الاستاذ محمد تحريشي: ذاكرة المكان في رواية الطرحان لعبد الله كروم
محمد تحريشي
عبد الله كروم كاتب من ولاية أدرار تعلم أبجديات الكلمة في بيئة لغوية تبدأ بالكتّاب، ثم تثنيها بالمدرسة وكل المراحل التعليمية لتنضج لديه تلك الملكة اللغوية في التخاطب والكتابة وفي التواصل، فيصدر عنها وقد اكتملت لديه تلك القدرة على استنطاق المكان والسفر عبر الزمان؛ ليتحاور مع الأشخاص ويتفاعل مع الأحداث والوقائع تفاعلا يستمد وجوده من الواقع بتوظيف الخيال. وكان من ثمرات هذه الطاقة أن هذا الكاتب بدأ بكتابة القصة القصيرة حتى يتمكن من عوالم السرد والبناء الدرامي بالتركيز على حدث مركزي وبالتمكن من تكثيف اللغة.
فكتب مجموعته القصصية الأولى “حائط رحمونة” وفيها أبان عن قدرة على الكتابة والإبداع من خصوصية فنية ترتكز على ما اختمر في الذهن من ذكريات ووقائع، وعلى ما ترسب لديه من تجارب في الكتابة من خلال المسار الدراسي ومن خلال مواكبته للكتابة الأدبية العربية والعالمية، وبمدى تأثرها بتلك الفعالية السردية التي بدأت تستقر وتنضج في مدينة أدرار وما جاورها بما كان يعقد في قطاع الثقافة بالولاية من ملتقيات وندوات حول السرد، والذي لا شك أنه حرّك في هذا الكاتب ذكريات الحكي في العائلة. وكذا الاحتكاك ببعض الكتّاب كالسايح الحبيب وسعيد بوطاجين، وخاصة القاص عبد الكريم ينينة الذي كان يحفّز من توسم فيه القدرة على الكتابة على المحاولة. ولعل بزوغ الروائي الصديق حاج أحمد الزيواني كان له الأثر في أن يحرك في عبد الله كروم تلك الرغبة في الكتابة خاصة بعد صدور روايته الأولى “مملكة الزيوان” ثم رواية “كامارد”.
تعد مجموعة “مغارة الصابوق” لهذا الكاتب نقلة نوعية في تجربته الإبداعية جاءت لتؤكد استمرارية الكتابة والقدرة عليها، وفي الوقت ذاته تكشف عن تجربة جديدة في مجال القصة القصيرة قد تمنحه الرغبة في المغامرة في مشروع أكبر، ومن ثم التحول إلى الكتابة الروائية. كشفت المجموعتان عن توجه في السرد؛ سرد يؤسس للغة الرمل والريح و لغة الحرمان و الجوع و العطش، لغة الضياع و التيه ، سرد يقوم على استحضار بنية الرحلة في الكتابات الحجية لما تصبح الصحراء مجالا خصبا للكتابة و أفاقا رحبة للإبداع بتوظيفها للأحجية و الخرافة و الأسطورة بوسائل تقوم على الإفصاح حينا و الكتمان أحيانا ، و البوح تارة و التعمية تارة أخرى، إنها نوع من الترميل لرسم معالم لوحة تشكيلية نابعة من لغة الجريد والكرناف و الزيوان لبناء قصبة تحمي ساكنيها و تمدهم بدفء السرد و الحكاية، فتتحول السبخة إلى جنة من خيال أو عرصة من عرصات العطاء المتخيل. ويصبح للصوت لغة تجد من يحسن الاستماع إليها بحس مرهف:” هذا الصمت البكر يسكنني، يستهويني بشراهة فائقة المذاق، أنسى فيه دنيا الناس، أنسى فيه التناحر على المادة، على الحكم البائس، على المكانة في قلوب الخلق، على أجساد النساء، وعلى قطع الأرض. – أيها الرمل الصامت، إلام؟ !!..
