مقال حدود السياسة الجنائية ومتطلبات السيادة الوطنية

طالبة أكاديمية

عضو جديد
المشاركات
8
مستوى التفاعل
0
النقاط
1
تنظيم استعمال الذكاء الاصطناعي في المجال الأمني والقضائي: حدود السياسة الجنائية ومتطلبات السيادة الوطنية

إعداد: الباحث حسوني محمد عبد الغني

الملخص

يشهد العالم تحوّلًا نوعيًا في كيفية توظيف الذكاء الاصطناعي ضمن المجالات السيادية، لاسيما في الأمن والعدالة. فقد أصبح هذا الذكاء أداة فاعلة في تحليل البيانات، وتوجيه التحقيقات، وتيسير إجراءات المحاكمة، مما أدى إلى تحسّن نسبي في سرعة وكفاءة الأداء الأمني والقضائي. غير أن إدماجه في وظائف سيادية شديدة الحساسية يطرح تحديات قانونية وأخلاقية متعدّدة، تتعلق بمدى مشروعية أدوات التحري، ومصداقية الأدلة الرقمية، وحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، إضافة إلى مدى تأثير الاعتماد على تقنيات أجنبية في تقويض السيادة الرقمية الوطنية.

تهدف هذه الدراسة إلى تحليل الإطار القانوني الذي يحكم توظيف الذكاء الاصطناعي في المجال الأمني والقضائي داخل الجزائر، من خلال قراءة نقدية للنصوص التشريعية ذات الصلة، ومقارنتها بالاتجاهات الدولية الحديثة. كما تسعى إلى تحديد نطاق السياسة الجنائية في هذا المجال، والضوابط الواجب مراعاتها لضمان التوازن بين فعالية الأجهزة الأمنية والقضائية، ومتطلبات حماية الحقوق والحريات والسيادة الوطنية.

الكلمات المفتاحية: الذكاء الاصطناعي، الأمن، القضاء، السياسة الجنائية، الأدلة الرقمية، حماية البيانات، السيادة الوطنية.

مقدمة

أدى التقدم السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى تحولات عميقة في آليات اشتغال المؤسسات الأمنية والقضائية، حيث بات بالإمكان الاستعانة بهذه الأدوات في مراحل التحري والتحقيق، وكذا في مراحل إدارة القضايا القضائية وتحليل المعطيات الرقمية. وتندرج هذه التقنيات ضمن ما يُعرف اليوم بـ"التحول الرقمي للعدالة"، وهي ظاهرة آخذة في التوسع عالمياً، مدفوعة بالسعي نحو مزيد من الفعالية والسرعة في أداء الوظائف السيادية، دون أن يغيب عن الأذهان خطر تحول هذه الأدوات من مجرد وسائل مساعدة إلى أنظمة قد تهدد الحقوق الأساسية وتزعزع مفاهيم السيادة التقليدية.

في السياق الأمني، يعتمد الذكاء الاصطناعي على آليات التحليل الخوارزمي للاتصالات والمعطيات، وأنظمة التعرف على الوجوه والأصوات، وتتبع الأنماط السلوكية، ورصد الهجمات الإلكترونية، وغيرها من التطبيقات التي تتيح للأجهزة الأمنية رصد وتحليل التهديدات بشكل استباقي. غير أن هذه القدرات التقنية، على الرغم من نجاعتها، تثير أسئلة قانونية حيوية حول مشروعية التحري باستخدام أدوات خفية ومعقدة، وحول المعايير التي تضبط استعمال هذه الوسائل ضمن إطار السياسة الجنائية.

ويُطرح في هذا السياق تساؤل مركزي: هل يمكن اعتبار تقنيات الذكاء الاصطناعي مجرد أدوات تقنية محايدة، أم أنها تدخل ضمن وسائل التحري التي يجب أن تُنظم بقواعد قانونية واضحة وتخضع لمبادئ الضرورة والتناسب والرقابة؟
من هنا تبرز أهمية وجود إطار قانوني صارم يُنظّم هذه الاستخدامات، لضمان عدم التوسع غير المشروع في المساس بالحرية الفردية وحقوق الأشخاص الخاضعين للتحقيق.

