت ظروف العيش راقية. أنا أعد صحون المازات والمقبلات. نحن لا نلتقي دائما.
  • جيد حبيبتي، اختصرت علي مشقة التحضير.
  • كل هذه من مطعم ألكابوني. حصلنا على طباخ تركي ماهر وجيد. غالي شوية ولكنه يصلح لما نريده. لأننا نتعامل مع هيئات عليا وكبيرة. سأفتقد مطعمنا كثيرا.
  • لماذا تفتقدينه؟ بسبب الكورونا.
  • مسافرة الليلة، هناك طائرة خاصة بترحيل المواطنين الأتراك العالقين.
  • واوووووو. خسارة. وكيف ستتركين بكر وحده.
  • بابا وماما مصابين بكورونا، لكن بابا في وضعية خطيرة جدا.
  • متى تسافرين؟
  • الليلة. متأخرة قليلا.
دق على الجرس. قالت شالا وهي تنظر على الساعة.
- حبيبي بكر. أنا افتح له.
ثم رأته وهو يؤشر في الكاميرا. كان يرافقه شخصان بمجرد أن دخل إلى المصعد تراجعا إلى الوراء.
عندما دخل، مددت له يدي، لكنه عانقني.
  • توحشتك الله غالب أختي العزيزة. ليس لي عقلك وصرامتك.
  • وأنا أيضا توحشتك. أستطيع أن أقول خويا بكر أخيرا عرف كيف يختار. شالا ليست فقط جميلة ولكنها طباخة ماهرة. والله كل شيء حضرته معي لحظة بلحظة. ربي يحفظكم لبعض.
  • الله يخليك. هذا هو المطعم الشرقي يا أختي. خلاص أنا أحضر لكم المشروبات. البروفيسور راح يتأخر؟
  • عنده عملية. لهذا قدمنا العشاء بساعة. سيكون هنا بعد قليل.

رن الجرس مرة أخرى. رأيته في الكاميرا. فتحت الباب.
استقبلته عند باب المصعد. كان أنيقا مثل فرانك سيناترا، بابتسامته الطفولية، وجهه الممتلئ بالحياة.
بعمر أقل مما تعودت رؤيته عليه.
  • يا بروفيسور هبري. كل هذه الحلاوة. ثاني مرة أراك خارج الألبسة الطبية. ذكرتني بفرانك سيناترا بهذه القبعة
  • سعيد بهذه الدعوة والتعرف على أخيك وزوجته وأختك. هذه الباقة لك. تستأهلين أكثر من هذا.
 

