- المشاركات
- 6
- مستوى التفاعل
- 0
- النقاط
- 1
الحوكمة والتنمية المستدامة
تُعدّ الحوكمة اليوم إحدى أهم المقاربات القانونية والمؤسساتية التي تُقاس بها جودة إدارة الشأن العام، لأنها تقوم على مبادئ الشفافية، والمساءلة، وسيادة القانون، وترشيد القرار العمومي، مع فتح المجال أمام الفاعلين المختلفين للمساهمة في صياغة السياسات وتقييمها. وعندما تُقرن الحوكمة بالتنمية المستدامة التشاركية، يصبح الهدف مزدوجًا: تحقيق النجاعة الاقتصادية في استعمال المال العام، وحماية الحقوق الاجتماعية والبيئية للأجيال الحالية والقادمة، على أساس إشراك المجتمع والفاعلين الاقتصاديين في مراقبة الأداء العمومي وتوجيهه نحو خيارات أكثر عدلًا واستدامة.
وتظهر أهمية “التشاركية” هنا بوصفها آلية قانونية ومجتمعية تتجاوز الاستشارة الشكلية إلى تمكين العموم من الوصول إلى المعلومة، وإبداء الرأي، وتتبع القرار العمومي، والطعن في التجاوزات وفق إجراءات محددة. هذا المعنى يجد سندًا واضحًا في التشريع البيئي الجزائري، إذ قرر أن حماية البيئة في إطار التنمية المستدامة تهدف إلى تعزيز الإعلام والتحسيس ومشاركة الجمهور ومختلف المتدخلين في تدابير حماية البيئة.
ومن ثمّ فالتنمية المستدامة ليست مجرد شعار اقتصادي، بل إطار قانوني يفرض إدماج الاعتبارات البيئية والاجتماعية ضمن التخطيط والبرمجة واتخاذ القرار، بما في ذلك القرارات المالية والتعاقدية للدولة.
ومن أكثر المجالات التي تتجسد فيها الحوكمة عمليًا مجال الصفقات العمومية، لأنها تمثل قناة رئيسية لإنفاق المال العام وترجمة البرامج العمومية إلى مشاريع وخدمات وأشغال. وقد جاء القانون الجديد الذي يحدد القواعد العامة المتعلقة بالصفقات العمومية ليؤكد هذا المنحى، وهو القانون رقم 23-12 المؤرخ في 5 غشت 2023.
ويكتسب هذا النص أهمية خاصة لأنه يضع إطارًا عامًا حديثًا يربط بين الطلب العمومي والنجاعة والشفافية، ويستند ضمن المنظومة القانونية الوطنية إلى مصادر أساسية، من بينها الأمر رقم 75-58 المتضمن القانون المدني (كمصدر عام لنظرية الالتزام والعقد) والذي يعدّ مرجعًا تأصيليًا في فهم العقد وآثاره وشروط صحته.
وتقوم الحوكمة في الصفقات العمومية أولًا على مبادئ موضوعية تضبط سلوك “المصلحة المتعاقدة” وتضمن حماية المنافسة وتكافؤ الفرص. فقد نصّ القانون على أن الصفقات العمومية تخضع لمبادئ حرية الوصول إلى الطلبات العمومية، والمساواة في معاملة المترشحين، وشفافية الإجراءات.
وهذه المبادئ ليست شكلية، بل تُترجم إلى التزامات دقيقة مثل منع التمييز بين المتعاملين، وتوحيد شروط المشاركة، وإخضاع الاختيار لمعايير معلنة ومفهومة، بما يقلّص هامش المحاباة ويعزّز الثقة في الإدارة ويحقق جانبًا أساسيًا من “المساءلة”.
وثانيًا، يبرز البعد “المستدام” باعتباره جزءًا من فلسفة النص الجديد، إذ أشار صراحة إلى إدماج متطلبات التنمية المستدامة وحماية البيئة ضمن الطلب العمومي، بما يجعل الصفقة أداة لتحقيق قيمة عامة لا تقتصر على السعر الأدنى.