أنا هنا منذ الأزل. تارة أميل للسكون. وتارة أخرى أهوى الثوران فأسند نفسي للريح، فتحملني معها حيث تريد.. من وقارك تعلمت بلاغة الصمت… “
إن هذا النوع من الكتابة يكشف عن قدرة لمسايرة التجارب السابقة، وفي الوقت ذاته يحمل بوادر تجربة إبداعية تنهل من خصوصية المنطقة الاجتماعية والثقافية واللغوية، ومن ذلك التمازج الاثني والثقافي بين المكونات البشرية في رقعة جغرافية شاسعة تربط الشمال بالجنوب. تندرج هذه الكتابة ضمن ما أصبح متداولا بين الكتّاب والدارسين بالسرد والصحراء، وهي كتابة تسعى إلى أن تقدم الإضافة من حيث الموضوع وطريقة المعالجة وزاوية الرؤية وزاوية القيم الجمالية بكتابة من الداخل، خاصة وأن أغلب من كتبوا في تيمة السرد والصحراء، على قلتهم، لم يكونوا من الصحراء، وإنما كتبوا عنها زائرين أو وافدين أو مغامرين أومن باب مسايرة موجة فنية لا أقل ولا أكثر. وفرق بين الكتابة عن بعد والكتابة عن معايشة، والكتابة انطلاقا من خطابات سابقة والكتابة من معاناة وواقع يومي؛ يعتصر كل العذابات والجراح وصراخات الأنين والحرمان والجوع والتهميش. وقد يكون السبيل إلى هذه الكتابة التعويل على الذاكرة القادرة على شحن أي مشروع للسرد بالصحراء بما يحتاجه من بناء درامي وتركيب لغوي وتصور جمالي وخاصية فنية.
يشكّل حضور الذاكرة أمرا لافتا للنظر في الكتابة السردية عند عبد الله كروم، وتكاد تكون المحرك الفعلي للكتابة لديه من دون أن نهمل التجربة الشخصية للكاتب وحضور الوثيقة والمعرفة بالمكان والأحداث. والواقع أن ارتباط الذاكرة بالمكان هو ما يعطي للكتابة عند هذا المبدع خصوصية فنية، وتجعل النص يتحاور مع المكان بوصفه مختزنا للوقائع وجالبا لها من الذاكرة، على الرغم من التناسي أو النسيان أو فقدان الذاكرة بفعل فاعل أو بتراكم الأحداث والوقائع. إن المكان، حتى لو اندثر أو تهدم، ينشط الذاكرة ويفعّلها بالتذكر أو الحنين أو الأسى أو الفقد أو العودة والزيارة والرجوع أو التفتيش والبحث والتحقق. وقديما قال امرؤ القيس:
قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيْبٍ وَمَنْزِلِ بِسِقْطِ اللِّوَى بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ
فَتُوْضِحَ فَالمِقْرَاةِ لم يَعْفُ رَسْمُهَا لِمَا نَسَجَتْهَا مِنْ جَنُوبٍ وَشَمْأَلِ
تَرَى بَعَرَ الأرْآمِ في عَرَصَاتِهَا وَقِيْعَانِهَا كَأَنَّهُ حَبُّ فُلْفُلِ
كَأَنِّيْ غَدَاة البَيْنِ يَوْمَ تَحَمَّلُوا لَدَى سَمُرَاتِ الحَيِّ نَاقِفُ حَنْظَلِ
وُقُوْفًا بِهَا صَحْبِيْ عَليَّ مَطِيَّهُمْ يَقُولُونَ لا تَهْلِكْ أَسًى وَتَجَمَّلِ
تشكل ذاكرة المكان رابطا مهما في علاقة المبدع بالمكان وما يثيره من انفعالات وأشجان إلى حد التمازج مع المكان بما يمثّله من امتداد للذات المبدعة، ولهذا لا انفصام بين هذا الشاعر ووقوفه عند المكان بما يمثّله من حياة ومشاركة وجدانية وروحية؛ لأن المكان يمثل معادلاً موضوعيا لمن كان يسكن المكان الداثر، والذي يرتبط مصيره بمصير الإنسان ارتباطا وثيقا وكلاهما امتداد للآخر. وقد عبّر عن هذه المشاركة الوجدانية قيس بن الملواح حين قال:
أَمُرُّ عَلى الدِيارِ دِيارِ لَيلى أُقَبِّلَ ذا الجِدارَ وَذا الجِدارا
وَما حُبُّ الدِيارِ شَغَفنَ قَلبي وَلَكِن حُبُّ مَن سَكَنَ الدِيارا
