بحث حول المنهج الحفري الاركيولجي عند ميشيل فوكو

سلطانة الصحراء

عـــضو مـآسـي
المشاركات
1,475
مستوى التفاعل
102
النقاط
63
بحث حول المنهج الحفري الاركيولجي عند ميشيل فوكو
خطة البحث
مقدمة
مبحث الاول المنهج الحفري الاركيولوجي
المطلب الاول تعريف المنهج الحفري الاركيولوجي
المطلب الثاني اليات المنهج الحفري الاركيولوجي
المبحث الثاني: التحليلات الخطابية والاركيولوجية عند فوكو
المطلب الاول مميزات التحليليةالخطابية عند "ميشيل فوكو
المطلب الثاني فرق بين الاركيولوجيا البنيوية و الابستمولوجيا
خاتمة.
قائمة المراجع
مقدمة
يُعَدُّ المنهج الأركيولوجي الذي وضع آلياته الفيلسوف والمؤرخ الفرنسي "ميشيل فوكو"، أحد أبرز المناهج الفلسفية التي طفت على سطح الدراسات الفلسفية والتاريخية في الإبستيمي المعاصر، حيث حاول "فوكو" من خلال الأركيولوجيا نقد البنى الثقافية الغربية في مجالاتها المختلفة، بهدف الكشف عن الأسس الإبستيمولوجية التي تساهم في التأسيس للخطاب في المراحل المعرفية المختلفة، ومن ناحية أخرى، فقد سعا "فوكو" إلى تحقيق هدفين متكاملين، تمثَّلا في: تقويض الميتافيزيقا وتفكيك مقولاتها، إضافة إلى محاولة تحقيق مبدأ العلمية في الدراسات التاريخية ومن هنا نطرح اشكالية. مذا نعني بالمنهج الاركيولوجي وما هية عناصره
المبحث الاول: المنهج الحفري الاركيولوجي وهنا سوف نقوم بتعريف هدا المنهج واهم عناصره
المطلب الاول: تعريف المنهج الاركيولوجي
الفرع الاول: تعريف الاركيولوجيا في تحديد مفهوم الاركيولوجيا :
تعني الأركيولوجيا العلم الذي يُعنى بدراسة الحضارات التي شيَّدَها الإنسان قديما، باستعمال الأدوات والوسائل المختلفة بهدف الحفر والتَّنقيب عن الآثار والمعالم التي خلفتها تلك الحضارات؛ كما تتضمن كلمة أركيولوجيا البحث في الأصول الأولى للتشكل والبدايات الأولى لنشأة الفكرة، إنها إذن بحث في التاريخ، بهدف الكشف ما يسمى الشروط القبلية التي تحدد نمط معين في فترة تاريخية معينة، سواء كان هذا النمط معرفي أو فلسفي أو تاريخي.
وارتبطت لفظة "أركيولوجيا" بالفلسفة التحليلية المعاصرة التي تحاول تقويض الأصول الأولى لنشأة المعرفة وتفكيك الحقيقة الميتافيزيقية التي سيطرت على الخطاب الفكري الغربي، في محاولة لتجاوز الفلسفة القديمة وأطروحاتها حول القيمة والحقيقة والمركز، كما ارتبط المنهج الأركيولوجي في الفكر الغربي المعاصر بالفيلسوف الفرنسي "ميشيل فوكو" الذي حاول من خلال أطروحاته المختلفة البحث عن البنى المعرفية والأصول الفكرية، ولكنه لم يستعمل اللفظ بالمعنى القديم لكلمة أركيولوجيا باعتبارها البحث عن الأصل لتمجيده والانطلاق منه لتشكيل معرفة جديدة، بل البحث عن بدايات نسبية لتشكل المعرفة. وهو بذلك محتاج إلى التاريخ من اجل تبدد خرافة الأصل، وخرافة البداية الأولى كما سنوضحه لاحقا.
تسعى "الأركيولوجيا" بصفتها منهج للحفر، والتنقيب والتعرية، في فعاليات الحياة ونصوص الوثائق والخطابات المحفوظة، إلى الكشف عن النظم المعرفية، التي تحكمها وتنظّمها في سياق واحد، كما يهدف البحث الاركيولوجي في مجال النصوص التاريخية الى الكشف عن ما يتضمنه من أحداث مدونة, أو أخرى مسكوت عنها، أو أُقصيت أو قمعت الحقائق فيها، والبحث في طبيعة الظروف التي أنتجت نصوصه وفقها والكشف مكنوناتها،إضافة إلى ذلك، فان منهج البحث الأركيولوجي يحفر وينقّب في الوثائق الرمادية، كما يعبر عنها المفكر الألماني "فريدريك نيتشه"، وهي الوثائق المهملة التي من غير المتوقع, أن يقرأ فيها ما يفيد أو يخرج عنها بمعلومة, مثل وثائق العقود المختلفة، المبرمة في حقبة تاريخية معينة، بين الدولة والفرد، أو بين الأفراد في المجتمع.
 

