هل ترك الشيخ الطاهر آثارا؟ وهل ستنشر؟ أ.د/ مسعود فلوسي

Nada Sebbar

عضو نشيط
المشاركات
42
مستوى التفاعل
1
النقاط
6
هل ترك الشيخ الطاهر آثارا؟ وهل ستنشر؟ أ.د/ مسعود فلوسي

7D5acab.png


سؤال مؤرق وواقع مؤلم
إن السؤال المؤرق الذي ظل يتبادر إلى ذهني دائما عندما يُتوفى عالم من علماء الجزائر، هو: هل ترك هذا العالم آثارا علمية تحفظ علمه وفكره وتنتفع بها الأجيال من بعده وتذكره بها، أم أن علمه مات بموته وانطوى برحيله عن هذه الحياة الدنيا، ولن يلبث ذكرُ هذا العالم أن يذوي شيئا فشيئا حتى يتلاشى مع مرور الأيام كما حدث لكثيرين غيره من علماء هذه البلاد؟
الواقع المؤلم الذي لا يمكننا إنكاره هو أن أغلب تراث علماء الجزائر يظل مجهولا وغير متاح للاطلاع عليه والانتفاع به من قبل أجيال الباحثين وطلاب العلم الذين لا يستطيعون الوصول إلى هذا التراث الذي يبقى معظمه مخطوطا أو في تسجيلات صوتية أو مرئية، وفي كثير من الأحيان يضيع هذا التراث بعد وفاة صاحبه حين لا يعرف ورثته قيمته وأهميته فيقومون بإتلافه أو التخلص منه أو يتركونه مهملا حتى تتلفه عوادي الزمن.
وأذكر هنا واقعة حدثت لي مع أبناء عالم من علماء الجزائر رحل عن دنيانا منذ سنوات، حيث اتصلت بهم من خلال أحد معارفهم الذي تربطه بي وبهم صلة وثيقة، وطلبت منهم أن يمكنوني من صور طبق الأصل من خطب ومقالات وأشعار والدهم رحمه الله، حتى أحققها وأدرسها وأخرجها مطبوعة. وكنت أتصور أن هذا الطلب سيسرهم ويجعلهم يستجيبون له فورا، إلا أنني فوجئت برفضهم القاطع وإصرارهم الغريب على أن آثار والدهم لا يمكن أن يُسلموها لأحد مهما كان، وإذا كان هناك من يحق له أن ينشرها فهم أفراد عائلته أنفسهم، ومع أني أكدت لهم أن والدهم يكاد يكون مجهولا تماما عند أغلب الجزائريين وخاصة الأجيال الجديدة منهم، وأن طلبي هو من باب الحرص على إحياء ذكره ونشر آثاره دون أن تكون لي أي فائدة شخصية من وراء ذلك، إلا أنهم أصروا على الرفض. ولعلهم تصوروا أنني سأستفيد من نشر هذه الآثار فوائد مادية أو معنوية، في حين أنني سأبذل من وقتي وجهدي وحتى من مالي الشخصي ما لا يعلمون ولا يُقدِّرون.
آثار الشيخ الطاهر
وفيما يخص فقيدنا الشيخ محمد الطاهر آيت علجت رحمه الله، فقد ذكر من كتبوا عنه بعد وفاته أنه ظل خلال عقود طويلة، وخاصة بعد إحالته على التقاعد سنة 1978، يلقي دروسًا في الفقه والنّحو وعلم القراءات والمواريث وغيرها من العلوم الشرعية واللغوية. كما ذكر بعضهم أنه ترك مؤلفات مخطوطة في هذه العلوم، وأوردوا قائمة بعناوين هذه المؤلفات، وهي عناوين ذات أهمية بالغة إذ يدور أغلبها حول شرح مصادر الفقه المالكي المشهورة في الغرب الإسلامي، ومن العناوين التي ذكروها: شرح موطأ الإمام مالك، شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني، شرح مختصر خليل، شرح ترتيب الفروق للقرافي، شرح متن الرحبية في الفرائض لموفق الدين الرحبي، إضافة إلى شروح لبعض المصادر اللغوية، مثل شرح ألفية ابن مالك في النحو، شرح لامية الأفعال لابن مالك، شرح الجوهر المكنون في البلاغة لعبد الرحمن الأخضري، شرح الأجرومية، وغيرها.
