- المشاركات
- 22
- مستوى التفاعل
- 0
- النقاط
- 1
أثر عناصر السلوك التنظيمي على أداء المناوبة الليلية في المستشفى
اعداد الباحث حسوني محمد عبد الغني
تُعدّ المؤسسات الاستشفائية من أكثر البيئات التنظيمية تعقيدًا، نظرًا لتداخل الأبعاد الإنسانية والمهنية والتقنية في إطار عمل يتسم بالضغط الزمني وكثافة المسؤوليات والحاجة المستمرة إلى اتخاذ قرارات سريعة ودقيقة. وتتضاعف حساسية هذا السياق خلال المناوبات الليلية، حيث يزداد العبء المهني بفعل نقص الموارد البشرية وارتفاع مستويات الإرهاق الجسدي والنفسي، ما يجعل الأداء التنظيمي في هذه الفترة عرضة للتأثر بعوامل متعددة تتجاوز الكفاءة التقنية للعاملين.
انطلقت هذه الدراسة من هذا الواقع، وهدفت إلى تحليل أثر عناصر السلوك التنظيمي على أداء المناوبة الليلية في المستشفى، من خلال دراسة ميدانية شملت عشرة موظفين يمثلون فئات مهنية مختلفة، تضم ثلاثة أطباء من تخصصات النساء والتوليد، وطب الأطفال، والطب العام، وأربع ممرضات، ومختصًا في الإنعاش، إضافة إلى إداريين اثنين. وقد اعتمدت الدراسة على الملاحظة المباشرة والمقابلات شبه الموجهة، مع التركيز على الرضا الوظيفي، والدافعية للعمل، ونمط القيادة، والعمل الجماعي بوصفها متغيرات أساسية في تفسير جودة الأداء داخل هذا السياق الحساس.
أظهرت النتائج أن مستوى الرضا الوظيفي يختلف باختلاف الفئة المهنية. فقد عبّر الأطباء عن رضا متوسط رغم ضغط الحالات وتعقيدها، في حين أبدت الممرضات مستوى أقل من الرضا، نتيجة الإرهاق الليلي، وتعدد المهام، وضعف الاعتراف الإداري بالجهود المبذولة. ويُعزى هذا التفاوت إلى إدراك العاملين لغياب العدالة التنظيمية، خاصة في بعدها التوزيعي المرتبط بالتعويضات، والبعد التفاعلي المتعلق بأسلوب المعاملة والتقدير. وقد ساهم غياب تعويضات خاصة بالمناوبات الليلية، إلى جانب محدودية التغذية الراجعة الإيجابية، في تعزيز شعور بعدم الإنصاف، الأمر الذي انعكس سلبًا على مستوى الرضا الوظيفي، ورفع من احتمالية الاحتراق المهني، لا سيما لدى الطاقم التمريضي.
كما كشفت الدراسة أن الدافعية للعمل خلال المناوبة الليلية تستند في جوهرها إلى البعد الإنساني والأخلاقي للمهنة، المتمثل في الرغبة في تقديم الرعاية الصحية وإنقاذ الأرواح. غير أن هذا الدافع الذاتي لم يكن مدعومًا بحوافز تنظيمية واضحة، سواء مادية أو معنوية، ما أدى إلى شعور بعض العاملين بعدم التقدير المؤسسي. وفي ظل ضعف الارتباط بين الجهد المبذول والمكافأة المتوقعة، تراجعت الدافعية طويلة المدى، وأصبحت قائمة أساسًا على الالتزام المهني والأخلاقي، وهو ما يجعلها عرضة للتآكل مع استمرار الضغط والإجهاد.
وفيما يتعلق بالقيادة، أظهرت النتائج أن نمط القيادة خلال الحالات الطارئة يتسم بالحزم والسرعة، حيث يتولى الطبيب الأكثر خبرة توجيه الفريق واتخاذ القرارات بشكل مباشر، بما ينسجم مع متطلبات الموقف. غير أن هذا النمط القيادي يظل محصورًا في إدارة الأزمات، ولا يمتد إلى بناء علاقات تنظيمية داعمة أو تعزيز الشعور بالمشاركة والانتماء. وقد أدى غياب ممارسات القيادة التحويلية، مثل التحفيز والإلهام والاهتمام بالفروق الفردية، إلى ضعف اندماج بعض الفئات المهنية، خاصة الممرضات والإداريين، في العملية التنظيمية.