سلطانة الصحراء

عـــضو مـآسـي
المشاركات
1,475
مستوى التفاعل
102
النقاط
63
الفرع الثاني :تعريف المنهج الاركيولوجي عند ميشيل فوكو
استعمل "فوكو" مفهوم الأركيولوجيا لأوَّل مَرَّة في كتابه "تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي" بالإضافة إلى أنَّ كتابه "مولد العيادة" كان يحمل عنوانا فرعيا وهو" أركيولوجيا النظرة الطبية وبعد نشر "فوكو" "الكلمات والأشياء" حمل هو الآخر عنوانا فرعيا، وهو "أركيولوجيا العلوم الإنسانية"، ثم "اصدر كتابه المعنون بـــ:"أركيولوجيا المعرفة" الذي أوضح فيه الآليات التي اعتمدها في بلورة المنهج الاركيولوجي.
استخدم فوكو هذا المفهوم للمنهج الذي وضعه في دراسته وتحليله للبنى المعرفيَّة الغربيَّة، حيث يُقِّرُّ في" أركيولوجيا المعرفة"، أنَّه أطلق على منهجه " إسم الحفريات"،(1) التَّي ستعمل على وصف الممارسات الخطابية بطريقة مخالفة لباقي المناهج التاريخية؛ ففي نظر "فوكو" أنَّ المناهج المعمول بها غير قادرة على وصف الخطاب وتحليله بالكيفية اللازمة " وانطلاقا من هذا يبرر "فوكو" » اعتماده علىالمنهج الأركيولوجي في قوله : « فقد سبق أن وجدت مناهج كثيرة قادرة على وصف اللغة و تحليلها بحيث لا يمكن لأ ي احد ان يزهو بنفسه ويُعجب بها، مُدَّعيًّا أنَّه يُضيف منهجا جديدا إليها (2) فاالمناهج المعتمدة في الدراسات التاريخية لا تخرج عن كونها تائهة بين جدران النسقية الرتيبة .
المطلب الثاني اليات المنهج الحفري الاركيولوجي
آليات المنهج الاركيولوجي:
يتميز المنهج الاركيولوجي بامتلاكه لحزمة من المصطلحات والمفاهيم التي يستوجب ضبطها والتي تمثل في آن واحد اليات أساسية فيما يسمى بالحفر والتنقيب في النصوص.
1- الخطاب:
يعرف فوكو الخطاب فيقول: "نسمي خطابا Discours مجموعة الملفوظات (المنطوقات والعبارات) التي تنتمي الى نفس التشكيلة الخطابية " اشتغل فوكو بمهمة وصف الملفوظات (énoncés) او العبارات وابراز نمط العلاقات الموجودة بينها، أي النظر الى الخطاب من حيث انتظامه الخارجي، فدراسة الخطاب لا تعني دراسة مضامينه، بل تهدف الى تحليله والإنصات الى ما يقوله ويمارسه "...ان وصف الاحداث الخطابية يطرح سؤالا مغايرا هو كيف نفسر ظهور منطوق ما بدلا من منطوق اخر كان يمكن ان يحل محله".
فدراسة الخطاب هدفها الاستحواذ على المنطوق او العبارة وتحديد ظروف وجوده ونهاياته وحدوده التي تجعله متميزا عن المنطوقات الأخرى.
فمقال علم النفس المرضي psychopathologie)) مثلا يمكن حصره في منطوق وعبارة واحدة وهي الجنون، والخطاب لا يمكن دراسته الا من خلال الموضوعات التي يتشكل منها ويتجسد فيها.
2-تكون الموضوعات:
اهتم فوكو ببنية الموضوعات وكيف تتكون فلعلم النفس المرضي مثلا موضوعات مختلفة ومتجددة عبرت عن جوانب مختلفة في الانسان غير السوي ولا شك ان لهذا التغيير والتجديد نظام يحكمه والذي يمكن تلخيصه فمظاهر ثلاث:
ا-تحديد المجالات التي تنبثق عنها الموضوعات حتى يسهل علينا تحديد الاختلافات الفردية الموجودة بين موضوع وآخر.
ب-وصف ما يسميه بحجج التعيين والتحديد فلطب الى جانب القضاء والسلطة الدينية، فلكل منهم أسباب في التمييز بين السوي وغير السوي.
ج-تحليل شبكات التخصيص، ويتعلق الامر بالانساق التي على أساسها نميز ونقابل ونصنف ونشتق مختلف أنواع الجنون بوصفها مواضيع لخطاب الطب العقلي.
3-تكون المفاهيم:
المفاهيم هي المصطلحات المرتبطة بمختلف العلوم والفروع، لهذا اهتم فوكو بالبحث في إمكانية ايجاد صيغة او قانون يفسر قضية الانبثاق المتتالي والمتزامن للمفاهيم المختلفة، أي البحث في إمكانية إيجاد رابطة منطقية تجمع المفاهيم المشتتة.
وفي هذا الصدد حاول فوكو ان يبين المجال المنطوقي الذي تنمو فيه المفاهيم والتنظيم الذي تخضع له خلال نموها.
 

