فرنسا باتت تدرك ان جزائر اليوم لا تساوم على كرامتها ولا على سيادتها مهما كانت الظروف . اعداد الباحث حسوني محمد عبد الغني

Zineb Ben Med

عضو نشيط
المشاركات
31
مستوى التفاعل
1
النقاط
6
منذ الأيام الأولى للاستقلال، كانت العلاقات بين الجزائر وفرنسا مليئة بالتقلبات والصراعات التي عكست التوترات التاريخية التي تواصلت بين البلدين بعد الاستعمار الفرنسي الذي دام أكثر من 130 عامًا. لكن ما يحدث اليوم يبدو أنه تجاوز حدود الأزمات السابقة ووصل إلى مستوى غير مسبوق من التوتر. كما كان متوقعًا، ردّت فرنسا بالمثل على قرار الجزائر بطرد 16 موظفًا في سفارتها، إذ قررت استدعاء سفيرها في الجزائر للتشاور، وهو ما يعكس عمق الأزمة الدبلوماسية بين البلدين. هذا القرار من قبل الجزائر جاء بعد سلسلة من الأحداث المتصاعدة، ليضع العلاقة بين الجانبين على المحك، ويثير تساؤلات مشروعة حول ما إذا كانت هذه الأزمة ستؤدي إلى قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وهو أمر لم يحدث منذ الاستقلال.

تعود جذور هذه الأزمة إلى اعتقال فرنسا لأحد موظفي السفارة الجزائرية في باريس، وهو ما اعتبرته الجزائر مساسًا بسيادتها وأمن بعثاتها الدبلوماسية. وعندما طالبت الجزائر بالإفراج عن هذا الموظف، ردّت السلطات الفرنسية بالتحجج بأن القضاء الفرنسي مستقل ولا يمكن التدخل فيه، وهو موقف كان محط جدل، خصوصًا عندما يتم تجاهل نفس المبدأ في الجزائر، حيث طالبت فرنسا مرارًا بإطلاق سراح الكاتب الجزائري بوعلام الذي حكم عليه بالسجن لخمس سنوات من قبل القضاء الجزائري. هذا التناقض في المعايير بين البلدين جعل الأمور تتصاعد بشكل سريع، وزاد من تعقيد الأزمة.

على الرغم من محاولات فرنسا تهدئة الأوضاع وتوجيه اللوم إلى الجزائر، فإن المسؤولية عن التصعيد قد أُلقيت على عاتقها، حيث اتهمت السلطات الفرنسية الجزائر بأنها هي من دفع بالوضع إلى هذه المرحلة من التوتر، بعدما اكتشفت أنها غير قادرة على اتخاذ خطوات تتجاوز ما قامت به من إجراءات حتى الآن. هذه النظرة جاءت من قبل محللين سياسيين فرنسيين، الذين أكدوا أن فرنسا لا تمتلك خيارات تصعيدية إضافية، بل قد تجد نفسها أمام نقطة اللاعودة في حال استمرت الأمور بهذا الشكل.

وفي ظل هذه الأوضاع، يبدو أن الجزائر قد اتخذت قرارًا استراتيجيًا بأن كرامتها وسيادتها فوق أي اعتبار، وأنها لن تتراجع عن حقوقها مهما كانت الظروف. فالجزائر اليوم، تحت قيادة الرئيس عبد المجيد تبون، قد رسخت مبدأ الحزم في الدفاع عن مصالحها الوطنية، حيث أصبح واضحًا أن سياسة "التسوية" التي كانت تعتمدها في الماضي لم تعد مجدية في مواجهة التحديات الحالية. الجزائر أظهرت أنها دولة ذات سيادة مستقلة ولا تتراجع أمام الضغوط، وهذا ما جعل مواقفها أكثر قوة في التصدي لأي محاولة من فرنسا أو غيرها لانتقاص من مكانتها.

ومع هذا التصعيد، يبقى التساؤل الأبرز هو: ماذا بقي لفرنسا من خطوات تصعيدية؟ إذا كانت فرنسا قد استخدمت جميع الوسائل المتاحة لها من استدعاء السفراء، وفرض العقوبات، ورفع قضايا في المحاكم الدولية، فما الذي يمكن أن تفعله بعد ذلك؟ وهل ستستمر في التصعيد أم أنها ستتراجع لتجنب المزيد من الانزلاق نحو أزمة أكبر؟ هذا ما يظل غامضًا، ولكن ما هو مؤكد أن الجزائر لن تكون الطرف الذي يتراجع عن حقوقه في هذه المواجهة.

الحياة مليئة بالمواقف، ولا شك أن هذه الأزمة هي إحدى هذه اللحظات الحاسمة التي ستحدد مستقبل العلاقات بين البلدين. الجزائر قد تكون على أعتاب مرحلة جديدة، مرحلة حيث لا مجال للمساومة على كرامتها وسيادتها. كما قال المثل: "إن عدتم عدنا"، فإذا استمرت فرنسا في محاولات الضغط على الجزائر، فإن رد الجزائر سيكون حازمًا وواضحًا، ولن تقبل بأي نوع من التدخلات أو المحاولات للتقليل من شأنها. في النهاية، يبقى التساؤل مفتوحًا: هل سنصل إلى نقطة قطع العلاقات الدبلوماسية، أم أن هذا التوتر سيجد طريقًا للتهدئة؟ الأيام القادمة كفيلة بالإجابة على هذا السؤال.
 
أعلى