- المشاركات
- 438
- مستوى التفاعل
- 41
- النقاط
- 28
هوية وتاريخ
قراءة في كتاب المتوسط والعالم المتوسطي على عهد فيلب الثاني لصاحبه فيرناند بروديل، تعريب مروان أبي سمرا ـ عاهد ازحيمي
قراءة في كتاب المتوسط والعالم المتوسطي على عهد فيلب الثاني لصاحبه فيرناند بروديل، تعريب مروان أبي سمرا ـ عاهد ازحيمي
موقع :انفاس من اجل الثقافة و الانسان .
الخميس, 12 نوفمبر 2015 22:32
تقـديم:
يعتبر كتاب المتوسط والعالم المتوسطي على عهد فيليب الثاني، لصاحبه فيرناند بروديل مرجعا أساسيا لتاريخ البحر الأبيض المتوسط، بل ومرجعا في علم التاريخ في مجمله، حيث تطرق من خلاله للحضارات التي تعاقبت على البحر الأبيض المتوسط منذ قدم الأزمان وحتى اليوم، فدرس في بداية الأمر الجبال والسهوب المحيطة بالبحر الأبيض المتوسط من كل الجهات. كما درس الجزر، والصحاري، والحياة البدوية ، والبرازخ، ومضائق البحار، والملاحة البحرية، والطرق البرية التي كانت متوافرة آنذاك. وبالطبع درس المناخ السائد في حوض البحر الأبيض المتوسط ودورة الفصول. وبعدئذ انتقل لدراسة الأمور ضمن منظور المدة المتوسطة للتاريخ والتي تقع فوق المدة الطويلة السابقة. ويقصد بذلك دراسة التاريخ الاجتماعي للشعوب والأمم : أي دراسة الاقتصاد والديموغرافيا والعملة المالية والمعادن والأسعار وتجارة القمح ووسائل النقل السائدة في تلك الأزمان برا وبحرا. كما درس الفئات الاجتماعية المختلفة من بورجوازيين، أي سكان مدن، وقطاع طرق وعصابات، ويهود ومسلمين ومسيحيين، وكذلك درس الرأسمالية والحروب. ثم انتقل بروديل إلى دراسة الطبقة الأخيرة والثالثة من تاريخ شعوب البحر الأبيض المتوسط. وهي التي تخص دراسة المعارك العسكرية والسياسات التي اتبعتها هذه السلالة المالكة أو تلك والحروب التي جرت بين الأوروبيين المسيحيين والأتراك المسلمين. إذن فمن هو فيرناند بروديل؟ وما هو منهجه في كتابة التاريخ؟ وما هو مضمون كتابه المتوسط والعالم المتوسطي؟
I. قراءة في الإطار الخارجي لكتاب المتوسط والعالم المتوسط
1. التعريف بصاحب الكتاب.
ولد فيرناند بروديل سنة 1902 بقرية صغيرة تقع شرقي فرنسا. وأخذ تعليمه بمدينة باريس، لكن بعدما أنهى دراسته، ذهب إلى الجزائر أستاذا للتاريخ في إحدى المدارس الثانوية. وهناك اكتشف البحر الأبيض المتوسط لأول مرة وأعجب بجماله وهدوئه. ثم عاد بعدئذ إلى باريس كي يدرس في ثانوية لويس باستور. وفي عام 1935 سافر إلى البرازيل أستاذاً في جامعة سان باولو. وبعد أن أمضى هناك ثلاث سنوات عاد إلى باريس من جديد لكي يدرس في المدرسة التطبيقية للدراسات العليا. وعندما اندلعت الحرب العالمية الثانية انخرط فيها ولكنه وقع في الأسر على خطّ ماجينو الشهير عام 1940. وظل مسجوناً في ألمانيا لمدّة خمس سنوات، أي طيلة فترة الحرب. وهناك كتب أطروحته الضخمة عن البحر الأبيض المتوسط في عهد فيليب الثاني ملك إسبانيا خلال القرن السادس عشر.
وبعد خروجه من السجن ناقش أطروحته في السوربون عام 1947. وفي عام 1949 انتخب أستاذا في الكوليج دو فرانس، وهي أعلى مؤسسة علمية فرنسية. وفي عام 1984 انتخب بروديل عضواً في الأكاديمية الفرنسية وتمّ تكريمه كشخصية تاريخية. ولكنه مات بعد هذا التكريم بعام واحد (1985). وهكذا يكون قد عاش ثلاثة وثمانين عاماً من أوائل القرن الماضي وتقريباً حتى نهايته. وهو عمر مديد أتاح له أن يخرِّج أجيالاً متتالية من المؤرّخين، وأن يؤلّف العديد من الكتب التي أصبحت مراجع كبرى لا غنى عنها لفهم عصرنا وكيفية تشكل الحداثة والرأسمالية والحضارة المادية التي سيطرت على العالم ولا تزال.