الناقد الجزائري

عضو نشيط جدا
المشاركات
110
الحلول
3
مستوى التفاعل
19
النقاط
18
دخل إلى عمق الصالون. أخذت منه معطفه. علقته عاليا وخلصته من ثقله. ووضعت باقة الورود في الفاز الفارغ.
- تفضل بروفيسور.
تقدمته قليلا.
- بهار أختي. هذه شالا زوجة أخي وحبيبته. أحلى امرأتين يعود لهما الفضل في تحضير الطعام. بكر أخي وحبيبي وأبي على الرغم من كونه أصغر مني. وسنأكل اليوم من مقبلات مطعمه ومطعم شالا. المقبلات حضرتها شالا. لأول مرة أرى شطارتها. كل ما حكاه أخي عنها كان قليلا ومحدودا أمام ما رأيته.
قال البروفيسور هبري بخجل.
- تشرفت. اليوم أنا سعيد جدا بهذه المحبة الكبيرة.
ثم سلمني العلية الأنيقة التي كانت بين يديه.
- لا أدري إذا كنتم من محبي المشروبات الخفيفة. موخيطو. هذه قنينة أنيقة وعظيمة جاءتني بها صديقة مكسيكية كانت
تشتغل معي في نفس المخبر، قبل أن تعود إلى بلادها. وظلت هذه القنينة معي طويلا، وكنت دائما أنتظر مناسبة رفيعة لنشربها معا، ولن أجد أفضل من هذه.
- مشروب نبيل وخفيف. نسائي ورجالي معا. اتركوه لي لتحضيره ما دمت لم أفعل شيئا.
قال بكر الذي كان قد تخلص من معطفه الخشن، ومن سلاح بريتا وحزامه.
- فخورون بك يا بروفيسور، ونتابعك عن قرب بالخصوص مع الوباء. وتصلنا بعض المجلات التي تكتب فيها أبحاثك
القيمة بالإنجليزية. نتمنى لكم نوبل أنت وفريق بحثكم. نشعر كأن فيه صراعات كبيرة بين المخابر. من يكتشف الأول، ومن يحوز على عصا السبق.
  • حرب كبيرة، فيها ضحايا حتى من العلماء. كم من عالم قتل في الشهور الأخيرة لأنه كان على حافة اكتشاف علاج للكورونا فيروس. في النهاية يا بكر، نعمل للإنسانية. رهانات إنقاذ الإنسان ليست أقل قيمة.
  • رأيت اسمك بروفيسور في دراسة مختصة ومن الأسماء المرشحة للجوائز العالمية الكبرى.
  • هذه يا عزيزي مجرد مقترحات مجلة. للأسف الدراسات المخبرية عندنا قليلة لكنها ممكنة ولو بصعوبة. نحاول ذلك
مع المستشفى ربما استطعنا أن نجد طريقا. نحن سلكنا طريقا آخر أقرب إلى أبحاث الدكتور راوولت، ندرس بكتريا الأمعاء لأننا نظن أنها السبب الرئيسي في نشاط الفيروس. هذه البكتيريا غير موجودة عند الأطفال، وهو سر ما يبرر عدم إصابتهم بالكورونا، أو يصابون بدرجة أقل. يقتضي ذلك جهدا مضاعفا وهو ما نقوم به مع المخبر الأمريكي. ونعتقد أننا في الطريق الأسلم نحو اكتشاف أكيد للفيروس.
  • المجلة التي تنشرون فيها أبحاثكم كبيرة. هي مقربة بحسب ما فهمت، من دوائر نوبل.
  • الإيجابي في المجلة أن فيها الكثير من المراسلين والمتابعين الذين يرشحون الأشخاص، وهم على اطلاع على ما
نقوم به. ونعتقد أن مخبرنا حاليا في الطريق الأسلم، لكننا نتريث كثيرا لأن الأمر ليس لا سهلا ولا بسيطا. المراحل التجريبية كثيرة ومعقدة، وتحتاج إلى بعض الوقت. كل العالم في سباق ضد الساعة. بعضهم من أجل إنقاذ الإنسان بسرعة، والبعض الآخر، يركض نحو المال.
- نتمنى لك كل النجاح بروفيسور. يجب أن نسقي هذه المناسبة.
قال بكر وهو يتوغل داخل المطبخ، في يده قنينة الموخيطو. فتحها بعد أن حضر ليمونا وثلجا مطحونا، ونعنعا. وخلط الكل مع بعضه البعض، فنتج عن ذلك خليط يغلب عليه عطر الليمون والنعنع الذي كانت رائحته تعطر المكان بقوة.
كنت سعيدة ببهار، ليس فقط لأنها بخير ولكن لأن قضية إصرار الوالد على محله، لم تترك فيها أي أثر. بل تحمست للمكان الجديد. بكر وشالا افتقدتهما كثيرا وسط الزحمة، ثم إن بكر لا يريد أن نرهقه بالأسئلة. رأيت يوم وفاة أمي كيف كان الضغط عليه كبيرا، وكيف أن التليفونات لم تتوقف، وكأنه كان يسير مكتبا سياحيا عن بعد.

رفع بكر كأسنا جميعا، وكأس البروفيسور هبري.
شربنا.
قبل العشاء قام البروفيسور من مكانه بعد أن أخرج ورقة من جيبه.
  • ألم أحدثك عن مفاجأة.
  • نعم. لكني مندهشة. ليست لدي أية فكرة.
  • إذن اسمعي: بأمر من وزير الصحة ومصالحه المختصة، تم تعيين الباحثة رمادا أفين حرير، في منصب رئيسة مصلحة التحاليل المخبرية في مركز باستور...
ثم أكمل قبل أن يصفق الجميع
  • يعني عندما أغيب أنت من يعوضني، تخصصين لنا فقط وقتا للمخبر حتى تكوني مطلعة على كل التفاصيل، وتتابعي معنا الأبحاث المخبرية التي نجريها اليوم في إطار كوفيد، وهذا لن يكون غريبا عما تقومين به اليوم مع المركز. ثم نطلب منك أن تتحملي ثقل مجلة: المعرفة الجديدة Le Nouveau Savoirالعلمية، التي يجب أن تكون في مستوى يشرف هذه البلاد. طبعا لا تستطيعين أن تقولي لا لأنه لا يمكنك أن تخيبي ظن كل من يحبونك في المخبر وخارجه.
  • تشريف كبير يا بروفيسور. أعرف ثقتك الكبيرة فيّ. هذا يحملني مسؤولية كبيرة في مخابر باستور. شكرا من القلب.