لكن يبدو أن هذه الأعمال العلمية النافعة، كلها مجرد أمالي أو دروس شفوية غير مكتوبة، وقد تكون مسجلة كلها أو بعضها فقط دون الكل، كما قد تكون متفرقة بين أيدي طلبته وتلاميذه الذين استمعوا إليها حضوريا بالجلوس بين يدي الشيخ، ويصعب أن تكون كلها متوفرة لدى أسرة الشيخ أو طلبته المقربين، هذا إذا افترضنا أنها سجلت كلها، وهو افتراض بعيد لأننا نعرف واقعنا نحن الجزائريين، حيث يندر أن نجد من يحضر درسا لعالم أو إمام ويسجل بقلمه أو بجهاز تسجيل ما يسمع.
لماذا لم تُنشر في حياة الشيخ؟
إذا افترضنا أن هذه التسجيلات كانت متوفرة منذ زمن بعيد خلال مسيرة الشيخ التعليمية، فلماذا لم يتم تفريغها وكتابتها وطباعتها في حياة الشيخ رحمه الله؟ حيث كان بالإمكان أن يتولى مراجعتها بنفسه فيُبقي على ما يرى أهمية الإبقاء عليه ويحذف ما يراه غير جدير بالإبقاء. ثم لماذا لم يتم وضع هذه التسجيلات على مواقع الأنترنت مثل (يوتيوب) حتى يشاهدها من يرغب في مشاهدتها إن كانت مرئية، أو يسمعها من يرغب في سماعها إن كانت صوتية؟
بل لماذا لم يقم ابنه الشيخ محمد الصالح رحمه الله بجمع هذه الآثار وتحقيقها ونشرها، كما فعل مع فتاوى الشيخ المولود الحافظي مثلا؟
ثم إن السؤال المؤرق أكثر هو: هل كان للشيخ طلاب وتلاميذ مقربون لازموا دروسه سنوات طويلة واهتموا بما يدلي به لهم من علم ويسجلون عنه ما يقول أو يملي هو عليهم ما يراه ضروريا من المعلومات ليحفظوها، أم أن مستعمي الشيخ كانوا مجرد أشخاص عاديين يحضرون أحيانا ويغيبون في كثير من الأحيان ويكتفون بالسماع فقط ثم النسيان بعد ذلك، كما هو حال معظم الجزائريين؟
مرة أخرى نسجل الواقع المؤلم الذي عاشه ويعيشه علماء الجزائر وهو أنهم لم يحظوا بتلاميذ حقيقيين يهتمون بتسجيل دروسهم ويحرصون على الانتفاع بها ونقلها إلى من يأتي بعدهم عن طريق التحقيق والطباعة والنشر، وإلا فأين محاضرات الشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله ودروسه في التفسير والحديث والفقه على مدى ربع قرن، وأين دروس ومحاضرات كل من الإبراهيمي والتبسي والعقبي وغيرهم من أعلام جمعية العلماء المسلمين الجزائريين رحمهم الله جميعا؟ وأين دروس ومحاضرات أعلام الجزائر بعد الاستقلال من أمثال المشايخ أحمد حماني وعبد الرحمن شيبان وأحمد سحنون وعبد الرحمن الجيلالي وأحمد توفيق المدني وعلي مغربي وأحمد الأطرش السنوسي ومحمد باي بلعالم وغيرهم من العلماء الأفذاذ رحمهم الله؟
هل ستنشر مستقبلا؟
إذا افترضنا مرة أخرى أن هذه التسجيلات متوفرة ويمكن الوصول إليها بسهولة، فإن السؤال الآخر الذي سيتبادر هو: هل ستحظى هذه التسجيلات بمن يهتم بمضمونها ويحرص على تفريغها ويجتهد في تحقيقها وطباعتها ونشرها؟
في كليات وأقسام العلوم الإسلامية وفي كليات وأقسام اللغة والأدب في مختلف الجامعات الجزائرية عشرات الباحثين الذين يسجلون كل عام أطروحات الدكتوراه في موضوعات الفقه والأصول والتفسير واللغة العربية، هل في هؤلاء من يمكن أن يهتم بتراث علماء الجزائر ويحرص على دراسته وتحقيقه وإخراجه من دائرة الإهمال والنسيان؟
مرة أخرى يؤسفنا أن نقرر أن أغلب طلبتنا وباحثينا لا يمتلكون التكوين العلمي والبحثي الرصين الذي يؤهلهم للبحث عن هذه الآثار وجمعها ودراستها وتحقيقها وإخراجها، فمعظمهم، إن لم أقل كلهم، لا يهمهم من البحث العلمي إلا إنجاز مذكرات ينالون بها شهادات تمكنهم من الحصول على مناصب يضمنون من خلالها دخلا منتظما يعيشون به على هامش الحياة حتى يغادروا هذه الدنيا دون أن يهتم أحدهم بأن يترك فيها أثرا أو يقدم لغيره نفعا. ولذلك تأتي أغلب هذه المذكرات ضحلة المضمون وقليلة الفائدة.
