مقال التكنوقراطية كخيار للتطور والازدهار

Manar Kounti

عضو جديد
المشاركات
18
مستوى التفاعل
0
النقاط
1
التخلي عن البيروقراطية التقليدية وتبني التكنوقراطية كخيار للتطور والازدهار
اعداد الباحث حسوني محمد عبد الغني


يشهد العالم المعاصر تحوّلات عميقة في أساليب إدارة الشأن العام، دفعتها العولمة، وتسارع التطور التكنولوجي، وتزايد تعقيد الإشكالات الاقتصادية والاجتماعية. وقد كشفت هذه التحولات حدود النماذج الإدارية التقليدية، وفي مقدمتها البيروقراطية الكلاسيكية، في الاستجابة السريعة والفعّالة لمتطلبات المرحلة. فحين تتسم البيئة العامة بسرعة التغير واشتداد التنافس، يصبح الاعتماد على إجراءات جامدة وتسلسل إداري صارم غير كافٍ لتحقيق التنمية والازدهار. وفي هذا السياق برزت التكنوقراطية، بوصفها توجّهًا يقدّم الكفاءة والمعرفة التقنية في مواقع القرار، كخيار عملي لتجاوز اختلالات الإدارة التقليدية والارتقاء بأداء المؤسسات.

ورغم ما أدّته البيروقراطية تاريخيًا من دور في ترسيخ المشروعية وضبط العمل الإداري وتوحيد القواعد، فإن الإفراط في تطبيقها أفضى في كثير من الحالات إلى نتائج معاكسة. إذ تحوّل الحرص على الشكل إلى غاية بحد ذاته، وبرز بطء اتخاذ القرار، وتعقيد المساطر، وتراجع روح المبادرة داخل الأجهزة العمومية. ومع مرور الزمن تشكّلت ثقافة وظيفية تُقاس فيها الجدارة بمدى الالتزام الحرفي بالتعليمات، لا بقدرة الإدارة على تحقيق الأهداف وإحداث الأثر. ومع تصاعد الضغوط الاقتصادية وتنامي المطالب الاجتماعية، غدت هذه السمات عبئًا يحدّ من قدرة الدولة على الإنجاز، ويُضعف مرونتها في التفاعل مع الأزمات والمتغيرات.

في مقابل ذلك، تقوم التكنوقراطية على منطق مختلف يجعل المعرفة المتخصصة والخبرة العملية أساسًا لتولي المسؤوليات وصناعة السياسات. فالمشكلات المعاصرة—بحكم تشابكها وتعقيدها—لا تُدار بالحدس ولا بالروتين، بل تحتاج إلى أدوات تحليلية دقيقة وإحاطة علمية تمكّن من قراءة المعطيات وتقدير المخاطر واقتراح البدائل. ويقوم هذا النموذج على ترجيح معيار الكفاءة على معيار الأقدمية، وعلى تقييم الأداء وفق النتائج لا وفق كثرة الإجراءات. ومن شأن هذا التحول أن يرفع جودة السياسات العمومية، ويحسّن استخدام الموارد، ويُسرّع وتيرة الإنجاز، بما ينعكس على مؤشرات التنمية والاستقرار.

وتتأكد الحاجة إلى هذا التوجه بصورة أوضح في القطاعات الحيوية التي يتوقف عليها مستقبل الدول، مثل التخطيط الاقتصادي، والطاقة، والصحة، والتحول الرقمي، والبنى التحتية، وإدارة المخاطر. ففي هذه المجالات، لا يكفي القرار الإداري بمعناه التقليدي، لأن أي خلل في التقدير أو سوء فهم للمعطيات التقنية قد يترتب عليه كلفة اقتصادية واجتماعية كبيرة. وعليه، فإن إسناد القيادة التنفيذية لذوي الاختصاص يتيح مواءمة أفضل بين القرار والواقع، ويجعل السياسات أقرب إلى المنطق العملي القابل للقياس والتقويم.

كما أن المرحلة الراهنة، بما تتسم به من منافسة دولية محتدمة وتحديات داخلية متزايدة، تفرض على الدول الاستثمار الجاد في رأس المال البشري المؤهل. فلم يعد الانتماء الإداري أو الارتباطات غير المهنية معيارًا كافيًا لإدارة الملفات الكبرى، بل أصبحت القدرة على الابتكار، وإتقان أدوات التخطيط، وفهم الاقتصاد والتكنولوجيا، شروطًا لازمة لتحقيق النجاح في تسيير الشأن العام. ومن هنا تبدو التكنوقراطية استجابة إصلاحية تُعيد الاعتبار للخبرة، وتحدّ من الممارسات غير الرشيدة المرتبطة بالروتين، وتُسهم في رفع مستوى الثقة بين المواطن والمؤسسة عبر تحسين الخدمة العمومية وتعزيز فعالية الأداء.

ومع ذلك، لا ينبغي تصوير الانتقال إلى التكنوقراطية باعتباره قطيعة شاملة مع البيروقراطية، لأن التخلي الكلي عن الإطار البيروقراطي قد يثير إشكالات تتعلق بالمشروعية والرقابة والمساءلة، وقد يفتح الباب أمام شكل من “حكم الخبراء” المنغلق على ذاته إذا لم يُضبط ضمن قواعد شفافة. لذا فإن الخيار الأكثر اتزانًا يتمثل في انتقال تدريجي نحو نموذج هجين يجمع بين صرامة القانون التي تضمنها البيروقراطية، والنجاعة التي توفرها التكنوقراطية. ويتحقق ذلك عبر تبسيط الإجراءات دون المساس بالضمانات، وتفويض الصلاحيات على أساس واضح، وربط المسؤوليات بمؤشرات أداء قابلة للقياس، مع تعزيز الرقابة القانونية والمؤسساتية وآليات المحاسبة.

وخلاصة القول إن التخفف من البيروقراطية التقليدية لم يعد مجرد ترف فكري، بل أضحى ضرورة تفرضها متطلبات التطور في عالم سريع التحول. كما أن تبني منطق التكنوقراطية، القائم على الكفاءة والخبرة، يمثل ركيزة مركزية لتحديث الإدارة وتحسين السياسات العمومية ودفع مسار التنمية المستدامة. غير أن نجاح هذا المسار يظل مرهونًا بإرساء توازن دقيق بين الشرعية القانونية والفعالية التقنية، بما يضمن إدارة أكثر كفاءة وشفافية وقدرة على الاستجابة لتحديات الحاضر واستشراف آفاق المستقبل.
 
أعلى