القانون رقم 09-04 المؤرخ في 5 غشت 2009، المتعلق بالوقاية من الجرائم المرتبطة بتكنولوجيات الإعلام والاتصال ومكافحتها، يُعد مرجعًا أساسيًا في هذا السياق. فهو لا يقتصر على تجريم الأفعال، بل يضع كذلك ضوابط للتحري الرقمي والمتابعة في بيئة تقنية سريعة التغير، مما يسمح بتوظيف الذكاء الاصطناعي في دعم العمل الأمني ضمن حدود القانون.

أما على المستوى القضائي، فإن الذكاء الاصطناعي يتم إدخاله غالبًا في إطار "أدوات الدعم" وليس "أدوات الحكم"، مثل تصنيف القضايا، تحليل الأحكام السابقة، تنظيم الملفات، وتحديد أولويات العمل القضائي. لكن الخطر يكمن في احتمالية الانتقال من الدعم إلى "أتمتة القرار القضائي"، وهو ما يتعارض مع مبادئ استقلال القاضي، وعلنية الجلسات، وحق الدفاع، وضرورة تبرير الحكم. لا ينبغي للخوارزمية أن تتحول إلى سلطة خفية تصدر قرارات غير خاضعة للرقابة أو المراجعة القضائية.

الإطار الدولي الحديث يسلّط الضوء على هذه المخاطر، حيث أصدرت منظمة اليونسكو في ديسمبر 2025 "إرشادات بشأن استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي في المحاكم"، والتي أكدت على ضرورة الإشراف البشري، ومنع الاعتماد الكلي على الذكاء الاصطناعي، وضمان الشفافية، والحفاظ على استقلالية القضاء وحقوق المتقاضين. ورغم أن هذه الإرشادات لا تحمل طابعًا إلزاميًا، إلا أنها تساهم في بناء مرجعية معيارية تساعد الدول على وضع سياسات داخلية متزنة.

ترتبط هذه الإشكالات أيضًا بحماية البيانات الشخصية، باعتبار أن أنظمة الذكاء الاصطناعي تعتمد على البيانات كوقود لتشغيلها. وبالتالي، فإن غياب تأطير قانوني دقيق لمعالجة البيانات يمكن أن يؤدي إلى خروقات جسيمة للحق في الخصوصية. في هذا السياق، يُعد القانون رقم 18-07، المعدل بالقانون رقم 25-11 لسنة 2025، من الركائز الأساسية لضمان احترام السيادة المعلوماتية والوقاية من الاستخدام العشوائي أو غير المشروع للبيانات.

أي استعمال للذكاء الاصطناعي في الأمن أو القضاء ينبغي أن يُؤسس على شرعية المعالجة ووضوح الغرض منها، وتحديد الجهة المالكة للبيانات، ومكان تخزينها، وآلية الوصول إليها، وطريقة تبادلها مع جهات خارجية، لأنه في حال فقدان السيطرة على هذه المعطيات الحساسة، فإن السيادة الرقمية تصبح عرضة للتفكك.

تُضاف إلى هذه الاعتبارات مسألة الثقة الرقمية، التي تُعد عنصرًا حاسمًا في كل من الأمن والقضاء. فالذكاء الاصطناعي يمكن استخدامه إما لتعزيز الثقة في الوثائق والمعاملات الرقمية عبر أدوات التصديق والتوقيع الإلكتروني، أو لتقويض هذه الثقة عبر تقنيات التزييف وانتحال الهوية. وهنا تبرز أهمية القانون رقم 15-04 الخاص بالتوقيع والتصديق الإلكترونيين، إلى جانب قانون عصرنة العدالة (رقم 15-03)، بوصفهما داعمين للثقة القانونية والبنية التحتية الرقمية للمؤسسات القضائية.

