بحث حول المؤسسات العامة في قانون الاداري اعداد الباحث حسوني محمد عبد الغني

Gu Zēl

عضو نشيط جدا
المشاركات
155
مستوى التفاعل
8
النقاط
18
بحث حول المؤسسات العامة في قانون الاداري اعداد الباحث حسوني محمد عبد الغني
تُعدّ المؤسسات العامة (المؤسسات العمومية) من أهم أدوات الإدارة الحديثة في القانون الإداري لأنها تمكّن الدولة من تسيير المرافق العامة بقدرٍ أكبر من التخصص والمرونة عبر منحها الشخصية المعنوية والاستقلال المالي مع إخضاعها في الوقت نفسه لرقابة الدولة لضمان احترام المصلحة العامة، غير أن تعدد صور هذه المؤسسات (إدارية/اقتصادية/علمية…)، وتداخل قواعد القانون العام والخاص في تسيير بعضها، يثير إشكالية جوهرية مفادها: ما المقصود بالمؤسسة العامة في القانون الإداري الجزائري، وما أنواعها ومعايير التمييز بينها، وما هو نظامها القانوني من حيث الإنشاء والتنظيم والتمويل والرقابة والمسؤولية؟ ويهدف هذا البحث إلى بيان مفهوم المؤسسة العمومية وخصائصها، ثم تصنيفها إلى مؤسسات عمومية ذات طابع إداري ومؤسسات عمومية ذات طابع صناعي وتجاري وغيرها، وتحليل الآثار القانونية لكل نوع على النظام القانوني المطبق (القانون العام/الخاص)، بالاعتماد على المنهج الوصفي-التحليلي انطلاقًا من النصوص الرسمية وبعض الدراسات الأكاديمية.

المبحث الأول: الإطار المفاهيمي للمؤسسات العامة في القانون الإداري
المطلب الأول: تعريف المؤسسة العامة وطبيعتها القانونية

الفرع الأول: التعريف العام
المؤسسة العامة (أو المؤسسة العمومية) هي شخص معنوي عام يُنشأ بنص قانوني/تنظيمي لتسيير مرفق عام أو نشاط ذي نفع عام، ويُمنح عادة الشخصية المعنوية والاستقلال المالي بما يسمح له بإبرام التصرفات والتعاقد والتسيير بمرونة. ويظهر هذا التعريف عمليًا بوضوح في مراسيم الإنشاء التي تكرر الصيغة: “مؤسسة عمومية ذات طابع إداري تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي” كما ورد مثلًا في مرسوم إنشاء المؤسسة العمومية للصحة الجوارية.

الفرع الثاني: تمييزها عن المرفق العام والإدارة المركزية

المرفق العام هو “النشاط/الخدمة” الموجهة للجمهور (تعليم، صحة، نقل…)

المؤسسة العمومية هي “الهيكل” الذي يُسند إليه تسيير هذا المرفق.
وبالتالي قد يوجد مرفق عام يُدار مباشرة من الإدارة دون مؤسسة، وقد يُدار بواسطة مؤسسة عمومية (أكثر تخصصًا واستقلالًا).

المطلب الثاني: خصائص المؤسسة العامة (الشخصية المعنوية – الاستقلال – الهدف العام)

الفرع الأول: الشخصية المعنوية والاستقلال المالي
منح الشخصية المعنوية يعني أن للمؤسسة ذمة مالية مستقلة، وحق التقاضي، وإبرام العقود، وتسيير ميزانية خاصة. هذا الاستقلال لا يعني الانفصال عن الدولة، بل هو استقلال وظيفي ومالي نسبي ضمن رقابة “الوصاية”. ويؤكد المرسوم التنفيذي الخاص بالتسيير الميزانياتي والمحاسبي أنه يضع إجراءات ملائمة لميزانيات المؤسسات العمومية ذات الطابع الإداري وغيرها من الهيئات المستفيدة من تخصيصات ميزانية الدولة.

الفرع الثاني: الغاية (المصلحة العامة)
جوهر المؤسسة العامة هو خدمة المصلحة العامة: إشباع حاجة عامة، ضمان الاستمرارية، احترام المساواة بين المنتفعين، وقابلية المرفق للتكيف مع الظروف.