سلطانة الصحراء

عـــضو مـآسـي
المشاركات
1,475
مستوى التفاعل
102
النقاط
63
4-العبارة: (المنطوق)
تمثل العبارة او المنطوق او الملفوظ الوحدة الأساسية في الخطاب عند فوكو ,فهي ابسط جزء في الخطاب ,ولهذا فهي تمثل الموضوع الأساسي والمباشر للحفر يقول فوكو:"لقد استعملت كلمة منطوق للحديث عما يشبه التجمع المنطوقي او لمقابلتها مع هذه المجموعات التي نسميها خطابا يظهر المنطوق لأول وهلة في شكل عنصر اخيرغير قابل للانقسام ,وقادر لان ينفرد بذاته وقادر على الدخول في لعبة علاقات مع عناصر أخرى متشابهة (...)وهكذا يمكننا القول ان المنطوق هو ذرة الخطاب" علما ان فوكو لا يهتم في التحليل الاركيولوجي بقواعد اللغة او المنطق وللعبارة عند فوكو ثلاث خصائص أساسية:
ا-خاصية الندرة:
ان تحليل المنطوقات او العبارات يأخذ بعين الاعتبار عامل الندرة الذي تعاني منه المنطوقات "اذ نلاحظ كيف ان النصوص التي تهمنا ترتد الى بعضها وكيف تنتظم في هيئة واحدة، ثم كيف تبدو محددة بحيث يكون كل عنصر فيها معبرا عن الكل الذي ينتمي اليه" وهكذا تصبح الكلمات التي قيلت لا تعبر عن الأحاديث فقط بل تكشف عن المؤسسات والممارسات، فتحليل المنطوقات يهدف الى وضع قانون للندرة او التقليل عن الفراغ الموجود في التكوينات الخطابية.
ب-خاصية الدراسة من الخارج:
تفترض هذه الخاصية من بين ما تفترضه عدم اعتبار مجال المنطوقات مجرد ترجمة لعمليات تطور تحدث في أفكار الناس ومشاعرهم اولاشعورهم، وانما يجب النظر للمجال بوصفه مكانا للأحداث، طما تفترض الخاصية عدم ارجاع المنطوقات الى ضمير فردي او جمعي او حتى الى ذاتية متعالية كما يفترض عدم اخضاع مجال المنطوقات للخصوصية الزمانية نفسها التي يخضع لها الشعور فتحليل المنطوقات لا يجب ان يرجع الى أي كوجيتو.
ج-خاصية التراكم:
وتتلخص هذه الخاصية في ان التحليل المنطوقي يفترض الإخذ بعين الاعتبار ظواهر التكرار التي قد تحدث، فكل منطوق يتمتع بعناصر سابقة تؤهله للتكيف مع الأوضاع التي تطرأ على المجال المنطوقي.
5-معنى القبلي-التاريخي:
القبلي التاريخي هو عبارة عن مجموعة القواعد التي تميز الممارسة الخطابية، وان كان فوكو لا يهتم بتحليل القبلي الصوري الا ان هذا الأخير يسمح بتفهم كيفية ارتباط وانتظام اختصاصات مختلفة في المجال التصوري نفسه لحقبة زمانية محددة.
وبناءا على ذلك تتعدد المؤلفات ولكنها تتشابك دون وعي من مؤلفيها يقول فوكو: "مفهوم القبلي التاريخي في نظري ليس شرطا واقعية العبارات كما انه لا يهتم بإيجاد ما يجعل قولا من الاقوال مشروعا. انه شرط انبثاق المنطوقات وظهورها او قانون وجودها المشترك مع الغير والصورة المميزة لنمط وجودها والمبادئ التي تتحكم في استمرارها وتحولها وزوالها "وهكذا وانطلاقا من القبلي التاريخي يمكننا تتبع المنطوقات في انتشارها وتصدعاتها.
 

