- المشاركات
- 8
- مستوى التفاعل
- 0
- النقاط
- 1
تنظيم استعمال الذكاء الاصطناعي في المجال الأمني والقضائي: حدود السياسة الجنائية ومتطلبات السيادة الوطنية
اعداد الباحث حسوني محمد عبد الغني
الملخص
أضحى الذكاء الاصطناعي عنصرًا فاعلًا في تطوير الأداء الأمني والقضائي، سواء عبر تحليل المعطيات الضخمة، أو دعم التحقيقات الرقمية، أو تسريع المعالجة الإدارية للملفات. غير أن إدماجه داخل وظائف سيادية حساسة يثير إشكالات قانونية دقيقة تتعلق بمشروعية وسائل التحري، وحجية الأدلة الرقمية، وحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، وضمانات المحاكمة العادلة، فضلًا عن أثر الاعتماد على منصات وخوارزميات أجنبية على السيادة الوطنية الرقمية. يهدف هذا المقال إلى رسم إطار تحليلي يحدد حدود السياسة الجنائية عند توظيف الذكاء الاصطناعي في الأمن والقضاء داخل الجزائر، مع إبراز المتطلبات السيادية والضمانات القانونية الواجب مراعاتها، اعتمادًا على النصوص التشريعية الجزائرية ذات الصلة والمعايير التوجيهية الدولية الحديثة الخاصة باستخدام الذكاء الاصطناعي في القضاء.
الكلمات المفتاحية: الذكاء الاصطناعي، الأمن، القضاء، السياسة الجنائية، الأدلة الرقمية، حماية المعطيات، السيادة الوطنية.
مقدمة
تتجه الدول إلى اعتماد الذكاء الاصطناعي بوصفه وسيلة لتحسين الفعالية في مجالات الأمن والعدالة: من تتبع الجرائم السيبرانية وتحليل الروابط الرقمية، إلى دعم إدارة القضايا وتيسير الخدمات القضائية. غير أن هذا التحول لا يمر دون كلفة قانونية ومؤسساتية، لأن المجال الأمني يتعامل مع قيود الحرية ووسائل التحري، بينما يتصل المجال القضائي بجوهر العدالة وضمانات المحاكمة العادلة واستقلال القاضي وعلانية الإجراءات. وفي الجزائر، يتعزز هذا النقاش بوجود منظومة تشريعية رقمية ذات أساس معتبر (في الجرائم المتصلة بتكنولوجيات الإعلام والاتصال، والتوقيع الإلكتروني، وحماية المعطيات)، مع ضرورة ضبط حدود استعمال أدوات قد تؤدي—إن أسيء توظيفها—إلى مساس غير متناسب بالحقوق، أو إلى “أتمتة” قرارات تمس الأفراد، أو إلى نقل فعلي للسيطرة على البيانات والأدلة إلى خارج الإقليم الوطني. ومن ثَمّ تتمحور الإشكالية حول السؤال التالي: كيف يمكن تنظيم استعمال الذكاء الاصطناعي في الأمن والقضاء على نحو يحقق فعالية السياسة الجنائية، دون الإخلال بمتطلبات السيادة الوطنية والضمانات الأساسية؟
متن المقال
إن الحديث عن تنظيم استعمال الذكاء الاصطناعي في المجال الأمني والقضائي لا يعني بالضرورة وجود “جرائم ذكاء اصطناعي” مستقلة، بقدر ما يعني أن الذكاء الاصطناعي صار أداة قد تُستخدم في مرحلتين حاسمتين: مرحلة التحري والتحقيق، ومرحلة المعالجة القضائية وإدارة القضايا. ففي المجال الأمني، يظهر الذكاء الاصطناعي في صور متعددة مثل التحليل الآلي للاتصالات والبيانات، وأنظمة التعرف (على الأنماط أو الوجوه أو الأصوات)، واكتشاف الاحتيال، ورصد الهجمات السيبرانية. وهذه التطبيقات تفرض سؤال المشروعية من زاوية السياسة الجنائية: هل تعتبر هذه الأدوات مجرد وسائل تقنية محايدة، أم أنها تدخل في “وسائل تحرٍّ” ينبغي أن تُقيد بنصوص واضحة ومعايير الضرورة والتناسب والرقابة؟
في هذا السياق، تبرز قيمة الإطار التشريعي الجزائري الخاص بمكافحة الجرائم المتصلة بتكنولوجيات الإعلام والاتصال، باعتباره قاعدة مرجعية لتنظيم الوقاية والمكافحة والتحقيق في البيئة الرقمية. فالقانون رقم 09-04 المؤرخ في 5 غشت 2009 يمثل أحد أعمدة السياسة الجنائية الرقمية، ويُفهم منه أن مكافحة الجريمة المتصلة بتكنولوجيات الإعلام والاتصال ليست مجرد تجريم، بل تشمل كذلك آليات وإجراءات تتعلق بالكشف والمتابعة في محيط تقني سريع التحول.
