قاضي التحقيق في القانون الجديد

هاجر بن عامر

عضو جديد
المشاركات
20
مستوى التفاعل
0
النقاط
1
بحث حول قاضي التحقيق في القانون الجديد (قانون الإجراءات الجزائية 25-14)
اعداد الباحث حسوني محمد عبد الغني

مقدّمة
يُعدّ قاضي التحقيق من أهم الفاعلين في مرحلة التحقيق القضائي داخل العدالة الجنائية، لأن دوره يتصل مباشرةً بجمع أدلة الإثبات والنفي، وباتخاذ إجراءات تمسّ الحرية الفردية (كالقبض، والرقابة القضائية، والحبس المؤقت) وفق ضوابط قانونية دقيقة. ومع صدور القانون رقم 25-14 المتضمن قانون الإجراءات الجزائية ظهرت أحكام وإجراءات أكثر تفصيلًا تخصّ التحقيق القضائي، من حيث اختصاص قاضي التحقيق محليًا، وكيفية تحريك التحقيق، وضمانات الاستجواب، وآليات الرقابة القضائية والحبس المؤقت وتمديده، بما يهدف إلى تحقيق توازن بين فعالية مكافحة الجريمة وصيانة حقوق الدفاع وقرينة البراءة. وتتمثل الإشكالية في: ما هي مكانة قاضي التحقيق واختصاصاته وإجراءاته في ظل القانون الجديد 25-14، وما الضمانات والرقابة التي تحكم أعماله؟ ويهدف البحث إلى بيان الإطار القانوني لقاضي التحقيق، ثم تحليل سلطاته وإجراءاته، وأخيرًا إبراز ضمانات الخصوم وطرق الرقابة والطعن. واعتمدنا المنهج الوصفي-التحليلي بالرجوع إلى النص الرسمي لقانون 25-14 المنشور بالجريدة الرسمية.

المبحث الأول: ماهية قاضي التحقيق ومكانته في القانون الجديد
المطلب الأول: تعريف قاضي التحقيق ووظيفته الإجرائية
الفرع الأول: قاضي التحقيق كقاضٍ للبحث والتحري لا للحكم

قاضي التحقيق هو قاضٍ يتولى إجراءات البحث عن الحقيقة في مرحلة التحقيق القضائي، وهو لا يحكم في موضوع الدعوى وإنما ينجز أعمالًا إجرائية تهدف إلى كشف الوقائع وتحديد المسؤوليات. ويؤكد القانون الجديد أن نشاطه ينصب على إجراءات البحث والتحري بما يتلاءم مع طبيعة الجنايات، مع تمييز دوره عن قاضي الحكم الذي يفصل في الاتهام والعقوبة. ويُفهم من ذلك أن قاضي التحقيق يعمل في مرحلة “ما قبل المحاكمة”، ويكون عمله أساسًا لقرار الإحالة أو عدمها، كما أن حياده مطلوب لأنه يجمع أدلة الإثبات وأدلة النفي. وتكمن أهمية هذا الدور في أن جودة التحقيق القضائي غالبًا ما تحدد مسار القضية لاحقًا، سواء انتهت إلى إحالة أو إلى إنهاء المتابعة.

الفرع الثاني: مبدأ الفصل بين التحقيق والحكم كضمانة للحياد

من الضمانات الكبرى في التنظيم القضائي الجزائي أن الذي يحقق لا ينبغي أن يكون هو نفسه الذي يحكم، لتفادي التأثر بما جمعه من قناعات أولية أثناء التحقيق. ويظهر هذا المعنى صراحة عندما ينبه القانون إلى أن نشاط قاضي التحقيق هو التحري والتحقيق، بما يرسّخ اختصاصه الوظيفي المستقل عن جهة الحكم. كما أن وجود مرحلة تحقيق قضائي بقيادة قاضٍ متخصص يحقق حماية لحقوق المتهم، لأن أي مساس بالحرية أو أي إجراء قسري لا يتم إلا ضمن صلاحيات قضائية محددة وبأوامر وإجراءات مضبوطة. وتزداد قيمة هذا الفصل عندما يتعلق الأمر بالجنايات أو القضايا المعقدة التي تتطلب خبرة وإجراءات متعددة (سماع شهود، خبرات، مواجهات…).