أما على مستوى العمل الجماعي، فقد بينت الدراسة وجود درجة عالية من التعاون والتنسيق خلال الحالات الحرجة، حيث يظهر الفريق انسجامًا واضحًا وسرعة في الاستجابة. إلا أن هذا التماسك يصبح هشًا عند تزايد الضغط أو تزامن الحالات، ما يؤدي أحيانًا إلى توتر أو سوء فهم بين أعضاء الفريق. ويعود ذلك إلى غياب آليات تنظيمية واضحة، مثل الاجتماعات التنسيقية المنتظمة أو نظم تقييم الأداء الجماعي، الأمر الذي يجعل العمل الجماعي قائمًا على المبادرات الفردية أكثر من كونه نتاجًا لنظام مؤسسي منظم.
ويُظهر التحليل الشامل أن التحديات التي تواجه المناوبة الليلية لا ترتبط بضعف الكفاءة المهنية للعاملين، بل تعكس قصورًا في البنية التنظيمية الداعمة. فالعلاقة بين الرضا الوظيفي، والدافعية، والقيادة، والعمل الجماعي علاقة تكاملية ومترابطة؛ إذ يؤدي ضعف العدالة التنظيمية إلى انخفاض الرضا، ما ينعكس على مستوى الدافعية، ويؤثر بدوره في تماسك الفريق وجودة الأداء الصحي.
وتخلص الدراسة إلى أن تحسين أداء المناوبات الليلية يتطلب مقاربة تنظيمية شاملة، تقوم على تعزيز العدالة في توزيع التعويضات، وبناء نظم تحفيزية فعالة، وتطوير أنماط قيادية داعمة، إلى جانب تعزيز آليات العمل الجماعي والتواصل. فتحسين جودة الخدمات الصحية لا يعتمد فقط على التجهيزات الطبية أو الكفاءة التقنية، بل يرتبط ارتباطًا وثيقًا بجودة البيئة التنظيمية، التي تشكل الأساس الحقيقي لاستقرار الموارد البشرية وتحسين تجربة المريض داخل المؤسسة الاستشفائية.
اعداد الباحث حسوني محمد عبد الغني
تُعدّ المؤسسات الاستشفائية من أكثر البيئات التنظيمية تعقيدًا، نظرًا لتداخل الأبعاد الإنسانية والمهنية والتقنية في إطار عمل يتسم بالضغط الزمني وكثافة المسؤوليات والحاجة المستمرة إلى اتخاذ قرارات سريعة ودقيقة. وتتضاعف حساسية هذا السياق خلال المناوبات الليلية، حيث يزداد العبء المهني بفعل نقص الموارد البشرية وارتفاع مستويات الإرهاق الجسدي والنفسي، ما يجعل الأداء التنظيمي في هذه الفترة عرضة للتأثر بعوامل متعددة تتجاوز الكفاءة التقنية للعاملين.
انطلقت هذه الدراسة من هذا الواقع، وهدفت إلى تحليل أثر عناصر السلوك التنظيمي على أداء المناوبة الليلية في المستشفى، من خلال دراسة ميدانية شملت عشرة موظفين يمثلون فئات مهنية مختلفة، تضم ثلاثة أطباء من تخصصات النساء والتوليد، وطب الأطفال، والطب العام، وأربع ممرضات، ومختصًا في الإنعاش، إضافة إلى إداريين اثنين. وقد اعتمدت الدراسة على الملاحظة المباشرة والمقابلات شبه الموجهة، مع التركيز على الرضا الوظيفي، والدافعية للعمل، ونمط القيادة، والعمل الجماعي بوصفها متغيرات أساسية في تفسير جودة الأداء داخل هذا السياق الحساس.
