- المشاركات
- 438
- مستوى التفاعل
- 41
- النقاط
- 28
أحمد السبتي :
من منا لا يعرف #هارون_الرشيد رحمه الله الخليفة الزاهد و المجاهد العظيم، و من منا لا يعرف أولاده #الأمين و #المأمون، و #المعتصم و #القاسم رحمهم الله جميعا.
لكن أغلبنا قد لا يعلم أن "هارون الرشيد" رحمه الله له ابن خامس هو أكبر أبنائه، وقد ظلَّ مجهولا لدى الناس حتى مات.
إنه "أبو العباس أحمد الزاهد بن هارون الرشيد" بن "محمد المهدي" بن "أبو جعفر المنصور العباسي الهاشمي" المعروف ب"السبتي"، كان عبدا صالحا ترك الدنيا في حياة أبيه، ولم يتعلق بشيء من أمورها وأبوه خليفة الدنيا وآثر الانقطاع والعزلة وإنما قيل له "السبتي" لأنه كان يتكسب بيده في يوم السبت شيئا ينفقه في بقية الأسبوع ويتفرغ للاشتغال بالعبادة، فعرف رحمه الله بهذا اللقب ولم يزل على هذه الحال.
كان رحمه الله زاهدا عابدا قد تنسّك، وكان لا يأكل إلا من عمل يده في الطين، كان يعمل فاعلا فيه، وليس يملك إلا مروا وزنبيلا - أي: مجرفة وقُفَّة - وكان يعمل في كل جمعة بدرهم ودانق يتقرب بهما من الجمعة إلى الجمعة، وكان لا يعمل إلا في يوم السبت فقط، ثم يقبل على العبادة بقية أيام الاسبوع.
أمه هي امراة اسمها #العصماء ، كان "الرشيد" رحمه الله قد أحبها فتزوجها في شبابه فحملت منه بهذا الغلام، ثم إن الخليفة رحمه الله، تركها عندما خرج للجهاد في أرض الروم ذات مرة ولم تكن ولدت وأعطاها خاتما من ياقوت أحمر، وأشياء نفيسة، وأمرها إذا أفضت إليه الخلافة أن تأتيه.
فلما صارت الخلافة إليه بعد أبيه لم تأته ولا ولدها، بل اختفيا، وبلغه أنهما ماتا، ولم يكن الأمر كذلك، ويقال ان ابعادهما كان بمكيدة "البرامكة"، فبحث عنهما فلم يطلع لهما على خبر.
رجع "أحمد" رحمه الله إلى بغداد، وعاش عاملاً يعمل في الطين يوم السبت، ليقتات وأمه مما يكسبه طوال أيام الأسبوع، ولا يذكر للناس من هو، ولا من يكون، لا يسعى في الدنيا إلا إلى مرضاة ربه، وكسب رضا والدته، التي وافقته على ما أراد، ولم تفصح عن أمرها، احتراما لرغبة ولدها.
ثم توفيت والدته رحمها الله، وقبل وفاتها أعطت الخاتم الذي وهبها إياه "هارون الرشيد" رحمه الله إلى ولدها، ولم يغير "أحمد" شيئا مما نشأ عليه، فهو في عمله كل سبت وفي انقطاع إلى الطاعة والعبادة بقية الأيام، إلى أن اتفق مرضه في دار من كان يستعمله في الطين.
لم تذكر المصادر كم دام على هذه الحال، غير أن أغلب المصادر أجمعت على ذكر أنه قد اتفق مرضه في دار من كان يستعمله في الطين، وأن الرجل كان كريماً معه، فأشرف على تمريضه ورعايته حتى اللحظات الأخيرة من حياته.
فلما احتضر أخرج الخاتم وقال لصاحب المنزل : "اذهب بهذا إلى الرشيد وقل له : صاحب هذا الخاتم يقول لك : إيَّاكَ أن تموت في سكرتك هذه فتندم حيث لا ينفع نادما ندمه، واحذر انصرافك من بين يدي الله إلى الدارين، وأن يكون آخر العهد بك ، فإن ما أنت فيه لو دام لغيرك لم يصل إليك ، وسيصير إلى غيرك ، وقد بلغك أخبار من مضى".
توفي الزاهد "أحمد السبتي" رحمه الله، سنة 808 عن عمر يناهز حوالي 22 أو 23 ربيعا، فدفنه الرجل، وذهب لمحاربة الخليفة ، فلما حضر بين يديه قال "هارون" رحمه الله : "ما حاجتك ؟!!"، قال الرجل : "هذا الخاتم دفعه إليّ رجل وأمرني أن أدفعه إليك ، وأوصاني بكلام أقوله لك".