المطلب الثاني: تحريك التحقيق القضائي في القانون الجديد
الفرع الأول: التحقيق بطلب من وكيل الجمهورية أو بناء على شكوى مع الادعاء المدني

نص القانون الجديد على أن قاضي التحقيق لا يجري تحقيقًا إلا بطلب من وكيل الجمهورية، حتى ولو كان الطلب متعلقًا بجناية أو جنحة متلبس بها، كما أجاز توجيه الطلب ضد شخص مسمى أو غير مسمى. وهذا يعني أن تحريك التحقيق القضائي يمر مبدئيًا عبر سلطة الاتهام (النيابة)، بما ينسجم مع مبدأ ملاءمة المتابعة، ويمنع فتح تحقيقات قضائية دون أساس إجرائي. كما يبين النص أن التحقيق يمكن أن يمتد لكل من ساهم في الوقائع محل التحقيق، ما يعكس مرونة في تتبع المساهمين والشركاء في الجريمة ضمن نفس الملف. ويُستفاد عمليًا أن دور النيابة هنا ليس شكليًا، بل هو بوابة قانونية لفتح التحقيق وتحديد نطاقه الأولي.

الفرع الثاني: حالة وصول وقائع جديدة إلى علم قاضي التحقيق

عالج القانون حالة مهمة تتمثل في: إذا وصلت إلى علم قاضي التحقيق وقائع لم يُشر إليها في طلب إجراء التحقيق، يتعين عليه أن يحيل فورًا إلى وكيل الجمهورية الشكاوى أو المحاضر المثبتة لتلك الوقائع. وتظهر قيمة هذا الحكم في ضبط حدود اختصاص قاضي التحقيق ومنع “توسيع” التحقيق تلقائيًا دون إطار، لأن الوقائع الجديدة قد تستوجب تكييفًا مختلفًا أو توجيه اتهام جديد أو فتح مسار إجرائي منفصل. كما أن الإحالة للنيابة تسمح بتقدير الملاءمة: هل تُدمج الوقائع الجديدة في التحقيق القائم أم تُفتح متابعة أخرى؟ وبذلك يحقق القانون توازنًا بين فعالية التحقيق (عدم تجاهل الوقائع الجديدة) وبين الشرعية الإجرائية (مرور التوسيع عبر النيابة).

المطلب الثالث: الاختصاص المحلي لقاضي التحقيق (الاختصاص الإقليمي)
الفرع الأول: معايير الاختصاص المحلي في القانون الجديد

حدد القانون اختصاص قاضي التحقيق محليًا بمكان وقوع الجريمة، أو محل إقامة أحد المتهمين/المشتبه فيهم، أو مكان القبض على أحدهم، حتى ولو كان القبض لسبب آخر ما لم ينص القانون على خلاف ذلك. وهذه المعايير تمنع تنازع الاختصاص وتُسهّل جمع الأدلة في محيط الجريمة أو المتهم، كما تحقق مبدأ “القاضي الطبيعي” لأن الاختصاص يُحدد وفق ضوابط موضوعية مسبقة. ويُعد هذا التحديد مهمًا خاصة في الجرائم التي تتوزع أفعالها بين أكثر من مكان، إذ يوفر القانون نقاط ارتكاز واضحة لاختيار الجهة المختصة. كما يقلل ذلك من الدفوع الشكلية التي قد تُستعمل لإطالة الإجراءات.

الفرع الثاني: السلطة الوقائية لقاضي التحقيق في تدابير تحفظية

أجاز القانون لقاضي التحقيق أن يأمر باتخاذ كل إجراء تحفظي أو تدبير أمن (مثل الحجز على الأموال المتحصلة من الجريمة أو المستعملة في ارتكابها) تلقائيًا أو بناء على طلب النيابة العامة وطوال مدة الإجراءات. وتبرز هنا وظيفة قاضي التحقيق في حماية الأدلة والأموال محل الجريمة ومنع تبديدها قبل الفصل النهائي. كما أن هذا الجانب يعطي للتحقيق بُعدًا عمليًا لا يقتصر على السماع والاستجواب، بل يشمل الحفاظ على محل الجريمة وآثارها، وهو ما يؤثر على استرجاع الحقوق لاحقًا. ومع ذلك يبقى هذا الاختصاص مقيدًا بالضرورة والتناسب، لأن التدابير التحفظية تمس الملكية والحقوق المالية.