هنا يمكن قانونيًا تفعيل الاستدامة عبر عدة تقنيات تعاقدية مشروعة: إدراج مواصفات تقنية صديقة للبيئة (اقتصاد الطاقة، تقليل الانبعاثات، مواد قابلة لإعادة التدوير)، اعتماد معايير تقييم تراعي تكلفة دورة الحياة بدلًا من كلفة الشراء فقط، وفرض التزامات مرتبطة بالتسيير البيئي للنفايات داخل الورشات والمشاريع، مع احترام مبدأ المنافسة وعدم تفصيل المواصفات على مقاس متعامل بعينه.
وثالثًا، تتجسد “التشاركية” داخل الصفقات العمومية عبر شفافية النشر والوصول للمعلومة والرقمنة، لأن مشاركة الفاعلين لا تتحقق دون معرفة متاحة ومعلنة. وقد ألزم القانون بنشر إعلانات الطلبات العمومية ونتائجها عبر وسائل رسمية، مع الإحالة إلى النشر عبر المواقع والبوابة الإلكترونية المخصصة للصفقات العمومية.
كما نصّ على بوابة إلكترونية للصفقات العمومية وآليات مرتبطة بها، بما يخدم تتبع الطلب العمومي ويحدّ من الغموض الإجرائي.
وتُعد الرقمنة هنا رافعة حوكمة بامتياز لأنها تقلل التعاملات غير الموثقة، وتسهّل التنافس الوطني، وتمكّن من بناء أثر قابل للتتبع والمراجعة.
وفي سياق الحوكمة المحلية، تتصل الصفقات العمومية اتصالًا مباشرًا بالتنمية المستدامة التشاركية لأن الجماعات المحلية تنفذ جزءًا معتبرًا من المشاريع القاعدية (تهيئة، طرقات، مرافق عمومية، خدمات) التي تلامس حياة المواطن اليومية. وعليه فإن إدماج الاستدامة في الطلب العمومي المحلي يعني ربط الاعتمادات بأولويات واقعية (الماء، النظافة، الطاقة، النقل، التهيئة)، مع إشراك المجتمع المدني والمهنيين محليًا عبر قنوات قانونية مثل نشر المعطيات، وإتاحة دفاتر الشروط للمنافسة الفعلية، وتبرير الاختيارات التعاقدية، وتفعيل آليات التظلم والطعن عند الاقتضاء، بما يحقق رقابة مجتمعية موازية للرقابة الإدارية والمالية.
وخلاصة الفكرة قانونيًا أن الحوكمة والتنمية المستدامة التشاركية في الصفقات العمومية لا تتحقق بعبارات عامة، بل بمنظومة مترابطة: مبادئ ملزمة (شفافية، مساواة، منافسة) تُطبق في كل مرحلة، وإدماج واضح لمقتضيات التنمية المستدامة والبيئة داخل الطلب العمومي، وتوسيع دائرة الوصول للمعلومة عبر النشر والرقمنة، ثم تمكين الفاعلين من الاعتراض والتقاضي وفق القواعد الإجرائية. وهذه الرؤية تجعل الصفقة العمومية وسيلة لتحقيق “قيمة عامة” تتجاوز إنجاز المشروع إلى ضمان النزاهة والفعالية والعدالة بين المتعاملين، وحماية البيئة والموارد، وتعزيز ثقة المواطن في الإدارة.
المراجع
القانون رقم 23-12 المؤرخ في 5 غشت 2023 يحدد القواعد العامة المتعلقة بالصفقات العمومية (منشور في العدد 51 من الجريدة الرسمية ليوم 6 غشت 2023).