أظهرت النتائج أن مستوى الرضا الوظيفي يختلف باختلاف الفئة المهنية. فقد عبّر الأطباء عن رضا متوسط رغم ضغط الحالات وتعقيدها، في حين أبدت الممرضات مستوى أقل من الرضا، نتيجة الإرهاق الليلي، وتعدد المهام، وضعف الاعتراف الإداري بالجهود المبذولة. ويُعزى هذا التفاوت إلى إدراك العاملين لغياب العدالة التنظيمية، خاصة في بعدها التوزيعي المرتبط بالتعويضات، والبعد التفاعلي المتعلق بأسلوب المعاملة والتقدير. وقد ساهم غياب تعويضات خاصة بالمناوبات الليلية، إلى جانب محدودية التغذية الراجعة الإيجابية، في تعزيز شعور بعدم الإنصاف، الأمر الذي انعكس سلبًا على مستوى الرضا الوظيفي، ورفع من احتمالية الاحتراق المهني، لا سيما لدى الطاقم التمريضي.
كما كشفت الدراسة أن الدافعية للعمل خلال المناوبة الليلية تستند في جوهرها إلى البعد الإنساني والأخلاقي للمهنة، المتمثل في الرغبة في تقديم الرعاية الصحية وإنقاذ الأرواح. غير أن هذا الدافع الذاتي لم يكن مدعومًا بحوافز تنظيمية واضحة، سواء مادية أو معنوية، ما أدى إلى شعور بعض العاملين بعدم التقدير المؤسسي. وفي ظل ضعف الارتباط بين الجهد المبذول والمكافأة المتوقعة، تراجعت الدافعية طويلة المدى، وأصبحت قائمة أساسًا على الالتزام المهني والأخلاقي، وهو ما يجعلها عرضة للتآكل مع استمرار الضغط والإجهاد.
وفيما يتعلق بالقيادة، أظهرت النتائج أن نمط القيادة خلال الحالات الطارئة يتسم بالحزم والسرعة، حيث يتولى الطبيب الأكثر خبرة توجيه الفريق واتخاذ القرارات بشكل مباشر، بما ينسجم مع متطلبات الموقف. غير أن هذا النمط القيادي يظل محصورًا في إدارة الأزمات، ولا يمتد إلى بناء علاقات تنظيمية داعمة أو تعزيز الشعور بالمشاركة والانتماء. وقد أدى غياب ممارسات القيادة التحويلية، مثل التحفيز والإلهام والاهتمام بالفروق الفردية، إلى ضعف اندماج بعض الفئات المهنية، خاصة الممرضات والإداريين، في العملية التنظيمية.
أما على مستوى العمل الجماعي، فقد بينت الدراسة وجود درجة عالية من التعاون والتنسيق خلال الحالات الحرجة، حيث يظهر الفريق انسجامًا واضحًا وسرعة في الاستجابة. إلا أن هذا التماسك يصبح هشًا عند تزايد الضغط أو تزامن الحالات، ما يؤدي أحيانًا إلى توتر أو سوء فهم بين أعضاء الفريق. ويعود ذلك إلى غياب آليات تنظيمية واضحة، مثل الاجتماعات التنسيقية المنتظمة أو نظم تقييم الأداء الجماعي، الأمر الذي يجعل العمل الجماعي قائمًا على المبادرات الفردية أكثر من كونه نتاجًا لنظام مؤسسي منظم.
ويُظهر التحليل الشامل أن التحديات التي تواجه المناوبة الليلية لا ترتبط بضعف الكفاءة المهنية للعاملين، بل تعكس قصورًا في البنية التنظيمية الداعمة. فالعلاقة بين الرضا الوظيفي، والدافعية، والقيادة، والعمل الجماعي علاقة تكاملية ومترابطة؛ إذ يؤدي ضعف العدالة التنظيمية إلى انخفاض الرضا، ما ينعكس على مستوى الدافعية، ويؤثر بدوره في تماسك الفريق وجودة الأداء الصحي.
وتخلص الدراسة إلى أن تحسين أداء المناوبات الليلية يتطلب مقاربة تنظيمية شاملة، تقوم على تعزيز العدالة في توزيع التعويضات، وبناء نظم تحفيزية فعالة، وتطوير أنماط قيادية داعمة، إلى جانب تعزيز آليات العمل الجماعي والتواصل. فتحسين جودة الخدمات الصحية لا يعتمد فقط على التجهيزات الطبية أو الكفاءة التقنية، بل يرتبط ارتباطًا وثيقًا بجودة البيئة التنظيمية، التي تشكل الأساس الحقيقي لاستقرار الموارد البشرية وتحسين تجربة المريض داخل المؤسسة الاستشفائية.