المبحث الثاني: سلطات قاضي التحقيق وإجراءاته في القانون الجديد
المطلب الأول: إجراءات التحقيق الأساسية (جمع الأدلة والتحري)
الفرع الأول: السلطة العامة في اتخاذ إجراءات التحقيق

قرر القانون أن قاضي التحقيق يقوم وفقًا للقانون باتخاذ جميع إجراءات التحقيق التي يراها ضرورية للكشف عن الحقيقة، والتحري عن أدلة الاتهام وأدلة النفي. ويُفهم من ذلك أن له سلطة تقديرية في توجيه التحقيق بحسب طبيعة القضية، بشرط احترام القيود القانونية والحقوق الأساسية. كما أوجب النص تحرير نسخة عن إجراءات التحقيق والأوراق وتأشيرها وترقيمها وتنظيمها بما يضمن سلامة الملف وإمكانية الرقابة لاحقًا. وهذه القواعد الشكلية ليست ثانوية، لأنها تمنع العبث بالمستندات وتضمن حق الدفاع في الاطلاع وتُسهّل على جهات الطعن مراقبة صحة الإجراءات.

الفرع الثاني: الاستعانة بالضبطية القضائية في تنفيذ أعمال التحقيق

سمح القانون لقاضي التحقيق – عند تعذر القيام بجميع إجراءات التحقيق بنفسه – أن يندب ضباط الشرطة القضائية لتنفيذ أعمال التحقيق ضمن شروط محددة. وهذا يحقق فعالية في القضايا التي تتطلب تحريات ميدانية متعددة أو تنفيذ أوامر في وقت قصير. لكن رغم هذا التفويض، يبقى قاضي التحقيق مسؤولًا عن توجيه التحقيق ومراقبة ما يُنجز باسم التحقيق القضائي، لأن التفويض لا يعني التخلي عن الإشراف القضائي. كما تضمن هذه الآلية سرعة أكبر دون التضحية بالشرعية، لأن الأعمال تُنجز تحت مظلة قضائية وليس بقرار إداري.

المطلب الثاني: الاستجواب والمواجهة وحقوق الدفاع في مرحلة التحقيق
الفرع الأول: استجواب المتهم وحضور وكيل الجمهورية والحق في المحامي

نظم القانون أحكام الاستجواب بشكل واضح، فسمح بحضور وكيل الجمهورية استجواب المتهم ومواجهته وسماع أقوال المدعي المدني، مع إمكانية توجيه أسئلة مباشرة. كما أكد على ضمانات أساسية أهمها تمكين المتهم من محامٍ، ووجود قواعد تتعلق بإبلاغ/استدعاء الدفاع قبل بعض الإجراءات، وهو ما يظهر في تنظيم الاستجواب ومحاضر الاستجواب والمواجهة. وتكمن أهمية هذه الضمانات في أن أقوال المتهم في التحقيق قد تُبنى عليها قرارات خطيرة (القبض، الرقابة القضائية، الحبس المؤقت، الإحالة). لذلك فإن تمكين الدفاع من الحضور والمتابعة يحدّ من مخاطر الضغط أو الإكراه ويعزز مشروعية الأدلة.

الفرع الثاني: محاضر الاستجواب والمواجهة كضمانة شكلية

أكد القانون على تحرير محاضر الاستجواب والسماع والمواجهة وفق أوضاع محددة، بما يضمن توثيق ما جرى، وإمكانية إثارة البطلان عند الإخلال بالضمانات. فالمحضر ليس مجرد إجراء كتابي، بل هو وسيلة لإثبات احترام الحقوق الإجرائية (حضور المحامي، التنبيهات، الأسئلة، إجابات المتهم). كما يسمح بتتبع تسلسل التحقيق وتقييم مدى اتساق الأقوال، وهو أمر حاسم عندما تنتقل القضية إلى غرفة الاتهام أو إلى جهة الحكم. وكلما كانت المحاضر دقيقة ومسببة قلت المنازعات حول صحة الإجراء وزادت ثقة الأطراف في عدالة المسار.

المطلب الثالث: أوامر قاضي التحقيق المتعلقة بتقييد الحرية
الفرع الأول: أمر القبض وآجال الاستجواب بعد القبض

بيّن القانون كيفية التعامل مع الأمر بالقبض: فإذا نُفذ الأمر وأُحيل المتهم، وجب استجوابه خلال ثمانٍ وأربعين (48) ساعة من حبسه، وإذا مضت المهلة دون استجواب يُقتاد فورًا أمام وكيل الجمهورية ليطلب استجوابه من قاضٍ مكلف بالتحقيق أو أي قاضٍ آخر للقيام بالاستجواب، وإلا أخلي سبيله. وهذه قاعدة جوهرية ضد الحبس التعسفي، لأنها تجعل “القبض” مرتبطًا مباشرةً بإجراء قضائي فعلي (الاستجواب) وليس مجرد وضع المتهم رهن الحبس. كما أن النص يفتح مخرجًا عمليًا عند غياب قاضي التحقيق المختص، حتى لا تُستعمل الغيابات لتعطيل الضمانات.