إننا نخشى أن تظل آثار الشيخ محمد الطاهر آيت علجت رحمه الله، كما بقيت آثار من سبقه من علماء الجزائر، مهملة غير مهتم بها من أحد، وتتعرض مع مرور السنوات للنسيان كما تعرضت آثار غيره قبل ذلك.
نداء
ولذلك فإنني، من هذا المنبر، أوجه نداء إلى البقية الباقية من العلماء العاملين والباحثين الجادين المخلصين في الجامعات الجزائرية، وما أقلهم، أدعوهم من خلاله إلى أن يحرصوا على توجيه طلبتهم إلى الاهتمام بتراث علماء الجزائر دراسة وتحقيقا وإخراجا في رسائلهم الجامعية، وأن يُكوِّنوهم نظريا وتطبيقيا بما يُمَكنهم من القيام بهذه المهمة على أحسن وجه وأتمه.
كما أتوجه بالنداء إلى مسؤولي مؤسسات الدولة المعنية بالفكر والثقافة في بلادنا، مثل وزارة الشؤون الدينية والأوقاف، وزارة الثقافة، المجلس الإسلامي الأعلى، المجلس الأعلى للغة العربية، لأدعوهم إلى أن يشجعوا على جمع ونشر تراث علماء وأدباء ومفكري الجزائر، ويوفروا الإمكانات اللازمة للمهتمين بهذا التراث – على قلتهم – حتى يتمكنوا من جمعه وتحقيقه، وأن تتبنى هذه المؤسسات طباعة ونشر وتوزيع الأعمال التي ستنجز في هذا الإطار.
بهذا نخدم تراث علمائنا ونحيي ذكرهم ونصل بينهم وبين الأجيال الجديدة التي تأتي بعدهم، فتسلك مسالكهم وتسير على نهجهم، وتخدم الدين والعلم والوطن والأمة كما خدموهم.
 

Nada Sebbar

عضو نشيط
المشاركات
42
مستوى التفاعل
1
النقاط
6
رحيل العلامة المجاهد الشيخ الطاهر آيت علجت: مسيرة من نور.. أ.د عبد الحق حميش
رحل عنّا في الأيام القليلة الماضية العلامة المجاهد الشيخ الطاهر آيت علجت؛ عالم ‎الجزائر وبركتُها ومُسنِدُها، أحد أعلام الجزائر العظام ورئيس اللجنة الوطنية للفتوى والأهلة والمواقيت الشرعية..
يقول فيه الشيخ عمار رقبة الشرفي حفظه الله تعالى:
جمع الله تبارك وتعالى لهذا الرجل خصالاً تفرقت في غيره؛
جمع بين الدعوة والتعليم..والتعليم العام والتكوين الخاص..
والتدريس النظامي بالمدارس وحلقات العلم بالمساجد..
والصلاح والإصلاح… وجهاد التحرير وجهاد البناء والتنوير..
وبين جهاد السنان وجهاد اللسان والبيان..
والعمل الرسمي والجمعوي التطوعي..