وتزداد أهمية هذه القاعدة عندما نربطها بالجرائم التي يكون الذكاء الاصطناعي وسيلتها أو مضاعِفها، مثل التصيّد الاحتيالي المؤتمت، أو التزييف العميق المستخدم في الابتزاز وانتحال الهوية، أو الهجمات الآلية على الأنظمة.
أما في المجال القضائي، فإن الذكاء الاصطناعي غالبًا ما يدخل من باب “الدعم” لا من باب “الحكم”، أي في إدارة القضايا، والفرز الآلي للوثائق، والبحث الذكي في السوابق، وربما أدوات مساعدة لتقدير المخاطر أو تحديد الأولويات. غير أن حساسية هذا المجال تفرض خطًا فاصلًا: لا يجوز أن يتحول الدعم إلى بديل عن القاضي، ولا أن تُنشئ الخوارزمية واقعًا إجرائيًا جديدًا يمس حق الدفاع أو قرينة البراءة أو مبدأ المواجهة بين الخصوم. ومن هنا تتقاطع التنظيمات المقارنة مع التوجهات الدولية الحديثة، إذ أصدرت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) في ديسمبر 2025 “إرشادات استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي في المحاكم والهيئات القضائية”، وركّزت على مبادئ مثل الإشراف البشري، ومنع الاعتماد المفرط، والشفافية، وحماية الحقوق واستقلال القضاء.
ورغم أن هذه الإرشادات ليست قانونًا وطنيًا ملزمًا، إلا أنها تمثل مرجعية توجيهية قوية يمكن الاستئناس بها عند صياغة ضوابط وطنية أو بروتوكولات داخلية للاستخدام.
ومن جهة أخرى، لا يمكن فصل تنظيم استعمال الذكاء الاصطناعي عن مسألة المعطيات ذات الطابع الشخصي، لأن الذكاء الاصطناعي يعمل أساسًا على البيانات. فإذا كان الأمن يحتاج بيانات للتحري، والقضاء يحتاج بيانات للإثبات، فإن معيار السيادة والحقوق يقتضي أن تكون معالجة البيانات مقننة وواضحة. وهنا يبرز القانون رقم 18-07 المتعلق بحماية الأشخاص الطبيعيين في مجال معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي، وتعديله بالقانون رقم 25-11 المؤرخ في 24 يوليو 2025، بوصفه ركيزة وقائية وسيادية: وقائية لأنه يحد من المعالجة غير المشروعة أو غير المتناسبة، وسيادية لأنه يضع قواعد وطنية تتعلق بالتحكم في البيانات وحمايتها داخل الإقليم وخارجه.
ويترتب على ذلك أن أي توظيف للذكاء الاصطناعي في الأمن أو القضاء ينبغي أن يمر من بوابة “مشروعية المعالجة” وملاءمتها للغرض، وتحديد من يملك البيانات وأين تخزن وكيف تُنقل ومن له حق النفاذ إليها، لأن ضياع السيطرة على البيانات يعني عمليًا ضياع جزء من السيادة الرقمية.
