المقاومة الشعبية ضد الاحتلال الإسباني من خلال كتاب مبارك الميلي اعداد الباحث حسوني محمد عبد الغني

Keltoum Mahfoud

عضو نشيط
المشاركات
37
مستوى التفاعل
8
النقاط
8
المقاومة الشعبية ضد الاحتلال الإسباني من خلال كتاب مبارك الميلي
المقدمة
شهدت الجزائر منذ القرن السادس عشر محاولات متكررة من قبل القوى الأوروبية للسيطرة عليها، وكان الاحتلال الإسباني أحد أهم التحديات التي واجهها الجزائريون في تلك الفترة. قاوم السكان المحليون هذا الاحتلال بشتى الوسائل، حيث برزت المقاومة الشعبية كأداة رئيسية في الدفاع عن الأرض والهوية الإسلامية. من بين المصادر التاريخية التي وثقت هذه المرحلة، يعتبر كتاب "تاريخ الجزائر في القديم والحديث" للمؤرخ الجزائري مبارك الميلي مرجعًا هامًا لفهم طبيعة المقاومة ضد الاحتلال الإسباني، إذ قدم الميلي تحليلًا دقيقًا للأحداث، وسلط الضوء على الشخصيات والمناطق التي لعبت دورًا بارزًا في هذه المقاومة. يهدف هذا البحث إلى دراسة المقاومة الشعبية ضد الإسبان استنادًا إلى كتاب مبارك الميلي، من خلال تحليل الأوضاع السياسية والعسكرية التي ميزت تلك المرحلة، واستراتيجيات المقاومة، وتأثيرها على الوضع العام في الجزائر.

المبحث الأول: السياق التاريخي للاحتلال الإسباني للجزائر
المطلب الأول: دوافع الاحتلال الإسباني للمدن الجزائرية
في أوائل القرن السادس عشر، كانت إسبانيا قوة بحرية عظمى في البحر الأبيض المتوسط، وسعت إلى توسيع نفوذها على السواحل الجزائرية بهدف السيطرة على الممرات البحرية والتجارة. يشير مبارك الميلي في كتابه إلى أن الإسبان كانوا يهدفون إلى:

منع توسع الدولة العثمانية في شمال إفريقيا.
السيطرة على الموانئ الجزائرية الاستراتيجية مثل وهران وعنابة وبجاية لاستخدامها كقواعد عسكرية.
إضعاف النشاط البحري الجزائري المتمثل في القرصنة ضد السفن الأوروبية، الذي كان يشكل تهديدًا للأسطول الإسباني.
المطلب الثاني: الاحتلال الإسباني للمدن الجزائرية وردود الفعل الأولى
بدأ الاحتلال الإسباني للجزائر عام 1505 عندما احتلوا مدينة مرسى الكبير، ثم واصلوا توسعهم باحتلال وهران (1509)، وبجاية (1510)، وعنابة ومدن أخرى. واجه هذا الاحتلال مقاومة عنيفة من السكان المحليين، حيث لعبت القبائل الجزائرية دورًا رئيسيًا في محاولة التصدي للقوات الإسبانية. يذكر الميلي أن التحصينات الإسبانية في هذه المدن جعلت من الصعب طردهم في البداية، لكن المقاومة الشعبية لم تتوقف.

المبحث الثاني: المقاومة الشعبية ضد الإسبان واستراتيجياتها
المطلب الأول: دور القبائل الجزائرية في مقاومة الإسبان
ركز مبارك الميلي في كتابه على الدور الحيوي للقبائل الجزائرية في مقاومة الإسبان، حيث شكلت هذه القبائل نواة المقاومة المسلحة، ومن أبرز هذه القبائل:

قبائل بني مزغنة التي تصدت للاحتلال الإسباني في الجزائر العاصمة.
قبائل الزواوة والأوراس التي أرسلت مقاتلين لدعم سكان بجاية في مواجهتهم للإسبان.
القبائل الغربية التي واجهت الاحتلال الإسباني في وهران ومرسى الكبير.
يشير الميلي إلى أن المقاومة الشعبية كانت تعتمد على الكر والفر، مستغلة الطبيعة الجغرافية الوعرة التي منحت المقاتلين الجزائريين تفوقًا تكتيكيًا ضد الجيوش الإسبانية المدججة بالسلاح.