اهتم بإعداد الرجال والتأليف بينهم..
كان رجل بأمة.. بسط الله تعالى له القبول في الأرض نسأل الله أن تكون
عاجل بشرى له في هذه الحياة..
تراهُ إذا ما جئْتَه مُتَهَلِّلا … كأنَّك تُعطيه الذي أنتَ سائلُهْ..
حسن الخلق دائم البسمة لا يرد سائلا ولا ينطبق قول الفرزدق إلا في مثله:
سهْلُ الخَلِيقَةِ، لا تُخشى بَوَادِرُهُ يَزِينُهُ اثنانِ: حُسنُ الخَلقِ وَالشّيمُ
حَمّالُ أثقالِ أقوَامٍ، إذا افتُدِحُوا حُلوُ الشّمائلِ، تَحلُو عندَهُ نَعَمُ
ما قال: لا قطُّ، إلاّ في تَشَهُّدِهِ لَوْلا التّشَهّدُ كانَتْ لاءَهُ نَعَمُ
ولد العلامة المجاهد محمد الطاهر آيت علجت في الخامس من محرم1335هـ الموافق لـ7 فيفري 1917م ببلدية ثامقرة ولاية بجاية.
ختم القرآن وعمره لا يتجاوز (12) عامًا بمسقط رأسه بزاوية جدّه الشيخ يحي العيدلي، وبها تلقى المبادئ الأولى لعلوم الأدب واللغة العربية على يد شيخه العلامة السعيد اليجري، كما أخذ عنه الآجرومية والألفية في النحو،
والرسالة والمختصر في الفقه، وعلم الحساب والفلك والبلاغة وغيرها من الفنون.
ثمّ شدّ الرِّحال إلى زاوية الشيخ بلحملاوي بالعثمانية، قرب قسنطينة، حيث أتمّ هناك دراسته الشّرعية، من فقه ولغة ونحو وعلوم أخرى كثيرة مثل الرياضيات والتاريخ والجغرافية والفلك وغيرها، عن الشيخ العوادي والشيخ مصباح الحويدق وغيرهما.
رجع الشيخ إلى مسقط رأسه سنة 1937م، حيث تولّى التّدريس والتّعليم بزاوية سيدي أحمد بن يحيى بأمالو، وكان يقدّم فيها دروس تعليم القرآن واللغة العربية والشّرعية إلى غاية سنة 1956م حين أحرق الجيش الفرنسي الزاوية، فالتحق الشيخ مع طلبته بجيش التحرير.
سافر إلى تونس في أواخر سنة 57م بإشارة من العقيد عميروش الذي كان الشيخ يتولّى من1957م كلّفه الشهيد عميروش بالسفر إلى تونس والإشراف على النشاط التعليمي للطلاب الجزائريين هناك، فبذل الشيخ قصارى جهده
عند الاستقلال.
وفي سنة 1963م عاد إلى وطنه الأوّل، وعيّن أستاذًا بثانوية عقبة بن نافع بالجزائر العاصمة وثانوية عمارة رشيد ببن عكنون، إلى أن أحيل على التقاعد سنة 1978م.
ثمّ وبطلب من وزارة الشؤون الدينية، عاد إلى نشاطه المسجدي، ليمارس دروس الوعظ والإرشاد بمسجد حيدرة وغيره من المساجد، و بقي يعقد دروسًا في الفقه والنّحو وفن القراءات وغيرها من العلوم الشرعية بمسجد بوزريعة مكان إقامته لعشرات السنين.. تقبله الله تعالى منه جهوده وجهاده.
قضى ما يقرب من ثمانين سنة في التعليم والإقراء، فهو رجل القرآن بحقّ،أفنى حياته كلها في تعلم القرآن وتعليمه بالسند المتصل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى ربّ العزّة جلّ جلاله، وقد ورد في الحديث الصحيح عن عثمان -رضي الله عنه- أنّ النبيّ -صلى الله عليه وسلم- قال: « خيركم مَن تعلّم القرآن وعلّمه » وإنّ زاويته ومسجده وبيته وطلابه ومشاركاته في الملتقيات القرآنية وتكريم الطلّاب الخاتمين والخاتمات، لخيرُ شاهد على ذلك.