وفي الإطار نفسه، تتصل الثقة في الوثائق والمعاملات الرقمية بموضوع الذكاء الاصطناعي من زاويتين: الأولى أن جزءًا من الجرائم المدعومة بالذكاء الاصطناعي يستهدف تزوير المحتوى أو انتحال الهوية الرقمية، والثانية أن القضاء يعتمد على مستندات إلكترونية وأدلة رقمية يجب أن تُؤطر. ويأتي هنا دور القانون الذي يحدد القواعد العامة للتوقيع والتصديق الإلكترونيين (القانون رقم 15-04 الموافق لـ 1 فبراير 2015 ضمن الجريدة الرسمية)، باعتباره من أدوات تدعيم الثقة القانونية في البيئة الرقمية وما يتصل بحجية الوثائق والتصديق.
كما أن قانون عصرنة العدالة (القانون رقم 15-03 الموافق لـ 1 فبراير 2015) يعكس توجهًا مؤسساتيًا نحو رقمنة قطاع العدالة وتطوير أدواته الإدارية والتقنية، وهو ما يجعل إدماج أدوات ذكية—ضمن ضوابط—مسارًا منطقيًا، بشرط ألا يتقدم الجانب التقني على ضمانات التقاضي.
غير أن تنظيم استعمال الذكاء الاصطناعي لا يقف عند النصوص الداخلية، لأن جزءًا كبيرًا من ملفات الذكاء الاصطناعي مرتبط بجرائم عابرة للحدود وأدلة إلكترونية خارج الإقليم (منصات، سُحب رقمية، مزودو خدمة). وهنا يتصل الموضوع مباشرة بالسيادة الوطنية: سيادة الاختصاص وسيادة الدليل. وفي هذا الباب، اكتسب الإطار الدولي الجديد أهمية خاصة بعد اعتماد “اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة السيبرانية” في 24 ديسمبر 2024، وفتحها للتوقيع في 25 أكتوبر 2025، حيث تركز—ضمن ما تطرحه—على تعزيز التعاون الدولي في مشاركة الأدلة الإلكترونية في الجرائم الخطيرة المرتكبة باستخدام أنظمة تكنولوجيات الإعلام والاتصال.
وبالنسبة للجزائر، فإن استثمار هذا الإطار يساهم في رفع الفعالية دون أن يعني التنازل عن السيادة، بشرط أن يُدار التعاون وفق قواعد واضحة تحفظ الاختصاص الوطني والضمانات الإجرائية وحماية المعطيات.
وبناءً على ما سبق، يمكن تلخيص “حدود السياسة الجنائية” في ثلاثة ضوابط عملية عند استعمال الذكاء الاصطناعي في الأمن والقضاء: أولًا، ضابط المشروعية: لا استعمال لأداة تمس الحقوق إلا بسند قانوني أو تنظيمي واضح، وبما يحقق الضرورة والتناسب والرقابة. ثانيًا، ضابط الإثبات والمسؤولية: يجب أن تُفهم نتائج الذكاء الاصطناعي كمؤشرات قابلة للنقاش وليست حقائق نهائية، وأن تُضمن قابلية التدقيق والخبرة، وأن يظل الإنسان مسؤولًا عن القرار، خصوصًا في القضاء. ثالثًا، ضابط السيادة الرقمية: أي اعتماد على منصات أجنبية أو نماذج مغلقة ينبغي أن يُقاس بميزان السيطرة على البيانات والأدلة، لأن فقدان السيطرة التقنية قد يتحول إلى تبعية قانونية وإجرائية، خاصة عندما يتعلق الأمر بملفات أمنية أو قضائية حساسة.