سلطانة الصحراء

عـــضو مـآسـي
المشاركات
1,475
مستوى التفاعل
102
النقاط
63
6-الارشيف:
يعرف فوكو الرشيف بقوله: "لا اقصد بهذا المصطلح مجموع النصوص التي احتفظت بها ثقافة ما بوصفها وثائق ماضيها الخاص او شهادة عن هويتها المثبتة كما أني لا اقصد مؤسسات مجتمع معطى ... الأرشيف هو القانون الذي نعرف من خلاله ما قد قيل وهو النسق الذي يحدد ظهور المنطوقات بوصفها احداثا فردية "
وأخيرا يمكن القول ان المنهج الاركيولوجي أحد أبرز المناهج الفلسفية المعاصرة وقد حاول فوكو من خلال هذا المنهج نقد البنى الثقافية الغربية للكشف عن الأسس الإبستمولوجية التي أسست الخطاب الحداثي الغربي من جهة، ومن جهة أخرى يمكن القول ان فوكو أحدث شرخا كبيرا في الميتافيزيقا واستطاع ان يفكك مقولاتها ويخلخل يقينها، وفي نفس الوقت استطاع الى حد ما ان يحقق ويكرس مبدا العلمية في الدراسات التاريخية والفلسفية
المبحث الثاني: التحليلات الخطابية والاركيولوجية عند "ميشيل فوكو
المطلب الاول مميزات التحليلية الخطابية عند "ميشيل فوكو
ـ تتميز التحليلات الخطابية عند "ميشيل فوكو " كالتالي:
ـ بأنها لا تتساءل عن التسلسل التاريخي و لا عن معاني النصوص و إنما تتساءل عن شروط ظهور مختلف الخطابات في التاريخ هذا ما يؤدي إلى تحليل الخطاب في بعدها الخارجي و ذلك بوصف الخطاب في ماهياته الخاصة، لأن البحث الأركيولوجي في الخطاب ليس بحثا عن قواعد بنائه كما يفعل البنيويين و إنما البحث فيه يتم لمعرفة شروط و جوده ، و كذلك ارجاع الخطابات إلى الممارسات الخطابية و غير الخطابية أو إلى الميدان العلمي الخاص به ، و ليس ارجاعه إلى الروح أو الذات الإنسانية المبدعة .2
- الاركيولوجيا هي كذلك بحث صوري و مجرد عن كل سياق بشري أو تاريخي ، يهدف إلى الكشف عن القواعد الصورية لتشكل الخطابات في فترة زمنية معينة 3.فالاركيولوجيا هو منهج الاكتشاف والنسق الذي يبحث عنه هو "الابستيمي ".
الابستيمي كبنية معرفية كبرى :
ـ أثبت مشيل فوكو بوجود نظام خفي وراء ظهور و نشأة المعارف في كل عصر معين ، فهو يقول عن نفسه بأنه أول من برهن على وجود ترابط ابستيمي عميق بين مختلف أنواع جميع المعارف السائدة في فترة زمنية معطاة في عصر معين و اكتشافه هذا يسمى الابستيمي يقول : " ليس هناك ، في ثقافة معينة و في فترة زمنية تاريخية محدودة ، سوى إبستيمي واحدة ، هي التي تحدد شروط الإمكان بالنسبة لكل معرفة ، سواء تلك التي تظهر في نظرية ما، أو تلك تستثمر ضمن الممارسة" .4
فالابستيمي إذن هي الخلفية التي تكمن وراء المعرفة في عصر عين ، فهي البنية التحتية التي تحدد أشكال المعرفة ، و المنهج الأركيولوجي هو الذي يجعل هذا النظام يتحدث ويتكلم و ينعني كذلك مجموعة العلاقات التي يمكنها أن تجمع في مرحلة معطاة الممارسات الخطابية التي تتضمن أوجه ابستمولوجية عدة في العلوم المرتبطة بأنساق مكونة من جهة ، و من جهة أخرى هو ليس شكلا من اشكال المعرفة،أو نمطا من انماط العقلانية يظهر وحدة موضوع البحث في فكر معين او مرحلة معينة من خلال اختراقه لمجالات العلوم المختلفة ، بل هو مجموع العلاقات التي يكمن أن نكتشفها في مرحلة معطاة بين العلوم عندما نقوم بتحليلها في مستوى الانتظامات الخطابية .1
و الابستيمي يتشكل حسب فوكو من شبكة مفهوميه تؤسس ما يسميه بالأوليات التاريخية Apriori historique أو الشروط القبلية لا مكان ظهور المعارف في مرحلة تاريخية معينة ، وهذه الأوليات هي التي تسمح بنشوء معرفة ممكنة ، فالأوليات شروط قبلية لظهور المعارف في فترة زمنية محددة ، لا تستمر إلا خلال تلك الفترة فقط ، وتتخلى عن مكانها لأخرى عندما تستنفد وظيفتها ، و الأوليات ليست من اختصاص تاريخ الأفكار و لا تاريخ العلوم و لا التاريخ بصفة عامة ، إنها الموضوع المفضل للاركيولوجيا . 2
 