المطلب الثالث: إنشاء المؤسسة العامة وتنظيمها

الفرع الأول: الإنشاء بنص
الأصل أن المؤسسة العمومية لا تنشأ بإرادة الأفراد، بل بقرار من السلطة العامة (قانون/مرسوم/قرار) يحدد: الاسم، المهام، الوصاية، الموارد، أجهزة التسيير، وكيفيات الرقابة.

الفرع الثاني: أجهزة التسيير وعلاقة الوصاية
غالبًا ما تُدار المؤسسة العمومية عبر مجلس إدارة/مدير عام أو مدير، مع وجود وصاية قطاعية (وزارة/ولاية…) تمارس رقابة لضمان احترام الهدف العام دون التدخل في كل تفاصيل التسيير اليومي.

المبحث الثاني: أنواع المؤسسات العامة في القانون الإداري (المعيار الأساسي: طبيعة النشاط)
المطلب الأول: المؤسسة العمومية ذات الطابع الإداري (EPA)

الفرع الأول: المفهوم
هي مؤسسة عمومية تُسيّر مرفقًا عامًا ذا طبيعة إدارية (تعليم، صحة عمومية، ثقافة، تكوين، خدمات اجتماعية…) وتخضع غالبًا لمنطق الخدمة العامة أكثر من منطق الربح. وتظهر صفتها بوضوح في مراسيم الإنشاء التي تصفها بأنها “ذات طابع إداري” مع شخصية معنوية واستقلال مالي.

الفرع الثاني: النظام القانوني الغالب
الغالب على الـEPA هو تطبيق قواعد القانون العام:

استعمال وسائل السلطة العامة في التنظيم الداخلي عند الاقتضاء

خضوع أكبر للرقابة الإدارية والمالية

منازعاتها كثيرًا ما تكون إدارية بحكم صلتها المباشرة بالمرفق العام والقرارات الإدارية

المطلب الثاني: المؤسسة العمومية ذات الطابع الصناعي والتجاري (EPIC)

الفرع الأول: المفهوم
هي مؤسسة عمومية تمارس نشاطًا ذا طابع اقتصادي/تجاري أو يقدم خدمة عامة بأساليب أقرب للسوق، مع بقاء الهدف العام والرقابة العمومية. الدراسات الجزائرية تصف الـEPIC بأنها ذات نظام قانوني “مختلط” يجمع بين قواعد القانون العام والخاص.

الفرع الثاني: الأثر القانوني (ازدواجية القواعد)
يظهر الطابع المختلط عمليًا في:

معاملات تجارية/عقود تخضع غالبًا لقواعد أقرب للقانون الخاص في علاقاتها اليومية

مقابل ذلك تبقى خاضعة لرقابة الدولة ولقواعد الخدمة العامة (استمرارية، مساواة، تسعير عند الاقتضاء) ولبعض قواعد القانون العام في جوانب التنظيم والوصاية

المطلب الثالث: مؤسسات عمومية أخرى مرتبطة بالتخصص

الفرع الأول: مؤسسات ذات طابع علمي/ثقافي/مهني
في الواقع الإداري، توجد مؤسسات عمومية في مجالات التعليم العالي والبحث والثقافة والتكوين… تختلف تسمياتها القانونية بحسب قطاعها ونص إنشائها، لكن يجمعها غالبًا عنصر “الشخصية المعنوية + الاستقلال المالي + الغاية العامة”.

الفرع الثاني: المؤسسة العمومية الاقتصادية (EPE) كامتداد للإصلاحات الاقتصادية
الفقه الجزائري تناول تطور “المؤسسة الاقتصادية العمومية” ضمن إصلاحات تدخل الدولة في الاقتصاد، وهي تختلف عن EPIC من حيث السياق والغاية ونمط النشاط، لكنها تظل مهمة لفهم تنوع أدوات الدولة خارج الإدارة التقليدية.