خاتمة
يُظهر تنظيم استعمال الذكاء الاصطناعي في المجال الأمني والقضائي أنه ليس سؤالًا تقنيًا فحسب، بل هو سؤال سيادي وقانوني مرتبط بجوهر السياسة الجنائية: حماية المجتمع مع صيانة الحقوق. وتمتلك الجزائر أساسًا تشريعيًا يسمح ببناء تنظيم متوازن، خاصة عبر قانون مكافحة الجرائم المتصلة بتكنولوجيات الإعلام والاتصال، وقانوني عصرنة العدالة والتوقيع الإلكتروني، وقانون حماية المعطيات وتعديله في 2025. غير أن طبيعة الذكاء الاصطناعي تفرض رفع مستوى الضبط إلى قواعد تشغيلية واضحة داخل المؤسسات، تتضمن الإشراف البشري، والشفافية، وقابلية التدقيق، وتحديد المسؤوليات، مع إدارة التعاون الدولي في الأدلة الإلكترونية بما يحفظ السيادة الوطنية الرقمية. وبهذا يصبح الذكاء الاصطناعي أداة لتعزيز الأمن والعدالة لا مدخلًا لتهديدهما.
المصادر والمراجع
القانون رقم 09-04 المؤرخ في 5 غشت 2009، المتضمن القواعد الخاصة للوقاية من الجرائم المتصلة بتكنولوجيات الإعلام والاتصال ومكافحتها (الجريدة الرسمية).
القانون رقم 15-03 الموافق لـ 1 فبراير 2015، المتعلق بعصرنة العدالة (الجريدة الرسمية).
القانون رقم 15-04 الموافق لـ 1 فبراير 2015، يحدد القواعد العامة المتعلقة بالتوقيع والتصديق الإلكترونيين (الجريدة الرسمية).
القانون رقم 18-07 المؤرخ في 10 يونيو 2018، المتعلق بحماية الأشخاص الطبيعيين في مجال معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي، المعدل والمتمم بالقانون رقم 25-11 المؤرخ في 24 يوليو 2025 (الجريدة الرسمية).
UNESCO, Guidelines for the use of AI systems in courts and tribunals (December 2025).
UNODC, United Nations Convention against Cybercrime (adopted 24 December 2024; opened for signature 25 October 2025).
اعداد الباحث حسوني محمد عبد الغني
الملخص
أضحى الذكاء الاصطناعي عنصرًا فاعلًا في تطوير الأداء الأمني والقضائي، سواء عبر تحليل المعطيات الضخمة، أو دعم التحقيقات الرقمية، أو تسريع المعالجة الإدارية للملفات. غير أن إدماجه داخل وظائف سيادية حساسة يثير إشكالات قانونية دقيقة تتعلق بمشروعية وسائل التحري، وحجية الأدلة الرقمية، وحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، وضمانات المحاكمة العادلة، فضلًا عن أثر الاعتماد على منصات وخوارزميات أجنبية على السيادة الوطنية الرقمية. يهدف هذا المقال إلى رسم إطار تحليلي يحدد حدود السياسة الجنائية عند توظيف الذكاء الاصطناعي في الأمن والقضاء داخل الجزائر، مع إبراز المتطلبات السيادية والضمانات القانونية الواجب مراعاتها، اعتمادًا على النصوص التشريعية الجزائرية ذات الصلة والمعايير التوجيهية الدولية الحديثة الخاصة باستخدام الذكاء الاصطناعي في القضاء.
الكلمات المفتاحية: الذكاء الاصطناعي، الأمن، القضاء، السياسة الجنائية، الأدلة الرقمية، حماية المعطيات، السيادة الوطنية.