سلطانة الصحراء

عـــضو مـآسـي
المشاركات
1,475
مستوى التفاعل
102
النقاط
63
أي يعني في كل فترة أو مرحلة تاريخية محددة هناك ابستيمي واحدة ، أو بنية معرفية واحدة هي التي تنظم انطلاقا منها و حولها جميع المعارف، وهذا بالضبط لب البنيوية وفق الاستعمال الفوكوي.
فما علاقة، إذن ، مشروع فوكو " الأركيولوجيا البنيوية " بتاريخ العلوم و الابستومولوجيا؟
يوجد بين هذين الفرعين المعرفيين وبين الاركيولوجيا نوع من الاهتمام المشترك بإشكالية نشأة العلوم و المعارف و تطورها، و اعتمد فوكو عليها لجمع و تنظيم المادة المعرفية التي تسلمها ابحاثه .
المطلب الثاني فرق بين الاركيولوجيا البنيوية و الابستمولوجيا و يتمثل فيما يلي :
- تحليلات فوكو الاركيولوجية لا تنصب على ميدان العلم بالمعنى المتعارف عليه كما هو بالنسبة للأبستمولوجيا ، بل على ميدان العلم بصفة عامة ، أنها قبل كل شيء اركيولوجية المعرفة و الأبحاث التي تقوم بها تشمل ميدان المعارف المنشاة حول الانسان في فترة الحداثة ، فهي إذن اركيولوجيا للعلوم الإنسانية .
- تختلف المبادئ التي توجه الاركيولوجيا عن تلك التي توجه الأبستمولوجيا ، ففوكو يزعم أنه يدرس المعارف بعيدا عن أي غاية أو علاقة بهدف خارجي عنها يكون هو الحقيقة التي تنشد بلوغها ، فهو لا يكترث بنمو العقلانية و تفتحها ، و لا باتساع مجال الموضوعية و لا بعمق الحقيقة.
- ليس هدف الاركيولوجيا إطلاقا هو تقديم نظرية جديدة للمنهج العلمي ، و لا تأسيس نظرية عامة عن المعرفة ، لأن المعرفة تنحل أو تتفكك في بنيات أو ابستيمات ، تتعاقب بدون ضوابط و بدون أن يكون لها تواصل أو ارتباط ، أي أن الاركيولوجيا لا تسعى إلى تطلعات علمية، يقول هنا فوكو:" أنني لم أقدم أبدا الاركيولوجيا كعلم ولا كأسس أولى لعلم قد ينشأ في المستقبل "1.
إن مفهوم تاريخ المعرفة الذي تعتمده الاركيولوجيا ، لا يسمح بالارتداد أو الرجوع إلى الماضي للبحث عن شروط التكوين والنشأة ، ففوكو فكل أساس في ظاهرة الانفصال والاختلاف في المعرفة ، إنه يرفض أن ينظر إلى العلم المعاصر على أنه صالح لاتخاذه كمعيار للتقييم النقدي.
الخطاب المعرفي :
لقد خص فوكو الخطاب بكتابين أساسيين هما اركيولوجيا المعرفة و كتاب نظام الخطاب ، فمن المعروف أن الخطاب هو ما يظهره الكلام ، كما أن كلمة خطاب تعبر عن الجدل ، العقل ، النظام .
فما هو الخطاب ؟
 

