بحث حول العقد الرضائي والعقد الشكلي في القانون الجزائري

الباحث الجامعي

مشــــرف عــــام
المشاركات
543
مستوى التفاعل
38
النقاط
18
بحث حول العقد الرضائي والعقد الشكلي في القانون الجزائري
مقدمة
مما لاشك فيه أن الإنسان في حياته ومن خلال تعاملاته تجمعه علاقات ومصالح مع أناس آخرين، وفي ظل التطور الحاصل في المجال القانوني نظم المشرع الجزائري هذه العلاقات والتبادلات بين الناس في شكل عقود لضمان حقوق جميع الأطراف المتعاقدة، وعليه فالعقد هو ذلك الاتفاق الحاصل بين طرفين أو أكثر تلتزم بموجبه الأطراف المتعاقدة إما بإعطاء شيء أو فعل شيء أو الامتناع عن فعل شيء ما.
ومن المعلوم بأن العقد ينشأ من تلاقي إرادتين (الإيجاب والقبول)، وأن كلاً منهما تقتضي التعبير عنها لإظهارها من الخفاء إلى المظهر المادي الملموس، وهذا التعبير عن الإرادة يتنازعه مبدآن: مبدأ الرضائية والذي يعني منح الأفراد حرية اختيار التعبير الملائم لإرادتهم، ومبدأ الشكلية وهو على النقيض من سابقه، ويعني إلزام الأفـراد بـشكل محـدد للتعبير عن إرادتهم العقدية.
وإذا كانت الرضائية تشكل القاعدة العامة التي تحكم التصرفات القانونية في النظم القانونية الحديثة، فإن الشكلية أصبحت هي الاستثناء فيها، وقد اقتصرت على الأشكال التي فرض المشرع إتباعها لإنتاج التصرف آثاره القانونية، بحيث أنها تشكل في مجملها قيداً على إرادة الأفراد لا يملكون إزاءها حرية الاختيار، ولا يكتمل التصرف القانوني بانعدامها.
إلا أنه قد يحدث أن يتفق الأفراد على إظهار إرادتهم في شكل خاص لم يفرضه المشرع، ولا يخرج بالتصرف من نطاق الرضائية أو ما يطلق عليه بالشكل الاتفاقي، وبناءا على ما سبق ذكره نطرح الإشكال التالي: ما هي أهم الفوارق القانونية بين العقد الرضائي والعقد الشكلي في التشريع الجزائري؟ ومن خلال هذه الإشكالية يتم تقسيم هذا البحث على النحو التالي:
المبحث الأول: التمييز بين العقد الرضائي والعقد الشكلي من حيث المفهوم.
المطلب الأول: تحديد معنى العقد الرضائي.
المطلب الثاني: تحديد معنى العقد الشكلي.
المبحث الثاني: التمييز بين العقد الرضائي والعقد الشكلي من حيث الشروط.
المطلب الأول: تحديد شروط العقد الرضائي.
المطلب الثاني: تحديد شروط العقد الشكلي.
المبحث الأول: التمييز بين العقد الرضائي والعقد الشكلي من حيث المفهوم.
إن الأصل في العقود رضا المتعاقدين، وقد نص القانون المدني الجزائري على أن "العقد شريعة المتعاقدين فلا يجوز نقضه ولا تعديله الا باتفاق الطرفين، أو للأسباب التي يقررها القانون" لذا نجد أن عنصر الاتفاق هو الرابط القانوني الذي يربط كافة العقود المدنية، ومن حيث تكوين العقد فإن الأصل العام هو مبدأ الرضائية، أما الاستثناء فهو الشكل.
المطلب الأول: تحديد معنى العقد الرضائي: هو الاتفاق الذي ينعقد بمجرد توافق إرادتي الطرفين أي باقتران الإيجاب بالقبول دون حاجة لأية شكليات. أو بمعنى أخر دون الوضع أو التعبير في قالب خاص.
وهناك من الفقه القانوني من يرى أن الرضائية في العقود إذا كانت تظهر مقبولة من الناحية المنطقية، فهي ليست بمنأى عن كل عيب، وأن لها مساوئ بالنسبة لطرفي العقد وبالنسبة للغير.
فبالنسبة للمتعاقدين تثير ضرورة الالتزام في التعبير عن الإرادة بشكل معين أو تسليم الشيء المتعاقد عليه انتباه المتعاقد وتدعوه للتفكير. الشيء الذي قد لا يتحقق في حالة الاكتفاء بمجرد توافق للإرادتين. ويتضح ذلك خاصة في حالة الكتابة التي تساعد على معرفة التزامات الطرفين بكثير من الدقة والوضوح.