الفرع الثاني: الرقابة القضائية والحبس المؤقت كبدائل متدرجة

أقر القانون أن الأصل بقاء المتهم حرًا أثناء التحقيق، غير أنه أجاز إخضاعه للرقابة القضائية عند الضرورة، وبيّن التزاماتها (عدم مغادرة الحدود، عدم الذهاب لأماكن، المثول الدوري، تسليم الوثائق، منع بعض النشاطات، الامتناع عن الاتصال… إلخ) مع إمكانية الأمر بالمراقبة الإلكترونية وبإضافة/تعديل الالتزامات بأمر معلل. وإذا تبين أن الرقابة غير كافية، أجاز القانون اللجوء للحبس المؤقت بأمر معلل في حالات محددة وبشروط. ويظهر هنا مبدأ التدرج: تقييد الحرية لا يكون أول خيار، بل يُسبق بتدابير أخف ما أمكن، وهذا يعكس توجّهًا لحماية الحرية مع الحفاظ على مقتضيات التحقيق.

الفرع الثالث: تنظيم تمديد الحبس المؤقت ورقابة غرفة الاتهام

فصل القانون في مدد الحبس المؤقت وتمديده، خاصة في مواد الجنايات، وأشار إلى دور غرفة الاتهام في تقرير التمديد ضمن آجال وحدود معينة، مع تفصيل الحالات الخاصة ووجوب التسبيب وإرسال الملف وأوراقه. كما نظم طلبات الإفراج أمام قاضي التحقيق وآجال البت فيها وإمكانية رفع الطلب إلى غرفة الاتهام عند عدم الفصل في الآجال أو في حالات محددة. وتبرز قيمة هذه القواعد في أنها تُخضع أخطر إجراء (الحبس المؤقت) لرقابة قضائية متعددة المستويات، ما يقلل خطر التوسع في استعماله ويعطي للمتهم مسارات قانونية للطعن وطلب الإفراج.

المبحث الثالث: الرقابة على أعمال قاضي التحقيق وضمانات الأطراف وتقييم الإصلاح
المطلب الأول: الرقابة القضائية على قرارات قاضي التحقيق
الفرع الأول: غرفة الاتهام كجهة رقابة على التحقيق

من أهم مظاهر الرقابة في القانون الجديد تدخل غرفة الاتهام في مسائل تمس الحرية، مثل تمديد الحبس المؤقت في حالات معينة، والفصل في بعض طلبات الإفراج أو الرقابة وفق الأوضاع المحددة. وهذه الرقابة تحقق مبدأ عدم انفراد قاضي التحقيق بقرارات مصيرية، كما تمنح توازنًا بين مقتضيات التحقيق وحقوق المتهم. كما أن رقابة غرفة الاتهام تساعد على توحيد الممارسة داخل المجلس القضائي، خاصة في القضايا التي تتكرر فيها أوامر الحبس وتمديده. والأهم أن وجود رقابة “فوقية” يقلل من الأخطاء الشكلية التي قد تُسقط الإجراءات لاحقًا.

الفرع الثاني: التسبيب والآجال كوسيلتين لمنع التعسف

يلزم القانون في مواضع متعددة أن تكون الأوامر معللة/مسببة (مثل الحبس المؤقت والرقابة القضائية)، كما يربط بعض الإجراءات بآجال صارمة (استجواب خلال 48 ساعة بعد القبض، آجال الفصل في طلبات الإفراج…)، وهذه كلها أدوات قانونية تمنع التعسف. فالتسبيب يفرض على القاضي إعلان أسباب المساس بالحرية، ما يسهل رقابة غرفة الاتهام ويمنح الدفاع أساسًا للطعن. أما الآجال فتجعل الحرمان من الحرية مرتبطًا بحركة إجرائية مستمرة وليست مفتوحة بلا نهاية. وفي التطبيق، كلما احترمت الآجال والتسبيب ارتفع مستوى الثقة في التحقيق القضائي.

المطلب الثاني: ضمانات المتهم والضحايا أثناء التحقيق
الفرع الأول: ضمانات المتهم (المحامي، الاستدعاء، منع الحبس التعسفي)

تظهر ضمانات المتهم في القانون الجديد عبر قواعد الاستجواب والمواجهة وحضور الدفاع، وعبر منع بقاء المتهم محبوسًا دون استجواب ضمن مهلة محددة، وعبر فتح باب الإفراج وطرق مراجعته. وهذه الضمانات ليست شكلية، لأنها تحمي المتهم من أن تتحول مرحلة التحقيق إلى عقوبة مسبقة. كما تُعطي للدفاع فرصًا لإثارة الدفوع الشكلية وطلب الخبرة والطعن في الأدلة عند الاقتضاء. وإلى جانب ذلك، يجعل القانون الرقابة القضائية بديلًا يحفظ حرية المتهم نسبيًا مع ضمان حضوره ومنع عرقلة التحقيق.

