بحث حول المقال النقدي اعداد الباحث حسوني محمد عبد الغني

هاجر بن عامر

عضو جديد
المشاركات
20
مستوى التفاعل
0
النقاط
1
المقال النقدي .. مقياس فنيات التحرير الاعلامي
اعداد الباحث حسوني محمد عبد الغني
بحث حول المقال النقدي

مقياس: فنيات التحرير الإعلامي

تُعدّ دراسة المقال النقدي من الموضوعات الأساسية في مقياس فنيات التحرير الإعلامي، لأن هذا اللون من ألوان الكتابة الصحفية لا يكتفي بعرض الوقائع أو نقل الأخبار، بل يتجاوز ذلك إلى تفسير الإنتاج الفكري أو الفني أو العلمي وتحليله وتقويمه، بما يجعل منه أداة لتوجيه القارئ وتنمية ذائقته وإسهامًا في بناء الوعي العام. وتنبع أهمية الموضوع من اتساع حضور المقال النقدي داخل الصحافة المكتوبة والملحقات الثقافية، ومن تداخله مع النقد الإعلامي والثقافي والأدبي، فضلًا عن وظيفته في الكشف عن مواطن القوة والقصور داخل الأعمال المعروضة. ومن هنا تبرز الإشكالية الآتية: ما المقصود بالمقال النقدي في فنيات التحرير الإعلامي، وما خصائصه ووظائفه وبناؤه الفني، وما موقعه داخل الممارسة الصحفية المعاصرة؟ ويهدف هذا البحث إلى بيان مفهوم المقال النقدي، وتحديد خصائصه ووظائفه ومراحله، ثم إبراز قواعد تحريره وأهميته وحدوده داخل العمل الإعلامي. وقد اعتمدنا في معالجة الموضوع على المنهج الوصفي التحليلي، بالاستناد إلى بعض الدراسات الأكاديمية الحديثة المنشورة في مجلات علمية جامعية. وانطلاقًا من ذلك، قُسّم البحث إلى مبحثين: خصص الأول للإطار المفاهيمي والوظيفي للمقال النقدي، والثاني للبناء التحريري والواقع التطبيقي للمقال النقدي في الصحافة.

المبحث الأول: الإطار المفاهيمي والوظيفي للمقال النقدي
المطلب الأول: ماهية المقال النقدي
الفرع الأول: تعريف المقال النقدي

يُصنَّف المقال النقدي ضمن الأجناس الفكرية أو التعليقية في الكتابة الصحفية، وقد ورد في مطبوعات جامعية متخصصة في فنيات التحرير أن هذا النوع يأتي ضمن أصناف الرأي والتعليق إلى جانب الافتتاحية والعمود واليوميات والرسوم الصحفية، وهو ما يدل على أنّه جنس صحفي يقوم على إبداء الرأي المؤسس لا على السرد الخبري المحض. كما عرّفته المحاضرات الجامعية بأنه المقال الذي يقوم على عرض وتفسير وتحليل وتقييم الإنتاج الأدبي والفني والعلمي بغرض توعية المتلقي ومساعدته على حسن الاختيار والفهم.

الفرع الثاني: تمييزه عن بقية المقالات الصحفية

لا يختلط المقال النقدي بالمقال الإخباري ولا بالتعليق السريع ولا بالمقال الافتتاحي؛ فالمقال الإخباري ينقل المعطيات، والافتتاحية تعبّر غالبًا عن خط الصحيفة، بينما المقال النقدي ينصرف إلى تقويم عمل أو إنتاج بعد عرضه وشرحه وتحليله. ولذلك فهو أقرب إلى الكتابة المتخصصة التي تجمع بين المعرفة بالموضوع، والقدرة على التحليل، وامتلاك أدوات الحكم النقدي. كما أن بعض التصنيفات الحديثة في نظرية الأنواع الصحفية تشير إلى أن المقال النقدي ظل من أكثر أشكال المقال شيوعًا داخل تصنيفات الأجناس الصحفية العربية.

المطلب الثاني: مجالات المقال النقدي ووظائفه
الفرع الأول: مجالات المقال النقدي

تؤكد المراجع الجامعية أن مجالات المقال النقدي واسعة، فلا تنحصر في الأدب وحده، بل تشمل الإنتاج الأدبي من شعر ورواية وقصة، والإنتاج المسرحي، والإنتاج السينمائي، والبرامج الإذاعية والتلفزيونية، والفنون التشكيلية، وكذلك الإنتاج العلمي من كتب جديدة وأبحاث ودراسات. وهذا الاتساع يجعل المقال النقدي جنسًا مرنًا يمكن توظيفه في صفحات الثقافة، وفي الملاحق الفنية، وفي الصحافة المتخصصة، بل وحتى في عرض بعض النتاجات العلمية والإعلامية الحديثة. وقد أبرزت دراسات جزائرية حديثة هذا الحضور من خلال تتبع المقال النقدي في الملاحق الثقافية وفي الممارسات النقدية الصحفية المرتبطة بالمسرح.