يستمد المكان قيمته الرمزية من خلال علاقته بالإنسان وبالتجارب التي عاشها هذا الإنسان في هذا المكان أو ذاك. يقول عبد العزيز الخاطر:” الإنسان كائن رمزي أساسا، الرمز يشكل وعياً وذاكرة للإنسان، يفرغ الإنسان شحناته في شكل رموز، تمثل له بعد ذلك ذاكرة تاريخية؛ وقد يكون هذا الرمز صخرة أو بيتاً أو صحراء شاسعة، الوطن في شموليته رمز لذلك، هاجس العودة للمنفيين والمبعدين هو هاجس العودة أساساً للرمز، أو ما يمثله مكان الولادة والعيش المشترك رمز للإنسان، لا يمكن المحافظة على التراث عندما تزال رموزه ستتلاشى حتما مع الوقت، فالمكان أبقى من الإنسان..” إن تماهي الإنسان والمكان هو ما يعطي للحياة معنى و للتجربة الشعورية و المشاركة الوجدانية أبعادا رمزية ترتبط بالتجربة الحياتية و الإبداعية، و لعل هذا ما يجعل الكثير من المبدعين يتعلقون بالمكان تعلقا شديدا يفرض عليهم حضورا لافتا للنظر في إبداعاتهم. “المكان بعد أساس من أبعاد التجربة الإنسانية، فالذات في طور تخلقها تتفاعل مع المكان ليس لأنه الظرف المادي الذي تقع فيه الأحداث فحسب؛ إنما لأن للذات آفاقا روحية تستنطق ما في محيطها من علاقات وتبادلات تستطيع أن تحول الأشياء المادية الملموسة إلى تجربة حية، ويمكنها أن تتحول بقوة الخلق إلى فعل إبداعي بصور مختلفة…” إن البعد الإنساني للمكان هو الذي يجعل للذاكرة كل هذه المكانة وهذا الحضور والتجلي في الأعمال الإبداعية، ومن ثم يكون المكان بوصفه ذاكرة محفزا للكتابة أكثر من كونها فضاءً للأحداث.
عوّل الكاتب عبد الله كروم كثيرا على ذاكرة المكان وهو يرسم معالم روايته “الطرحان”، ولهذا ينوه في البداية “… القرية، القصبة، القصر، الحي هي مجتمعات سكنية” وما يؤكد أنه يتعامل مع المكان بوصفه ذاكرة تختزن تجربة تجمعات سكنية أكثر من كونها أشياء مادية. هكذا يتغدى المكان بحمولات دلالية موحية تعتصر التجربة الإنسانية في حيز جغرافي محدد وسياق سوسيو-ثقافي معين وعلاقات اجتماعية قهرية تقوم على الاستغلال والظلم.
إن رواية الطرحان على الرغم من أنها رواية حدث أكثر من كونها رواية شخصية، فإنها في الواقع رواية مكان بامتياز؛ هذا المكون السردي الذي استطاع أن يمثّل حضورا فاعلا في هذه الرواية، و قد استثمره الكاتب استثمارا لافتا للنظر، بل أكثر من ذلك فقد عوّل على ذاكرة المكان في مخاطبة الملتقي بكل ما يوحي به المكان من استحضار للأحداث والشخصيات، و لعل من خلال هذه الحوارية بين المتلقي و ذاكرة المكان و ما توحي إليه في النص تربط جسور محبة و إعجاب بالمكان و بالحيز الثقافي و بالفضاء الاجتماعي للصحراء عامة، و اقليم توات وتيديكلت وقورارة و ما يمثلّه هذا الإقليم من بعد انثروبولوجي و توجه جمالي وفني.” قصبتنا – يا سادتنا- قرية منسية بين حروف التاريخ وتضاريس الجغرافيا، فالتاريخ استثناها وسقطت من سجلاته؛ لأن التاريخ يكتبه الأقوياء فقط، وقريتنا طواها الزمن وغمّها الهزال فجفّت عن حكاياتها الأقلام، وكذلك فعلت معها الجغرافيا التي لهَتْ بها كثيرا، وعفت على رسومها المندرسة، ولم تحفظ لها وجودا حتى ركنتها في زوايا النسيان. وحتى ذلك السفر (نقل الرّواة فيمن أبدع قصور توات) الذي نقّب عمن أنشأ قصور توات الطينية، وحفر فﮔارتها، وبنى قصباتها المعتقة، وحكى عن إنسانها الأول، لم ينقل لنا خبرا فيما روى عن قصور توات، ولم يكتب لنا عن تاريخا سطرا، ولخطر ما جرى من محن جعلت غراب البين يعشش في حجور أسوراها. سنحدّثكم عنّا وعنها، والتفاصيل الأكثر هي عند الناطق باسمنا السّباعي.” بمثل هذا النضج الفكري والوعي الجمالي والتصور الفني للمكان وما يمثّله من ذاكرة جماعية ترسم لنا الرواية مشروع سردي مميز، يخترف أفق القراءة وعادات الكتابة عندنا يقف عند القصبة بوصفها مكونا سرديا يرتبط بالصحراء، وما تحمله من دلالات التي ترتبط بمفهوم القرية والقصر في العمران والعمارة؛ وارتباط كل ذلك بالإنسان وارتباطه بالمكان واستقراره به.