الفرع الثاني: وضعية الضحية/المدعي المدني وحماية الشهود

سمح القانون بسماع أقوال المدعي المدني ضمن إجراءات التحقيق، وأتاح تنظيمًا لبعض الحالات الخاصة مثل سماع الشاهد مخفي الهوية وفق شروط تقنية وإجرائية، مع عقوبات على كشف الهوية ومقتضيات حماية الشاهد. كما أن حماية الشهود مهمة في الجرائم الخطيرة أو المنظمة حيث قد يتعرض الشاهد للتهديد، لكن القانون يوازن ذلك بإقرار أن تصريحات الشاهد مخفي الهوية لا تكون وحدها أساسًا للحكم بالإدانة إذا لم يتم الكشف عن هويته. وهذا يحقق توازنًا بين حماية الشهود وضمانات المحاكمة العادلة للمتهم.

المطلب الثالث: تقييم أحكام قاضي التحقيق في القانون الجديد
الفرع الأول: نقاط القوة (التدرج، الرقابة، تدقيق الإجراءات)

يُلاحظ أن القانون الجديد يعزز التدرج في تقييد الحرية (حرية الأصل ثم رقابة قضائية ثم حبس مؤقت بشروط)، ويُفصّل الالتزامات ويتيح المراقبة الإلكترونية، مع تسبيب القرارات وفتح طرق مراجعتها. كما أن إلزام الاستجواب خلال 48 ساعة بعد تنفيذ أمر القبض يحدّ من الحبس التعسفي ويربط الحرمان من الحرية بالفعل القضائي. كذلك فإن تنظيم الملف (التأشير والترقيم وتوثيق الإجراءات) يقوي إمكانية الرقابة والطعن، ويقلل من ضياع الحقوق بسبب فوضى إجرائية.

الفرع الثاني: تحديات التطبيق (العمل القضائي، الموارد، توحيد الممارسة)

رغم جودة النص، قد يواجه التطبيق تحديات مثل ضغط الملفات، وتأخر الخبرات، وصعوبة احترام بعض الآجال عمليًا إن لم تُدعم جهات التحقيق بالموارد البشرية والتقنية. كما أن التوسع في الرقابة القضائية والمراقبة الإلكترونية يتطلب آليات تنفيذ ومتابعة دقيقة حتى لا تبقى حبرًا على ورق. ومن جهة أخرى، فإن توحيد العمل بين مختلف الجهات (قاضي التحقيق، النيابة، الضبطية القضائية، غرفة الاتهام) يحتاج تكوينًا مستمرًا وندوات توضيحية، وهو ما يظهر في الأيام الدراسية التي نظمتها جهات قضائية لشرح أحكام القانون 25-14 بما فيها ما استجد على مستوى التحقيق.

الخاتمة

خلص البحث إلى أن قاضي التحقيق في ظل القانون الجديد 25-14 يحتفظ بوظيفته المركزية كقاضٍ للبحث عن الحقيقة، لكن مع ضبط أوضح لاختصاصه المحلي، وتفصيل أدق لسلطاته في اتخاذ إجراءات التحقيق، وتعزيز ملموس لضمانات الاستجواب وحقوق الدفاع، إلى جانب تنظيم متدرج لتدابير تقييد الحرية (الرقابة القضائية والحبس المؤقت) وإحاطتها بالتسبيب والآجال والرقابة عبر غرفة الاتهام. وبذلك يتجه القانون إلى تقوية الشرعية الإجرائية ومنع التعسف، مع بقاء فعالية الإصلاح مرتبطة بحسن التطبيق وتوفير الإمكانات وتوحيد الممارسة القضائية.

المصادر والمراجع
قانون رقم 25-14 مؤرخ في 3 غشت 2025، يتضمن قانون الإجراءات الجزائية
مجلس قضاء بجاية – وزارة العدل: يوم دراسي لشرح أحكام قانون 25-14، من ضمنه مداخلة حول “الإجراءات المستحدثة على مستوى التحقيق القضائي”.
مجلس قضاء بجاية – وزارة العدل: حصص إذاعية حول “شرح أحكام قانون الإجراءات الجزائية رقم 25-14” تتضمن محاور عن إجراءات التحقيق.
 
أعلى