فلما نظر إلى الخاتم عرفه فقال : "ويحك وأين صاحب هذا الخاتم ؟!!" قال : : "مات يا أمير المؤمنين". ثم ذكر الكلام الذي أوصاه به ، وذكر له أنه يعمل بالفاعل في كل جمعة يوما بدرهم وأربع دوانيق ، أو بدرهم ودانق ، يتقوت به سائر الجمعة ، ثم يقبل على العبادة.
فلما سمع "هارون الرشيد" رحمه الله هذه الوصية قام فضرب بنفسه بالأرض و قال بحرقة و الدوع تنهمر على خذيه : "والله لقد نصحتني يا بني".
ثم رفع رأسه إلى الرجل و طلب منه أن يذله على قبر ولده، ذهب به إلى قبره فجلس عند رأسه، وبكى طويلاً و بحرقة، حتى كاد يصبح، ثم أمر للرجل بعشرة آلاف درهم، وكتب له ولعياله رزقاً.
و قبر " أحمد السبتي" رحمه الله في مقبرة صغيرة تقع اليوم في "محلة النصة" من محلات "حي الأعظمية" من احياء بغداد، كانت تعرف في العصر العباسي ب"مشهد النذور"، ثم دفن في هذا المشهد آخر خلفاء "بني العباس"، الخليفة "المستعصم بالله" رحمه الله.
رحم الله "أحمد السبتي" الشاب الزاهد ابن الخليفة الحاج الغازي "هارون الرشيد" رحمه الله، وجمع بينهما في جنات الخلد بإذن الله.
-المصادر :
1- البداية والنهاية لابن كثير
2- وفيات الأعيان لابن خلكان
3- صفة الصفوة لابن الجوزي
4- كتاب التوابين لابن قدامة المقدسي
5- التاريخ الإسلامي رؤية معاصرة ، جمال الدين فالح الكيلاني
^ حسني؛ العباسي (2007). الأساس في أنساب بني العباس. دار القاهرة للطباعة والنشر.
^ ابن كثير في البداية والنهاية ص12 ج3
^ أحمد السبتي ..رسالة للدكتور جمال الدين الكيلاني د. عماد عبدالسلام رؤوف جامعة صلاح الدين - أربيل 2017
من منا لا يعرف #هارون_الرشيد رحمه الله الخليفة الزاهد و المجاهد العظيم، و من منا لا يعرف أولاده #الأمين و #المأمون، و #المعتصم و #القاسم رحمهم الله جميعا.
لكن أغلبنا قد لا يعلم أن "هارون الرشيد" رحمه الله له ابن خامس هو أكبر أبنائه، وقد ظلَّ مجهولا لدى الناس حتى مات.
إنه "أبو العباس أحمد الزاهد بن هارون الرشيد" بن "محمد المهدي" بن "أبو جعفر المنصور العباسي الهاشمي" المعروف ب"السبتي"، كان عبدا صالحا ترك الدنيا في حياة أبيه، ولم يتعلق بشيء من أمورها وأبوه خليفة الدنيا وآثر الانقطاع والعزلة وإنما قيل له "السبتي" لأنه كان يتكسب بيده في يوم السبت شيئا ينفقه في بقية الأسبوع ويتفرغ للاشتغال بالعبادة، فعرف رحمه الله بهذا اللقب ولم يزل على هذه الحال.
كان رحمه الله زاهدا عابدا قد تنسّك، وكان لا يأكل إلا من عمل يده في الطين، كان يعمل فاعلا فيه، وليس يملك إلا مروا وزنبيلا - أي: مجرفة وقُفَّة - وكان يعمل في كل جمعة بدرهم ودانق يتقرب بهما من الجمعة إلى الجمعة، وكان لا يعمل إلا في يوم السبت فقط، ثم يقبل على العبادة بقية أيام الاسبوع.
أمه هي امراة اسمها #العصماء ، كان "الرشيد" رحمه الله قد أحبها فتزوجها في شبابه فحملت منه بهذا الغلام، ثم إن الخليفة رحمه الله، تركها عندما خرج للجهاد في أرض الروم ذات مرة ولم تكن ولدت وأعطاها خاتما من ياقوت أحمر، وأشياء نفيسة، وأمرها إذا أفضت إليه الخلافة أن تأتيه.
فلما صارت الخلافة إليه بعد أبيه لم تأته ولا ولدها، بل اختفيا، وبلغه أنهما ماتا، ولم يكن الأمر كذلك، ويقال ان ابعادهما كان بمكيدة "البرامكة"، فبحث عنهما فلم يطلع لهما على خبر.