إن كلمة النسيان كلمة مفتاح في هذا العمل السردي، والكتابة وفق هذا التوجه والغاية والهدف، هي كتابة ضد النسيان وكتابة تذكر وتذكار وكتابة عن الذاكرة وبها ومنها وإليها؛ فهي المركز والنواة والمتن وهي المنطلق. كتابة قد تقلّب المواجع بقدرتها على الالتزام بهذا التوجه، وما أجمل الكتابة لما تكون كتابة ضد النسيان بتعويلها على ذاكرة المكان التي لا تفنى حتى لو فني الإنسان واندثر المكان. “قبل أن تكتشفوا قصبة مدفونة بين الرمال يسكنها أحياء يستقبلك الأموات أولا، وفي ذلك علامة على ارتباطها بالموت أكثر من الحياة/ كأننا المعنيون بمقالة بنيامين الكاتب (دع الأموات يدفنون موتاهم). يتوسط الأموات مقام سيد الحاج المامون جد السّباعي بضريح مجصص، مقبّب، يجدّد كلّ سنة في يوم مشهود، تأتيه زُمر الزوّار من كل صعدة ونزلة” هكذا تبني هذه الرواية نظامها الترميزي وهي تختط لنفسها مسارا يسعى إلى إحداث أثر في الملتقي من خلال ذاكرة المكان؛ فالقرية مدفونة بين الرمال والأحياء مدفونون فيها وبينهم يرقد أمواتهم. مفارقة هذا الجمع بين الموت والحياة وبين الأموات والأحياء؛ وكأن الميت حي والحي ميت ولعل الجامع بينهما هو تلك القدرة على الاستمرار في الوجود وفي التذكر.
تنفتح خزانة المكان على الكثير من الذكريات وهي تطرح أسئلة عن ارتباط الإنسان بالمكان على الرغم من التحول أو التنقل. “الفضول دفعني ذات يوم لأسأل أمي: (لماذا لا يعيش الناس بقصبة الشرفة؟.) تنهدت: آه يا السباعي! الظلم هو الذي خرّب تلك القصبة وأهلك قومها) بنبرة حزينة قالتها. ثم أضافت: (سكنها أقوام وأقوام وفي كل مرة يظلمون فيهلكون، وتأتي طائفة أخرى، فيحيون بها ما نشروا العدل والإخاء، وإذا نشروا الظلم والعداوة هلكوا، وآخر من سكنها قوم من نسل السعديين، الذين رفعوا لواء الشرف، فلما أوغلوا في الدماء والحروب انقطع نسلهم، وخربت دورهم، وتفرقوا أيادي سبأ. وبقيت أسوار القصبة صامدة في وجه الظلم، واليوم على أسوراها ينذر الشؤم.. هكذا علمنا الطالب صلوح…).” تتداعي الأحداث ذات العلاقة بذاكرة المكان التي تضيق وتتسع لتشمل حيزا أكبر يتعدى هذه القصبة ليشمل بلدا أو وطنا. تحيلنا الذاكرة هاهنا إلى بعد أعمق يتعلق بالظلم والعداوة والعدل والإخاء. يفنى الإنسان وتبقى أثاره الدالة عليه تروي لنا حكايات لا تكاد تنتهي.
