- المشاركات
- 543
- مستوى التفاعل
- 38
- النقاط
- 18
اللسانيات البنيوية
المدرسة البنيوية في أوروبا وأمريكا
مفهوم المدرسة:
المدرسة اللسانية أو اللغوية هي مجموعة من المفاهيم تتبناها طائفة من اللغويين، بحيث تجمعهم وجهة نظر واحدة للغة، ومنهج واحد في معالجة الظواهر اللغوية ، مهما اختلفت أوطانهم وجنسياتهم. فالمدرسة نظرية أو إطار فكري عام معين يٌتخذ لمعالجة البحث اللغويّ. فلا تعد المدرسة مدرسة إلا إذا حددت رؤى و أهدافا ثابتة ، واتخذت لنفسها أصولا وأسسا مخصوصة ، ورسمت منهجا واضحا تسير عليه في معالجة المسائل والقضايا.
المدرسة البنيوية:
إنّ المدرسة البنيوية هي أول مدرسة لسانية حديثة، وهي منطلق المدارس اللسانية الحديثة جلها؛ فالمدرسة البنيوية أول مدرسة قامت على أفكار دي سوسير التي تعد منطلق المدارس اللسانية الحديثة.
البنيوية اللغوية- في أساس مفهومها وأبسط صورة وأوجزها لهذا المفهوم – هي: منهج عام يأخذ اللغة على أنها (بناء) أو (هيكل)، أشبه شيء بالهيكل الهندسي المتشابكة وحداته ذات الاستقلال الداخلي، والتي تتحد قيمها بالعلاقات الداخلية بينها، وذلك بمعزل عن أية عناصر خارجية، كصاحب النص المنطوق أوالمكتوب، والسياق الخارجي أو غير اللغوي ؛ إذ إن هذين العنصرين ليسا من اختصاص علم اللغة في نظر البنيويين0 ومعنى ذلك أنّ تحليل أي نص لغوي يعتمد على نظرتين : هما استقلاليته عن أية ملابسات أو ظروف خارجية ، والثانية تشابك وحداته وترابطها فيما بينها داخليا، وعليه، يدرس البنيوي اللغة في ذاتها ولذاتها.
أهم العوامل التي أدت إلى ظهور البنيوية :
اقتران التيار البنيوي بأسلوب البحث في مختلف المعارف فلكل علم مادة، ولكل مادة بنية، ويكفي أن يحدد الباحث المتخصص هدفه في استكشاف خصائص بنية تلك المادة حتى يطلق على نفسه أو يطلق عليه الآخرون صفة الباحث البنيويّ، بل إنّ منهج البحث في حقل من المعارف إذا ارتسم لنفسه غاية الكشف عن العلاقات التي تنتظم بها الأجزاء ليتألف منها البناء الكلي ، تحتم إدراجه في فلك البنيوية0وهذا هو الذي سوّغ اكتساح موجة التيار البنيوي للعلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية.
بدأت البنيوية مع دي سوسير ثم تطورت في أوروبا وأمريكا في وقت واحد، ولكن دون اتصال كبير بينهما. وثمة نمطان أساسيان في البنيوية في أوروبا:
1- مدرسة جنيف، وهي المدرسة البنيوية التقليدية كما يمثلها دي سوسير
2- المدرسة الوظيفية، وتتمثل بأعمال حلقة براغ.
3- أما المدرسة البنيوية الأمريكية فقد أسسها بلومفيلد، وتدعى المدرسة التوزيعية، ومدرسة ييل.
أولا : مدرسة جنيف: دي سوسير مؤسس البنيوية
على الرغم من أن دي سوسير نفسه لم يستخدم كلمة "بنية" ، وإنما استخدم كلمة "نسق" أو "نظام"، إلا أن الفضل الأكبر في ظهور المنهج البنيوي في دراسة الظاهرة اللغوية يرجع إليه. لقد كان دي سوسير الرائد في كثير من الأفكار اللغوية ذات الطابع البنيوي، ومن أهم أفكاره:
1- النظرة "البنيوية" إلى اللغة، من حيث عرفها بأنها: نظام من العلامات
2- "السنكرونية" أو (الوصفية) في مقابل "الديكرونية" أو (التاريخية).
3- ثنائيته المشهورة "اللغة والكلام" وتفريقه الحاد بينهما0
تفسيره : هذه الأفكار الثلاثة مترابطة متكاملة ، لا انفصام لها وليس من السهل أن يعزل واحد منها عن الآخر في نظر سوسير على الأقل. فاللغة تمثل نظاما مجردا من العلامات، ويتأسس هذا النظام على العلاقات التي ترتبط بها العلامات لتشكل نظاما أو بنية. وهي علاقات يشترك فيها كل أعضاء الجماعة اللغوية وتمثل المخزون الذهني لهم. في حين يمثل الكلام الفعل الفردي أو التحقق النطقي للبنية، والذي لا يمكن أن يتكرر على نحو متماثل أبدا. ولأن اللغة من وجهة نظر سوسير تؤلف نظاما بنيويا متماسكا؛ فإنّ أي مقاربة للغة ينبغي أن تصف وتفسر عمل هذا النظام الداخلي.
والمنهج البنيوي يقوم على مفهومين اثنين - هما أساس المنهج الوصفي - : الوصف والتصنيف. فيبدأ باستقراء (جمع) الصور اللفظية المختلفة داخل أية لغة، ثمّ يصف العلاقات القائمة بين كلماتها في تراكيبها وصفا موضعيا ، ثم يصنيف النتائج تصنيفا دقيقا مميزا بين المؤلفات التي تتكون فيها التراكيب .
ودراسة العلاقات ذات القيم الفارقة بين التراكيب أو الوحدات اللغوية تتم في محورين:
1- المحور الأفقي : (syntagmatic) ويعنى بتعيين طرائق تكوين العناصر اللغوية - كلمات أو لواصق - إلى عناصر أكبر وأكثر تعقيدا أو جمل وعبارات وتراكيب ، وبيان العلاقات بين هذة العناصر. وهنا يكون التركيز على خواص التركيب من حيث موقعية عنا صره المكونة له ونوع الارتباط الواقع بينهما؛آخذين في الحسبان أن قيمة كل عنصر إنما يتضح بنوع علاقته بصاحبه من العناصر الأخرى في ذات التركيب.
