- المشاركات
- 1,475
- مستوى التفاعل
- 102
- النقاط
- 63
اليوم سنروي لكم قصة طبق يروي لوحده روعة تراثنا ... و هوية شعبنا الأمازيغية .... طبق له رمزية كبيرة : الخير ، البركة ، الفرح ، الفخر ، الكرم ، و تروى حوله العديد من القصص و الأساطير ....... بغرير الأجداد ....
من أحب الأطباق إلى قلبي ، بغرير بالعسل و الزبدة الله الله ، صحة ، بنة ، أصالة .... و رائحة الأجداد .... أضفت إليه ربّ التمر ، كما هي عادة إخوتنا أبناء أوراس و الواحات
البغرير طبق أمازيغي بامتياز ( لا تشبه طريقة تحضيره فطاير الشام و لا كراب الفرنسيين ، و لا لحوح اليمن ) ، يسمى بغرير في وسط الجزائر وغربها ( تسمية أمازيغية ) ، بلهجة منطقة القبائل يسمى ثيغريفين ، أظاجين ، ثيبوعجاجين ... إلخ ، بالشاوية هوذفيسث ، هيغريفين ، بالمزابية ثيملين ، في الشرق غرايف ، في المغرب الشقيق خرينقو ..... إلخ ، يؤكل حسب المناطق ب : أوذي ( الزبدة ) ، ثاممث ( العسل ) ، زيت أو زمور ( زيت الزيتون ) ، السكر .... إلخ
يعبر البغرير عن مهارة المرأة ، تحضير النسخة الأصلية يتطلب مهارة وتجربة ، خاصة أفرقوش ولغم ( حافر الجمل ) ، يعجن البغرير بالماء و السميد و الملح و تضاف له ثامثونتس ( الخميرة ) الطبيعية التي كانت جداتنا " يربيوها " ، و منهم من يضيف له حبة بيض ، يعجن البغرير بطريقة خاصة جدا ، تتوارثها النسوة منذ قرون ..... من عاداتنا أن المرأة التي تحضر البغرير يجب أن تتوضأ ... و عند عجن البغرير تذكر الله تعالى ، عجن البغرير يكون بخلطه بشدة ، مما يجعل ثياب المرأة جدران الغرفة كلها مليئة بالعجين ..... كانت جداتنا ترين في ذلك رمزا للخير و البركة ..... يطهى البغرير في طاجين خاص من الفخار : أفان أو بغرير ( أملس لا زخارف فيه ، عكس أفان أو وغروم - طاجين الخبز- ) أو فوق حجرة مسطحة أو " كارلاجة" مؤخرا ..... و يسود الإعتقاد الشعبي أنه عزيز جدا ، إذ كانت جداتنا لا تسمحن لأحد المشي حولهن أثناء طهي البغرير ( العفس ) ، الذي يحشم كثيرا ( يستحي ) ....... و إلا فسيفسد !!!
بغرير طبق يحبه كل الجزائريين .... لأنه يملك رمزية كبيرة .... نحضره خلال أفراحنا ، عند استقبال ضيف عزيز ، أو سماع خبر مفرح .... نحضره في احتفالاتنا بالناير ، رأس السنة الأمازيغية .... تفاؤلا بسنة مباركة و حلوة ..... من عادات ينّار ( ناير ) في أوراسنا الغالي ، عندما تحضر ثامغارث ( العجوز ) أول حبة هوذفيسث ( البغرير ) ، تقطعها إلى أربع قطع ، و ترمي كل واحدة منها في جهة من الجهات الأربع مرددة : بسم الله و الصلاة و السلام عليك يا رسول الله .... حتى تأكل من البغرير الحشرات و الحيوانات و تكون السنة مباركة .... تقاسم الأكل مع الحيوانات الأليفة و الحشرات عادة رائعة يتقاسمها كل الأمازيغ في الناير ......
تروي جداتنا لغزا جميلا حول البغرير :
أملّال أم ييزمر ، يسّس أمان أم ييزڨر
أبيض مثل الخروف ، يشرب الماء مثل البقر
نقول نفس اللغز بالدارجة : ابيض كي الرفروف يشرب الما كي الخروف ( لاحظوا كيف أن تراثنا الشعبي بالدارجة هو ترجمة حرفية للتراث الأمازيغي !!! ) ...... هناك جوابان آخران حسب المناطق : العجين أو الجير
إعداد هذه الأكلة الشعبية بالطريقة التقليدية ، يتطلب مهارة كبيرة ، حيث كانت المرأة الماهرة في تحضيره تكسب شهرة في الأسرة و القرية، يعجنوه و يشربوه و يطلقوه، و تتوسخ كامل الدار بالعجين المبارك و النسوة يذكرون الله ..... ..... البغرير ذ " إيفاسن " ( يدّين ) كما تقول جداتنا ...... طريقة تحضير يستحيل تماما أن تجدوها خارج منطقة شمال إفريقيا ..........
طريقة واحدة موحدة تعرفها جداتنا من إينوغيسن و هكوكث و أريس بقمم أوراس ، إلى تافسرا و أربوز و فلاوسن بتلمسان ، و من شريعث و تابلاط و تامزڨيدا بالأطلس البليدي إلى متليلي و أت إزجن و تاغيت و تڨرت بالصحراء ، مرورا بتاجرونا و بني يلمان و عين وسارة و تاوريرا و تيزي و تاكسنا و طافراوي و ڨمار و أزفون و تخراطت و ڨنزات و تاملاحت و تاخمارت و تاجنانت و آفلو و بير أغبالو ........ أماكن تروي أسماؤها الأمازيغية هوية أرض .... أماكن متباعدة جدا جغرافيا و بعضها معزول جدا .... يستحيل أن يكون لنسائها نفس الموروث إلا إذا كان لهن نفس الأصل و نفس الجذور ..... و نفس التراث المتوارث منذ آلاف السنين .... في زمن لم تكن هناك سميرة تيفي و لا أم وليد ..... و لم يكن هناك مؤدلجون مأجورون ينسبون روعة تراث أجدادنا و تاريخنا لبلدان أخرى ......
وأنا هنا لا أتكلم عن بغرير الياوورت و الخلاط الكهربائي أو الفطائر الشامية أو لي كراب الفرنسية ...... أو ميل ترو .... أو لحوح إخوتنا باليمن ....... أتكلم عن بغرير أجدادنا الأمازيغ ........ إرث رائع يجب أن نحافظ عليه ، و أن نحميه من التزييف و التحريف و السرقة ، و لم لا وضع قائمة من الأطباق التراثية و تصنيفها و حمايتها بنصوص قانونية ، كي لا ننسى !!!
شهية طيبة للجميع ، و شكر خاص للأيادي الجبايلية التي حضرت هذا البغرير ، حفظها الله و رعاها و بارك فيها