تتقوى ذاكرة المكان بقدرتها على الإحالة إلى الإنسان واستمرار تعلقه بالمكان، وترك ما يدل على تواجده بالمكان أو حتى مروره به. وقد تحيل هذه الذاكرة إلى نزوع أنثروبولوجي في لا وعي الراوي وهو يشير إلى المكان؛ الذي يستمد وجوده من ساكنيه بحسب تراتبية اجتماعية وعرقية وحتى اقتصادية، حتى وإن لامست بعض الطابوهات بحذر شديد. “يعيش بين أسوار القصبة ثلاثة أمشاج من السلالات، وحّدهم الطين مرتين، الأولى يوم خُلقوا على أديم البسيطة، والثانية يوم حضنتهم حيطان القصبة، وفرّقهم الدهر مرات عديدة.. يتوزعون على دروب ثلاثة، درب المرابطين على جهة اليمين، ودرب الأشراف في الوسط، والدرب الثالث يقطنه الزنوج على جهة اليسار، وهم الحراثون الذين ينحدرون من السلالة الافريقية، وتوكل لهم مهمة الأعمال الشاقة في البساتين والفﮔارة وجلب الحجارة وإصلاح ما فسد من جدران القصبة.” إن إحالة ذاكرة المكان إلى هذه التراتبية كفيل بتفعيل أسئلة حول الهوية وعن الاستغلال؛ لأن هذه التراتبية تكفل حقوقا ومكاسب وتترتب عنها مجموعة من الواجبات التي تضمنها سلوكات وأعراف وممارسات اجتماعية تحدد الأعلى والأدنى، وتسند لكل منهما وظائف ورتب اجتماعية؛” والزنوج في القصبة وما جاورها هم أهل اللمسة الفنية والصناعية” فمنهم الحرفي وصائغ الفضة وأعضاء فرق البارود والحداد كالدهاجي والد بازا.” أما المرابطون الذين ينتمون إلى ذرية الولي الصالج سيد الحاج المامون ومنهم السّباعي ولد نجوم، فيتوارثون إضافة إلى فلاحة الأرض فن الخط والنسخ وخزائن الكتب والمخطوطات. أما قبيلة الأشراف فهم من العترة النبوية كما يروّجون، وإليهم يرجع نسب الحساني، يتوارثون المال والجاه والتجارة، وبينهم وبين فرع المرابطين صراع تاريخي ضارب في ذاكرة القرية…” تسجل لنا ذاكرة المكان كل هذه الفروق التراتبية وهي بذلك ترصد لنا واقعا فنيا يعكس نظاماً اجتماعيا يحقق وجوده في المكان بما يضمن له المكاسب والحقوق والواجبات حتى وإنْ كانت غير عادلة في نظر المتلقي وقد تقوم على الاستغلال.
تقدم ذاكرة المكان مستوى آخر من الاستغلال مُورس على هذه الأرض من طرف مستعمر أتى على الأخضر واليابس وعلى الموارد الطبيعية، بل تجاوز ذلك إلى الإضرار بالبيئة.” وقبل أن نفترق أخبرتني أن الحرب ستطول في الجزائر، وأن فرنسا ستبني قاعدة عسكرية قوية، خصوصا بعد أن تعلقت همتها بصناعة قنبلة نووية، وما يظهر من الخطط أن حكومة الجنرال ديغول، أصدرت مرسوما يوم 8أكتوبر1945م، لتأسيس هيئة جديدة باسم محافظة الطاقة النووية (Commissariat a L’Energie Atomique) وأن لها مهمة واحدة هي صنع قنبلة ذرية، هي الآن في مرحلة الدراسات العلمية والتقنية. (الحروب عبر التاريخ تولد الأحقاد، اليتامى، المعدومين، يقررها الساسة، وضحيتها البسطاء، حبذا لو كان هذا العالم خاليا من الأسلحة التي تدمر، لا أحب الحروب، لا أحب الحروب) هكذا تكلمت نادين”. الحرب في الأساس هي حرب على المكان وتحدث في مكان معين ويحفظ ذكراها المكان وهو المتضرر منها. هكذا حفظ لنا المكان (رقان) ذكرى مهمة من فظائع الاستعمار والحرب على الأرض وعلى الزرع وعلى الإنسان والحيوان، إنها التجارب النووية في حموديا نواحي رقان بولاية أدرار. ألمحت الرواية إلى موقف مضاد للحرب متمثلا في موقف نادين هذه الفرنسية التي تبدو ناقمة على وضعها في الجزائر، على الرغم من أنها منها، والتي لم تختاره أو تريده أو سعت إليه.