2-المحور الرأسي : ( paradigmatic ) أو الاستبدالي، ويعنى بالعلاقات بين العناصر اللغوية في النظام اللغوي أو في الجدول الصرفي الذي يمد التراكيب بالوحدات المكونة له|، ، فهذا الجانب يركز على بمبدأ جدولة العلاقات واستبدالها.
وعلى أساس المحور الأفقي فإن اللغة ذات طابع خطي متتابع (لا يمكن أن ننطق علامتين في وقت واحد)، وعلى أساس المحور الرأسي الاستبدالي فإن اللغة تتأسس على التعارضات (opposition).
أما كونها تتأسس على التعارضات فمنطلقه أن العلامة اللغوية تكتسب معناها وقيمتها من موضعها في النظام (رجل/ ليس إمرأة، ليس صبيا) (أحمر ليس أخضر أو أصفر الخ). وأكثر ما تتحقق التعارضات في النظام الصوتي على نحو ما سنتبين في حينه (المستوى الصوتي). ومن الأمثلة الواضحة على ذلك نظام الألوان. فنظام الألوان في العربية يعطي للونين الأخضر والأزرق علامتين مختلفتين (أخضر، أزرق)، في حين أن نظام الألوان في اليابانية يتوفر على علامة (كلمة) واحدة للتعبير عن هذين اللونين، والإحالة الواقعية هي التي تحدد المقصود من العلامة (هل هي أخضر أم أزرق)، ولا يمكن أن نترجم الكلمة اليابانية إلى العربية. هذا يثبت أن المعنى في البنية اللغوية مؤسس على الاختلافات بين العلامات.
مثال : الجملة: محمد يدرس.
العلاقة بين (محمد) و (يدرس) علاقة أفقية (خطية) وهي علاقة الإسناد (المبتدأ بالخبر) وهي هنا علاقة وظيفية، وهناك علاقة شكلية أفقية بين هذين العنصرين، وهي التتابع الأفقي في التركيب ، وكل عنصر منهما في الوقت نفسه له علاقة رأسية (استبدالية) بعناصر أخرى في النظام اللغوي أو الجدول الصرفي لم تقع في هذه الجملة ، وإن كانت صالحة في الوقوع مواقعها في تراكيب أخرى .فـ "محمد" ذو علاقة رأسية مع الكلمات الواقعة في الجدول الصرفي للعناصر الاسمية التي تصلح مبتدأ في اللغة العربية (مثل : هو، صديقي ، الرجل، هذا..... الخ). و"يدرس " جزء من الجدول الصرفي الذي تنتمي إليه عناصر صالحة للوقوع خبرا في اللغة العربية، نحو: يزرع ، يحصد ، قائم ... إلخ.
وبهذا المنهج استطاع سوسير أن يضع المستويات اللغوية (الصوتية، الصرفية، النحوية، الدلالية) في إطار المحورين: الرأسي والأفقي . فالنظام اللغوي إن هو إلا وقوع المحور الرأسي على المحور الأفقي.
ثانيا : المدرسة الوظيفة (Functional Linguistics) / حلقة براغ
نشأت هذه المدرسة في أعمال العلماء التشيك الذين نشروا أعمالهم ضمن ما أسموه حلقة براغ 'Prague Circle '. ومن أبرز أعلامها رومان ياكبسون ، ونيكولاي تروبتسكوي ، ومنذ 1930 ازداد توسع المدرسة بعد أن هاجر ياكبسون إلى الولايات المتحدة وعمل في جامعة هارفارد، واستقطب كثيرا من العلماء والباحثين الذين وقفوا مقابل المدرسة التوزيعية في أمريكا. وانظم اليها بعض اللسانيين الفرنسين : أندريه مارتينيه ، واميل بنفست. وأدت المدرسة دورا بارزا في تطور اللسانيات البنيوية.
برنامج حلقة براغ / النظرية والمنهج:
منذ نشأتها وضعت المدرسة برنامجا لأعمالها في مجال الدرس اللغوي، وقد اختطت فيه الأسس النظرية والمنهجية. وبمتابعة هذا البرنامج على مدار تاريخها ساهمت المدرسة في تأسيس وتطوير كثيرا من المسائل الهامة في اللسانيات. وحددت منهجها بالانطلاق من تصور اللغة باعتبارها نظاماً وظيفياً يرمي إلى تمكين الإنسان من التعبير والتواصل .فإذا كان دور اللغة هو توفير أسباب التواصل فإن دراسة اللغة ينبغي أن تراعي ذلك.وفيما يلي إجمال للأسس النظرية والمنهجية للمدرسة:
أولا : في مجال الدرس الصوتي :
اعتمد أقطاب المدرسة على تصورات سوسير وأفكاره، من حيث رأى أن اللغة ذات وظيفة اجتماعية، وهي نظام من العلامات أو الوحدات اللغوية. وعل هذا الأساس رأوا أن الوحدات الصوتية (الفونيمات) تقوم بدور الوحدات اللغوية التي يتم من خلالها إنجاز التواصل. فنص البرنامج على:
على البحث الصوتي أن يعنى بتحديد أنماط التقابلات الصوتية في اللغة المدروسة. وأن لا يفصل الظاهرة الصوتية عن الظاهرة الصرفية.
وبناء عليه، تناولوا الأصوات بما يؤديه الصوت من وظيفة تواصلية في سلسلة الكلام. وانصب اهتمامهم في هذا المجال على النظام الصوتي المستدل عليه من دراسة الأصوات المنطوقة، أي ركزوا على جانب اللغة لا الكلام، بما أقره دي سوسير مجالا لعلم اللغة. وأسفرت دراسات ياكبسون وتروبتسكوي في هذا المجال عن تطوير نظرية الفونيم، وعلم الأصوات (phonetics) وعلم النظم الصوتية (phonology). ونتج عن دراساتهم في المجال الصوتي نشوء فرع خاص من فروع الدرس اللساني هو علم النظم الصوتية-الصرفية (morpho-phonology). (سيستكمل هذا الموضوع تفصيلا في موضعه من المقرر: المستوى الصوتي).
