السيستم والأخلاق وخطر القانون

التواتي محمد

طاقم الإدارة
مشــــرف عــــام
المشاركات
818
مستوى التفاعل
49
النقاط
28
السيستم والأخلاق وخطر القانون
جيمس بوكنان من رواد مدرسة شيكاغو الاقتصادية وصاحب نظرية الاختيارات العامة وحاصل على جائزة نوبل للاقتصاد.. ولكن بكل أسف غير مقروء ولا يسمع به أحد في عالمنا العربي عموما رغم اهمية الابحاث التي انجزها.
البيروقراطي، أو الموظف العمومي، هو بشر كغيره من البشر يسعى لتعظيم منافعه.. لكن طبيعة الوظيفة العمومية أنها محدودة في منافعها، مرتبطة بالصدقات العمومية (الضرائب) التي تجمعها الحكومة وسلم تنقيط بائس وسلم اقدمية أكثر بؤسا. بينما عمي احمد في البقالة المجاورة في ورقلة يلتقي بعمي الطاهر من غرداية فيتفقان على صفقة في جلسة قهوة يغامر عمي احمد ويرسل السلعة الى بشار او تمنراست ويحقق بها ارباح مجزية يشتري وراءها مباشرة سيارة جديدة. اما الجمعي، الموظف العمومي، يعاني من تأخر الراتب وتعثر تسليم سكنات عدل.
هل هذا المشهد خاص بالجزائر
لا أبدا ... نحن لسنا استثناءا .. هذا شيء تكرر في كل الدول..
ومن يشاهد الأفلام الامريكية على سبيل المثال يجد ان كل قصص المافيا والبوليس تتحدث في جوهرها على تورط البيروقراطي في الفساد بشكل او بآخر..
وكيف يعظم البيروقراطي ارباحه ومنافعه..
الطريق الوحيد امامه هو استغلال ما يملك من قوانين وتعليمات واجراءات بيروقراطية..
الجمركي الذي يفتح الحاوية لا يحظر لموقع الفتح ويصبح المتعامل بين خيارين يدفع مصاريف تاخير للشاحن او يدفع للجمركي مصاريف حتى يحضر.. وفي كثير من الاحيان يرد بالتلفون افتحوا الحاوية دون ان يحضر..
وهكذا يتحول الجهاز البيروقراطي الى مشكلة عويصة..
وكثير من المواطنين يكونوا على جانب عالي جدا من الاخلاق ويصبح مخير بين امرين يعمل مثل زملائه او يلتحق بركب البطالين بسبب انعدام الخيارات..
والحل واضح.. في اربع خطوات..
الغاء القوانين التي يمكن للفاسد ان يستغلها.. deregulation
تقليص عدد موظفي القطاع العام
رفع اجور ما تبقى من موظفي القطاع العام تبعا لذلك من الضرائب التي تجمعها الحكومة..
خوصصة اكبر قدر من الخدمات العامة.. مثلا لا تشغل شرطي حارس مبنى.. وتعطي له الفتات.. فيضطر يستكمل راتبه بشكل آخر..
عندما يختل وضع البيروقراطي فانه يصبح خطر على الاستقرار الاجتماعي وعلى الامن الوطني.. لانه بكل بساطة يسهل شراءه داخليا وخارجيا..
لكن بكل أسف بدلا من تفسير الظاهرة كما فعل العلماء الذين درسوها بكل جدية.. يبدأ يتحدث الناس عن الاخلاص وحسن الخلق والوطنية ويتهم هذا بالعمالة وذاك بالجهوية..
هذا لا يعني ان البعد الاخلاقي لا يوجد.. او ليس ذو قيمة.. ولكن هذا يعني ان المنظومة يجب ان تبنى بحيث ان الشيطان نفسه لا يستطيع ان يلعب فيها..
وهنا نأتي للنقطة الأساسية..
يجب اعطاء الحق للناس للقيام بالتبادلات بالطريقة التي ترضيهم.. ولذلك على كثير من الثقفين والنخب ان تتخلى عن وهم القانون.. القانون يجب ان يفعل في حالة النزاع.. وليس في حالة ابرام العقود والتبادلات بين الناس..
كل شخصين التقيا وتوافقا على نشاط معين بحرية ودون اكراه فذلك هو القانون الذي يحكم بينهما. اذا تنازع نلجأ للقوانين العامة الضابطة للعلاقة العامة.
ورحم الله الفقهاء السادة الذين جعلوا العرف من مصادر التشريع..
وهم القانون هو وهم موروث من المنظومة القانونية الفرنسية التي تجعل لكل نشاط له قواعد قانونية في نوع من الجنون.
