مبدأ السمو الدستوري اعداد الباحث حسوني محمد عبد الغني

CHifa chafi

عضو نشيط
المشاركات
58
مستوى التفاعل
1
النقاط
6
بحث حول مبدأ السمو الدستوري اعداد الباحث حسوني محمد عبد الغني
مقدّمة

يُعدّ مبدأ السمو الدستوري من أهمّ المبادئ التي يقوم عليها القانون الدستوري الحديث، فهو الذي يقرّر أن الدستور هو القانون الأعلى في الدولة، وأن جميع القوانين والأنظمة واللوائح والقرارات الصادرة عن السلطات العامة يجب أن تكون مطابقة له، وإلا عُدّت غير مشروعة وقابلة للإلغاء. ويرتبط هذا المبدأ ارتباطًا وثيقًا بفكرة دولة القانون، التي تعني خضوع الحاكم والمحكوم لأحكام الدستور والقانون، وعدم إمكانية ممارسة السلطة خارج الحدود التي يضعها الدستور. وقد كرّست الدساتير الحديثة هذا المبدأ صراحة، ومن بينها الدستور الجزائري لسنة 2020 الذي نص على أن الدستور هو "فوق الجميع" وهو "القانون الأساسي" الذي يضمن الحقوق والحريات ويمنح الشرعية لممارسة السلطات.
وتبرز على هذا الأساس الإشكالية الآتية: ما المقصود بمبدأ السمو الدستوري؟ وما أنواعه وآثاره القانونية؟ وكيف تم تكريسه وضمانه في النظام الدستوري الجزائري؟ وللإجابة عن هذه الإشكالية سيتم اعتماد منهج وصفي–تحليلي يقوم على عرض المفهوم وأنواعه، ثم بيان آثاره على النظام القانوني والسلطات العامة، مع التطرّق إلى كيفية تكريسه في الدستور الجزائري ودور القضاء الدستوري في حمايته.

المبحث الأول: الإطار المفاهيمي لمبدأ السمو الدستوري
المطلب الأول: تعريف مبدأ السمو الدستوري

يقصد بمبدأ السمو الدستوري أو علوية الدستور أن القواعد الدستورية تحتل قمة النظام القانوني في الدولة، وأنها تعلو على جميع القواعد القانونية الأخرى من قوانين عادية ولوائح وقرارات تنظيمية أو فردية، بحيث يجب على السلطات العامة احترامها والالتزام بها في كل ما تمارسه من اختصاصات.
وبناءً على ذلك، فإن الدستور هو الذي ينشئ السلطات العامة، ويحدّد اختصاصاتها وحدودها، ويضع المبادئ الأساسية للنظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ويقرّر الحقوق والحريات العامة، لذلك لا يجوز لأي سلطة أن تتصرف خارج الإطار الذي رسمه، ولا لأي قانون أو قرار أن يخالف أحكامه وإلا كان باطلًا أو معرضًا للإلغاء عن طريق الرقابة الدستورية. ويترتب على هذا السمو أن الدستور يمثل المرجع الأعلى الذي تُقاس عليه مشروعية وسلامة باقي النصوص القانونية.

المطلب الثاني: السمو الموضوعي والسمو الشكلي للدستور

يتخذ السمو الدستوري بُعدين رئيسيين: سمو موضوعي وسمو شكلي.
– السمو الموضوعي يعني أن الدستور يتناول من حيث المضمون موضوعات أساسية لا تتناولها القوانين العادية، كالأسس العامة للدولة، وتنظيم السلطات، وتكريس الحقوق والحريات، وتحديد الثوابت الوطنية، مما يمنحه مكانة خاصة في الهرم القانوني.
– أما السمو الشكلي فيتعلق بالإجراءات الخاصة التي يتطلبها وضع الدستور وتعديله مقارنة بالقوانين العادية؛ إذ يوضع عادة من قبل سلطة تأسيسية أصلية (مجلس تأسيسي، استفتاء شعبي، أو خليط منهما)، ولا يمكن تعديله إلا بإجراءات أشدّ تعقيدًا وأكثر صرامة من تلك المقررة لتعديل القوانين العادية، كضرورة موافقة أغلبية معزّزة في البرلمان أو اللجوء إلى الاستفتاء الشعبي. ويؤدي اجتماع السمو الموضوعي والشكلي إلى جعل الدستور في موقع متميز يفرض خضوع الجميع له.

المطلب الثالث: السمو الدستوري ودولة القانون

يُعدّ مبدأ السمو الدستوري جزءًا عضويًا من مفهوم دولة القانون؛ فالدولة لا توصف بأنها دولة قانون إلا إذا كانت السلطات العامة فيها مقيدة بالدستور وتعمل في حدوده، وكان الدستور نفسه يتسم بالعلوية عن باقي القواعد القانونية.
ومن ثم فإن سمو الدستور ليس مجرد شعار نظري، بل هو أداة لضبط السلطة السياسية ومنعها من الانحراف أو التعسف، إذ يلزم المشرّع باحترام الحقوق والحريات التي كرسها الدستور، ويلزم السلطة التنفيذية بتطبيق القوانين في إطار المبادئ الدستورية، كما يتيح للأفراد إمكانية الطعن في القوانين أو القرارات التي تمس حقوقهم إذا كانت مخالفة للدستور. وهكذا يشكل مبدأ السمو الدستوري أحد أهم الضمانات البنيوية لحقوق الإنسان وحرياته الأساسية داخل النظام السياسي.