ثانيا : المظاهر التي تتجلى فيها اللغة: نص البرنامج في هذا المجال على:
1- اللغة نظام يتكون من وسائل تعبيرية، تؤدي وظيفتها في الفهم المتبادل، أي إنها نظام وظيفي يرمي إلى تمكين الإنسان من التعبير والتواصل، فكل البنى اللغوية على المستويات جميعا (الصوتية والصرفية والنحوية والدلالية) محكومة بالوظائف التي تؤديها في المجتمعات ، ولذلك ينبغي على اللسانيين أن يدرسوا الوظيفة الفعلية لأحداث النطق الملموسة: ما الذي يجري توصيله؟ وكيف؟ وإلى من؟ وفي أي مناسبة؟
2- اللغة حقيقة واقعية ملموسة، فهي تتأثر بعوامل خارجية غير لغوية (مثل: الوسط الاجتماعي، والمتلقي، والموضوع). لذلك، فمن الضروري التمييز بين أنماط اللغات في المجتمعات (لغة الثقافة، لغة الأعمال الأدبية ، لغة الأبحاث العلمية، لغة المقالات الصحفية، لغة الشارع)؟
3- تشتمل اللغة على نوعين من تجليات الشخصية الإنسانية: التجلي الذهني والتجلي العاطفي. وعلى البحث اللساني أن يميز أشكال اللغة التي تعنى بتوصيل الأفكار وتلك التي تعنى بتوصيل العواطف.
ولما كانت اللسانيات الوظيفية معنية أساسا بعملية التواصل اللساني فقد اهتمت خلافا لسوسير بالكلام، أي بالتحقيق الفعلي للنظام اللغوي. وقد وضع ياكبسون نموذجا للتواصل قريب من نموذج التواصل المصاغ في نظرية التواصل، ويتكون من ستة عناصر كما هو ممثل في الشكل التالي: ( صورة 1 )
المرسل : منشئ الرسالة (المتكلم)
المرسل إليه: مستقبل الرسالة (السامع)
السياق (context): مضمون الرسالة كما يتمثلها المرسل إليه
قناة اتصال: الوسط المادي الناقل للرسالة، والاتصال النفسي بين المرسل والمرسل إليه
رامزة (code) : نظام الرموز (العلامات اللغوية/ الألفاظ) الذي يستخدمه المرسل لإنشاء الرسالة في عملية الترميز (تشفير encoding) والذي يستخدمه المرسل إليه لفك الترميز (حل الشيفرة decoding).
ينفتح هذا النموذج على التنوعات الممكنة للغة (أنماط اللغة: الأدبية، العلمية، الإخبارية الخ)، فتنبثق عنه على ما حدد ياكبسون ست وظائف لغوية وفقا لعنصر الاتصال الذي تركز عليه الرسالة، على ما هو مبين في الشكل التالي : ( صورة 2 )
وبيان هذه الوظائف:
1- الوظيفة التعبيرية (expressive)/ أو الانفعالية: إذا كان تركيز الرسالة على المرسل، فالوظيفة التي تؤديها هي التعبيرية، أي الانفعالية العاطفية. وتتمثل في الرسائل التي تركز على الحمولة الانفعالية والوجدانية للمرسل من حيث يقدم انطباعه وانفعاله تجاه شيء ما.
2- الوظيفة الإفهامية (conative): إذا كانت الرسالة تركز على المرسل إليه، فالوظيفة التي تؤديها هي الوظيفة الإفهامية. وتتمثل في الكلام الموجه بصيغة المخاطب، ويكثر فيها أساليب الأمر والنهي والنداء والاستجداء وإثارة الحماس. وأكثر ما تتمثل في الخطب الدينية والسياسية، والشعر الملحمي.
3- الوظيفة المعرفية (cognitive)/ أو المرجعية: إذا كانت الرسالة تركز على السياق (مضمون الرسالة) فإن الوظيفة التي تؤديها هي المعرفية أو المرجعية، وذلك في الرسائل التي تتضمن الإبلاغ والإخبار، وتتمثل في الحديث اليومي والمقالات والكتب العلمية والأخبار الصحفية.
4- الوظيفة الانتباهية (phatic): إذا كان التركيز على الاتصال، فالوظيفة التي تؤديها الرسالة هي الوظيفة الانتباهية. وتتمثل في العبارات التي نرددها بقصد الحفاظ على سيرورة التواصل بين المرسل والمستقبل، وصحة تمثل المستقبل لمضمون الرسالة.
5- الوظيفة الشعرية (poetic): إذا كانت الرسالة تركز على ذاتها فالوظيفة التي تؤديها هي الشعرية. وتتمثل في القصائد الشعرية، وفي غيرها أيضا من الأجناس الأدبية، مثل الرواية والقصة.
6- الوظيفة الميتا لسانية (metalinguistic): إذا كانت الرسالة تركز على عملية الترميز فإن الوظيفة التي تؤديها هي الميتا لسانية، وتتمثل في اللغة الواصفة لمضمون الرسالة، والشرح الذي يتخلل الكلام.
ثالثا : المدرسة التوزيعية (distribution) :
تدعى هذه المدرسة أيضا (المدرسة السلوكية). ومن أهم أعلامها المؤسسين ليونارد بلومفيلد (Leonard Bloomfield). اتصل بلومفيلد بالمذهب السلوكي في علم النفس الذي كان سائدا في أمريكا، مما كان له أثر كبير في تكوين نظريته. وأهم أفكار السلوكية أن الفروق بين البشر محكومة بالبيئة التي يعيشون فيها، وأن أي سلوك هو رد فعل، أي أنه يحدث بوصفه استجابة لمثير خارجي خاص، وهو يكشف عن نفسية الإنسان، ويشمل تواصله مع بيئته، أي اللغة. ومن ثم فاللغة سلوك كغيرها من سلوكات الإنسان، تقوم على العلاقة بين المثير والاستجابة، فهي شكل من أشكال الاستجابة لمثير خارجي
أطلق بلومفيلد على المنهج الذي اتبعه في دراسة اللغة اسم المنهج المادي أو الآلي، وهو منهج يفسر السلوك البشري في حدود المثير والاستجابة على غرار ما تقوم به الدراسات النفسية، وقد استعان في شرح منهجه هذا بقصته المشهورة عن (جاك) و(جيل). افترض بلومفيد أن جاك وجيل كانا يتنزهان في الحديقة بين صفوف الأشجار، شعرت(جيل) بالجوع، وتولدت لديها رغبة في الأكل، رأت تفاحة على الشجرة، فأصدرت أصواتا عبرت من خلالها عن هذا الجوع، فقفز (جاك) على إثر هذه الأصوات، ليتسلق الشجرة، ويقطف التفاحة، ليقدمها إلى(جيل) التي اشتكت من الجوع أو عبرت عنه، و بعد ذلك يضع التفاحة في يدها، وتأكلها هانئة البال. إن في هذه القصة مجموعة من الجوانب التي تثير اهتمام الدارسين، إذ يهتم الباحث اللغوي هنا بالحدث الكلامي، والتصرف السلوكي الذي ترتب عليه، لأن اللغة في نظره سلسلة من الاستجابات الكلامية لحوافز ليست ميدان الباحث اللغوي، فهو لا يهتم بالعمليات النفسية (الحافز الداخلي) السابقة على عملية الكلام، وإصدار الإشارات الصوتية، بل بدراسة التصرف الكلامي، فيصف ما فيه من فونيمات ومورفيمات توزع في إطار جملي. و قد قام بلومفيد بتحليل هذه القصة كما يلي:
1-أحداث عملية سابقة الحدث الكلامي.
