تقاطعت الأرحام من أجل ميراث الأرض بقلم الباحث حسوني محمد عبد الغني

NassMa Hadj Aissa

عضو نشيط
المشاركات
65
الحلول
1
مستوى التفاعل
3
النقاط
6
تقاطعت الأرحام من أجل ميراث الأرض / بقلم الباحث حسوني محمد عبد الغني

في كثير من الأحيان، تصبح الأشياء التي من المفترض أن تكون مصدرًا للوحدة سببًا في تمزق العلاقات الإنسانية. فالأرض، التي يجب أن تكون ملاذًا للأمان والراحة، تتحول في بعض الأحيان إلى أداة للصراع والفُرقة بين الأقارب. "تقاطعت الأرحام من أجل ميراث الأرض فرحلوا جميعًا وبقيت الأرض..." هذه العبارة تلخص ببراعة وضعًا مؤلمًا نعيشه في مجتمعنا اليوم، حيث تتداخل المصالح الشخصية وتتصارع الأرواح على ما يُعتبر من الناحية الدنيوية حقًا أو ميراثًا. في هذا السياق، يبرز الطلاق بين البشر ويختفي معنى الترابط الأسري، وتتحول العلاقات إلى مجرد تحالفات شكلية أو، للأسف، إلى عداوات حادة، يطغى فيها الحسد و البغض. نرى الجيران الذين كانوا في الماضي أسرة واحدة جالسين معًا في الأفراح والأتراح، يصبحون الآن مجرد أشخاص متجاورين بالجدار، لا يتعدى حديثهم السلام والتوديع الظاهري، دون أن يسعى أحدهم لمساعدة الآخر. أما الإخوة الذين كانوا يشتركون في دمٍ واحد فيصبحون اليوم، في غياب التفاهم، أشبه بمنافسين على شيء كان ينبغي أن يُقَسَّم بالعدل.

تُظهر هذه العلاقات المتدهورة حالة اجتماعية ثقافية مؤلمة يعاني منها الكثيرون، حيث يتحول المبدأ الأساسي في حياتنا، وهو الترابط الأسري، إلى مجرد كلمات جوفاء لا تعني شيئًا في الحياة اليومية. فالإخوة الذين كانوا يشكلون قاعدة دعم لا غنى عنها، يتحولون في كثير من الحالات إلى أعداء يتنافسون على ميراث الأرض، وعلى شيء كان من المفترض أن يكون سببًا لوصل الأرحام، إلا أنه أصبح السبب الرئيسي في تفكك العائلة.

بينما كانت العائلة في الماضي تمثل الملاذ الآمن والملجأ الذي لا يتغير، يبدو أن العلاقات الإنسانية في الوقت الراهن قد انقلبت رأسًا على عقب. فإذا ألقينا نظرة فاحصة على ما يحدث في المجتمعات الحالية، سنجد أن التنافس على المال والممتلكات أصبح سببًا رئيسيًا لاندلاع الفتن بين الناس. وبالرغم من أن الدين يوصي بالترابط والتراحم، إلا أن الواقع الذي نعيشه اليوم يشهد على أن هذه القيم بدأت تتراجع أمام الطمع و الأنانية. فلا يخفى على أحد أن الحسد أصبح مرضًا اجتماعيًا ينتشر بسرعة، ويضع حاجزًا كبيرًا بين الأفراد. في حين يُفترض أن يظل الميراث مجرد حق مشروع يُقسم بالعدل بين الجميع، يصبح في كثير من الأحيان سببًا لفتح جروح قديمة وجعل الإنسان يتنفس الانتقام بدلاً من التسامح والرحمة.