المرسوم الرئاسي رقم 15-247 المؤرخ في 16 سبتمبر 2015 يتضمن تنظيم الصفقات العمومية وتفويضات المرفق العام
القانون رقم 22-08 المؤرخ في 5 ماي 2022 يحدد تنظيم السلطة العليا للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته وصلاحياتها
المرسوم التنفيذي رقم 22-167 (أفريل 2022) يعدل ويتمم المرسوم التنفيذي رقم 06-198 المتعلق بتنظيم المؤسسات
اعداد الباحث حسوني محمد عبد الغني
تُعدّ الحوكمة اليوم إحدى أهم المقاربات القانونية والمؤسساتية التي تُقاس بها جودة إدارة الشأن العام، لأنها تقوم على مبادئ الشفافية، والمساءلة، وسيادة القانون، وترشيد القرار العمومي، مع فتح المجال أمام الفاعلين المختلفين للمساهمة في صياغة السياسات وتقييمها. وعندما تُقرن الحوكمة بالتنمية المستدامة التشاركية، يصبح الهدف مزدوجًا: تحقيق النجاعة الاقتصادية في استعمال المال العام، وحماية الحقوق الاجتماعية والبيئية للأجيال الحالية والقادمة، على أساس إشراك المجتمع والفاعلين الاقتصاديين في مراقبة الأداء العمومي وتوجيهه نحو خيارات أكثر عدلًا واستدامة.
وتظهر أهمية “التشاركية” هنا بوصفها آلية قانونية ومجتمعية تتجاوز الاستشارة الشكلية إلى تمكين العموم من الوصول إلى المعلومة، وإبداء الرأي، وتتبع القرار العمومي، والطعن في التجاوزات وفق إجراءات محددة. هذا المعنى يجد سندًا واضحًا في التشريع البيئي الجزائري، إذ قرر أن حماية البيئة في إطار التنمية المستدامة تهدف إلى تعزيز الإعلام والتحسيس ومشاركة الجمهور ومختلف المتدخلين في تدابير حماية البيئة.
ومن ثمّ فالتنمية المستدامة ليست مجرد شعار اقتصادي، بل إطار قانوني يفرض إدماج الاعتبارات البيئية والاجتماعية ضمن التخطيط والبرمجة واتخاذ القرار، بما في ذلك القرارات المالية والتعاقدية للدولة.
ومن أكثر المجالات التي تتجسد فيها الحوكمة عمليًا مجال الصفقات العمومية، لأنها تمثل قناة رئيسية لإنفاق المال العام وترجمة البرامج العمومية إلى مشاريع وخدمات وأشغال. وقد جاء القانون الجديد الذي يحدد القواعد العامة المتعلقة بالصفقات العمومية ليؤكد هذا المنحى، وهو القانون رقم 23-12 المؤرخ في 5 غشت 2023.
ويكتسب هذا النص أهمية خاصة لأنه يضع إطارًا عامًا حديثًا يربط بين الطلب العمومي والنجاعة والشفافية، ويستند ضمن المنظومة القانونية الوطنية إلى مصادر أساسية، من بينها الأمر رقم 75-58 المتضمن القانون المدني (كمصدر عام لنظرية الالتزام والعقد) والذي يعدّ مرجعًا تأصيليًا في فهم العقد وآثاره وشروط صحته.
وتقوم الحوكمة في الصفقات العمومية أولًا على مبادئ موضوعية تضبط سلوك “المصلحة المتعاقدة” وتضمن حماية المنافسة وتكافؤ الفرص. فقد نصّ القانون على أن الصفقات العمومية تخضع لمبادئ حرية الوصول إلى الطلبات العمومية، والمساواة في معاملة المترشحين، وشفافية الإجراءات.
وهذه المبادئ ليست شكلية، بل تُترجم إلى التزامات دقيقة مثل منع التمييز بين المتعاملين، وتوحيد شروط المشاركة، وإخضاع الاختيار لمعايير معلنة ومفهومة، بما يقلّص هامش المحاباة ويعزّز الثقة في الإدارة ويحقق جانبًا أساسيًا من “المساءلة”.
وثانيًا، يبرز البعد “المستدام” باعتباره جزءًا من فلسفة النص الجديد، إذ أشار صراحة إلى إدماج متطلبات التنمية المستدامة وحماية البيئة ضمن الطلب العمومي، بما يجعل الصفقة أداة لتحقيق قيمة عامة لا تقتصر على السعر الأدنى.
