الجزائر تملك مفاتيح التصعيد أمام فرنسا: التصعيد يخدم الجزائر أكثر من فرنسا اعداد الباحث حسوني محمد عبد الغني

Zineb Ben Med

عضو نشيط
المشاركات
31
مستوى التفاعل
1
النقاط
6
الجزائر تملك مفاتيح التصعيد أمام فرنسا: التصعيد يخدم الجزائر أكثر من فرنسا
اعداد الباحث حسوني محمد عبد الغني
في أعقاب قرار الإليزيه بالرد على الجزائر بطرد مماثل لـ 12 موظفًا في الشبكة القنصلية الجزائرية في فرنسا واستدعاء السفير الجزائري روماتي للتشاور، أصبح واضحًا أن الجزائر تملك مفاتيح التصعيد أمام فرنسا. ففي الوقت الذي كانت فيه فرنسا تعتقد أن هذه الخطوة قد تزعزع استقرار الجزائر أو تضغط عليها، باتت الأمور تميل لصالح الجزائر بشكل كبير. فالتصعيد أصبح في صالح الجزائر أكثر مما هو في صالح فرنسا، ويبدو أن كفة ميزان العلاقات بين البلدين تميل بشكل واضح لصالح الجزائر في هذه المواجهة الدبلوماسية.

من بين الأوراق التي تمتلكها الجزائر في هذا السياق، تبرز ورقة الطاقة بشكل خاص. في ظل الأزمة الأوروبية في مجال الغاز، أصبح للجزائر دور محوري في تزويد الأسواق الأوروبية بالغاز الطبيعي، مما يجعلها لاعبًا أساسيًا في هذا القطاع الحيوي. هذا الوضع يجعل الجزائر تمتلك قدرة على التأثير في اقتصادات الدول الأوروبية بما فيها فرنسا، ويمنحها ورقة ضغط قوية تستطيع استخدامها لصالحها في أي مفاوضات قادمة. هذا الأمر يعزز الموقف الجزائري، حيث أصبحت فرنسا تواجه واقعًا صعبًا في ضوء هذه الأزمة التي جعلت من الجزائر شريكًا لا يمكن الاستغناء عنه في ملف الطاقة.

إضافة إلى ذلك، تمتلك الجزائر القدرة على تعطيل استثمارات فرنسية كبرى أو دفع بعض الشركات الفرنسية إلى الإفلاس "بجرة قلم". هذه الورقة الاقتصادية تضع فرنسا في موقف حرج، حيث يمكن للجزائر اتخاذ قرارات صارمة قد تؤثر بشكل كبير في الشركات الفرنسية الكبرى العاملة في الجزائر. وهذا يشكل تهديدًا حقيقيًا لفرنسا، التي لطالما كانت تعتبر الجزائر سوقًا مهمًا لاقتصادها. التهديد بتقليص أو إيقاف التعاون الاقتصادي قد يكون له تداعيات كبيرة على فرنسا، التي تجد نفسها في وضع لا تحسد عليه.

أما على الصعيد الدولي، فقد تمكنت الجزائر من توسيع دائرة شراكاتها مع دول كبرى مثل الولايات المتحدة الأمريكية، التي تبدي رغبة في التقارب مع الجزائر في العديد من المجالات. وهذا يعزز من قدرة الجزائر على المناورة على الساحة الدولية، حيث أصبح لديها علاقات استراتيجية مع الدول الكبرى التي قد تضغط لصالحها في وجه الضغوط الفرنسية. كما أن العلاقات التاريخية والاستراتيجية مع روسيا، رغم ما يُقال مؤخرًا عن هذه العلاقة في منطقة الساحل، تبقى ورقة قوية في يد الجزائر. هذه الشراكات الدولية تتيح للجزائر خيارات متعددة خارج الفلك الفرنسي، وتمنحها هامشًا واسعًا في توجيه سياساتها الإقليمية والدولية.

من جهة أخرى، تمثل الجزائر عنصرًا أساسيًا في مبادرة "الحزام والطريق" الصينية في شمال إفريقيا، مما يعزز مكانتها في هذا السياق العالمي. كما أن العلاقات الثنائية بين الجزائر ودول أوروبية أخرى تتيح لها هامشًا إضافيًا للتحرك بحرية أكبر بعيدًا عن التبعية لفرنسا. وبالتالي، يمكن للجزائر أن تعتمد على هذه العلاقات المتنامية لتقوية موقفها في أي مفاوضات مع فرنسا أو في مواجهة أي تصعيد قد تقوم به باريس.

ولكن ما قد يمثل أقوى ورقة في يد الجزائر هو ملف الذاكرة الاستعمارية. فكلما ازداد التصعيد بين البلدين، زادت الجزائر من إحياء هذا الملف في كل المحافل الدولية، مما يضع فرنسا في موقف محرج ويجعلها تحت الضغط، خصوصًا مع استعداد الجزائر للتقدم بقانون تجريم الاستعمار الذي ينتظر فقط التصويت في البرلمان. هذه الورقة تُمثل تحديًا مستمرًا لفرنسا، حيث أنها لا تستطيع تجاهلها، وتضطر للرد عليها بشكل دائم، مما يزيد من تعقيد علاقاتها مع الجزائر.

علاوة على ذلك، تلعب الجزائر دورًا محوريًا في ملفات الهجرة والأمن في منطقة الساحل، مما يجعلها شريكًا لا غنى عنه بالنسبة للدول الأوروبية، خاصة في ظل الأوضاع الأمنية المضطربة في هذه المنطقة. الجزائر تُعتبر لاعبًا رئيسيًا في استقرار هذه المنطقة، وهذا يجعلها تحتفظ بموقع استراتيجي مهم، يمكنها من التأثير على القرارات الأوروبية المتعلقة بهذه القضايا.

بناءً على هذه المعطيات، يبدو أن التصعيد لم يعد يزعج الجزائر بقدر ما يخدمها. فكلما زاد التوتر بين البلدين، ازدادت الجزائر قوة في إعادة رسم معادلة علاقات غير متكافئة استمرت لعقود طويلة. وبالتالي، فإن الجزائر اليوم تبدو أكثر قدرة على الدفاع عن مصالحها واستقلالها، بينما تجد فرنسا نفسها أمام تحديات أكبر من أي وقت مضى.
 
أعلى