من المؤسف أن نجد أن هذا التوتر الاجتماعي لا يقتصر فقط على الأقارب الذين يتصارعون على ميراث الأرض، بل يمتد ليشمل العلاقات المجتمعية بشكل عام. فقد بات المجتمع في الوقت الراهن يعاني من التمزق و العداء بين الأفراد الذين كانوا في الماضي أقرب الناس إلى بعضهم البعض. ولكن ما الذي يدفع بالإنسان إلى الوصول إلى هذه الحالة من العداء؟ وهل السبب يعود فقط إلى المصلحة الشخصية أم أن هناك عوامل أخرى تسهم في تدهور العلاقات الإنسانية؟

إنّ الجهل و الابتعاد عن الدين يعتبران من أبرز العوامل التي تقف وراء هذه الظاهرة. فالدين، بمبادئه السامية، يدعو إلى التراحم و التعاون بين الناس، ويحث على أن تكون العلاقات بين الأفراد قائمة على الاحترام المتبادل و النية الطيبة. لكن في الوقت الذي يغيب فيه الوعي الديني، يصبح الجهل هو الموجه الأوحد، ويفقد الفرد بذلك الرؤية الصحيحة لعلاقاته مع الآخرين. فإذا كانت القيم الأخلاقية والدينية قد أصبحت غريبة على أذهان البعض، فإن هذا يجعل من الصعب بناء علاقات صادقة قائمة على المحبة و التفاهم.

إن الانشغال بتوافه الأمور والركض وراء المال، على حساب الروح الإنسانية التي تربط بين أفراد المجتمع، يجعل الجميع يفقدون من التوازن الداخلي. وبالطبع، لا يمكن إغفال أن هذا يؤدي إلى ضعف الروابط بين الناس بشكل عام، وتحولهم إلى أعداء بالاسم، حتى لو كانوا أخوة بالدم. إذ يُنظر في بعض الأحيان إلى الأقارب على أنهم مجرد حواجز في طريق الطموحات الشخصية، بدلًا من أن يكونوا سندًا في أوقات الشدة.

إذا كان الدين يدعونا إلى تحصين العلاقات الإنسانية بالعطف والرحمة، فإن غياب هذا الوعي يجعل من السهل أن يتوغل الحسد والبغض في قلوب البشر. في عصر أصبحت فيه المصالح الشخصية محورًا لحياة كثير من الناس، نجد أن الأخ قد يتحول إلى منافس يسعى للإطاحة بأخيه للحصول على نصيبه من الميراث، والجيران الذين كانوا في الماضي مصدرًا للأمان والتضامن، يتحولون إلى غرباء يقتصر حديثهم على كلمات تحية فارغة. ولعل هذا هو الواقع المؤلم الذي يعيشه البعض اليوم: مجتمع متفكك تفتقر فيه العلاقات إلى الصدق والوفاء، وتتحكم فيه الأنانية و الحقد.

وفي خضم هذه الفوضى الاجتماعية، لا بد من العودة إلى القيم الإنسانية الأصيلة التي كانت تشكل أساس العلاقات بين الأفراد. يجب أن نفهم أن الميراث ليس فقط ملكًا ماديًا يُقتسم بين الأفراد، بل هو اختبار حقيقي للنية الطيبة و العدالة في التعامل مع الآخرين. فعندما يسعى كل فرد إلى العدل و الرحمة، سيتغير الواقع الاجتماعي، ويعود المجتمع إلى التماسك والترابط. على الرغم من أن الأرض ستظل تُراثًا ماديًا، إلا أن الميراث الحقيقي يكمن في العلاقات الطيبة، وفي القيم النبيلة التي تميز الإنسان عن غيره.

من هنا فإننا في حاجة ماسة إلى العودة إلى أخلاق الدين التي تُعلِّمنا كيف نكون صادقين و رحيمين مع بعضنا البعض. يجب أن نتوقف عن الانشغال بالمصالح الشخصية وأن نضع الإنسانية نصب أعيننا في تعاملاتنا. ففي النهاية، يبقى الإنسان هو الأهم، والمال والممتلكات مجرد أشياء زائلة لا تساوي شيئًا أمام علاقاتنا الإنسانية التي يجب أن نحرص على تطويرها والحفاظ عليها.
 
أعلى