تتوزع الرواية على محطات مهمة من ذاكرة المكان؛ وهي ذاكرة أدرار وما جاورها، وذاكرة الحرب الهندوصينية (لاندوشين)وذاكرة وهران وذاكرة القنادسة ومنجمها للفحم الحجري. يبدو أن ذاكرة المكان المرتبطة بالحرب الهندوصينية كان لها أثر كبير في بلورة الكثير من الأحداث في هذه الرواية قياسا إلى ذاكرة الأمكنة الأخرى خاصة ما تعلق بالقنادسة ووهران. يقول عن وهران:” المدن كأبناء آدم منها ما يعشر، ومنها ما يملؤك بالنفور عند أول نظرة. وما حدث لي في وهران يختلف تماما، كرهتها في البداية وكدت أخرج منها في اليوم الموالي، لكنني لما اكتشفت حي سيد الحسني ودرب التواتة، وما يقام فيهما من زهوة ووعدات سنوية، وحلق للذكر نسيت نفسي. فقد أرسلني الغيواني إلى أخيه العصماني الذي فتحني على مدينة مترامية برفق وأناة..” هكذا تستدعي ذاكرة وهران ذاكرة أدرار بنوع من استحضار الغائب بالحضور للتعبير عن ذلك الارتباط العضوي بين الإنسان والمكان؛ بما يحمله هذا المكان من ذكريات تتداعى مع أول ظهور، فتتحول الغربة إلى ألفة والمغادرة إلى استقرار. مدينة وهران في الأربعينات من القرن الماضي متعبة ومثقلة بالهموم. تستهوي الزائر؛ ” تكثر في وهران الخمارات وبيوت الدعارة في زمن الأربعينات، لكونها مدينة تتربع على شاطئ ساحر جميل، وبنايات شاهقة فطرها الأسبان، وزوقها الأتراك، وأرسى معالمها الجديدة الفرنسيون، لكن الإنسان متعب فيها بعدم الراحة والخوف من عمليات السطو والتربص من طرف المافيا.” هكذا ترتبط ذاكرة وهران بهذه الحمولة الجمالية التي تؤسس لقيم سلبية تعكس وضعا اجتماعيا ونفسيا يجعل الوافد إليها على غير راحته كونه يكتشف وضعا غير مألوف يتجاوز أفق انتظاره، مشوش الذهن منزعج النفس وقلق الخاطر. ومن ثم يبحث له عن موضع قدم متمثلا في سيد الحسني ودرب التواتة ببعدهما الاجتماعي والاحتفالي.
ترتبط ذاكرة المكان في هذه بحركية ثلاثة شخصيات: “السباعي ولد نجوم من درب المرابطين. والحسان ولد مولاي الشريف المدعو الحساني من درب الشرفاء. ومسعود ولد الدهاجي المدعو (بازا) من درب الزنوج” ومن خلال الارتباط بالمكان أو الانتقال منه أو إليه تتشكل هذه الذاكرة فنياً وجمالياً بوصفها محركاً سردياً في أدرار وما جاورها وفي القنادسة وفي وهران وفي فيتنام. ولعل هذه المحطات المهمة في حركية الشخصيات تنشط الذاكرة وتتفاعل مع مكونات السرد الأخرى في هذا العمل لتؤسس لجمالية الحكي بتسريد ذاكرة الراوي حول المكان في تجلياته الأربعة التي ذكرنا من قبلُ. “من الواضح أن بازا سيتجه نحو القنادسة بمنطقة بشار والحساني صمم وجهته نحو وهران، بينما حددت -أنا- الاتجاه صوب رقان فقط، لأكون قريبا من أمي وأختي، لأعمل في حموديا عند الرومي، وأعود محملا بما أشتري به كرامتي، وأرد به أملاكي التي ضاعت مني بجرة قلم.” وعلى الرغم من ثقل ذاكرة المكان وضغطها؛ إلاّ أنّ الكاتب أفرد لذاكرة أدرار والحرب الهندوصينية حيزا أكبر من ذلك الذي أفرده لحموديا مركز قاعدة مشروع القنبلة الذرية والنووية، والقنادسة ومنجمها للفحم الحجري ووهران وما تحمله من حمولات أنثروبولوجية.
يبدو لي أن الروائي عبد الله كروم صاحب مشروع سردي مهم يعنى بذاكرة المكان في التجارب النووية في رقان وما جاورها ومعاناة عمال منجم الفحم الحجري في القنادسة والذي يشكّل هاجسا للكاتب؛ وقد أشار إليه في مجموعته القصصية مغارة الصابوق.:” جئت لدنياكم ولم أعرف أبي”الغزواني” الذي اختنقته قبل ولادتي أبخرة المنجم المشؤوم، أعني المنجم الفحمي بالقنادسة، المفترس الصناعي الذي أكل رئات المقهورين، أولئك الذي ذهبوا ضحية الاستعباد دون أبسط حقوق إنسانية، إنه منجم العار في صفحات المجرم المحترف.” هكذا تضغط ذاكرة المكان على المبدع ليفرد لها حيزا إبداعيا لتعلن عن وجودها لتتخلص من تلك الشحنات الضاغطة على الوجدان. إن تنقل الراوي، من أدرار إلى نواحي رقان؛ ومن ثم إلى التجنيد في صفوف الجيش للمشاركة في الحرب الهندوصينية، كان له حضور قوي من حيث اشتغال ذاكرة المكان سرديا قياسا للأمكنة الأخرى.