الفرع الثاني: وظائف المقال النقدي

لا تقتصر وظيفة المقال النقدي على الحكم بالإيجاب أو السلب، بل يؤدي عدة وظائف متكاملة؛ فهو أولًا يشرح العمل ويحلله ويكشف أبعاده ودلالاته، وثانيًا يقوّم شكله ومضمونه ببيان عناصر القوة والضعف فيه، وثالثًا يرشد القارئ إلى اختيار الأعمال الجديرة بالقراءة أو المتابعة، ورابعًا يكشف أثر هذه الأعمال في الجمهور المتلقي. ولهذا يرتبط المقال النقدي بفكرة تنمية الوعي داخل المجتمع، وهو ما تؤكده الأدبيات الحديثة في النقد الإعلامي التي تنظر إلى الممارسة النقدية بوصفها مساهمة في رفع الوعي المجتمعي وتوجيه التلقي الإعلامي والثقافي.

المطلب الثالث: خصائص المقال النقدي ومقوماته
الفرع الأول: لغته وأسلوبه

تتميّز لغة المقال النقدي بأنها لغة مزدوجة الطبيعة؛ فهي من جهة لغة صحفية واضحة ومباشرة تراعي الجمهور، ومن جهة أخرى لغة علمية تعتمد المفاهيم والمصطلحات والأصول المنهجية في التحليل. وتشير المحاضرات الجامعية إلى أن المقال النقدي يقوم على أساسين: النظريات والأصول العلمية، ثم انطباعات الكاتب الذاتية وذوقه الفني ورؤيته الخاصة. وهذا يعني أن الكاتب لا يكتب من فراغ، بل يتحرك بين المعرفة والذوق، وبين المنهج والتقدير، ولذلك قيل إن المقال النقدي علم وفن في الوقت نفسه.

الفرع الثاني: شروط الناقد الصحفي

يفترض هذا النوع من المقالات حضور كاتب يمتلك كفاءة مزدوجة: معرفة متخصصة بميدان العمل الذي ينقده، وخبرة بتحرير المادة الصحفية وصياغتها بوضوح وإقناع. فالناقد الصحفي مطالب بأن يرى العمل كما هو، وألا يذوب في ميوله السابقة أو أحكامه الجاهزة، كما ينبغي أن يتحلى بالموضوعية النسبية، وسعة الاطلاع، والقدرة على المقارنة، والإلمام بسياق العمل الفني أو الفكري. وتُظهر الدراسات الحديثة عن النقد الصحفي في الجزائر أن هذا الشرط المهني يظل حاسمًا في نجاح المقال النقدي وفي منحه قيمة معرفية داخل الحقل الإعلامي والثقافي.

المبحث الثاني: البناء التحريري والواقع التطبيقي للمقال النقدي
المطلب الأول: مراحل إنجاز المقال النقدي
الفرع الأول: مرحلة التغطية الإخبارية والتحليلية

تذكر المراجع الجامعية أن المقال النقدي يمر بعدة مراحل تبدأ بمرحلة التغطية الإخبارية، وفيها يتابع الكاتب الأحداث الفنية أو الفكرية أو العلمية، ويتعرّف إلى المعطيات الأساسية المتعلقة بالعمل ومنتجيه وسياقه. ثم تأتي مرحلة التغطية التحليلية، حيث ينتقل الكاتب من مجرد المتابعة إلى الشرح والتفسير والكشف عن الأبعاد والدلالات. وهذه المرحلة ضرورية لأنها تمنع الناقد من إصدار أحكام سريعة، وتجعله يبني مقاله على فهم سابق للعمل موضوع النقد.

الفرع الثاني: مرحلة التقييم وإصدار الحكم

بعد العرض والتحليل تأتي المرحلة التقييمية، وفيها يفحص الكاتب مكونات العمل ويكشف عناصره الإيجابية والسلبية، ثم يصوغ حكمًا نقديًا معللًا يوجّه القارئ ولا يفرض عليه ذوقًا اعتباطيًا. ومن هنا فإن الحكم في المقال النقدي ليس انطباعًا مزاجيًا فقط، بل نتيجة لملاحظة وتحليل ومقارنة. وقد أشارت المحاضرات الجامعية أيضًا إلى وجود طرائق نقدية مثل الطريقة الحكمية والطريقة الانطباعية، بما يدل على تنوع أدوات المعالجة داخل هذا الجنس الصحفي.