رفع الجميع كأس المفاجأة.
- اعرف أن ميزانية باستور ليست قوية، يمكنني أن أساهم في الأعداد القادمة وتمويلها، لنجعل من مجلتنا " المعرفة الجديدة Le Nouveau Savoir مرجع مخبرنا ونجعلها تصل لكل فرق البحث التي نتواصل معها عالميا.

رأيت دمعات تتحرك داخل عيني البروفيسور. لم يكن ينتظر ذلك. كان دائما يتشكى من عجز وزارة الصحة والبحث العلمي عن الذهاب بعيدا في مشاريعهم بسبب الضائقة المالية.
- شكرا بروفيسور مرة أخرى. أعرف أنه عندك عملية الآن، في المستشفى، ولا نريد أن نعطلك.

كان العشاء طيبا. لقاؤنا جميعا لم يكن أمرا هينا في زمن كهذا.
ونحن نشرب شايا بالنعنع، سمعنا صوت الرصاص يأتي من بعيد.
توقف البروفيسورعن الأكل لثانية وكأن بكر قرأ حيرته التي ارتسمت على وجهه.
  • هو يأتي من بعيد. ربما من حي مدلين . سمعت أنها حرب ضد بارونات المخدرات. هذا ما وصلني من زملاء قريبين من الأحداث.
  • حي مدلين أسمع به، ولكني إلى اليوم لم أحدد مكانه، في العاصمة؟
  • يبدو أن الجماعة ساروا على نفس خطة الكارتل الأصلي الذي تكون في 1976 عندما التقت مجموعة صغيرة من
المهربين وحدتهم مصلحة المال وتهريب المخدرات. واتفقوا على تكوين مؤسسة غير شرعية، تنامت بسرعة اقتصاديا وعسكريا للحماية. كانوا يعرفون أنه بدون قوة تحميهم، لا يمكنهم أن يذهبوا بعيدا. وحققوا مالا كبيرا في تهريب المخدرات. رؤوسهم المعروفة: بابلو إيسكوبار (البادرينو) العقل المفكر وعشيقته ومستشارته غرزيلدا بلانكو ، وغونثالو روديريغاز غاشا (الميكسكانو) المسؤول العسكري. وانضمت إليهم مجموعات كبيرة منها الإخوة فابيو، خورخي لويس وخوان دافيد أوشوا . وكلهم من مدلين. وتم ربط العلاقة مع الأمريكي جورج يونغ ، أحد كبار مهربي الماريخوانا القدامى. المهربون كانوا يأتون بالكوكا من البيرو وبوليفيا، بفضل مدرجات سرية وطائرات صغيرة، ويحولونها في غابات جنوب كولمبيا إلى كوكايين. ومن هناك يتم تسويقها باتجاهات مختلفة. تخيل، أكثر من 2000 شخص في تنظيمهم العسكري فقط.
  • ومدلين الوطنية؟
  • تأسس كارتل جبل كوكو بنفس الطريقة، وكأنه كان يسير بنفس المنطق. فقط بدل النقل عن طريق الطيران، يستعملون
الزوارق السريعة التي توصل الكوكايين نحو سفن راسية في المياه الدولية. جعل كارتل كوكو من جبل كوكو مكانه الأثير. الدولة نفسها لا تصله. ووزع أسواقه الداخلية. وله روابط مع ميناء مارسيليا، وإيطاليا وإسبانيا والمغرب. دولة في دولة. يبدو أن الأمور بدأت تتفكك. او على الأقل النية متوفرة للانتهاء من كارتل كوكو. فقد أصبح المهربون قوة في عمق الدولة العميقة، يراقبون مناطق كثيرة من الناحية الأمنية. استفادوا من السيطرة الإسلامية في وقت سابق على بعض المناطق، فأشركوهم في الأرباح والأسلحة. ومنحت الإغراءات الكثيرة لبعض قيادات الشرطة والجمارك ومسؤولي الموانئ، وبعض المتنفذين في كل القطاعات بما فيها الجيش، لدرجة أن أصبح الأمر مفضوحا، يدخل المهرب السجن من هنا، فيخرج من هناك وكأن شيئا لم يكن. وكل من يخالف يقتل.