رجل كريم الخُلق والبذل والعطاء يخدم ضيوفه بنفسه، أدرك ذلك كل من لقيه أو خالطه أو زاره، الابتسامة لا تفارق محياه، قال رسول الله ﷺ: لا تحقرنّ من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلْقٍ.
رجل بسط اللهُ له القبول في الأرض، ولو لم يحبّه لما حَبَّبه إلى خلقه وجميع أبناء وطنه على اختلاف مشاربهم، وفي الحديث القدسي المتفق عليه:« إذا أحبّ الله عبدا نادى جبريلَ، فقال: إنّي أحبُّ فلانا فأحبّه، قال: فيحبُّه
جبريل، ثم ينادي في السّماء فيقول: إنّ اللّه يُحبُّ فلانا فأحبّوه، فيحبّهُ أهل السماء، قال: ثمَّ يوضع له القبول في الأرض ..»
وتلامذة الشيخ بالعشرات بل بالمئات من كل أرجاء الوطن نذكر منهم:
المفكر الجزائري العلامة الموسوعي مولود نايت بلقاسم رحمه الله.
والشيخ محمد الشريف قاهر رئيس لجنة الإفتاء في المجلس الإسلامي الأعلى،
ومحمد الطاهر بوزغوب ومحمد الطاهر زقرور وغيرهم كثير..
أطال الله عمره في طاعته، فعمَّر قرنا وستة أعوام، وبالهجري قرنا وتسعة أعوام، عامرة بسائر الطاعات والقربات، وفي الحديث الصحيح الذي رواه الترمذي أنّ النبي – ﷺ- قال: « خيرُ النّاس مَن طالَ عمره وحَسُن عمله ».
توفي صابرا محتسبا ليلة الأربعاء 25 ذو القعدة 1444 للهجرة المطهرة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام.. الموافق لـ: 14 جوان 2023 للميلاد… بمستشفى مصطفى باشا بالجزائر العاصمة..
فاللهم اجزه عنا خير الجزاء وأكرم نزله ووسع مدخله وأعل من مقامه وألحقه مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين
وحسن أولئك رفيقا ، وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة.
 

Nada Sebbar

عضو نشيط
المشاركات
42
مستوى التفاعل
1
النقاط
6
رجال صَدَقُوا اللهَ فَصَدَقَهُم – أ.د محمد بوركاب
العلماء ورثة الأنبياء، ومصيبة فقدهم تعدل مصيبة فقد الأنبياء أو تدانيها، وقد رحل عنّا سيدي العلامة المقرئ المربّي المجاهد الشيخ الطاهر آيت علجت -رحمه الله – في وقت نحن بأشد الحاجة إليه وإلى أمثاله !!!
وكيف لا وهو رجلٌ من بقية السلف الصالح ادّخره الله لهذا الزمان، وجمع له من الخصال الجليلة ما يندر أن يجتمع لغيره، فجمع له ربه عز وجل، بين القرآن والعلم والجهاد والربّانية، وخفض الجناح للمؤمنين وبشاشة الوجه، وكرم الخُلُق والبذل والعطاء، وبسط القبول، وطول العمر في طاعة الله.
1. فهو رجل القرآن بحقّ، أفنى حياته كلها في تعلم القرآن وتعليمه بالسند المتصل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم – إلى ربّ العزّة جلّ جلاله، وقد ورد في الحديث الصحيح عن عثمان -رضي الله عنه- أنّ النبيّ -صلى الله عليه وسلم- قال: «خيركم مَن تعلّم القرآن وعلّمه» وإنّ زاويته ومسجده وبيته وطلابه ومشاركاته في الملتقيات القرآنية وتكريم الطلّاب الخاتمين والخاتمات، لخيرُ شاهد على ذلك.
2. وهو العالم الذي برع في عدة فنون، العقلية منها والنقلية، كالتفسير والحديث والفقه والأصول واللغة والمنطق.. والعلماء ورثة الأنبياء، ويوم القيامة يوزن مداد العلماء بدماء الشهداء.