المبحث الثاني: الآثار القانونية لمبدأ السمو الدستوري
المطلب الأول: تدرّج القواعد القانونية وخضوعها للدستور

ينتج عن مبدأ السمو الدستوري تدرّج القواعد القانونية في شكل هرم تكون قِمّته للدستور، ثم تليه القوانين العضوية والعادية، ثم اللوائح التنظيمية الصادرة عن السلطة التنفيذية، ثم القرارات الفردية. ويعني هذا التدرّج أن مشروعية كل درجة من هذه الدرجات مشروطة باحترام الدرجات الأعلى منها، وعلى رأسها الدستور.
وعليه، لا يجوز للقانون العادي أن يخالف الدستور، ولا للّوائح والقرارات الإدارية أن تخالف القوانين أو الدستور، وإلا اعتُبرت مشوبة بعدم المشروعية. ويتم التعبير عن هذا التدرّج أحيانًا بنظرية "الهرم القانوني"، حيث يشكّل الدستور أساس المشروعية في الدولة، وما دونه من قوانين ولوائح يُستمدّ صحتها من مدى اتفاقها معه.

المطلب الثاني: التزام السلطات العامة باحترام الدستور

يفرض مبدأ السمو الدستوري التزامًا مباشرًا على جميع السلطات العامة – التشريعية والتنفيذية والقضائية – باحترام أحكام الدستور في كل ما تباشره من أعمال. فالسلطة التشريعية ملزمة بعدم سنّ قوانين تتعارض مع النصوص الدستورية، خاصة ما يتعلق بالحقوق والحريات والضمانات الأساسية؛ والسلطة التنفيذية ملزمة بإصدار اللوائح التنظيمية في إطار القانون والدستور؛ أما السلطة القضائية فملزمة بتفسير القوانين تفسيرًا منسجمًا مع الدستور، والامتناع عن تطبيق أي نص قانوني يتبيّن لها أنه مخالف للدستور إذا كان النظام يسمح بالرقابة الامتناعية.
كما يترتب على هذا المبدأ أن الدستور يحدّد الاختصاصات الممنوحة لكل سلطة، بحيث لا يجوز لها تجاوزها أو تفويضها بما يخالف ما ورد في الدستور، وإلا كانت تصرفاتها عرضة للبطلان.

المطلب الثالث: الرقابة على دستورية القوانين كوسيلة لضمان السمو

حتى لا يبقى مبدأ السمو الدستوري مجرّد إعلان نظري، كان من الضروري إنشاء آلية عملية تضمن احترامه، وهي الرقابة على دستورية القوانين، سواء أُسندت هذه الرقابة إلى محكمة عادية (كنظام الرقابة القضائية المنتشرة)، أو إلى هيئة خاصة هي المحكمة أو المجلس الدستوري.
وتتمثل وظيفة هذه الرقابة في فحص مدى مطابقة القوانين والأنظمة – وأحيانًا المعاهدات الدولية – لأحكام الدستور، فإذا تبين مخالفتها يُصرّح بعدم دستوريتها كليًا أو جزئيًا، ويُمنع تطبيقها. وتعدّ هذه الرقابة ضمانة أساسية لمبدأ السمو، لأنها تمكّن من إقصاء النصوص المخالفة للدستور من المنظومة القانونية، وتدفع المشرّع إلى توخي الحذر في صياغة القوانين حتى لا يُعرّضها لخطر الإلغاء أو عدم التطبيق.

المبحث الثالث: تكريس مبدأ السمو الدستوري في النظام الجزائري
المطلب الأول: النص على مبدأ السمو الدستوري في الدستور الجزائري

كرّس الدستور الجزائري في مختلف نسخه مبدأ سموه على غيره من القواعد القانونية، إلا أن التعديل الدستوري لسنة 2020 جاء بصياغة صريحة وقوية تؤكد أن الدستور فوق الجميع وأنه "القانون الأساسي" الذي يضمن الحقوق والحريات ويفصل بين السلطات ويمنح الشرعية لممارسة الحكم.
كما نصّ الدستور على خضوع جميع السلطات العمومية للدستور، وعلى أن "القانون لا يمكن أن يخالف الدستور"، وأن الحقوق والحريات المقررة فيه تُلزِم السلطات ولا يجوز تقييدها إلا ضمن الحدود التي يحدّدها الدستور نفسه. وبذلك تبلور مبدأ السمو الدستوري في النص الدستوري الجزائري في بعديه الموضوعي (من حيث مضمونه ومجال تنظيمه) والشكلي (من حيث إجراءات تعديله).