هنا يمكن قانونيًا تفعيل الاستدامة عبر عدة تقنيات تعاقدية مشروعة: إدراج مواصفات تقنية صديقة للبيئة (اقتصاد الطاقة، تقليل الانبعاثات، مواد قابلة لإعادة التدوير)، اعتماد معايير تقييم تراعي تكلفة دورة الحياة بدلًا من كلفة الشراء فقط، وفرض التزامات مرتبطة بالتسيير البيئي للنفايات داخل الورشات والمشاريع، مع احترام مبدأ المنافسة وعدم تفصيل المواصفات على مقاس متعامل بعينه.
وثالثًا، تتجسد “التشاركية” داخل الصفقات العمومية عبر شفافية النشر والوصول للمعلومة والرقمنة، لأن مشاركة الفاعلين لا تتحقق دون معرفة متاحة ومعلنة. وقد ألزم القانون بنشر إعلانات الطلبات العمومية ونتائجها عبر وسائل رسمية، مع الإحالة إلى النشر عبر المواقع والبوابة الإلكترونية المخصصة للصفقات العمومية.
كما نصّ على بوابة إلكترونية للصفقات العمومية وآليات مرتبطة بها، بما يخدم تتبع الطلب العمومي ويحدّ من الغموض الإجرائي.
وتُعد الرقمنة هنا رافعة حوكمة بامتياز لأنها تقلل التعاملات غير الموثقة، وتسهّل التنافس الوطني، وتمكّن من بناء أثر قابل للتتبع والمراجعة.
وفي سياق الحوكمة المحلية، تتصل الصفقات العمومية اتصالًا مباشرًا بالتنمية المستدامة التشاركية لأن الجماعات المحلية تنفذ جزءًا معتبرًا من المشاريع القاعدية (تهيئة، طرقات، مرافق عمومية، خدمات) التي تلامس حياة المواطن اليومية. وعليه فإن إدماج الاستدامة في الطلب العمومي المحلي يعني ربط الاعتمادات بأولويات واقعية (الماء، النظافة، الطاقة، النقل، التهيئة)، مع إشراك المجتمع المدني والمهنيين محليًا عبر قنوات قانونية مثل نشر المعطيات، وإتاحة دفاتر الشروط للمنافسة الفعلية، وتبرير الاختيارات التعاقدية، وتفعيل آليات التظلم والطعن عند الاقتضاء، بما يحقق رقابة مجتمعية موازية للرقابة الإدارية والمالية.
وخلاصة الفكرة قانونيًا أن الحوكمة والتنمية المستدامة التشاركية في الصفقات العمومية لا تتحقق بعبارات عامة، بل بمنظومة مترابطة: مبادئ ملزمة (شفافية، مساواة، منافسة) تُطبق في كل مرحلة، وإدماج واضح لمقتضيات التنمية المستدامة والبيئة داخل الطلب العمومي، وتوسيع دائرة الوصول للمعلومة عبر النشر والرقمنة، ثم تمكين الفاعلين من الاعتراض والتقاضي وفق القواعد الإجرائية. وهذه الرؤية تجعل الصفقة العمومية وسيلة لتحقيق “قيمة عامة” تتجاوز إنجاز المشروع إلى ضمان النزاهة والفعالية والعدالة بين المتعاملين، وحماية البيئة والموارد، وتعزيز ثقة المواطن في الإدارة.
المراجع
القانون رقم 23-12 المؤرخ في 5 غشت 2023 يحدد القواعد العامة المتعلقة بالصفقات العمومية (منشور في العدد 51 من الجريدة الرسمية ليوم 6 غشت 2023).
المرسوم الرئاسي رقم 15-247 المؤرخ في 16 سبتمبر 2015 يتضمن تنظيم الصفقات العمومية وتفويضات المرفق العام
القانون رقم 22-08 المؤرخ في 5 ماي 2022 يحدد تنظيم السلطة العليا للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته وصلاحياتها
المرسوم التنفيذي رقم 22-167 (أفريل 2022) يعدل ويتمم المرسوم التنفيذي رقم 06-198 المتعلق بتنظيم المؤسسات