2-الحدث الكلامي.
3-أحداث عملية تابعة للحدث الكلامي.
واتخذ بلومفيلد في دراسة اللغة موقفا مناظرا لموقف السلوكيين، من حيث الفحص الموضوعي المنضبط للسوك اللغوي. ولأن الجانب الفيزيائي من اللغة (الصوتي) هو الأكثر ملائمة للفحص الموضوعي المنضبط فقد ركز اهتمامه البحثي كلية على هذا الموضوع، أي ارتكز على وصف سلوك الوحدات اللغوية الملموسة في سلسلة الكلام. وعلى هذا الأساس رأى بلومفيلد أن المنهج اللغوي لا بد أن يعالج جميع المواقع التي يمكن أن تحتلها الوحدات اللغوية في نظام لغة معينة معالجة مبنية على الملاحظة والوصف، أي على تحديد توزيع الوحدات اللغوية، فاعتمد، لذلك، منهج التوزيعية الذي أرسى دعائمه العالم الأمريكي سابير. ونتج عن ذلك أن انصب اهتمام بلومفيلد (ومن تبعه) على الوحدات الصرفية والنحوية لأنها قابلة للملاحظة والوصف على نحو علمي موضوعي دقيق، واستبعد المعنى من الدرس اللغوي لعدم قابليته للوصف الموضوعي.
استنتاجات في النظرية والمنهج:
1- رأى التوزيعيون إلى اللغة بوصفها (نظاما من العلامات) على ما أسس له دي سوسير. ويتحقق هذا النظام في الكلام بوصفه سلوكا لغويا. ولكشف البنية اللغوية على نحو موضوعي دقيق ومنضبط لا بد من دراسة السلوك اللغوي على نحو ما يدرس عالم النفس سلوك الإنسان للكشف نفسيته.
2- استخدم المنهج التوزيعي لكشف بنية اللغة. وجرى على المستويين الصرفي والنحوي، واستبعاد دراسة المعنى. فالعناصر تتحدد بعلاقاتها داخل النظام، أي بعلاقاتها مع غيرها من العناصر اللغوية في التركيب الواحد، وعملية التوزيع السليم الذي تأخذ فيه الكلمة قيمتها وبالتالي علاقات منطقية ولغوية مع بعضها البعض هي التي تصل بنا في النهاية إلى التركيب السليم، ومن هنا جاء اسم النظرية التوزيعية[9]، ولتوضيح ذلك نضرب المثال الآتي.
تتوزع الجمل في العربية وفق أحد النظامين (في الغالب الأعم)[10]:
الجمل الاسمية: التي يتصدرها اسم (مسند إليه + مسند)
الجمل الفعلية: التي يتصدرها فعل (مسند + مسند إليه)
وقد يخالف مستعمل اللغة أحد التركيبين إلى تركيب جديد بالزيادة أو الحذف أو التقديم أو التأخير… دون أن يخالف نظام اللغة، فيوزع مفرداته توزيعا سليما، وفق قانون لغوي يخضع له للتعبير عن فكرة ما، لكننا قد نكون بإزاء متكلم جاهل بقواعد اللغة، فيوزع ما في ذهنه من مفردات توزيعا مختلا، به يختل المعنى، كأن يقول: نضع الصحن في الطعام، وهو يريد: نضع الطعام في الصحن، فيربط بين الوحدة اللغوية التي تريد فعلا وبين التي تأتي رابطا (حرف الجر)، عوض أن يربط هذه الأخيرة بكلمة (الصحن) ليدل على المكان (الموضع) الذي يوضع فيه الطعام .
3- يقوم هذا المنهج على اختبارات الإحلال في تحديد توزيع الوحدات اللغوية، وذلك بإحلال الوحدة اللغوية موضع الفحص محل وحدة لغوية أخرى في سياق معروف، فإذا أمكن لهذا الإحلال أن يتم دون حدوث تغيير في السياق، فإن الوحدتين تنتميان إلى فئة واحدة، أي لهما خصائص صرفية ونحوية واحدة. (مثال: هذا الشخص خيب أملي/ يمكن أن نحل مكانها (البرنامج)/ هذا البرنامج خيب أملي/ وبما أن السياق لم يتغير فإن الوحدتين (الشخص، البرنامج) تنتميان إلى فئة واحدة هي فئة الأسماء)
4- صاغ بلومفيلد وجوه التمييز الأساسية في الوحدات الصرفية (سيستكمل هذا الموضوع في مجاله/ المستوى الصرفي.
5- انتقدت هذه المدرسة بشدة لاستبعادها المعنى، ولاعتمادها طريقة آلية في الدرس اللغوي، ومع ذلك حققت نتائج باهرة في تجهيز اللغة للترجمة الآلية.
المراجع:
عبد القادر الغزالي : اللسانيات ونظرية التواصل. اللاذقية: دار الحوار، 2003.
ماريو باي: أسس علم اللغة. ترجمة: عمر مختار. القاهرة: عالم الكتب، ط8،1998.
ميلكا إفيتش: اتجاهات البحث اللساني. ترجمة: سعد عبد العزيز مصلوح. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، المشروع القومي للترجمة.