واذكر انني كنت في فرنسا وبالصدفة فتحت التلفزيون فوجدت نقاشا برلمانيا حول ضرورة وضع قانون للتروتينات التي يستعملها الشباب للتنقل.. والسبب ان شابا اصطدم بعجوز في الطريق.. فقرر مجموعة من المعاتيه البرلمانيين والمشرعين ان يجعلوا حياة ملايين الشباب المراهقين جحيما ويعطوا فرصة للشرطة ان يطاردوهم لانهم حددوا لهم طريقة سياقة التروتينات والاماكن.. حادث واحد يخضع للقواعد العامة للقانون وهو حادث الخطأ فقام هولاء المجانين بتدمير حياة الملايين من الشباب والشابات الفرحين بالتروتينات..
وسمعت نفس الكلام حول استعمال الدرونات الشبابية.. كل ما يتنفس المواطن الفرنسي هناك صعلوك في البرلمان يفكر كيف يضع له قانونا يحدد له عدد الانفاس..
والمصيبة تتفاقم اكثر حتى يصبح البرلمان خطر على الحريات العامة.. وتصبح كل دورة برلمانية هي معركة بين المجموعات المختلفة لتمرير قوانين لتدمير المجموعات المتنافسة.. وتصبح كل دورة برلمانية هي مشروع لمصادرة حرية طرف ما.
وهذا حدث كثيرا حيث يروى ان عصابات النقابات كانت تناضل من اجل رفع اجور عمال المناجم وضغطوا عبر اللوبيات حيث تمكنوا من رفع الاجور وزيادة تكلفة الفحم وفي ذلك المنعطف بالضبط اصبح يجد الناس فائدة في استعمال النفط والبنزين.. فضاعت الاجور وضاعت المناجم.. ولما ارتفعت الضرائب الى اكثر من 50% وبلغت بعض السنوات 75% حمل رجال العمال اغراضهم وهاجروا الى ماليزيا وكوريا الجنوبية وتايوان والصين.
الجنون القانوني في الجزائر موروث من جنون فرنسي حيث جعلوا البرلمان في يد الملك بدلا من ان يكون في يد الشعب.. بينما وثيقة الماجنا كارتا البريطانية التي هي اساس الدساتير الحديثة كانت للحد من سلطات الملوك وليس لخنق الرعية.
وفي السنوات الاخيرة مررنا بعبث كبير.. لما بدات اشكالية السيارات وبحجة حتى لا تتحول الجزائر الى مكب للسيارات المستعملة قالوا فلاسفة القوانين يسمح لاستيراد السيارات اقل من ثلاث سنوات.. يعني سيارة تمشي في الطرقات الجزائرية عشرين سنة يسمح لمواطن باعادة شرائها.. وسيارة تسير في طرقات المانيا او اليابان خمس سنوات لا يسمح له باقتنائها.. وحجة الخردة مردودة لانه لا يوجد مواطن يشتري خردة سيبحث عن احسن سيارة باقل سعر.. وهكذا بقيت حظيرة السيارات في الجزائر حظيرة بائسة بسبب انصار القانون والتشريعات..
البيروقراطي الفاسد هو ضحية منظومة واقفة.. يمكن ان تاتي باحسن سائق لكن اذا كان محرك السيارة لا يسير فلن يتحرك مترا واحدا.. كذلك المواطن الذي يجد نفسه في دوامة متناقضة ومتعارضة وتصطدم مكوناتها بعضها ببعض لا يفهم ما يحدث.. فيتهم اخلاق البيروقراطي ويتهم اعداء الوطن بل مسؤولين كبار انفسهم يتحدثون عن مؤامرات تريد ان تنسفهم.. وفي الحقيقة كل ما يحتاجون اليه هو اصلاح محرك سيارتهم فتتحرك الامور.. وحتى تصلح المحرك عليه فقط ان يلغي المسامير والحجارة القانونية التي تمنعه من العمل بشكل جيد.
هل هذا الامر جديد
لا بل كل الدول تقوم في كل مرة من حياتها بالغاء وتغيير ترسانة القوانين واللوائح والتنظيمات لتحرير التبادلات بين الناس..
السيستم هو مجموعة القوانين واللوائح والتنظيمات.. والاخلاق قيمة انسانية عالية.. السيستم الناجح هو السيستم الذي لا تؤثر عليه الاخلاق السيئة.. وتزيده الاخلاق الحسنة نجاحا وتالقا.. والسيستم الفاشل هو السيستم الذي يعطي لاصحاب الاخلاق السيئة ادوات العمل والتخريب وصناعة الفوضى عبر سلاسل من القوانين واللوائح التنظيمية البلهاء.
مرفقا صورة الرئيس ترامب وهو يقطع الشريط الاحمر وهو كناية عن الفساد البيروقراطي ويلغي الاف الاوراق المملوؤءة بالقوانين والتنظيمات ودفاتر الشروط التي يستغلها البيروقراطي لتعظيم منافعه وافساد حياة الناس.. ويعوظها بحزمة صغيرة من اللوائح التنظيمية التي تحرر الناس من خطر القانون.
وكذلك فعلت الصين وبريطانيا وكثير من الدول..
 
أعلى