مقال رواية "عناق الأفاعي" لعز الدين جلاوجي: تحقيق تاريخي برؤية روائية اعداد الباحث حسوني محمد عبد الغني

Yãs Mįné

عضو جديد
المشاركات
22
مستوى التفاعل
2
النقاط
1
رواية "عناق الأفاعي" لعز الدين جلاوجي: تحقيق تاريخي برؤية روائية
المقدمة
تمثل رواية "عناق الأفاعي" للكاتب الجزائري عز الدين جلاوجي نموذجًا بارزًا لما يُعرف بـ السرديات التاريخية التحقيقية، حيث يعتمد الكاتب على مخطوط تاريخي حقيقي لبناء حبكته الروائية. يجمع هذا العمل بين التوثيق التاريخي والتخييل الأدبي، ما يجعله مزيجًا بين البحث الأكاديمي والتجربة السردية الفنية. تتناول الرواية مرحلة الاحتلال الفرنسي للجزائر والمقاومات الشعبية التي واجهته، مسلطة الضوء على الصراع بين المقاومة الجزائرية من جهة، والاستعمار والعملاء من جهة أخرى.

المحور الأول: الحبكة السردية والبناء الفني
1. بنية الرواية وتقسيمها
تنقسم الرواية إلى ثلاثة أقسام رئيسية، كل قسم يعالج فصلًا تاريخيًا محددًا من المقاومة الجزائرية:

القسم الأول: يتناول سقوط الجزائر في يد الاستعمار الفرنسي عام 1830 من خلال شخصيات مثل إبراهيم باشا والداي حسين، مركّزًا على المعارك والخيانة التي أدت إلى الاحتلال.
القسم الثاني: يركز على مقاومة الأمير عبد القادر، الذي قاد معارك طويلة ضد الفرنسيين، إلى جانب شخصيات أخرى مثل الحاج مصطفى.
القسم الثالث: يعالج ثورة الزعاطشة بقيادة الشيخ بوزيان، موضحًا كيف تحولت المقاومة المسلحة إلى حركة شعبية واسعة النطاق.
تُبرز الرواية التقاطع بين هذه الفصول الثلاثة عبر شخصيات مستمرة في الأحداث، مثل الأخوين شامخة وشامخ، اللذين يمثلان وحدة المقاومة الجزائرية رغم الانقسامات الجغرافية.

2. تقنيات السرد والمنظور الروائي
تستخدم الرواية تقنيات متعددة في السرد، أبرزها:

التبئير الموزع: حيث يتم تقديم الأحداث من وجهة نظر الفرنسيين والجزائريين بالتناوب، مما يمنح الرواية حيادية تحليلية ونظرة شمولية للصراع.
السرد غير الخطي: حيث يتم التنقل بين الأزمنة والأماكن دون الالتزام بالتسلسل الزمني التقليدي، مما يعكس تشابك الأحداث التاريخية وتأثيراتها المتبادلة.
الوصف المسرحي: يعتمد الكاتب على أسلوب سينوغرافي، يصف فيه المشاهد بدقة وكأنها مشاهد مسرحية، مما يمنح السرد بُعدًا بصريًا قويًا.
المحور الثاني: الشخصيات والرمزية التاريخية
1. الشخصيات الرئيسية
توزع الرواية شخصياتها على مستويين متداخلين:

الشخصيات الثابتة: وهي الشخصيات التي لا تتغير عبر الأقسام، مثل الأخوين شامخة وشامخ، الدرويش، وكوهين اليهودي الفرنسي.
الشخصيات المتغيرة: كل قسم من الرواية يحتوي على شخصيات جديدة تمثل القادة السياسيين والعسكريين في كل مرحلة من مراحل المقاومة.
2. رمزية الشخصيات
شامخة وشامخ: يمثلان ثنائية المقاومة الجزائرية بين الشرق والغرب، ويجسدان تلاحم المقاومة رغم اختلاف قادتها.
الأشقر الفرنسي: يمثل روح الانتقام الاستعماري ورغبة الفرنسيين في محو الوجود الجزائري.
كوهين اليهودي: يرمز إلى العملاء الذين تحالفوا مع المحتل الفرنسي ضد وطنهم.
كث اللحية: شخصية جزائرية قاتلت في جميع المقاومات، وهو رمز للوفاء الوطني والمقاومة المستمرة.
المحور الثالث: التناص التاريخي والاستلهام الأدبي
تعتمد الرواية على مخطوط تاريخي قديم، وهو "حكاية شامخة وشامخ، الأخوان، في قتال يأجوج ومأجوج الجنيان، ومن ساندهم من شرار بني الإنسان"، حيث يتم إعادة صياغته بطريقة روائية تتناسب مع متطلبات الأدب الحديث. يشبه هذا الأسلوب ما قام به واسيني الأعرج في "كتاب الأمير"، لكن جلاوجي يختلف في كونه يعتمد على مراجع جزائرية محلية بدلًا من التوثيق الغربي.

المحور الرابع: ثنائية المقاومة والخيانة في الرواية
1. جبهة المقاومة الجزائرية
تتكون من القادة السياسيين، الزعماء العسكريين، والمجاهدين الشعبيين، مثل:

الأمير عبد القادر (في الغرب) وأحمد باي (في الشرق).
الأخوين شامخ وشامخة كرمزين للمقاومة الشعبية.
الشيخ بوزيان الذي يمثل آخر جيل من المقاومين الأوائل.
2. جبهة الاستعمار والخيانة
تتكون من القادة العسكريين الفرنسيين والعملاء المحليين، حيث يظهر الاستعمار على شكل شبكة متداخلة من الفرنسيين، اليهود، والجزائريين الخونة، الذين يسعون جميعًا للسيطرة على الجزائر.

المحور الخامس: التقنيات الفنية والأسلوب الأدبي
1. توظيف التقابل السردي
تعتمد الرواية على التقابل الثنائي في الخطاب، حيث يتم وضع عناصر متناقضة جنبًا إلى جنب، مثل:

القائد الفرنسي المنتصر مقابل المقاوم الجزائري المهزوم، ثم تنعكس الأدوار في فصول لاحقة.
المعارك التي تربحها فرنسا يتم تقديمها بوجهة نظر استعمارية، بينما يتم تقديم تداعياتها بعيون جزائرية في الفصل التالي.
2. اللغة والأسلوب
اللغة الأدبية: تجمع بين الفصحى العالية واللهجة الجزائرية في الحوارات الشعبية.
الوصف الدقيق: يستخدم الكاتب اللغة الحسية لرسم المشاهد التاريخية، مما يجعل القارئ يشعر وكأنه داخل الأحداث.
الخاتمة
تمثل عناق الأفاعي إضافة نوعية إلى الأدب الجزائري الحديث، حيث تقدم رؤية تاريخية متماسكة للصراع الجزائري-الفرنسي من خلال حبكة مشوقة، شخصيات عميقة، وأساليب سردية مبتكرة. يعيد عز الدين جلاوجي تأريخ المقاومة الجزائرية برؤية روائية متميزة، حيث يجمع بين التوثيق والتخييل، السياسة والأدب، الواقعية والرمزية.

إن أهمية هذه الرواية لا تقتصر على قيمتها الأدبية فحسب، بل تمتد إلى دورها في إحياء الذاكرة الجماعية للجزائريين، مما يجعلها مرجعًا فنيًا للأجيال القادمة لفهم ماضيهم النضالي.
 
أعلى