المطلب الثاني: تحديد معنى العقد الشكلي: هو الاتفاق القانوني الذي لا يكفي لانعقاده توافق إرادتي الطرفين، بل لابد بالإضافة إلى ذلك من أن يحترم في إبرامه شكل معين يحدده القانون، وفي غالب الأحيان الكتابة الرسمية أمام الموثق، وذلك لحماية المتعاقدين.
والشكل المطلوب لانعقاد العقد قد يتمثل في الكتابة وقد يتمثل في الكتابة والإمضاء، وقد يكون هو التسجيل في السجل التجاري، غير أنه يجب في حالة الكتابة التمييز بين ما إذا كانت الكتابة مطلوبة لانعقاد العقد أم أنها مجرد وسيلة من وسائل الإثبات.
وإذا نص القانون على شكلية معينة دون أن يوضح ما إذا كانت للانعقاد أو الإثبات، فإنها تعتبر مطلوبة للإثبات لا غير. ذلك أن الأصل في التشريعات الحديثة هو رضائية العقود، وأن الشكلية هي الاستثناء.
المبحث الثاني: التمييز بين العقد الرضائي والعقد الشكلي من حيث الشروط.
العقد الرضائي هو ما يكفي لانعقاده تراضي الطرفين، وأغلب العقود وفق القوانين الحديثة تعتبر رضائية كعقود البيع والإيجار، ولم يكن وصول القانون إلى ذلك طفرة ولكن مع التطور التدريجي للقوانين، أصبح من غير المانع أن يشترط في إثبات العقد رضائي شكلاً معينا.ً
المطلب الأول: تحديد شروط العقد الرضائي: الركيزة الأساسية في تكوين العقد بصفة عامة هي الإرادة أي تراضي المتعاقدين. وتحليل فكرة التراضي يوضح عن ضرورة توافر عنصرين أساسيين فيه هما المحل والسبب، لذلك جرى التقليد في الفقه المدني على القول بأن أركان العقد ثلاثة: الرضا ، المحل والسبب، وعليه ينعقد العقد إذا توافرت أركانه جميعا بحيث إذا تخلف واحد منها كان العقد باطلا بطلانا مطلقا.
ويخضع العقد الرضائي للقواعد العامة التي تنظم العقود الملزمة للجانبين وبصفه خاصة يجب ان تتوافر لدى المتعاقدين الأهلية لإبرام هذا العقد ويجب من تراضى الطرفين على كافة العناصر الأساسية للعقد ، مع اقتران الإيجاب بالقبول، وذلك ما لم يشترط شكلاً معيناً كالكتابة لإثبات العقد إذا زادت قيمته عن حد معين (200 دينار)، ومثال ذلك: عقد البيع، الإيجار، الوديعة...الخ
المطلب الثاني: تحديد شروط العقد الشكلي: العقد الشكلي القائم على الرسمية لا يكفي التراضي لانعقاده، بل يشترط إتباع شكل معين: مثل عقد بيع العقار بالتسجيل لدى مصلحة الشهر العقاري، وعقد الرهن الذي لا ينعقد إلا بعقد رسمي (المادة 883 من القانون الجزائري) أي أمام موثق، وقد يكون العقد رضائي في أصله ويتفق المتعاقدان على أن يكون شكلياً، وفي هذه الحالة الشكلية واجبة باتفاق الطرفين وليس بحكم القانون .
إن الشكلية هي إفراغ العقد في شكل معين يستلزمه القانون فهي ركن في التصرف القانوني أي ثبوت الإرادة بمقتضى القانون، ومن دون الشكل فإن التصرف باطل في العقود الشكلية، وذلك خروجا على مبدأ الوصائية .
خـاتـمة
في الأخير إذا كان الأصل في العقود الرضائية أن يكفي لانعقادها مجرد تراضي المتعاقدين إلا أنه أوجب القانون والمتعاقدين شكلا معينا ، فهذا الشكل يكون ركنا في العقد ويستوجب مراعاته عند التعاقد، لأنه يعبر بصورة واضحة ومحدودة عن محتوى العقد وكما أنه الشكل يلعب دورا وقائيا هاما بالنسبة للأطراف لأنه يخول للمتعاقدين اثر كتابي للعقد يمكنهم في حالة ما إذا كان نزاع بينهم اعتماده للإثبات .
وتجدر الإشارة إلى أن العقود تطورت وأصبحت أكثرها رضائية، كما تختلف الشكلية الحديثة عن الشكلية القديمة في أنها أكثر مرونة. كما أن الشكلية الحديثة في العقود المدنية، إذا كانت لازمة فهي غير كافية، بل لا بد أن تقترن بإرادة المتعاقدين، فالإرادة هي التي يقع عليها عنصر الشكل، لذلك لا يجوز الطعن فيها بالغلط أو التدليس أو الإكراه أو غير ذلك من الدفوع الموضوعية.
 
أعلى