المطلب الثاني: التحالفات الخارجية ودورها في دعم المقاومة
يوضح مبارك الميلي كيف أن الجزائريين لم يعتمدوا فقط على مقاومتهم الذاتية، بل سعوا إلى التحالف مع القوى الإسلامية الأخرى لطرد الإسبان، وكان أبرز هذه التحالفات:

التحالف مع العثمانيين: حيث استنجد الجزائريون بالأخوين عروج وخير الدين بربروس، اللذين قادا حملة عسكرية بحرية لطرد الإسبان، وهو ما أدى إلى تحرير الجزائر العاصمة عام 1516 ثم معظم المدن الساحلية لاحقًا.
الدعم من الدولة الحفصية في تونس: حيث أمدت تونس بعض القبائل الجزائرية بالسلاح والعتاد.
يؤكد الميلي أن دور العثمانيين كان حاسمًا في طرد الإسبان من معظم المدن الجزائرية، لكنه يشير أيضًا إلى أن المقاومة الشعبية كانت الأساس في الصمود أمام الاحتلال الإسباني حتى قبل وصول العثمانيين.

المبحث الثالث: نتائج وتأثير المقاومة الشعبية على الوضع في الجزائر
المطلب الأول: فشل الإسبان في فرض سيطرتهم الكاملة على الجزائر
رغم احتلالهم لبعض المدن الساحلية، لم يتمكن الإسبان من السيطرة على الداخل الجزائري بسبب المقاومة الشعبية المستمرة. يوضح مبارك الميلي أن الاحتلال الإسباني ظل محصورًا في بعض المناطق المحصنة، لكنه لم يتمكن من فرض نفوذه على كامل الجزائر، مما جعل وجوده هشًا وغير مستقر.

المطلب الثاني: تأسيس الحكم العثماني في الجزائر كنتيجة للمقاومة
يشير الميلي إلى أن نجاح المقاومة الشعبية في الصمود ضد الإسبان دفع الجزائريين إلى البحث عن دعم أقوى، وهو ما أدى إلى تحالفهم مع العثمانيين، الذين تمكنوا من طرد الإسبان نهائيًا من الجزائر العاصمة عام 1516 ثم من بجاية ووهران لاحقًا. كانت هذه المقاومة هي الأساس الذي بُني عليه الحكم العثماني في الجزائر، حيث أصبح الوجود العثماني جزءًا من استراتيجية الدفاع ضد أي محاولات أوروبية أخرى للاستعمار.

الخاتمة
يُبرز كتاب "تاريخ الجزائر في القديم والحديث" لمبارك الميلي الدور البطولي الذي لعبته المقاومة الشعبية الجزائرية ضد الاحتلال الإسباني في القرن السادس عشر. فمن خلال استعراضه للأحداث، يتضح أن القبائل الجزائرية لعبت دورًا رئيسيًا في الدفاع عن المدن المحتلة، وأن التحالف مع العثمانيين كان نتيجة طبيعية لفشل الإسبان في فرض سيطرتهم الكاملة على الجزائر. كما يؤكد الميلي أن المقاومة الشعبية كانت عنصرًا حاسمًا في الحفاظ على الهوية الإسلامية والوطنية للجزائريين، وساهمت في إرساء الأساس لتحرير البلاد من الاحتلال الأوروبي. إن هذه المقاومة تعد جزءًا أساسيًا من الذاكرة التاريخية الجزائرية، حيث تعكس الروح النضالية التي ميزت الشعب الجزائري عبر العصور.

المصادر والمراجع
مبارك الميلي، تاريخ الجزائر في القديم والحديث، الجزائر، دار المعرفة، 1937.
أبو القاسم سعد الله، تاريخ الجزائر الثقافي، بيروت، دار الغرب الإسلامي، 1998.
محمد العربي الزبيري، المقاومة الجزائرية ضد الاحتلال الأوروبي، الجزائر، دار الأمة، 2002.
عبد الرحمن الجيلالي، تاريخ الجزائر العام، الجزائر، دار القصبة للنشر، 1980.
 
أعلى