مقدمة
تتجه الدول إلى اعتماد الذكاء الاصطناعي بوصفه وسيلة لتحسين الفعالية في مجالات الأمن والعدالة: من تتبع الجرائم السيبرانية وتحليل الروابط الرقمية، إلى دعم إدارة القضايا وتيسير الخدمات القضائية. غير أن هذا التحول لا يمر دون كلفة قانونية ومؤسساتية، لأن المجال الأمني يتعامل مع قيود الحرية ووسائل التحري، بينما يتصل المجال القضائي بجوهر العدالة وضمانات المحاكمة العادلة واستقلال القاضي وعلانية الإجراءات. وفي الجزائر، يتعزز هذا النقاش بوجود منظومة تشريعية رقمية ذات أساس معتبر (في الجرائم المتصلة بتكنولوجيات الإعلام والاتصال، والتوقيع الإلكتروني، وحماية المعطيات)، مع ضرورة ضبط حدود استعمال أدوات قد تؤدي—إن أسيء توظيفها—إلى مساس غير متناسب بالحقوق، أو إلى “أتمتة” قرارات تمس الأفراد، أو إلى نقل فعلي للسيطرة على البيانات والأدلة إلى خارج الإقليم الوطني. ومن ثَمّ تتمحور الإشكالية حول السؤال التالي: كيف يمكن تنظيم استعمال الذكاء الاصطناعي في الأمن والقضاء على نحو يحقق فعالية السياسة الجنائية، دون الإخلال بمتطلبات السيادة الوطنية والضمانات الأساسية؟
متن المقال
إن الحديث عن تنظيم استعمال الذكاء الاصطناعي في المجال الأمني والقضائي لا يعني بالضرورة وجود “جرائم ذكاء اصطناعي” مستقلة، بقدر ما يعني أن الذكاء الاصطناعي صار أداة قد تُستخدم في مرحلتين حاسمتين: مرحلة التحري والتحقيق، ومرحلة المعالجة القضائية وإدارة القضايا. ففي المجال الأمني، يظهر الذكاء الاصطناعي في صور متعددة مثل التحليل الآلي للاتصالات والبيانات، وأنظمة التعرف (على الأنماط أو الوجوه أو الأصوات)، واكتشاف الاحتيال، ورصد الهجمات السيبرانية. وهذه التطبيقات تفرض سؤال المشروعية من زاوية السياسة الجنائية: هل تعتبر هذه الأدوات مجرد وسائل تقنية محايدة، أم أنها تدخل في “وسائل تحرٍّ” ينبغي أن تُقيد بنصوص واضحة ومعايير الضرورة والتناسب والرقابة؟
في هذا السياق، تبرز قيمة الإطار التشريعي الجزائري الخاص بمكافحة الجرائم المتصلة بتكنولوجيات الإعلام والاتصال، باعتباره قاعدة مرجعية لتنظيم الوقاية والمكافحة والتحقيق في البيئة الرقمية. فالقانون رقم 09-04 المؤرخ في 5 غشت 2009 يمثل أحد أعمدة السياسة الجنائية الرقمية، ويُفهم منه أن مكافحة الجريمة المتصلة بتكنولوجيات الإعلام والاتصال ليست مجرد تجريم، بل تشمل كذلك آليات وإجراءات تتعلق بالكشف والمتابعة في محيط تقني سريع التحول.
وتزداد أهمية هذه القاعدة عندما نربطها بالجرائم التي يكون الذكاء الاصطناعي وسيلتها أو مضاعِفها، مثل التصيّد الاحتيالي المؤتمت، أو التزييف العميق المستخدم في الابتزاز وانتحال الهوية، أو الهجمات الآلية على الأنظمة.
أما في المجال القضائي، فإن الذكاء الاصطناعي غالبًا ما يدخل من باب “الدعم” لا من باب “الحكم”، أي في إدارة القضايا، والفرز الآلي للوثائق، والبحث الذكي في السوابق، وربما أدوات مساعدة لتقدير المخاطر أو تحديد الأولويات. غير أن حساسية هذا المجال تفرض خطًا فاصلًا: لا يجوز أن يتحول الدعم إلى بديل عن القاضي، ولا أن تُنشئ الخوارزمية واقعًا إجرائيًا جديدًا يمس حق الدفاع أو قرينة البراءة أو مبدأ المواجهة بين الخصوم. ومن هنا تتقاطع التنظيمات المقارنة مع التوجهات الدولية الحديثة، إذ أصدرت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) في ديسمبر 2025 “إرشادات استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي في المحاكم والهيئات القضائية”، وركّزت على مبادئ مثل الإشراف البشري، ومنع الاعتماد المفرط، والشفافية، وحماية الحقوق واستقلال القضاء.