3. وهو المجاهد المقدام إبان الثورة التحريرية ضد المستدمر الفرنسي، والجهادُ ذروة سنام الإسلام، وأجره لا يعدله شيء، لما رواه مسلم عن أبي هريرة -رضي الله -عنه-: «قِيل للنبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: ما يَعْدِلُ الجِهَادَ في سَبيلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؟ قالَ: لا تَسْتَطِيعُونَهُ، قالَ: فأعَادُوا عليه مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا كُلُّ ذلكَ يقولُ: لا تَسْتَطِيعُونَهُ، وَقالَ في الثَّالِثَةِ: مَثَلُ المُجَاهِدِ في سَبيلِ اللهِ كَمَثَلِ الصَّائِمِ القَائِمِ القَانِتِ بآيَاتِ اللهِ، لا يَفْتُرُ مِن صِيَامٍ، وَلَا صَلَاةٍ، حتَّى يَرْجِعَ المُجَاهِدُ في سَبيلِ اللهِ تَعَالَى ».
4. وهو الرجل الربّاني الموصول بربّه في كل حال، وإذا رأيته ذكرت الله، وإذا جالسته تغير حالك لأحسن حال !!! والسر في ذلك أنّه امتثل قول ربّه وَلَكِنْ كُونُواْ رَبَّانِيِّنَ بِمَا كُنْتُمْ تَعلَمُونَ الكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسونَ ﴾ [آل عمران: 79].
وفي قراءة ﴿ تُعَلِّمُونَ الكِتَابَ ﴾ فحسنُ تعامله مع القرآن تعلُّما وتعليما أورثه الربّانية والصلاح.
5. وهو الرجل الذي أتعب مَن حوله ومن سيجيئ بعده، بتواضعه وخفض جناحه لكل الناس اقتداءً بسيّد الخلق الذي أمره ربّه بقوله: ﴿ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ [الشعراء:215].
ومَن تواضع لله رفعه.
وأذكر أنّه في لقاء من لقاءات جمعية العلماء المسلمين الجزائريين العامّة، أقبلنا عليه والتففنا حوله للإفادة من علمه وأنواره، فجيئه بكرسي ليجلس عليه، فأبى الجلوس ونحن قيام رغم الإلحاح الشديد وتقدّم سنّه الذي تجاوز التسعين في ذلك العام، إنها أخلاق النبّوة.
6. وهو الرجل الذي لا تفارق الابتسامة والبشاشة وجهه فتزيده نوراً وجمالا ووقارا، وفي الحديث الصحيح « وتبسّمك في وجه أخيك صدقة ».
7. وهو رجل كريم الخُلق والبذل والعطاء يخدم ضيوفه بنفسه، أدرك ذلك كل من لقيه أو خالطه أو زاره، وفي الحديث الصحيح: « إن من أحبّكم إليّ وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً .. » [رواه الترمذي].
وأذكر أنه في الملتقى الدولي الأول للقرآن الكريم الذي أقامته مدرسة الشيخ عبد الحميد الحميد بن باديس للقراءات بقسنطينة، زرناه في بيته مع ثلة من الأساتذة الفضلاء بمعية شيخ قراء الشام سيدي محمد كريم راجح، فاستقبلنا عند الباب بحفاوة تصحبها طلعته البهية، فلما افترقنا من عنده على ذَواقٍ روحيٍّ، قال لي سيدي الشيخ كريم راجح: ” كنت أتساءل عن هذا العالم الذي نزوره ؟! فلما رأيت سمته وأدبه ووقاره واستمعت لحديثه … أدركت أنه يستحق الزيارة، أو كما قال ؟! “.
8. وهو رجل بسط اللهُ له القبول في الأرض، ولو لم يحبّه لما حَبَّبه إلى خلقه و جميع أبناء وطنه على اختلاف مشاربهم ، وفي الحديث القدسي المتفق عليه : « إذا أحبّ الله عبدا نادى جبريلَ ، فقال: إنّي أحبُّ فلانا فأحبّه، قال: فيحبُّه جبريل، ثم ينادي في السّماء فيقول: إنّ اللّه يُحبُّ فلانا فأحبّوه، فيحبّهُ أهل السماء، قال: ثمَّ يوضع له القبول في الأرض .. ».