كانت رقان بداية اشتغال الذاكرة بين ثقافة أصيلة وثقافة وافدة. اللقاء بين الراوي ونادين، زوجة ديفيد جونسون أحد أفراد الجيش الفرنسي العاملين في قاعدة حموديا؛ بداية تفاعل الذاكرتين من حيث الحضور والغياب؛ تقول نادين “أعجبت بالثورة الفرنسية ومبادئها: الحرية والمساواة والأخوة غير أن نتائجها وما نحن فيه من احتلال لشعوب بائسة وفقيرة. لم نستطع أن نعلمهم الحرية، ونقيم بينهم العدالة، ونأنس بأخويتهم لم نبرح مشكلتنا الأساس أننا نخون مبادئنا، لازالت الثورة مخبأة في خلد من نظر لها.” هكذا تشتغل الذاكرة المكان لتعقد علاقة غير شرعية بين الراوي ونادين.
تكون هذه العلاقة سببا في تواجده في الحرب ليعقد علاقة شرعية بينه وبين فيتنامية فيتزوج منها ويحضرها إلى قصبته.” قلبي مقسوم بين الياقوت البعيدة وسو القريبة، بين حب التاريخ وحب الجغرافيا، وغالبا ما تحسم الجغرافيا المعركة لأن التاريخ ماض بعيد، بينما الجغرافيا حاضر واقعي…” ترتبط الجغرافيا والتاريخ بالمكان وبالذاكرة؛ ومن ثم حرصت الرواية على محاورتهما لتكشف عن معدن الإنسان وهويته وطموحه وعن القيم التي تتحكم فيه وتلك التي يطمح إليها.”…وفي الغد وجدت شعورا يتقاسمه الرضا من جهة والرفض من جهة أخرى، ثم ترجح لي أن أتزوجها، بشرط أن يكون الزواج وفق عقيدتي…” إن هذا الإصرار و الإلحاح هو دليل فعالية ذاكرة المكان لما تشتغل على القيم التي تحكم المجتمع و تسهم في بناء الفرد فكريا و عقائديا و فنيا و جماليا، و في تشكل رؤيته للعالم.” وانتظم زواجنا زيجة منقطعة النظير، اختلط فيها المسلمون والبوذيون. واختلطت قراءة تعاليم بوذا(المتيقظ) وقراءة القرآن. وامتزجت رقصة الأزر الفيتنامية الشرقية مع رقصة الدراويش الصوفية المولية. وهام كل واحد في وجده وعوالمه.” أمكن لهذه الأحداث المتباينة أن تحدث لما تواجدت في مكان سمح بأن تتناسب ذاكرات المكان؛ من أجل ذاكرة مكان جديدة موحدة ومنسجمة تسمح بالتنقل إلى ذاكرة المكان الأول الممثلة في الياقوت.
إن ذاكرة مكان الحرب المفترض أن تكون سلبية أضحت إيجابية بالزواج من سو، وكان لابد من الانسجام بين الذاكرتين حتى تستمر الحياة،”… شرحت لهم أن البوذية لها جواهر ثلاثة: أولا، الإيمان ببوذا كمنبع للاستنارة، ثانيا اليقين بتعاليم بوذا المسمى (دراما)، وثالثا المجتمع البوذي. في تعاليم بوذا دعوة للمحبة والتسامح والتعامل بالتي هي أحسن والعطف على الفقراء، والبعد عن مظاهر البذخ والترف والحث على التقشف، وتحث البوذية أتباعها على عدم الإفراط في الجنس والبعد عن الزواج…..” من مكونات ذاكرة المكان هاهنا في آسيا وجود البوذية مع أقلية من ديانات أخرى منها الإسلام؛ ولهذا نجد أن الكاتب لم يكتفِ بما تنشطه الذاكرة من أحداث، بل اعتمد على التوثيق حتى و لو لم يشر إلى ذلك؛ ليقف الراوي على تعاليم البوذية بطريقة مكثفة بعد أن قدّم تعريفا موجزا بفيتنام.