المبحث الثالث: النظام القانوني للمؤسسات العامة وآثاره العملية
المطلب الأول: التمويل والميزانية والمحاسبة

الفرع الأول: موارد المؤسسة
قد تكون الموارد: إعانات من ميزانية الدولة، رسوم، إيرادات خدمات، عائدات استغلال… وفق ما يقرره نص الإنشاء وطبيعة المؤسسة.

الفرع الثاني: التسيير الميزانياتي والمحاسبي
بالنسبة للمؤسسات العمومية ذات الطابع الإداري، وضع المشرّع إجراءات تسيير ميزانياتي ومحاسبي “ملائمة” لميزانياتها وللهيئات المستفيدة من تخصيصات ميزانية الدولة، بما يعكس خصوصية المال العام والرقابة المالية.

المطلب الثاني: الرقابة (الوصاية) وحدود الاستقلال

الفرع الأول: رقابة المشروعية والملاءمة
الوصاية تهدف إلى ضمان احترام القانون والمصلحة العامة (المشروعية) وقد تمتد في حدود معينة إلى رقابة الملاءمة (خاصة في القرارات الجوهرية التي تؤثر على الخدمة العامة والمالية العامة)، لكن دون تحويل المؤسسة إلى “مصلحة خارجية” بلا استقلال.

الفرع الثاني: الرقابة المالية
تزداد شدة الرقابة كلما كان التمويل من المال العام أكبر، وكلما تعلق الأمر بمؤسسة ذات طابع إداري تعتمد على اعتمادات الدولة.

المطلب الثالث: المسؤولية والمنازعات

الفرع الأول: المسؤولية الإدارية/المدنية
المؤسسة العامة قد تُسأل عن أضرار نشاطها (أخطاء المرفق، أضرار الأشغال العامة، أضرار الخدمات…)، وتختلف قواعد الاختصاص والمنازعة بحسب طبيعتها (EPA غالبًا ضمن المنازعات الإدارية، بينما EPIC قد تثير تنازعًا بحسب طبيعة التصرف: إداري/تجاري).

الفرع الثاني: أثر التصنيف على الاختصاص القضائي
تصنيف المؤسسة (EPA/EPIC) ليس مسألة نظرية فقط، بل ينعكس على:

نوع العقود (إدارية/خاصة)

الجهة القضائية المختصة عند النزاع

قواعد المسؤولية والإثبات والتنفيذ

خاتمة

يتضح أن المؤسسات العامة في القانون الإداري الجزائري تمثل أسلوبًا تنظيميًا يحقق التوازن بين متطلبات الخدمة العامة وضرورات التخصص والمرونة، فهي أشخاص معنوية عامة تُنشأ بنص وتتمتع غالبًا بالاستقلال المالي مع خضوعها للوصاية والرقابة، وتتفرع إلى مؤسسات ذات طابع إداري تُدار بمنطق الخدمة العامة، ومؤسسات ذات طابع صناعي وتجاري تُدار بمنطق مختلط يجمع العام والخاص، كما تتعدد صورها بتعدد القطاعات؛ وتبقى القيمة العملية لتقسيماتها في تحديد النظام القانوني الواجب التطبيق على نشاطها، وضبط التمويل والرقابة والمسؤولية والاختصاص القضائي عند النزاع.

المصادر والمراجع

مرسوم تنفيذي يتضمن إنشاء “المؤسسة العمومية للصحة الجوارية” مع النص على أنها مؤسسة عمومية ذات طابع إداري تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي (نموذج تطبيقي واضح لتعريف الـEPA).

مرسوم تنفيذي رقم 21-62 (08 فيفري 2021) يحدد إجراءات التسيير الميزانياتي والمحاسبي الملائمة لميزانيات المؤسسات العمومية ذات الطابع الإداري والهيئات المستفيدة من تخصيصات ميزانية الدولة.

دراسة أكاديمية: المؤسسة العمومية ذات الطابع الصناعي والتجاري ونظامها المختلط (ASJP، 2024).

مذكرة/بحث جامعي حول خصوصية النظام المالي للمؤسسة العمومية ذات الطابع الصناعي والتجاري (PDF).
 
أعلى