9. وهو رجل أطال الله عمره في طاعته، فعمَّر قرنا وستة أعوام، وبالهجري قرنا وتسعة أعوام، عامرة بسائر الطاعات والقربات، وفي الحديث الصحيح الذي رواه الترمذي أنّ النبي -صلى الله عليه وسلّم- قال: « خيرُ النّاس مَن طالَ عمره وحَسُن عمله ».
لأجل ما ذكرته من مناقبه العطرة -وهو غيض من فيض- كانت مصيبة فراقه جللا ، وموت العالم ثلمة في الإسلام لا يسدها شيئ مااختلف الليل والنهار كما روى الحسن البصري عن الصحابة، وأذكر أنه لما توفي سيدي العلامة أحمد سحنون رحمه الله، وقد كان معروفا بالدعاء للمسلمين في الثلث الأخير من الليل، وقد سمعت ذلك منه، قلتُ لزوجتي: مَن سيدعو لنا بعده ؟! فمنّ اللهُ علينا بسيدي العلامة الشيخ الطاهر، والسؤال يعيد نفسه الآن ؟!
أقول هذا وأنا واثق من أنّ بلدنا لايخلو من علماء ربانيين بفضل ربّ العالمين، ولكني أردت أن أُذَكّر بسنة رحيل العلماء ومَن سيخلفهم ؟! وهو ما يجب التفكير فيه وتكاتف الجهود في تحقيقه، والآمال معلقة على أولادنا وشبابنا، ذُكرانا وإناثا، وهو ما سعى إلى تحقيقه الإمام بن باديس رحمه الله، فقال : ” إننا نربي -والحمد لله- تلامذتنا على القرآن ونوجه نفوسهم إلى القرآن من أول يوم وفي كل يوم، وغايتنا التي ستتحقق: أن يكون القرآنُ منهم رجالا كرجال سلفهم، وعلى هؤلاء الرجال القرآنيين تعلق الأمة آمالها، وفي سبيل تكوينهم تجتمع جهودنا وجهودها “.
وخاطب النشء قائلا:
يا نشء أنت رجاؤنا وبك الصبح قد اقترب
فاللهم اجز عنا سيدنا ومعلمنا الشيخ الطاهر آيت علجت خير الجزاء وأكرم نزله وأعل من مقامه وألحقه بالشهداء والصالحين، اللهم أجرنا في مصيبتنا واخلف لنا خيرا منها يا أرحم الرحمين.
 

Nada Sebbar

عضو نشيط
المشاركات
42
مستوى التفاعل
1
النقاط
6
خصال العلامة محمد الطاهر آيت علجت عليه رحمة الله تعالى – عمار رقبة الشرفي
جمع الله تبارك تعالى لهذا الرجل خصالا تفرقت في غيره (ولا أزكيه على ربه جل جلاله)
أعدد منها ولا أعدها:
– جمع بين الدعوة والتعليم..
– والتعليم العام والتكوين الخاص..
– والتدريس النظامي بالمدارس و حلقات العلم بالمساجد..
– والصلاح والإصلاح…
– وجهاد التحرير وجهاد البناء والتنوير..
– وبين جهاد السنان وجهاد اللسان والبيان..
– و العمل الرسمي و الجمعوي التطوعي..
– اهتم بتأليف الرجال..
– بسط الله تعالى له القبول في الأرض نسأل الله أن تكون عاجل بشرى له في هذه الحياة..
– رجل بأمة..
– تراهُ إذا ما جئْتَه مُتَهَلِّلا … كأنَّك تُعطيه الذي أنتَ سائلُهْ..
– حسن الخلق دائم البسمة لا يرد سائلا و لا ينطبق قول الفرزدق إلا في مثله:
سهْلُ الخَلِيقَةِ، لا تُخشى بَوَادِرُهُ
يَزِينُهُ اثنانِ: حُسنُ الخَلقِ وَالشّيمُ
حَمّالُ أثقالِ أقوَامٍ، إذا افتُدِحُوا
حُلوُ الشّمائلِ، تَحلُو عندَهُ نَعَمُ
ما قال: لا قطُّ، إلاّ في تَشَهُّدِهِ
لَوْلا التّشَهّدُ كانَتْ لاءَهُ نَعَمُ
– جمع الله له بين بركة العمر وطولها نسأل الله لنا وله حسن الخاتمة ..