سلطانة الصحراء

عـــضو مـآسـي
المشاركات
1,475
مستوى التفاعل
102
النقاط
63
الخطاب هو مجموعة من المنطوقات أو الملفوظات ، التي تكون بدورها مجموعة من التشكيلات الخطابية المحكومة بقواعد التكوين و التحويل ، و على هذا الأساس يختلف الخطاب عن الجملة في اللغة و القضية في المنطق، كما يختلف التحليل الخطابي الالسني أو التحليل المنطقي سواء من حيث المرجعية أو المنهج .2
ويعرف فوكو الخطاب فيقول :"هو أحيانا يعني الميدان العام لمجموع المنطوقات و أحيانا أخرى مجموعة متميزة من المنطوقات و أحيانا ثالث ممارسة قواعدها تدل دلالة وصف على عدد معين من المنطوقات و تشير إليها3.
تحدث فوكو عن الخطاب ، و الممارسة الخطابية بدءا من تاريخ الجنون حيث يقرر التقليد الانساني ، قد نظر إلى الجنون باعتباره جزء من عالم الخطاب ، و يتم التعرف على الجنون كخطاب ، أو كمعرفة خطابية ، و هو ما يتماثل و الاشتقاق الفلسفي للخطاب ، كما أن الخطاب مجال للجنون تعمل الاركيولوجيا على وصفه و تحليله ، و نجده كذلك في مولد العيادة و خاصة في المقدمة يتحدث فوكو عن كيفية بناء الخطاب و منهج تحليل الخطاب و التشكيلة الخطابية .1
و في كتابه الكلمات و الأشياء قسم فوكو الفكر الغربي إلى ثلاثة حقب تاريخية انطلاقا من تشكل نظام معرفي بكل حقبة ، فعصر النهضة يتأسس على نظام التشابه مما يعني أن فهم خطابات هذا العصر لا يمكن فهمها إلا انطلاقا من هذا النظام فهي بمثابة المقدمات أو الأسس التي ينقلب منها ، و تتشكل بالتالي من خلالها المعرفية و السياسية و الفنية ، يلي عصر النهضة العصر الكلاسيكي ، المتمثل في القرنيين السابع و القرن الثامن عشر، ويسود هذا العصر النظام و الترتيب ، إما العصر الحديث القرن التاسع عشر ، أصبح التاريخ أو الإنسان التاريخي هو المقولة الأساسية في هذا العصر ، يؤكد فوكو أن الإنسان لم يكن موجودا قبل القرن الثامن عشر ، بمعنى أنه لم يكن هدف التفكير و لا منطلقه الأساسي أي أن تفكير الإنسان لم يكن إنسانيا .
من المهم التوقف عند مصطلحين استعملهما فوكو في إطار نظريته في الخطاب ، و هما الاركيولوجيا والجيولوجيا فموضوع الاركيولوجيا عنده ليس اللغة و إنما الأرشيف أي الوجود المتراكم للخطابات فالاركيولوجيا كما يقول ليست جيولوجيا أي تحليل للطبقات الأرضية و لا جنيالوجيا أي وصف للبدايات و التواريخ و إنما هي تحليل للخطابات في صيغة أرشيف فالأرشيف إذن هو موضوع الاركيولوجيا و التحليل الاركيولوجي، باعتباره ممارسة خطابية لهل قواعدها و شروطها و مبادئها في وصف الخطابات و تشكلهاوتحولها و شروط ظهورها و تراكمها و تسلسلها و أشكال و جودها و انتقائها أو تلاشيها وصاغتها .2
يقول فوكو أكثر من مرة، دع المقال يتكلم...
 