المدرسة البنيوية في أوروبا وأمريكا
مفهوم المدرسة:
المدرسة اللسانية أو اللغوية هي مجموعة من المفاهيم تتبناها طائفة من اللغويين، بحيث تجمعهم وجهة نظر واحدة للغة، ومنهج واحد في معالجة الظواهر اللغوية ، مهما اختلفت أوطانهم وجنسياتهم. فالمدرسة نظرية أو إطار فكري عام معين يٌتخذ لمعالجة البحث اللغويّ. فلا تعد المدرسة مدرسة إلا إذا حددت رؤى و أهدافا ثابتة ، واتخذت لنفسها أصولا وأسسا مخصوصة ، ورسمت منهجا واضحا تسير عليه في معالجة المسائل والقضايا.
المدرسة البنيوية:
إنّ المدرسة البنيوية هي أول مدرسة لسانية حديثة، وهي منطلق المدارس اللسانية الحديثة جلها؛ فالمدرسة البنيوية أول مدرسة قامت على أفكار دي سوسير التي تعد منطلق المدارس اللسانية الحديثة.
البنيوية اللغوية- في أساس مفهومها وأبسط صورة وأوجزها لهذا المفهوم – هي: منهج عام يأخذ اللغة على أنها (بناء) أو (هيكل)، أشبه شيء بالهيكل الهندسي المتشابكة وحداته ذات الاستقلال الداخلي، والتي تتحد قيمها بالعلاقات الداخلية بينها، وذلك بمعزل عن أية عناصر خارجية، كصاحب النص المنطوق أوالمكتوب، والسياق الخارجي أو غير اللغوي ؛ إذ إن هذين العنصرين ليسا من اختصاص علم اللغة في نظر البنيويين0 ومعنى ذلك أنّ تحليل أي نص لغوي يعتمد على نظرتين : هما استقلاليته عن أية ملابسات أو ظروف خارجية ، والثانية تشابك وحداته وترابطها فيما بينها داخليا، وعليه، يدرس البنيوي اللغة في ذاتها ولذاتها.
أهم العوامل التي أدت إلى ظهور البنيوية :
اقتران التيار البنيوي بأسلوب البحث في مختلف المعارف فلكل علم مادة، ولكل مادة بنية، ويكفي أن يحدد الباحث المتخصص هدفه في استكشاف خصائص بنية تلك المادة حتى يطلق على نفسه أو يطلق عليه الآخرون صفة الباحث البنيويّ، بل إنّ منهج البحث في حقل من المعارف إذا ارتسم لنفسه غاية الكشف عن العلاقات التي تنتظم بها الأجزاء ليتألف منها البناء الكلي ، تحتم إدراجه في فلك البنيوية0وهذا هو الذي سوّغ اكتساح موجة التيار البنيوي للعلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية.
بدأت البنيوية مع دي سوسير ثم تطورت في أوروبا وأمريكا في وقت واحد، ولكن دون اتصال كبير بينهما. وثمة نمطان أساسيان في البنيوية في أوروبا:
1- مدرسة جنيف، وهي المدرسة البنيوية التقليدية كما يمثلها دي سوسير
2- المدرسة الوظيفية، وتتمثل بأعمال حلقة براغ.
3- أما المدرسة البنيوية الأمريكية فقد أسسها بلومفيلد، وتدعى المدرسة التوزيعية، ومدرسة ييل.
أولا : مدرسة جنيف: دي سوسير مؤسس البنيوية
على الرغم من أن دي سوسير نفسه لم يستخدم كلمة "بنية" ، وإنما استخدم كلمة "نسق" أو "نظام"، إلا أن الفضل الأكبر في ظهور المنهج البنيوي في دراسة الظاهرة اللغوية يرجع إليه. لقد كان دي سوسير الرائد في كثير من الأفكار اللغوية ذات الطابع البنيوي، ومن أهم أفكاره:
1- النظرة "البنيوية" إلى اللغة، من حيث عرفها بأنها: نظام من العلامات
2- "السنكرونية" أو (الوصفية) في مقابل "الديكرونية" أو (التاريخية).
3- ثنائيته المشهورة "اللغة والكلام" وتفريقه الحاد بينهما0
تفسيره : هذه الأفكار الثلاثة مترابطة متكاملة ، لا انفصام لها وليس من السهل أن يعزل واحد منها عن الآخر في نظر سوسير على الأقل. فاللغة تمثل نظاما مجردا من العلامات، ويتأسس هذا النظام على العلاقات التي ترتبط بها العلامات لتشكل نظاما أو بنية. وهي علاقات يشترك فيها كل أعضاء الجماعة اللغوية وتمثل المخزون الذهني لهم. في حين يمثل الكلام الفعل الفردي أو التحقق النطقي للبنية، والذي لا يمكن أن يتكرر على نحو متماثل أبدا. ولأن اللغة من وجهة نظر سوسير تؤلف نظاما بنيويا متماسكا؛ فإنّ أي مقاربة للغة ينبغي أن تصف وتفسر عمل هذا النظام الداخلي.
والمنهج البنيوي يقوم على مفهومين اثنين - هما أساس المنهج الوصفي - : الوصف والتصنيف. فيبدأ باستقراء (جمع) الصور اللفظية المختلفة داخل أية لغة، ثمّ يصف العلاقات القائمة بين كلماتها في تراكيبها وصفا موضعيا ، ثم يصنيف النتائج تصنيفا دقيقا مميزا بين المؤلفات التي تتكون فيها التراكيب .
ودراسة العلاقات ذات القيم الفارقة بين التراكيب أو الوحدات اللغوية تتم في محورين:
1- المحور الأفقي : (syntagmatic) ويعنى بتعيين طرائق تكوين العناصر اللغوية - كلمات أو لواصق - إلى عناصر أكبر وأكثر تعقيدا أو جمل وعبارات وتراكيب ، وبيان العلاقات بين هذة العناصر. وهنا يكون التركيز على خواص التركيب من حيث موقعية عنا صره المكونة له ونوع الارتباط الواقع بينهما؛آخذين في الحسبان أن قيمة كل عنصر إنما يتضح بنوع علاقته بصاحبه من العناصر الأخرى في ذات التركيب.