رجع "أحمد" رحمه الله إلى بغداد، وعاش عاملاً يعمل في الطين يوم السبت، ليقتات وأمه مما يكسبه طوال أيام الأسبوع، ولا يذكر للناس من هو، ولا من يكون، لا يسعى في الدنيا إلا إلى مرضاة ربه، وكسب رضا والدته، التي وافقته على ما أراد، ولم تفصح عن أمرها، احتراما لرغبة ولدها.
ثم توفيت والدته رحمها الله، وقبل وفاتها أعطت الخاتم الذي وهبها إياه "هارون الرشيد" رحمه الله إلى ولدها، ولم يغير "أحمد" شيئا مما نشأ عليه، فهو في عمله كل سبت وفي انقطاع إلى الطاعة والعبادة بقية الأيام، إلى أن اتفق مرضه في دار من كان يستعمله في الطين.
لم تذكر المصادر كم دام على هذه الحال، غير أن أغلب المصادر أجمعت على ذكر أنه قد اتفق مرضه في دار من كان يستعمله في الطين، وأن الرجل كان كريماً معه، فأشرف على تمريضه ورعايته حتى اللحظات الأخيرة من حياته.
فلما احتضر أخرج الخاتم وقال لصاحب المنزل : "اذهب بهذا إلى الرشيد وقل له : صاحب هذا الخاتم يقول لك : إيَّاكَ أن تموت في سكرتك هذه فتندم حيث لا ينفع نادما ندمه، واحذر انصرافك من بين يدي الله إلى الدارين، وأن يكون آخر العهد بك ، فإن ما أنت فيه لو دام لغيرك لم يصل إليك ، وسيصير إلى غيرك ، وقد بلغك أخبار من مضى".
توفي الزاهد "أحمد السبتي" رحمه الله، سنة 808 عن عمر يناهز حوالي 22 أو 23 ربيعا، فدفنه الرجل، وذهب لمحاربة الخليفة ، فلما حضر بين يديه قال "هارون" رحمه الله : "ما حاجتك ؟!!"، قال الرجل : "هذا الخاتم دفعه إليّ رجل وأمرني أن أدفعه إليك ، وأوصاني بكلام أقوله لك".
فلما نظر إلى الخاتم عرفه فقال : "ويحك وأين صاحب هذا الخاتم ؟!!" قال : : "مات يا أمير المؤمنين". ثم ذكر الكلام الذي أوصاه به ، وذكر له أنه يعمل بالفاعل في كل جمعة يوما بدرهم وأربع دوانيق ، أو بدرهم ودانق ، يتقوت به سائر الجمعة ، ثم يقبل على العبادة.
فلما سمع "هارون الرشيد" رحمه الله هذه الوصية قام فضرب بنفسه بالأرض و قال بحرقة و الدوع تنهمر على خذيه : "والله لقد نصحتني يا بني".
ثم رفع رأسه إلى الرجل و طلب منه أن يذله على قبر ولده، ذهب به إلى قبره فجلس عند رأسه، وبكى طويلاً و بحرقة، حتى كاد يصبح، ثم أمر للرجل بعشرة آلاف درهم، وكتب له ولعياله رزقاً.
و قبر " أحمد السبتي" رحمه الله في مقبرة صغيرة تقع اليوم في "محلة النصة" من محلات "حي الأعظمية" من احياء بغداد، كانت تعرف في العصر العباسي ب"مشهد النذور"، ثم دفن في هذا المشهد آخر خلفاء "بني العباس"، الخليفة "المستعصم بالله" رحمه الله.
رحم الله "أحمد السبتي" الشاب الزاهد ابن الخليفة الحاج الغازي "هارون الرشيد" رحمه الله، وجمع بينهما في جنات الخلد بإذن الله.
-المصادر :
1- البداية والنهاية لابن كثير
2- وفيات الأعيان لابن خلكان
3- صفة الصفوة لابن الجوزي
4- كتاب التوابين لابن قدامة المقدسي
5- التاريخ الإسلامي رؤية معاصرة ، جمال الدين فالح الكيلاني
^ حسني؛ العباسي (2007). الأساس في أنساب بني العباس. دار القاهرة للطباعة والنشر.
^ ابن كثير في البداية والنهاية ص12 ج3
^ أحمد السبتي ..رسالة للدكتور جمال الدين الكيلاني د. عماد عبدالسلام رؤوف جامعة صلاح الدين - أربيل 2017