2. كتابة التاريخ عند فيرناند بروديل.
لقد شكلت كتابات فيرناند بروديل في القرن العشرين محطة رئيسية في مسار علم التاريخ الغربي بوجه عام، والفرنسي بوجه خاص. وتوافق هذه الكتابات ظرفية ما بعد الحرب العالمية الثانية، التي تميزت بغلبة التحليل البنيوي. ويظهر جهد فيرناند بروديل في تناول التاريخ انطلاقا من تعدد الأزمنة أو الآماد، كشبكة من المفاهيم لإدراك التاريخ، من البنيات أو الزمن الطويل، إلى الأحداث، مرورا بالزمن الدوري، مع التركيز على الأمد الطويل، كما يتبين من خلال الكتاب المرجعي البحر المتوسط والعالم المتوسطي على عهد فيليب الثاني.
فالزمن الأول طويل جداً، ويبدو وكأنه جامد لا يتحرك، أو قل إنه يتحرّك ببطء شديد. ففصل الشتاء مثلاً هو ذاته في جميع البلدان المتوسطية، وهو شتاء معتدل عموماً على عكس الشتاء القارس في بلدان شمال أوروبا الباردة. ولم يتغير فصل الشتاء في حوض المتوسط منذ آلاف السنين وحتى اليوم. ونفس الشيء بالنسبة للمزروعات والأشجار في البلدان المحيطة بالمتوسط. أمّا الزمن المتوسط للتاريخ فيخص الأشياء التي تدوم خمسين سنة أو مائة سنة أو حتى مائتي سنة وربما أكثر. كما هو الشأن بالنسبة لبعض السلالات المالكة أو بعض الأنظمة السياسية. في حين يخص الزمن القصير الأحداث الجارية كل يوم.
ومن أهم الكتب التي ألفها بروديل نجد أطروحته البحر المتوسط والعالم المتوسطي على عهد فيليب الثاني، أما الكتاب الثاني الذي ألَّفه بروديل فيعتبر بمثابة تاريخ جديد للرأسمالية، وينقسم إلى ثلاثة أجزاء. والعنوان العام للكتاب هو: الحضارة المادية. الاقتصاد والرأسمالية بين القرنين الخامس عشر والثامن عشر. أمّا الكتاب الثالث والأخير فهو تاريـخ فرنسـا ويقع في ثـلاثة أجزاء. وقد خـتم به حياته وصدر قـبيل مماته بقليل. هذا بالإضافة إلى بعض الكتب الأخرى التنظيرية والمنهجية عن عـلم التاريخ. كان أهمها: كتابات على التاريخ.
II. قراءة في مضمون كتاب المتوسط والعالم المتوسطي.
1. مقدمة المترجم:
يتعرض المترجم في بداية هذه المقدمة إلى أهمية الكتاب، إذ أشار إلى أن ما أحدثه هذا المؤَلَف يعتبر ثورة علمية جددت مناهج علم التاريخ وموضوعاته، الأمر الذي يفسر ترجمته إلى العديد من اللغات، التي تعدت العشرة، وتحدث كذلك عن الجهد الذي بذله فيرناند بروديل في انجاز هذا الكتاب، ثم استطرد في الحديث عن المنهجية التي اتبعها بروديل في كتابه والتي تعتمد على إخراج البحث التاريخي من القوقعة السياسية، واستبعاده السرد التعاقبي للأحداث التاريخية، وتناول مجمل وقائع الإجتماع البشري من جغرافية واقتصادية واجتماعية وسياسية وحضارية، حيث لا يمكن الفصل بين التايخ الإجتماعي والتاريخ السياسي والتاريخ الاقتصادي والتاريخ الثقافي-الحضاري. كما ذكر مروان أبي سلمى في هذه المقدمة بأن التاريخ الشامل الذي وضعه بروديل للعالم المتوسطي ليس جامعا لتوارخ البلاد والأقليم المتوسطية المحلية من أوروبا وشمال إفريقيا فالشرق الأوسط، بل هو تاريخ تفاعل هذه البلاد والأقاليم وتدخل مستويات اجتماعها البشري وتكاملها، ثم انتقل للحديث عن الأقسام الثلاثة للكتاب.