2-المحور الرأسي : ( paradigmatic ) أو الاستبدالي، ويعنى بالعلاقات بين العناصر اللغوية في النظام اللغوي أو في الجدول الصرفي الذي يمد التراكيب بالوحدات المكونة له|، ، فهذا الجانب يركز على بمبدأ جدولة العلاقات واستبدالها.
وعلى أساس المحور الأفقي فإن اللغة ذات طابع خطي متتابع (لا يمكن أن ننطق علامتين في وقت واحد)، وعلى أساس المحور الرأسي الاستبدالي فإن اللغة تتأسس على التعارضات (opposition).
أما كونها تتأسس على التعارضات فمنطلقه أن العلامة اللغوية تكتسب معناها وقيمتها من موضعها في النظام (رجل/ ليس إمرأة، ليس صبيا) (أحمر ليس أخضر أو أصفر الخ). وأكثر ما تتحقق التعارضات في النظام الصوتي على نحو ما سنتبين في حينه (المستوى الصوتي). ومن الأمثلة الواضحة على ذلك نظام الألوان. فنظام الألوان في العربية يعطي للونين الأخضر والأزرق علامتين مختلفتين (أخضر، أزرق)، في حين أن نظام الألوان في اليابانية يتوفر على علامة (كلمة) واحدة للتعبير عن هذين اللونين، والإحالة الواقعية هي التي تحدد المقصود من العلامة (هل هي أخضر أم أزرق)، ولا يمكن أن نترجم الكلمة اليابانية إلى العربية. هذا يثبت أن المعنى في البنية اللغوية مؤسس على الاختلافات بين العلامات.
مثال : الجملة: محمد يدرس.
العلاقة بين (محمد) و (يدرس) علاقة أفقية (خطية) وهي علاقة الإسناد (المبتدأ بالخبر) وهي هنا علاقة وظيفية، وهناك علاقة شكلية أفقية بين هذين العنصرين، وهي التتابع الأفقي في التركيب ، وكل عنصر منهما في الوقت نفسه له علاقة رأسية (استبدالية) بعناصر أخرى في النظام اللغوي أو الجدول الصرفي لم تقع في هذه الجملة ، وإن كانت صالحة في الوقوع مواقعها في تراكيب أخرى .فـ "محمد" ذو علاقة رأسية مع الكلمات الواقعة في الجدول الصرفي للعناصر الاسمية التي تصلح مبتدأ في اللغة العربية (مثل : هو، صديقي ، الرجل، هذا..... الخ). و"يدرس " جزء من الجدول الصرفي الذي تنتمي إليه عناصر صالحة للوقوع خبرا في اللغة العربية، نحو: يزرع ، يحصد ، قائم ... إلخ.
وبهذا المنهج استطاع سوسير أن يضع المستويات اللغوية (الصوتية، الصرفية، النحوية، الدلالية) في إطار المحورين: الرأسي والأفقي . فالنظام اللغوي إن هو إلا وقوع المحور الرأسي على المحور الأفقي.
ثانيا : المدرسة الوظيفة (Functional Linguistics) / حلقة براغ
نشأت هذه المدرسة في أعمال العلماء التشيك الذين نشروا أعمالهم ضمن ما أسموه حلقة براغ 'Prague Circle '. ومن أبرز أعلامها رومان ياكبسون ، ونيكولاي تروبتسكوي ، ومنذ 1930 ازداد توسع المدرسة بعد أن هاجر ياكبسون إلى الولايات المتحدة وعمل في جامعة هارفارد، واستقطب كثيرا من العلماء والباحثين الذين وقفوا مقابل المدرسة التوزيعية في أمريكا. وانظم اليها بعض اللسانيين الفرنسين : أندريه مارتينيه ، واميل بنفست. وأدت المدرسة دورا بارزا في تطور اللسانيات البنيوية.
برنامج حلقة براغ / النظرية والمنهج:
منذ نشأتها وضعت المدرسة برنامجا لأعمالها في مجال الدرس اللغوي، وقد اختطت فيه الأسس النظرية والمنهجية. وبمتابعة هذا البرنامج على مدار تاريخها ساهمت المدرسة في تأسيس وتطوير كثيرا من المسائل الهامة في اللسانيات. وحددت منهجها بالانطلاق من تصور اللغة باعتبارها نظاماً وظيفياً يرمي إلى تمكين الإنسان من التعبير والتواصل .فإذا كان دور اللغة هو توفير أسباب التواصل فإن دراسة اللغة ينبغي أن تراعي ذلك.وفيما يلي إجمال للأسس النظرية والمنهجية للمدرسة:
أولا : في مجال الدرس الصوتي :
اعتمد أقطاب المدرسة على تصورات سوسير وأفكاره، من حيث رأى أن اللغة ذات وظيفة اجتماعية، وهي نظام من العلامات أو الوحدات اللغوية. وعل هذا الأساس رأوا أن الوحدات الصوتية (الفونيمات) تقوم بدور الوحدات اللغوية التي يتم من خلالها إنجاز التواصل. فنص البرنامج على:
على البحث الصوتي أن يعنى بتحديد أنماط التقابلات الصوتية في اللغة المدروسة. وأن لا يفصل الظاهرة الصوتية عن الظاهرة الصرفية.
وبناء عليه، تناولوا الأصوات بما يؤديه الصوت من وظيفة تواصلية في سلسلة الكلام. وانصب اهتمامهم في هذا المجال على النظام الصوتي المستدل عليه من دراسة الأصوات المنطوقة، أي ركزوا على جانب اللغة لا الكلام، بما أقره دي سوسير مجالا لعلم اللغة. وأسفرت دراسات ياكبسون وتروبتسكوي في هذا المجال عن تطوير نظرية الفونيم، وعلم الأصوات (phonetics) وعلم النظم الصوتية (phonology). ونتج عن دراساتهم في المجال الصوتي نشوء فرع خاص من فروع الدرس اللساني هو علم النظم الصوتية-الصرفية (morpho-phonology). (سيستكمل هذا الموضوع تفصيلا في موضعه من المقرر: المستوى الصوتي).
