بحث حول التيار السلوكي اعداد الباحث حسوني محمد عبد الغني

T.Karima❶

عضو نشيط
المشاركات
92
مستوى التفاعل
2
النقاط
6
بحث حول التيار السلوكي اعداد الباحث حسوني محمد عبد الغني

مقدمة
يعتبر التيار السلوكي أحد التيارات البارزة في علم النفس، وقد ظهرت هذه المدرسة في أوائل القرن العشرين على يد العديد من العلماء البارزين مثل جون ب. واتسون و بافلوف و سكينر. يتسم التيار السلوكي بالتركيز على الدراسة الموضوعية والقياس العلمي للسلوك البشري من خلال التجربة والبيئة، بعيدًا عن العوامل النفسية الداخلية التي كانت محور اهتمام المدارس السابقة مثل التحليل النفسي و المدارس الإنسانية.

يركز التيار السلوكي على سلوك الإنسان باعتباره استجابة للبيئة المحيطة به، ويرى أن التعلم يحدث من خلال التفاعل بين الفرد والبيئة. يتجاهل السلوكيون المشاعر والأحاسيس الداخلية و العمليات العقلية غير الملموسة التي لا يمكن ملاحظتها بشكل مباشر.

تستند النظريات السلوكية إلى مفاهيم التعلم و الشرط و التعزيز، حيث تعتبر هذه العوامل من الأسس التي تحدد السلوك الإنساني وتشكله. وكان للتيار السلوكي تأثير كبير في مناهج التربية والتعليم، وكذلك في العلاج النفسي، وخاصة في مجالات العلاج السلوكي و إعادة التأهيل النفسي.

المبحث الأول: نشأة التيار السلوكي وتطوراته
المطلب الأول: نشأة التيار السلوكي
ظهر التيار السلوكي في بداية القرن العشرين كاستجابة ل النظريات التقليدية في علم النفس، التي كانت تركز على الدوافع الداخلية مثل المشاعر والأحاسيس و العمليات العقلية، التي كان يصعب قياسها أو ملاحظتها بشكل موضوعي.

جون ب. واتسون، الذي يُعتبر مؤسس السلوكية، قدم أُطروحاته الأولى التي تدعو إلى دراسة السلوك البشري بشكل علمي و موضوعي. في عام 1913، نشر واتسون مقاله الشهير "علم النفس كما يراه السلوكي"، الذي دعا فيه إلى ضرورة التركيز على السلوك القابل للملاحظة والابتعاد عن الظواهر النفسية غير المرئية.

من جهة أخرى، إيفان بافلوف، عالم النفس الروسي، لعب دورًا كبيرًا في تطوير النظرية السلوكية من خلال اكتشافاته المتعلقة بالتعلم الشرطي، خاصة في دراسته الشهيرة عن الاستجابة الشرطية باستخدام الكلاب.

المطلب الثاني: تطور النظرية السلوكية
استمر التيار السلوكي في التطور مع بافلوف و واتسون، وظهرت مدارس جديدة مثل السلوكية المعرفية التي جمعت بين الأساليب السلوكية التقليدية و العمليات العقلية. وفي منتصف القرن العشرين، جاء B.F. Skinner ليضيف نظرية التعزيز، التي تركز على تقوية السلوكيات المرغوبة و إضعاف السلوكيات غير المرغوبة من خلال التعزيز الإيجابي و التعزيز السلبي.

المبحث الثاني: المبادئ الأساسية للتيار السلوكي
المطلب الأول: التعلم الشرطي الكلاسيكي (Pavlovian Conditioning)
التعلم الشرطي الكلاسيكي هو المفهوم الذي وضعه إيفان بافلوف، ويرتكز على فكرة أن السلوكيات يمكن أن تُكتسب من خلال الارتباط بين المحفزات. في تجربته الشهيرة مع الكلاب، قام بافلوف بربط صوت الجرس مع تقديم الطعام للكلب. ومع مرور الوقت، بدأ الكلب في إفراز اللعاب بمجرد سماع صوت الجرس حتى دون تقديم الطعام.

في هذا السياق، يمكن تعريف المحفز الشرطي (مثل الجرس) و المحفز غير الشرطي (مثل الطعام)، مما يدل على أن الكائنات الحية يمكن أن تتعلم من خلال الارتباطات بين المحفزات المختلفة في البيئة.

المطلب الثاني: التعلم الشرطي الإجرائي (Operant Conditioning)
التعلم الشرطي الإجرائي هو نظرية قدمها B.F. Skinner، وهي تركز على السلوكيات الطوعية وكيفية تعزيزها أو إضعافها بناءً على النتائج التي تترتب عليها. يعتقد سكينر أن السلوك يتم تعلمه وتشكيله عبر التعزيز و العقاب.