قراءة في كتاب المتوسط والعالم المتوسطي على عهد فيلب الثاني لصاحبه فيرناند بروديل، تعريب مروان أبي سمرا ـ عاهد ازحيمي
قراءة في كتاب المتوسط والعالم المتوسطي على عهد فيلب الثاني لصاحبه فيرناند بروديل، تعريب مروان أبي سمرا ـ عاهد ازحيمي
موقع :انفاس من اجل الثقافة و الانسان .
الخميس, 12 نوفمبر 2015 22:32
تقـديم:
يعتبر كتاب المتوسط والعالم المتوسطي على عهد فيليب الثاني، لصاحبه فيرناند بروديل مرجعا أساسيا لتاريخ البحر الأبيض المتوسط، بل ومرجعا في علم التاريخ في مجمله، حيث تطرق من خلاله للحضارات التي تعاقبت على البحر الأبيض المتوسط منذ قدم الأزمان وحتى اليوم، فدرس في بداية الأمر الجبال والسهوب المحيطة بالبحر الأبيض المتوسط من كل الجهات. كما درس الجزر، والصحاري، والحياة البدوية ، والبرازخ، ومضائق البحار، والملاحة البحرية، والطرق البرية التي كانت متوافرة آنذاك. وبالطبع درس المناخ السائد في حوض البحر الأبيض المتوسط ودورة الفصول. وبعدئذ انتقل لدراسة الأمور ضمن منظور المدة المتوسطة للتاريخ والتي تقع فوق المدة الطويلة السابقة. ويقصد بذلك دراسة التاريخ الاجتماعي للشعوب والأمم : أي دراسة الاقتصاد والديموغرافيا والعملة المالية والمعادن والأسعار وتجارة القمح ووسائل النقل السائدة في تلك الأزمان برا وبحرا. كما درس الفئات الاجتماعية المختلفة من بورجوازيين، أي سكان مدن، وقطاع طرق وعصابات، ويهود ومسلمين ومسيحيين، وكذلك درس الرأسمالية والحروب. ثم انتقل بروديل إلى دراسة الطبقة الأخيرة والثالثة من تاريخ شعوب البحر الأبيض المتوسط. وهي التي تخص دراسة المعارك العسكرية والسياسات التي اتبعتها هذه السلالة المالكة أو تلك والحروب التي جرت بين الأوروبيين المسيحيين والأتراك المسلمين. إذن فمن هو فيرناند بروديل؟ وما هو منهجه في كتابة التاريخ؟ وما هو مضمون كتابه المتوسط والعالم المتوسطي؟
I. قراءة في الإطار الخارجي لكتاب المتوسط والعالم المتوسط
1. التعريف بصاحب الكتاب.
ولد فيرناند بروديل سنة 1902 بقرية صغيرة تقع شرقي فرنسا. وأخذ تعليمه بمدينة باريس، لكن بعدما أنهى دراسته، ذهب إلى الجزائر أستاذا للتاريخ في إحدى المدارس الثانوية. وهناك اكتشف البحر الأبيض المتوسط لأول مرة وأعجب بجماله وهدوئه. ثم عاد بعدئذ إلى باريس كي يدرس في ثانوية لويس باستور. وفي عام 1935 سافر إلى البرازيل أستاذاً في جامعة سان باولو. وبعد أن أمضى هناك ثلاث سنوات عاد إلى باريس من جديد لكي يدرس في المدرسة التطبيقية للدراسات العليا. وعندما اندلعت الحرب العالمية الثانية انخرط فيها ولكنه وقع في الأسر على خطّ ماجينو الشهير عام 1940. وظل مسجوناً في ألمانيا لمدّة خمس سنوات، أي طيلة فترة الحرب. وهناك كتب أطروحته الضخمة عن البحر الأبيض المتوسط في عهد فيليب الثاني ملك إسبانيا خلال القرن السادس عشر.
وبعد خروجه من السجن ناقش أطروحته في السوربون عام 1947. وفي عام 1949 انتخب أستاذا في الكوليج دو فرانس، وهي أعلى مؤسسة علمية فرنسية. وفي عام 1984 انتخب بروديل عضواً في الأكاديمية الفرنسية وتمّ تكريمه كشخصية تاريخية. ولكنه مات بعد هذا التكريم بعام واحد (1985). وهكذا يكون قد عاش ثلاثة وثمانين عاماً من أوائل القرن الماضي وتقريباً حتى نهايته. وهو عمر مديد أتاح له أن يخرِّج أجيالاً متتالية من المؤرّخين، وأن يؤلّف العديد من الكتب التي أصبحت مراجع كبرى لا غنى عنها لفهم عصرنا وكيفية تشكل الحداثة والرأسمالية والحضارة المادية التي سيطرت على العالم ولا تزال.