ثانيا : المظاهر التي تتجلى فيها اللغة: نص البرنامج في هذا المجال على:
1- اللغة نظام يتكون من وسائل تعبيرية، تؤدي وظيفتها في الفهم المتبادل، أي إنها نظام وظيفي يرمي إلى تمكين الإنسان من التعبير والتواصل، فكل البنى اللغوية على المستويات جميعا (الصوتية والصرفية والنحوية والدلالية) محكومة بالوظائف التي تؤديها في المجتمعات ، ولذلك ينبغي على اللسانيين أن يدرسوا الوظيفة الفعلية لأحداث النطق الملموسة: ما الذي يجري توصيله؟ وكيف؟ وإلى من؟ وفي أي مناسبة؟
2- اللغة حقيقة واقعية ملموسة، فهي تتأثر بعوامل خارجية غير لغوية (مثل: الوسط الاجتماعي، والمتلقي، والموضوع). لذلك، فمن الضروري التمييز بين أنماط اللغات في المجتمعات (لغة الثقافة، لغة الأعمال الأدبية ، لغة الأبحاث العلمية، لغة المقالات الصحفية، لغة الشارع)؟
3- تشتمل اللغة على نوعين من تجليات الشخصية الإنسانية: التجلي الذهني والتجلي العاطفي. وعلى البحث اللساني أن يميز أشكال اللغة التي تعنى بتوصيل الأفكار وتلك التي تعنى بتوصيل العواطف.
ولما كانت اللسانيات الوظيفية معنية أساسا بعملية التواصل اللساني فقد اهتمت خلافا لسوسير بالكلام، أي بالتحقيق الفعلي للنظام اللغوي. وقد وضع ياكبسون نموذجا للتواصل قريب من نموذج التواصل المصاغ في نظرية التواصل، ويتكون من ستة عناصر كما هو ممثل في الشكل التالي: ( صورة 1 )
المرسل : منشئ الرسالة (المتكلم)
المرسل إليه: مستقبل الرسالة (السامع)
السياق (context): مضمون الرسالة كما يتمثلها المرسل إليه
قناة اتصال: الوسط المادي الناقل للرسالة، والاتصال النفسي بين المرسل والمرسل إليه
رامزة (code) : نظام الرموز (العلامات اللغوية/ الألفاظ) الذي يستخدمه المرسل لإنشاء الرسالة في عملية الترميز (تشفير encoding) والذي يستخدمه المرسل إليه لفك الترميز (حل الشيفرة decoding).
ينفتح هذا النموذج على التنوعات الممكنة للغة (أنماط اللغة: الأدبية، العلمية، الإخبارية الخ)، فتنبثق عنه على ما حدد ياكبسون ست وظائف لغوية وفقا لعنصر الاتصال الذي تركز عليه الرسالة، على ما هو مبين في الشكل التالي : ( صورة 2 )
وبيان هذه الوظائف:
1- الوظيفة التعبيرية (expressive)/ أو الانفعالية: إذا كان تركيز الرسالة على المرسل، فالوظيفة التي تؤديها هي التعبيرية، أي الانفعالية العاطفية. وتتمثل في الرسائل التي تركز على الحمولة الانفعالية والوجدانية للمرسل من حيث يقدم انطباعه وانفعاله تجاه شيء ما.
2- الوظيفة الإفهامية (conative): إذا كانت الرسالة تركز على المرسل إليه، فالوظيفة التي تؤديها هي الوظيفة الإفهامية. وتتمثل في الكلام الموجه بصيغة المخاطب، ويكثر فيها أساليب الأمر والنهي والنداء والاستجداء وإثارة الحماس. وأكثر ما تتمثل في الخطب الدينية والسياسية، والشعر الملحمي.
3- الوظيفة المعرفية (cognitive)/ أو المرجعية: إذا كانت الرسالة تركز على السياق (مضمون الرسالة) فإن الوظيفة التي تؤديها هي المعرفية أو المرجعية، وذلك في الرسائل التي تتضمن الإبلاغ والإخبار، وتتمثل في الحديث اليومي والمقالات والكتب العلمية والأخبار الصحفية.
4- الوظيفة الانتباهية (phatic): إذا كان التركيز على الاتصال، فالوظيفة التي تؤديها الرسالة هي الوظيفة الانتباهية. وتتمثل في العبارات التي نرددها بقصد الحفاظ على سيرورة التواصل بين المرسل والمستقبل، وصحة تمثل المستقبل لمضمون الرسالة.
5- الوظيفة الشعرية (poetic): إذا كانت الرسالة تركز على ذاتها فالوظيفة التي تؤديها هي الشعرية. وتتمثل في القصائد الشعرية، وفي غيرها أيضا من الأجناس الأدبية، مثل الرواية والقصة.
6- الوظيفة الميتا لسانية (metalinguistic): إذا كانت الرسالة تركز على عملية الترميز فإن الوظيفة التي تؤديها هي الميتا لسانية، وتتمثل في اللغة الواصفة لمضمون الرسالة، والشرح الذي يتخلل الكلام.
ثالثا : المدرسة التوزيعية (distribution) :
تدعى هذه المدرسة أيضا (المدرسة السلوكية). ومن أهم أعلامها المؤسسين ليونارد بلومفيلد (Leonard Bloomfield). اتصل بلومفيلد بالمذهب السلوكي في علم النفس الذي كان سائدا في أمريكا، مما كان له أثر كبير في تكوين نظريته. وأهم أفكار السلوكية أن الفروق بين البشر محكومة بالبيئة التي يعيشون فيها، وأن أي سلوك هو رد فعل، أي أنه يحدث بوصفه استجابة لمثير خارجي خاص، وهو يكشف عن نفسية الإنسان، ويشمل تواصله مع بيئته، أي اللغة. ومن ثم فاللغة سلوك كغيرها من سلوكات الإنسان، تقوم على العلاقة بين المثير والاستجابة، فهي شكل من أشكال الاستجابة لمثير خارجي
أطلق بلومفيلد على المنهج الذي اتبعه في دراسة اللغة اسم المنهج المادي أو الآلي، وهو منهج يفسر السلوك البشري في حدود المثير والاستجابة على غرار ما تقوم به الدراسات النفسية، وقد استعان في شرح منهجه هذا بقصته المشهورة عن (جاك) و(جيل). افترض بلومفيد أن جاك وجيل كانا يتنزهان في الحديقة بين صفوف الأشجار، شعرت(جيل) بالجوع، وتولدت لديها رغبة في الأكل، رأت تفاحة على الشجرة، فأصدرت أصواتا عبرت من خلالها عن هذا الجوع، فقفز (جاك) على إثر هذه الأصوات، ليتسلق الشجرة، ويقطف التفاحة، ليقدمها إلى(جيل) التي اشتكت من الجوع أو عبرت عنه، و بعد ذلك يضع التفاحة في يدها، وتأكلها هانئة البال. إن في هذه القصة مجموعة من الجوانب التي تثير اهتمام الدارسين، إذ يهتم الباحث اللغوي هنا بالحدث الكلامي، والتصرف السلوكي الذي ترتب عليه، لأن اللغة في نظره سلسلة من الاستجابات الكلامية لحوافز ليست ميدان الباحث اللغوي، فهو لا يهتم بالعمليات النفسية (الحافز الداخلي) السابقة على عملية الكلام، وإصدار الإشارات الصوتية، بل بدراسة التصرف الكلامي، فيصف ما فيه من فونيمات ومورفيمات توزع في إطار جملي. و قد قام بلومفيد بتحليل هذه القصة كما يلي:
1-أحداث عملية سابقة الحدث الكلامي.