من جهة أخرى، لا يمكن عزل تنظيم استعمال الذكاء الاصطناعي عن الإطار الدولي للتعاون في مجال الجرائم السيبرانية. فالعديد من المنصات التي تُستخدم في التحقيقات أو تُرتكب من خلالها الجرائم تقع خارج الإقليم الوطني، وهو ما يطرح إشكالًا سياديًا يتمثل في: من يملك الدليل؟ ومن يحق له الوصول إليه؟
وفي هذا الإطار، جاءت اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة السيبرانية (2024) لتضع قواعد جديدة للتعاون الدولي وتبادل الأدلة الرقمية، وهو ما يمكن للجزائر استثماره لتعزيز فعاليتها دون التفريط في اختصاصها الوطني.

في ضوء ما سبق، يمكن تحديد ثلاثة ضوابط مركزية تحكم تنظيم استعمال الذكاء الاصطناعي في المجال الأمني والقضائي داخل السياسة الجنائية الجزائرية:

ضابط المشروعية: يجب أن يكون كل استخدام مؤطرًا بنص قانوني صريح، يُراعي مبدأ الضرورة والتناسب، ويخضع للرقابة القضائية.

ضابط الإثبات والمسؤولية: لا يمكن اعتبار نتائج الخوارزميات حقائق قطعية، بل مؤشرات قابلة للطعن والتدقيق، ويجب أن يظل القرار النهائي بيد العنصر البشري.

ضابط السيادة الرقمية: ينبغي تقييم كل اعتماد على أدوات أجنبية وفق معيار التحكم في البيانات والدليل، تفاديًا للوقوع في التبعية التقنية والقانونية.

الخاتمة

إن تنظيم استعمال الذكاء الاصطناعي في المجال الأمني والقضائي يتجاوز كونه مجرد مسألة تقنية، ليغدو مسألة تتعلق بجوهر السياسة الجنائية والسيادة الوطنية. فالذكاء الاصطناعي قادر على تحسين أداء الأجهزة الأمنية والقضائية، لكنه قد يتحول إلى أداة تهديد لحقوق الأفراد واستقلال القضاء إن لم يُضبط بقواعد صارمة.
تُبيّن التجربة الجزائرية توفر الأساس التشريعي الضروري لبناء سياسة جنائية رقمية رشيدة، بفضل قوانين مكافحة الجرائم السيبرانية، وعصرنة العدالة، والتوقيع الإلكتروني، وحماية المعطيات. ومع ذلك، تفرض طبيعة الذكاء الاصطناعي اعتماد بروتوكولات تشغيلية واضحة، تُراعي الشفافية، والإشراف البشري، والمسؤولية، والتحكم في البيانات، والتعاون الدولي المنضبط. وبهذا فقط يمكن جعل الذكاء الاصطناعي رافعة لتعزيز العدالة والأمن، لا تهديدًا لهما.

المراجع

القانون رقم 09-04 المؤرخ في 5 أغسطس 2009، المتعلق بالوقاية من الجرائم المتصلة بتكنولوجيات الإعلام والاتصال ومكافحتها.
القانون رقم 15-03 المؤرخ في 1 فبراير 2015، المتعلق بعصرنة العدالة.
القانون رقم 15-04 المؤرخ في 1 فبراير 2015، المتعلق بالتوقيع والتصديق الإلكترونيين.
القانون رقم 18-07 المؤرخ في 10 يونيو 2018، المعدل بالقانون رقم 25-11 المؤرخ في 24 يوليو 2025، المتعلق بحماية الأشخاص الطبيعيين في مجال معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي.
UNESCO, Guidelines for the use of AI systems in courts and tribunals, December 2025.
UNODC, United Nations Convention against Cybercrime, adopted 24 December 2024; opened for signature 25 October 2025.
 
أعلى