ورغم أن هذه الإرشادات ليست قانونًا وطنيًا ملزمًا، إلا أنها تمثل مرجعية توجيهية قوية يمكن الاستئناس بها عند صياغة ضوابط وطنية أو بروتوكولات داخلية للاستخدام.
ومن جهة أخرى، لا يمكن فصل تنظيم استعمال الذكاء الاصطناعي عن مسألة المعطيات ذات الطابع الشخصي، لأن الذكاء الاصطناعي يعمل أساسًا على البيانات. فإذا كان الأمن يحتاج بيانات للتحري، والقضاء يحتاج بيانات للإثبات، فإن معيار السيادة والحقوق يقتضي أن تكون معالجة البيانات مقننة وواضحة. وهنا يبرز القانون رقم 18-07 المتعلق بحماية الأشخاص الطبيعيين في مجال معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي، وتعديله بالقانون رقم 25-11 المؤرخ في 24 يوليو 2025، بوصفه ركيزة وقائية وسيادية: وقائية لأنه يحد من المعالجة غير المشروعة أو غير المتناسبة، وسيادية لأنه يضع قواعد وطنية تتعلق بالتحكم في البيانات وحمايتها داخل الإقليم وخارجه.
ويترتب على ذلك أن أي توظيف للذكاء الاصطناعي في الأمن أو القضاء ينبغي أن يمر من بوابة “مشروعية المعالجة” وملاءمتها للغرض، وتحديد من يملك البيانات وأين تخزن وكيف تُنقل ومن له حق النفاذ إليها، لأن ضياع السيطرة على البيانات يعني عمليًا ضياع جزء من السيادة الرقمية.
وفي الإطار نفسه، تتصل الثقة في الوثائق والمعاملات الرقمية بموضوع الذكاء الاصطناعي من زاويتين: الأولى أن جزءًا من الجرائم المدعومة بالذكاء الاصطناعي يستهدف تزوير المحتوى أو انتحال الهوية الرقمية، والثانية أن القضاء يعتمد على مستندات إلكترونية وأدلة رقمية يجب أن تُؤطر. ويأتي هنا دور القانون الذي يحدد القواعد العامة للتوقيع والتصديق الإلكترونيين (القانون رقم 15-04 الموافق لـ 1 فبراير 2015 ضمن الجريدة الرسمية)، باعتباره من أدوات تدعيم الثقة القانونية في البيئة الرقمية وما يتصل بحجية الوثائق والتصديق.
كما أن قانون عصرنة العدالة (القانون رقم 15-03 الموافق لـ 1 فبراير 2015) يعكس توجهًا مؤسساتيًا نحو رقمنة قطاع العدالة وتطوير أدواته الإدارية والتقنية، وهو ما يجعل إدماج أدوات ذكية—ضمن ضوابط—مسارًا منطقيًا، بشرط ألا يتقدم الجانب التقني على ضمانات التقاضي.
غير أن تنظيم استعمال الذكاء الاصطناعي لا يقف عند النصوص الداخلية، لأن جزءًا كبيرًا من ملفات الذكاء الاصطناعي مرتبط بجرائم عابرة للحدود وأدلة إلكترونية خارج الإقليم (منصات، سُحب رقمية، مزودو خدمة). وهنا يتصل الموضوع مباشرة بالسيادة الوطنية: سيادة الاختصاص وسيادة الدليل. وفي هذا الباب، اكتسب الإطار الدولي الجديد أهمية خاصة بعد اعتماد “اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة السيبرانية” في 24 ديسمبر 2024، وفتحها للتوقيع في 25 أكتوبر 2025، حيث تركز—ضمن ما تطرحه—على تعزيز التعاون الدولي في مشاركة الأدلة الإلكترونية في الجرائم الخطيرة المرتكبة باستخدام أنظمة تكنولوجيات الإعلام والاتصال.