2-الحدث الكلامي.
3-أحداث عملية تابعة للحدث الكلامي.
واتخذ بلومفيلد في دراسة اللغة موقفا مناظرا لموقف السلوكيين، من حيث الفحص الموضوعي المنضبط للسوك اللغوي. ولأن الجانب الفيزيائي من اللغة (الصوتي) هو الأكثر ملائمة للفحص الموضوعي المنضبط فقد ركز اهتمامه البحثي كلية على هذا الموضوع، أي ارتكز على وصف سلوك الوحدات اللغوية الملموسة في سلسلة الكلام. وعلى هذا الأساس رأى بلومفيلد أن المنهج اللغوي لا بد أن يعالج جميع المواقع التي يمكن أن تحتلها الوحدات اللغوية في نظام لغة معينة معالجة مبنية على الملاحظة والوصف، أي على تحديد توزيع الوحدات اللغوية، فاعتمد، لذلك، منهج التوزيعية الذي أرسى دعائمه العالم الأمريكي سابير. ونتج عن ذلك أن انصب اهتمام بلومفيلد (ومن تبعه) على الوحدات الصرفية والنحوية لأنها قابلة للملاحظة والوصف على نحو علمي موضوعي دقيق، واستبعد المعنى من الدرس اللغوي لعدم قابليته للوصف الموضوعي.
استنتاجات في النظرية والمنهج:
1- رأى التوزيعيون إلى اللغة بوصفها (نظاما من العلامات) على ما أسس له دي سوسير. ويتحقق هذا النظام في الكلام بوصفه سلوكا لغويا. ولكشف البنية اللغوية على نحو موضوعي دقيق ومنضبط لا بد من دراسة السلوك اللغوي على نحو ما يدرس عالم النفس سلوك الإنسان للكشف نفسيته.
2- استخدم المنهج التوزيعي لكشف بنية اللغة. وجرى على المستويين الصرفي والنحوي، واستبعاد دراسة المعنى. فالعناصر تتحدد بعلاقاتها داخل النظام، أي بعلاقاتها مع غيرها من العناصر اللغوية في التركيب الواحد، وعملية التوزيع السليم الذي تأخذ فيه الكلمة قيمتها وبالتالي علاقات منطقية ولغوية مع بعضها البعض هي التي تصل بنا في النهاية إلى التركيب السليم، ومن هنا جاء اسم النظرية التوزيعية[9]، ولتوضيح ذلك نضرب المثال الآتي.
تتوزع الجمل في العربية وفق أحد النظامين (في الغالب الأعم)[10]:
الجمل الاسمية: التي يتصدرها اسم (مسند إليه + مسند)
الجمل الفعلية: التي يتصدرها فعل (مسند + مسند إليه)
وقد يخالف مستعمل اللغة أحد التركيبين إلى تركيب جديد بالزيادة أو الحذف أو التقديم أو التأخير… دون أن يخالف نظام اللغة، فيوزع مفرداته توزيعا سليما، وفق قانون لغوي يخضع له للتعبير عن فكرة ما، لكننا قد نكون بإزاء متكلم جاهل بقواعد اللغة، فيوزع ما في ذهنه من مفردات توزيعا مختلا، به يختل المعنى، كأن يقول: نضع الصحن في الطعام، وهو يريد: نضع الطعام في الصحن، فيربط بين الوحدة اللغوية التي تريد فعلا وبين التي تأتي رابطا (حرف الجر)، عوض أن يربط هذه الأخيرة بكلمة (الصحن) ليدل على المكان (الموضع) الذي يوضع فيه الطعام .
3- يقوم هذا المنهج على اختبارات الإحلال في تحديد توزيع الوحدات اللغوية، وذلك بإحلال الوحدة اللغوية موضع الفحص محل وحدة لغوية أخرى في سياق معروف، فإذا أمكن لهذا الإحلال أن يتم دون حدوث تغيير في السياق، فإن الوحدتين تنتميان إلى فئة واحدة، أي لهما خصائص صرفية ونحوية واحدة. (مثال: هذا الشخص خيب أملي/ يمكن أن نحل مكانها (البرنامج)/ هذا البرنامج خيب أملي/ وبما أن السياق لم يتغير فإن الوحدتين (الشخص، البرنامج) تنتميان إلى فئة واحدة هي فئة الأسماء)
4- صاغ بلومفيلد وجوه التمييز الأساسية في الوحدات الصرفية (سيستكمل هذا الموضوع في مجاله/ المستوى الصرفي.
5- انتقدت هذه المدرسة بشدة لاستبعادها المعنى، ولاعتمادها طريقة آلية في الدرس اللغوي، ومع ذلك حققت نتائج باهرة في تجهيز اللغة للترجمة الآلية.
المراجع:
عبد القادر الغزالي : اللسانيات ونظرية التواصل. اللاذقية: دار الحوار، 2003.
ماريو باي: أسس علم اللغة. ترجمة: عمر مختار. القاهرة: عالم الكتب، ط8،1998.
ميلكا إفيتش: اتجاهات البحث اللساني. ترجمة: سعد عبد العزيز مصلوح. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، المشروع القومي للترجمة.