ينقسم التعزيز إلى نوعين:

التعزيز الإيجابي: إضافة مكافأة لتحفيز السلوك المطلوب.
التعزيز السلبي: إزالة عنصر غير مرغوب فيه لتشجيع السلوك.
أما العقاب فيتمثل في تقديم عنصر غير مرغوب فيه أو سحب مكافأة لتقليل السلوك غير المرغوب فيه.

المطلب الثالث: البيئة والسلوك
يركز التيار السلوكي على أن السلوك البشري يعتمد بشكل أساسي على البيئة المحيطة. تتفاعل المحفزات البيئية مع الاستجابات الفردية لتشكيل سلوك الإنسان. يتعامل السلوكيون مع الإنسان على أنه جهاز استقبال للبيئة، حيث يستجيب الشخص للعوامل المؤثرة في بيئته بشكل مرن.

ومن خلال هذه الفكرة، لا تعتبر الوراثة أو العمليات النفسية الداخلية عوامل رئيسية في تشكيل السلوك، بل تركز السلوكية على التعلم من التجربة و التفاعل مع البيئة.

المبحث الثالث: تطبيقات النظرية السلوكية
المطلب الأول: في مجال التربية والتعليم
تأثرت النظريات السلوكية بشكل كبير في مناهج التعليم. حيث تم استخدام التعزيز كأداة ل تحفيز الطلاب على تعلم سلوكيات أو مهارات معينة. كما أن البيئة التعليمية تُعتبر عاملاً رئيسيًا في تشجيع أو تثبيط السلوكيات، مما يجعل التفاعل مع البيئة أحد العوامل الأساسية لتحقيق النتائج المرجوة.

في بعض الأحيان، يتم تطبيق البرامج السلوكية لتعزيز سلوكيات الطلاب الجيدة مثل المشاركة في الفصل أو الانضباط من خلال المكافآت، بينما يتم تقليل السلوكيات غير المرغوبة مثل التسرب أو التأخير عن طريق العقوبات المناسبة.

المطلب الثاني: في العلاج النفسي
تعد العلاج السلوكي من أشهر التطبيقات التي يعتمد فيها الأطباء النفسيون على النظريات السلوكية لمعالجة الاضطرابات النفسية. يعتمد العلاج السلوكي على استخدام تقنيات مثل التعزيز و التعديل السلوكي لتغيير الأنماط السلوكية غير المرغوب فيها.

من أشهر تقنيات العلاج السلوكي:

العلاج بالتعرض: يستخدم لعلاج الرهاب عن طريق تعريض الشخص تدريجيًا للمحفزات التي يخشاها.
العلاج بالتحفيز: حيث يتم استخدام التعزيز الإيجابي لتشجيع السلوكيات المرغوب فيها.
المطلب الثالث: في تعديل السلوك الاجتماعي
يستخدم التيار السلوكي أيضًا في تعديل السلوكيات الاجتماعية مثل العدوانية أو الانسحاب الاجتماعي من خلال تعزيز السلوكيات الإيجابية وزيادة التفاعل الاجتماعي. في هذا السياق، تعتمد برامج تعديل السلوك على المكافآت لتشجيع الاندماج الاجتماعي وزيادة التفاعل البناء بين الأفراد.

الخاتمة
في الختام، يُعد التيار السلوكي أحد التيارات البارزة في علم النفس التي أسهمت في تطوير فهمنا لكيفية تعلم البشر وتشكيل سلوكياتهم في إطار التفاعل مع البيئة المحيطة. ويظل التعلم الشرطي و التعزيز من الأسس الأساسية التي يعتمد عليها السلوكيون في تفسير سلوك الإنسان وتعديل هذا السلوك.

رغم الانتقادات التي وجهت للسلوكية على تجاهلها العوامل النفسية الداخلية، إلا أن هذا التيار ترك بصمة واضحة في الطب النفسي، التربية والتعليم، و العلاج السلوكي.

المراجع
جون ب. واتسون، علم النفس كما يراه السلوكي، نيويورك: دار النشر الأكاديمية، 1913.
إيفان بافلوف، التعلم الشرطي، موسكو: دار النشر السوفيتية، 1927.
B.F. Skinner، التعزيز والسلوك البشري، نيويورك: دار النشر راندوم هاوس، 1953.
سيدني كابلان، مقدمة في السلوكية، لندن: دار النشر كامبريدج، 1988.
 
أعلى