سلطانة الصحراء

عـــضو مـآسـي
المشاركات
1,475
مستوى التفاعل
102
النقاط
63
كان هدف فوكو تحليل دور المعرفة في علاقتها بالنظم و المؤسسات و ذلك لكي يكشف عن علاقات السلطة داخل المقال ، و التي ينشط المقال ابتداء منها فينعكس ذلك مرة آخرى على هذه النظم و تلك المؤسسات و لقد كانت المسلمة الأساسية في المنهج عند فوكو هي
أولا:عدم الالتزام بالقطاعات المعرفية المعترف بها ، و القطاع المعرفي و هو ما يسمى" علما "ليس في الحقيقة سوى مجموع من القضايا تطبق على العديد من الوقائع المتفرقة ، إذ ينبغي ألا نرى في هذه القطاعات المعرفية سوى وقائع مقالية .
ثانيا : لكي لا نبتعد عن مستوى المقال و لكي يظهر تفرد هذه الوقائع المقالية ، ينصح فوكو بوصف جميع الوحدات التي تكونت بفعل عمليات مفسرة أي تسلل إليها العنصر الذاتي ، و أول هذه الوحدات هو "الكتاب" ولا يغيب عنها بهذا الصدد أن هدم الكتاب إنما يعني هم الاعتراف بأي مؤلف .
ثالثا: التخلص من الأفكار العامة التي تضمن باستمرار لا متناهيا للمقال و التخلص مناي عنصر يدعي إقامة استمرار ليس له مايبرره بين عدد من الشواهد المقالية ، و يتبع ذلك الابتعاد عن التفسيرات التي تعتبر المسار التاريخي متصلا .
رابعا : التخلص من مفاهيم مثل التقليد و التأثير و النمو و التطور و العقلية و النفس و يترتب عن كل ذلك نتجنب التأليف السيكولوجي أي تقدمة الذات من تأليفات سيكولوجية.1
" فالمقال( الخطاب) مستقل بذاته و يتكلم عبر التاريخ و الإنسان."
ما مفهوم المنطوق عند فوكو؟
المنطوق درة الخطاب ، وحدته الأولى وعنصره الأخير ، يتماثل مع الجملة والقضية و الفعل اللساني و يختلف عليهم ، يقول فوكو: قد استخدمت فى مناسبات عديدة لفظ منطوق ، إما لاشي ربه إلى عدد من المنطوقات ، أو لا ميزه عن تلك المجموعات التي اسميها الخطابات مثل ما يتجزأ ، الجزء عن الكل ويبدو المنطوق كعنصر أخير ، أو جزء لا يتجزأ ، قابل لأن يستقل بذاته و يقيم علاقات مع عناصر أخرى متشابهة ، فالمنطوق هو أبسط جزء في الخطاب .2
ويتضح من خلال هذا التعريف أن المنطوق جزء أساسي من الخطاب فهو الوحدة الأولى ، للخطاب كعلاقة الجزء بالكل إلا أنه يتميز عن الخطاب في كونه يستطيع أن يستقل بذاته،أي ليس مشروطا بالخطاب ، كما أنه يقيم علاقات مختلفة من مثل ميدان الخطاب ، التشكيلة الخطابية ، و التحليل الخطابي .1
 