المطلب الثاني: دور القضاء الدستوري في حماية مبدأ السمو الدستوري

أسند المشرّع الجزائري مهمة حماية مبدأ السمو الدستوري إلى هيئة متخصصة هي المجلس الدستوري سابقًا ثم المحكمة الدستورية بعد تعديل 2020. وتتولى هذه الهيئة ممارسة الرقابة على دستورية القوانين، سواء قبل صدورها (رقابة قبلية) أو بعد صدورها (رقابة لاحقة)، إضافة إلى رقابة بعض الأعمال الأخرى كالمعاهدات والتنظيمات، وفق الشروط التي يحددها الدستور والقانون العضوي المنظم لها.
وقد أكّد الفقه الدستوري الجزائري أن دور هذه الهيئة محوري في ضمان سمو الدستور، من خلال ما تصدره من قرارات تقضي بعدم دستورية بعض النصوص المخالفة للحقوق والحريات أو لمبدأ الفصل بين السلطات، مما يجبر المشرّع على تكييف تشريعاته مع المقتضيات الدستورية. كما أن نشر هذه القرارات يُسهم في توحيد التفسير الدستوري وإرساء ثقافة احترام الدستور داخل مؤسسات الدولة والمجتمع.

المطلب الثالث: حدود وتحديات تكريس مبدأ السمو الدستوري في الممارسة

رغم النصوص الصريحة التي تقرّر سمو الدستور والآليات المؤسسية المكرسة لحمايته، يثير تطبيق هذا المبدأ في الواقع العملي بعض التحديات. فهناك من يُشير إلى أن فعالية السمو الدستوري ترتبط بمدى استقلال القضاء الدستوري، وبمستوى التزام السلطات السياسية بقبول قراراته وتنفيذها، وبدرجة وعي الفاعلين والمؤسسات بأهمية احترام الدستور.
كما يلفت بعض الباحثين الانتباه إلى أن سمو الدستور يجب ألا يتحول إلى مفهوم شكلي يُستخدم لتبرير نصوص لا تحترم فعليًا الحقوق والحريات، بل ينبغي أن يقترن بمضامين ديمقراطية حقيقية، وبانفتاح على المعايير الدولية لحقوق الإنسان التي يلتزم بها الدستور نفسه. ومن ثَمّ، فإن ترسيخ مبدأ السمو الدستوري في الجزائر يظلّ عملية متواصلة تتطلب تعزيزًا لثقافة الدستور، وتفعيلًا لدور القضاء الدستوري، واحترامًا فعليًا لمبدأ الفصل بين السلطات وضمان الحقوق والحريات في الممارسة اليومية.

الخاتمة

يتضح من خلال هذا العرض أن مبدأ السمو الدستوري يشكّل ركيزة أساسية للنظام الدستوري الحديث، لأنه يقرّر علوية الدستور على سائر القواعد القانونية، ويضمن خضوع السلطات العامة لأحكامه في إطار دولة القانون. وقد تبيّن أن هذا المبدأ يتخذ بعدين: موضوعيًا يتمثل في طبيعة المسائل التي ينظمها الدستور، وشكليًا يتمثل في إجراءات وضعه وتعديله، وينتج عنه تدرّج في القواعد القانونية وخضوع القوانين واللوائح والقرارات لرقابة دستورية. كما أظهر البحث أن الدستور الجزائري قد كرس صراحة مبدأ السمو الدستوري، وعهد إلى المحكمة الدستورية بمهمة حمايته من خلال الرقابة على دستورية القوانين، غير أن الفعالية العملية لهذا المبدأ تظل مرتبطة بعوامل أخرى مثل استقلال القضاء، واحترام السلطات لقراراته، وترسيخ ثقافة دستورية حقيقية في المجتمع. ومن ثم، فإن تعزيز مبدأ السمو الدستوري يبقى شرطًا أساسيًا لبناء نظام سياسي ديمقراطي يحترم الحقوق والحريات ويضمن توازن السلطات.

📚 قائمة المراجع


محمد زهير محمود حمد، وآخرون، القانون الدستوري والنظم السياسية، دار الجامعة الجديدة للنشر، الإسكندرية، 2015.

سعيد بوالشعير، النظم الدستورية المقارنة، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 2012.

كمال، (باحث)، مكانة الدستور الجامد في ظل الفقه الدستوري الحديث، مجلة قانونية متخصصة، 2017.

عباس، عمار، دور المجلس الدستوري الجزائري في ضمان مبدأ سمو الدستور، مجلة المجلس الدستوري، العدد 1، 2013.

أولاد الحاج يوسف، محمد، كفالة احترام سمو الدستور في دولة القانون، مجلة قانونية جزائرية، 2022.

قزلان، سليمة، التفسير الدستوري كأساس لضمان مبدأ سمو الدستور على ضوء التعديل الدستوري 2020، مجلة علمية متخصصة، 2021.

بوكل حسان، شوقي، الرقابة على دستورية القوانين في الجزائر ومبدأ الأمن القانوني، مجلة المقارنة القانونية، 2021.

دستور الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية لسنة 2020، الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، 2020.
 
أعلى