2. كتابة التاريخ عند فيرناند بروديل.
لقد شكلت كتابات فيرناند بروديل في القرن العشرين محطة رئيسية في مسار علم التاريخ الغربي بوجه عام، والفرنسي بوجه خاص. وتوافق هذه الكتابات ظرفية ما بعد الحرب العالمية الثانية، التي تميزت بغلبة التحليل البنيوي. ويظهر جهد فيرناند بروديل في تناول التاريخ انطلاقا من تعدد الأزمنة أو الآماد، كشبكة من المفاهيم لإدراك التاريخ، من البنيات أو الزمن الطويل، إلى الأحداث، مرورا بالزمن الدوري، مع التركيز على الأمد الطويل، كما يتبين من خلال الكتاب المرجعي البحر المتوسط والعالم المتوسطي على عهد فيليب الثاني.
فالزمن الأول طويل جداً، ويبدو وكأنه جامد لا يتحرك، أو قل إنه يتحرّك ببطء شديد. ففصل الشتاء مثلاً هو ذاته في جميع البلدان المتوسطية، وهو شتاء معتدل عموماً على عكس الشتاء القارس في بلدان شمال أوروبا الباردة. ولم يتغير فصل الشتاء في حوض المتوسط منذ آلاف السنين وحتى اليوم. ونفس الشيء بالنسبة للمزروعات والأشجار في البلدان المحيطة بالمتوسط. أمّا الزمن المتوسط للتاريخ فيخص الأشياء التي تدوم خمسين سنة أو مائة سنة أو حتى مائتي سنة وربما أكثر. كما هو الشأن بالنسبة لبعض السلالات المالكة أو بعض الأنظمة السياسية. في حين يخص الزمن القصير الأحداث الجارية كل يوم.
ومن أهم الكتب التي ألفها بروديل نجد أطروحته البحر المتوسط والعالم المتوسطي على عهد فيليب الثاني، أما الكتاب الثاني الذي ألَّفه بروديل فيعتبر بمثابة تاريخ جديد للرأسمالية، وينقسم إلى ثلاثة أجزاء. والعنوان العام للكتاب هو: الحضارة المادية. الاقتصاد والرأسمالية بين القرنين الخامس عشر والثامن عشر. أمّا الكتاب الثالث والأخير فهو تاريـخ فرنسـا ويقع في ثـلاثة أجزاء. وقد خـتم به حياته وصدر قـبيل مماته بقليل. هذا بالإضافة إلى بعض الكتب الأخرى التنظيرية والمنهجية عن عـلم التاريخ. كان أهمها: كتابات على التاريخ.
II. قراءة في مضمون كتاب المتوسط والعالم المتوسطي.
1. مقدمة المترجم:
يتعرض المترجم في بداية هذه المقدمة إلى أهمية الكتاب، إذ أشار إلى أن ما أحدثه هذا المؤَلَف يعتبر ثورة علمية جددت مناهج علم التاريخ وموضوعاته، الأمر الذي يفسر ترجمته إلى العديد من اللغات، التي تعدت العشرة، وتحدث كذلك عن الجهد الذي بذله فيرناند بروديل في انجاز هذا الكتاب، ثم استطرد في الحديث عن المنهجية التي اتبعها بروديل في كتابه والتي تعتمد على إخراج البحث التاريخي من القوقعة السياسية، واستبعاده السرد التعاقبي للأحداث التاريخية، وتناول مجمل وقائع الإجتماع البشري من جغرافية واقتصادية واجتماعية وسياسية وحضارية، حيث لا يمكن الفصل بين التايخ الإجتماعي والتاريخ السياسي والتاريخ الاقتصادي والتاريخ الثقافي-الحضاري. كما ذكر مروان أبي سلمى في هذه المقدمة بأن التاريخ الشامل الذي وضعه بروديل للعالم المتوسطي ليس جامعا لتوارخ البلاد والأقليم المتوسطية المحلية من أوروبا وشمال إفريقيا فالشرق الأوسط، بل هو تاريخ تفاعل هذه البلاد والأقاليم وتدخل مستويات اجتماعها البشري وتكاملها، ثم انتقل للحديث عن الأقسام الثلاثة للكتاب.