سلطانة الصحراء

عـــضو مـآسـي
المشاركات
1,475
مستوى التفاعل
102
النقاط
63
كيف يتكون الخطاب )المنطوق( :
يقول فوكو لقد استخدمت كلمة منطوق للإشارة إلى أحداث مفردة في مقابل هذه المجموعات التي نسميها مقالا ، و يظهر المنطوق لأول ولهة كعنصر لا ينقسم ، و يمكن أن يستقل بذاته ، و بإمكانه أن يدخل في علاقات مع عناصر أخرى مماثلة ، أن المنطوق هو درة المقال ، بحيث يرى فوكو أن أي رموز تألفت بطريقة مادية حرفت و تجمعت بطريقة عشوائية بعيدا عن أي قواعد للنمو أو الصرف ، يمكن أن تكون خطابا منطوقا على شريطة أن يكون لها شيء آخر علاقة خاصة ، و إذا قيل أن هذه العلاقة "الدال بالمدلول" أو هي علاقة الإسم بما يشير ، أو علاقة الجملة بمعناها ، فإن فوكو يبين أنها لا يمكن أن تتطابق مع أي من هذه العلاقات فالاسم هو عنصر لغوي يمكنه أن يحتل مكانا في مجموعة نحوية فضلا عن أنه يعرف بإمكانية تكراره ، إما المنطوق فأنه يوجد بعيدا عن أي احتمال لظهور جديد .2
و من جهة نظره أن علاقة القضية بالواقع لا يمكن أن تكون أنموذجا أو قانونا لعلاقة المنطوق بما يعبر عنه ، فهذا الأخير ليس منتميا إلى مستوى آخر ، بل يبدو و كأنه سابق على القضية ، ولا ينبغي أن نخلط العلاقة بين منطوق و ما ينطق به بعلاقة الجملة و بمعناها ، فالتباعد بين هذه النوعين من العلاقات إنما يظهر جلا في حالة الجمل الخالية من أي المعنى رغم سلامتها من الناحية اللغوية أو النحوية كما في المثال التالي :
"إن الأفكار الخضراء لا لون لها تنام نوما عميقا" ، احتمال أن تكون هذه الجملة سردا لأضغاث أحلام و احتمال ان تكون الجملة مقتطفة من نص شعري ، و احتمال أن تكون رسالة سفرية ، و احتمال أن تكون الجملة هديانا صادرا تحت تأثير المخدر ، ويبقى أن تكون جملة نمطا معنا للمنطوق تربطه علاقة محددة بالواقع المرئي ، فهو يرى أنه يوجد داخل علاقة منطوقية محددة و ثابتة امكانية ان تحدد العلاقة بين الجملة و معناها
خاتمة
وخلاصة قولنا في هذا المبحث أن فلسفة ميشيل فوكو تنتسب للبنيوية بشكل أو بآخر، ففوكو واصل ما بدأته البنيوية في هدمها للذات الإنسانية ، فهو لم يرض بما وفرته البنيوية وراح يبحث عن شيء جديد أكثر تجاوبا مع تطلعاته فأمزج المنهج الاركيولوجي بالبنيوية للبحث عن أسس النظم المعرفية الابستمولوجية ، و ما يبين كذلك انتمائه للبنيوية طبيعة أرائه حول اللغة و نهاية الذات و الوعي و القطيعة التاريخية تجمعه في مذهب واحد مع البنيويين .
المراجع :
1 ــ ميشال فوكو: حفريات المعرفة، ترجمة سالم يفوت، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط3، ص125.
2 ـ المرجع نفسه، الموضع نفسه
3 ـ المرجع نفسه، ص126
4 ــ الزواوي بغورة ، مفهوم الخطاب في فلسفة ميشال فوكو ، المجلس الاعلى للثقافة، 200، ص114.
5 ــ فوكو، حفريات المعرفة ، ص122.
6 ـ المرجع نفسه 126.
7 ــ المرجع نفسه 127
8 ــ ميشال فوكو، جينيالوجيا المعرفةنظام الخطاب ، ترجمة احمد السطانيوعبد السلام بن عبد العالي، دار توبقال المغرب ،ط 3 ،2008 ص128
9 ــ فوكو، حفريات المعرفة
 
أعلى