وبالنسبة للجزائر، فإن استثمار هذا الإطار يساهم في رفع الفعالية دون أن يعني التنازل عن السيادة، بشرط أن يُدار التعاون وفق قواعد واضحة تحفظ الاختصاص الوطني والضمانات الإجرائية وحماية المعطيات.
وبناءً على ما سبق، يمكن تلخيص “حدود السياسة الجنائية” في ثلاثة ضوابط عملية عند استعمال الذكاء الاصطناعي في الأمن والقضاء: أولًا، ضابط المشروعية: لا استعمال لأداة تمس الحقوق إلا بسند قانوني أو تنظيمي واضح، وبما يحقق الضرورة والتناسب والرقابة. ثانيًا، ضابط الإثبات والمسؤولية: يجب أن تُفهم نتائج الذكاء الاصطناعي كمؤشرات قابلة للنقاش وليست حقائق نهائية، وأن تُضمن قابلية التدقيق والخبرة، وأن يظل الإنسان مسؤولًا عن القرار، خصوصًا في القضاء. ثالثًا، ضابط السيادة الرقمية: أي اعتماد على منصات أجنبية أو نماذج مغلقة ينبغي أن يُقاس بميزان السيطرة على البيانات والأدلة، لأن فقدان السيطرة التقنية قد يتحول إلى تبعية قانونية وإجرائية، خاصة عندما يتعلق الأمر بملفات أمنية أو قضائية حساسة.
خاتمة
يُظهر تنظيم استعمال الذكاء الاصطناعي في المجال الأمني والقضائي أنه ليس سؤالًا تقنيًا فحسب، بل هو سؤال سيادي وقانوني مرتبط بجوهر السياسة الجنائية: حماية المجتمع مع صيانة الحقوق. وتمتلك الجزائر أساسًا تشريعيًا يسمح ببناء تنظيم متوازن، خاصة عبر قانون مكافحة الجرائم المتصلة بتكنولوجيات الإعلام والاتصال، وقانوني عصرنة العدالة والتوقيع الإلكتروني، وقانون حماية المعطيات وتعديله في 2025. غير أن طبيعة الذكاء الاصطناعي تفرض رفع مستوى الضبط إلى قواعد تشغيلية واضحة داخل المؤسسات، تتضمن الإشراف البشري، والشفافية، وقابلية التدقيق، وتحديد المسؤوليات، مع إدارة التعاون الدولي في الأدلة الإلكترونية بما يحفظ السيادة الوطنية الرقمية. وبهذا يصبح الذكاء الاصطناعي أداة لتعزيز الأمن والعدالة لا مدخلًا لتهديدهما.
المصادر والمراجع
القانون رقم 09-04 المؤرخ في 5 غشت 2009، المتضمن القواعد الخاصة للوقاية من الجرائم المتصلة بتكنولوجيات الإعلام والاتصال ومكافحتها (الجريدة الرسمية).
القانون رقم 15-03 الموافق لـ 1 فبراير 2015، المتعلق بعصرنة العدالة (الجريدة الرسمية).
القانون رقم 15-04 الموافق لـ 1 فبراير 2015، يحدد القواعد العامة المتعلقة بالتوقيع والتصديق الإلكترونيين (الجريدة الرسمية).
القانون رقم 18-07 المؤرخ في 10 يونيو 2018، المتعلق بحماية الأشخاص الطبيعيين في مجال معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي، المعدل والمتمم بالقانون رقم 25-11 المؤرخ في 24 يوليو 2025 (الجريدة الرسمية).
UNESCO, Guidelines for the use of AI systems in courts and tribunals (December 2025).
UNODC, United Nations Convention against Cybercrime (adopted 24 December 2024; opened for signature 25 October 2025).