إن اعتماد الكاتب على ذاكرة المكان لم يمنعه من الاعتماد على التوثيق لبعض الأحداث والوقائع حتى وإن لم يذكر ذلك، ولعل ذاكرة المكان هي التي أجبرته على العودة إلى الوثائق ليرصد لنا بعض الحقائق المهمة التي أسهمت في تفعيل حركية السرد وتنميته؛ لينفتح على أفق رحب يتماشى وطبيعة الحكاية التي قامت على ذاكرة المكان في تجلياتها الأربعة، وخاصة في أدرار وفي فيتنام.” في تلك الليلة التي زغرد فيها عصفور الفرح في قلبي، لزمت نفسي أن أسدي شرف هذا التتويج إلى شخصين عزيزين علي، هما جدي الكعوي رحمه الله ونادين زوج المكرش جونسون، الأول علمني الخط وأسرار النون والعربية وعلومها، والثانية فتحتني على المعرفة من أوسع أبوابها….” هكذا تتفاعل ذاكرة المكان مع كل مكوناتها بهذا الطريقة على لسان الراوي؛ لتشدنا أكثر إلى الحكاية بما يشبه البوح والإقرار والاعتراف بالجميل. إن الذكرى التي ترتبط بالمكان تضمن لنفسها الخلود والاستمرار في الوجود عبر المكان الذي يحيل إلى وجودها، ثم تأتي الكتابة لتجعلنا نحيا ونستمر في الوجود من خلال علاقتنا بالمكان. إنّ الكتابة عن المكان كتابة عن الذات التي تحارب الفناء والموت والزوال، وتقوم الذاكرة بعمل الشاهد على الأحداث والموثق لها والمعبّر عنها. تسمو نادين ويحتفل بها المكان وتحتل مكانة خاصة في الذاكرة، ويعترف الراوي بهذا الشموخ قائلا: “شمخت نخلة أثمرت بالخيرات، وتساميت شمسا أضاءت عتمة الصحراء، ونورا أنقذني من ظلام الجهل وإغلاقه، وفتحني على العالم وأنواره. الفرنسية التي تعلمتها منك غنيمتي في هذين الحربين وبها تواصلت هنا مع الناس، المجد لك واللعنة على الكولونياليزم.” بقدر ما تكون ذاكرة المكان مؤلمة بقدر ما تكون لذيذة، وبقدر تقاوم الأحزان بقدر ما تحارب النسيان وتعترف بالجميل وتنشد الاستمرار وترد الجميل إلى أصحابه. ينفتح شريط الذكريات على الفرح كما ينفتح على الألم، وينفتح على المتعة كما ينفتح على المعاناة؛ شريط الذكريات عودة إلى الماضي لبناء تصور عن غد مشرق. “عدت يا ناس! أجل! عدتُ، أنا السباعي ولد نجوم من اوزار حرب لاندوشين، من أوجاع حرب في أقصى الأرض، حرب الوكالة التي ندخلها نحن أمة الجنوب ترسا لجلالة الرجل الأبيض، الحاسب نفسه إنسانا أعلى في هذا الكون. تغيرت أنا، وتغيّر الكثير من الناس في هذا العالم، بينما لازالت البنات هنا على عادتهنّ القديمة…” يرتحل الإنسان عن المكان ويعود الإنسان إلى موطنه محملا بالذكريات عن المعاناة والقهر والحرمان؛ وفي قلبه شيء من الحنين وشيء من استرجاع الذات وترميمها للمكان لما يكون معادلا لأمكنة أخرى، ولما يكون الهروب من المكان والعودة إليه محركا للعواطف والأشجان.” رجعتُ ميسور الحال، عاجلا، أعرج، عكس اليوم الذي خرجتُ فيه قبل أكثر من عشر سنين، يوم فررتُ من القصبة فقيرا، معدما لا أعقد على فلس، عزِبا، سويّا فيما أزعم، ليعود بي الزمن إلى مسقط رأسي محمّلا بحقائب الذكريات التي ملأتُها من تعاسة أيامي ومحنة عمري، ومغامرتي المثيرة، التي ربطت بها غرب العالم بشرقه ربطة شفت فيها الويلات.” هكذا تبدأ الرواية بشريط ذكريات المكان وتنتهي به و كأن الحكاية رويت لنا بطريقة دائرية مشوقة.