– بعد القرن من عمره (109 هجري ) لقي ربه قائماً ثابتا في معركة العلم والقيم …
– تقبله الله تعالى في الصالحين المصلحين والعلماء والعاملين وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة..
 

Nada Sebbar

عضو نشيط
المشاركات
42
مستوى التفاعل
1
النقاط
6
ترجمة العلامة المجاهد محمد الطاهر آيت علجت عليه رحمة الله تعالى
ولد يوم الخامس من محرم 1335 هـ الموافق لـ7 فيفري 1917 م ببلدية ثامقرة ولاية بجاية.
ختم القرآن وعمره لا يتجاوز 12 عامًا بمسقط رأسه بزاوية جدّه الشيخ يحي العيدلي، وبها تلقى المبادئ الأولى لعلوم الأدب واللغة العربية على يد شيخه العلامة السعيد اليجري، كما أخذ عنه الآجرومية والألفية في النحو، والرسالة والمختصر في الفقه، وعلم الحساب والفلك والبلاغة وغيرها من الفنون.
ثمّ شدّ الرِّحال إلى زاوية الشيخ بلحملاوي بالعثمانية، قرب قسنطينة، حيث أتمّ هناك دراسته الشّرعية، من فقه ولغة ونحو وعلوم أخرى كثيرة مثل الرياضيات والتاريخ والجغرافية والفلك وغيرها، عن الشيخ العوادي والشيخ مصباح الحويدق وغيرهما.
بعد تمكّنه تصدر للتّعليم والتّدريس والإفتاء في زاوية ثامقرة، وهذا قبل الحرب العالمية الثانية، فأحدث نهضة علمية إلى غاية 1956 م، حيث أنشأ نظامًا خاصًا بزاويته، شبيهًا بنظم المعاهد الإسلامية الكبرى، وكان تلامذته يلتحقون بالزيتونة بزاد من العلم والأدب يشرف زاويتهم والقائم عليها.
رجع الشيخ إلى مسقط رأسه سنة 1937 م، حيث تولّى التّدريس والتّعليم بزاوية سيدي أحمد بن يحيى بأمالو، وكان يقدّم فيها دروس تعليم القرآن واللغة العربية والشّرعية إلى غاية سنة 1956 م حين أحرق الجيش الفرنسي الزاوية، فالتحق الشيخ مع طلبته بجيش التحرير.
سافر إلى تونس في أواخر سنة 57 م بإشارة من العقيد عميروش الذي كان الشيخ يتولّى من1957 م كلّفه الشهيد عميروش بالسفر إلى تونس والإشراف على النشاط التعليمي للطلاب الجزائريين هناك، فبذل الشيخ قصارى جهده عند الاستقلال.
وفي سنة 1963 م عاد إلى وطنه الأوّل، وعيّن أستاذًا بثانوية عقبة بن نافع بالجزائر العاصمة وثانوية عمارة رشيد ببن عكنون، إلى أن أحيل على التقاعد سنة 1978 م.
ثمّ وبطلب من وزارة الشؤون الدينية، عاد إلى نشاطه المسجدي، ليمارس دروس الوعظ والإرشاد بمسجد حيدرة وغيره من المساجد، وهو إلى اليوم يعقد دروسًا في الفقه والنّحو وفن القراءات وغيرها من العلوم الشرعية بمسجد بوزريعة مكان إقامته لعشرات السنين.. تقبله الله تعالى منه جهوده وجهاده.
الوفاة:
توفي صابرا محتسبا ليلة الأربعاء 25 ذو القعدة 1444 للهجرة المطهرة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام.. الموافق لـ: 14 جوان 2023 للميلاد... بمستشفى مصطفى باشا بالجزائر العاصمة..
تقبله الله تعالى في الصالحين المصلحين والعلماء والعاملين وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة..
 
أعلى