  • شيء خطير ما تقوله يا بكر.
  • جدا بروفيسور. لهذا، الضربة التي يتلقاها اليوم قوية، وستكون ردة فعلهم خطيرة. مقتل الجنرال باشا المتقاعد ليس مقدمة لسلسلة اغتيالات وتفجيرات قادمة. فقد استطاع الجنرال أن يفكك جهازهم السري، وعندما وصل للرؤوس، قبل أن ينهي عمله، أحيل على التقاعد؟ ليعاود كارتل كوكو نشاطه بعد أن قام بمحو كل منافسيه.
  • من أحال الجنرال باشا على التقاعد؟
  • من المؤكد وزارة الدفاع بأمر ما؟ لكن السؤال هو لماذا؟ وهذا هو الخطر الكبير الذي يتهدد البلاد.
  • طيب يا بكر، تبدو مطلعا جيدا. والآن؟ ماذا يحدث؟
  • يبدو أن الدولة، أو ما تبقى منها حيا يحاول أن يمنع توحد جميع أطراف جبل كوكو وتنفيذ مشاريعهم؟ منعهم من الارتقاء السياسي للكثير من الأسماء التي وصلت حتى البرلمان وأجهزة الدولة الحساسة. وعندما ألغي ترشيح بعضهم بدأوا بفتح النار. نفس سياسة كارتل مدلين. رئيس بلدية مدلين ألفارو أوريب وصل إلى رئاسة كولمبيا في 2002، بمال الكارتل. بالمقابل، منح 200 إذن طيران للطائرات الصغيرة والحوامات. يملك جلها بابلو إيسكوبار الذي انتخب في البرلمان الكولمبي غطاء الحزب الليبيرالي. واستثمر الملايين في مساعدة الفقراء، وبني حيا بكامله على أنقاض مفرغة عمومية وسمي بحي بابلو إسكوبار حتى عندما نجح في انتخابات 1984 في انتخابات غرفة ممثلي الشعب، رفضتها الدولة لأنها تمت بمال كارتل مدلين. فتم الحجر على أمواله من هناك بدأت الحرب المفتوحة التي أدت إلى نهاية الكارتل، الذي دخل في اصطدام آخر مع كارتل كالي . في 18 أوت 1989 اغتال كارتل مدلين مرشح الرئاسيات للحزب الليبيرالي الكولمبي، لويس كارلوس غالان ، لحظتها بدأت حرب النهايات.
  • يبدو أن الأمر خطير.
  • لكن الأمر لن يطول، لقد تم تفكيك كارتل كوكو نهائيا.
نظر إلى الساعة، ثم نظر إلي لأحرره.
  • يا جماعة البروفيسور عنده عملية وهو يضطر للذهاب.
  • استفدت كثيرا. لا يمل. الآن أذهب إلى المستشفى العسكري.
قال البروفيسور هبري وهو يغادر كرسيه.
  • بروفيسور. الوضع ليس آمنا كليا، أبعث معك حارسي، تفاديا لأي احتمال؟
  • لا أعتقد أن في الأمر ضرورة.
  • عندي حارسان بحكم مهنتي، يرافقانك حتى المستشفى العسكري.
  • كما تريد عزيزي بكر.
  • أنزل معك. سيسبقانك. أعرفك على السيارة وعلى الشابين.

دخل بكر إلى غرفتي، شد حزامه. أدخل بريتا في مكانها، ثم وضع معطفه على ظهره، ونزل مع البروفيسور.
اعتذرت شالا وانسحبت للنوم قليلا قبل النزول إلى المطار فجرا.
  • راما. أعتقد أنه من الأفضل مرافقة البروفيسور، الوضع الأمني ليس جيدا.
  • كما ترى عزيزي بكر.
  • لا. لا. روح معه خويا. أنت أدرى بوضع هذه الأيام. وأنا أحكي شوي مع راما على حكاية الحاج قوار هههه.
قالت بهار وهي تحاول أن تخفف من جو الخوف الذي نزل فجأة.
لا يتوفر وصف للصورة.
 
أعلى