المطلب الثاني: البناء الفني للمقال النقدي
الفرع الأول: المقدمة والجسم

يقوم البناء الفني للمقال النقدي، بحسب المراجع الجامعية، على قالب قريب من الهرم المعتدل؛ إذ تتضمن المقدمة عرض القضية أو المشكلة أو الفكرة العامة التي يثيرها العمل الفني أو الأدبي أو العلمي، مع إبراز العنصر الجديد الذي يطرحه هذا العمل من حيث الشكل أو المضمون. أما الجسم فيتضمن عرض موضوع العمل، وتحليل أبعاده، وتقديم معلوماته الخلفية أو التاريخية، ثم مقارنته بأعمال مشابهة. وبهذا تتحول بنية المقال من مجرد تعريف بالعمل إلى بناء حجاجي تفسيري يهيئ القارئ لتقبّل الحكم النهائي.

الفرع الثاني: الخاتمة وآليات الإقناع

تنتهي المقالة النقدية بخاتمة تتضمن التقييم النهائي للعمل، وقد تدعو القارئ إلى متابعته أو الإعراض عنه بناءً على المعايير التي عرضها الكاتب في متن المقال. وتبرز هنا أهمية الإقناع؛ فنجاح الخاتمة مشروط بسلامة ما قبلها من عرض وتحليل وأدلة، وإلا بدت النتيجة حكمًا مبتورًا. ولذلك يحتاج المقال النقدي إلى ترابط منطقي بين المقدمة والجسم والخاتمة، وإلى توازن بين الشرح والتقييم حتى لا يطغى الانفعال على الحجة.

المطلب الثالث: واقع المقال النقدي في الصحافة وحدوده
الفرع الأول: أهمية المقال النقدي في الصحافة المعاصرة

ما يزال المقال النقدي يحتفظ بمكانته داخل الصحافة، خاصة في الصفحات الثقافية والملاحق المتخصصة، لأنه يربط بين الإعلام والمعرفة ويمنح الجمهور قراءة مفسرة للأعمال والظواهر. كما أن الدراسات الجزائرية الحديثة بينت استمرار حضوره في الملاحق الثقافية وفي معالجة المسرح والفنون، بما يؤكد أن هذا الجنس لا يزال قادرًا على أداء وظيفة التوجيه الثقافي والتربوي داخل المجتمع. كما أن الأدبيات المعاصرة في النقد الإعلامي توسع من دلالته، فترى فيه وسيلة لمساءلة الرسائل الإعلامية ذاتها، لا مجرد الأعمال الأدبية والفنية فقط.

الفرع الثاني: الصعوبات والقيود المهنية

غير أن المقال النقدي يواجه في الواقع الصحفي عدة عوائق، منها ضيق المساحة المخصصة له داخل الصحف، وهيمنة الخبر السريع، وضعف التخصص لدى بعض الكتّاب، فضلًا عن القيود القانونية أو المؤسسية التي قد تجعل الصحفي متخوّفًا من نشر مقالات نقدية حادة. وقد رصدت بعض الدراسات الجزائرية هذه الإشكالات صراحة، مشيرة إلى أن المساحة المحدودة في الصفحات الثقافية قد تحاصر الناقد، وأن البيئة القانونية والمهنية قد تؤثر في جرأة الخطاب النقدي واتساعه. وعليه، فإن تطوير المقال النقدي يحتاج إلى صحافة تؤمن بقيمة التحليل والنقد، لا بالاستهلاك السريع للمادة الإعلامية فقط.

الخاتمة

يخلص هذا البحث إلى أن المقال النقدي يُعدّ من أهم فنون التحرير الإعلامي ذات الطابع الفكري، لأنه يجمع بين الخبرة الصحفية والرؤية التحليلية والقدرة على إصدار حكم نقدي مؤسس. وقد تبين أنه لا يقتصر على المجال الأدبي، بل يمتد إلى الفنون والعلوم والإنتاجات الإعلامية المختلفة، كما يؤدي وظائف متعددة، منها التفسير والتقويم والإرشاد وتنمية الوعي. وتبين أيضًا أن هذا المقال يقوم على لغة تجمع بين الصحفي والعلمي، ويمر بمراحل تبدأ بالمتابعة والتحليل وتنتهي بالتقييم، كما يتأسس بناؤه الفني على مقدمة وجسم وخاتمة مترابطة. غير أن فعاليته في الصحافة المعاصرة تظل رهينة بتوفر كاتب متخصص، ومساحة تحريرية كافية، وبيئة مهنية تسمح بالنقد المسؤول والبنّاء. ومن ثم فإن المقال النقدي ليس مجرد لون من ألوان الرأي، بل هو أداة ثقافية وإعلامية تسهم في الارتقاء بالذوق العام وتوجيه التلقي وبناء الوعي النقدي داخل المجتمع.

المصادر والمراجع
أبو زيد، فاروق، فن الكتابة الصحفية، عالم الكتب، القاهرة. بيانات الناشر وردت في الفهارس الإلكترونية والبطاقات الببليوغرافية المتاحة.
لعياضي، نصر الدين، اقترابات نظرية من الأنواع الصحفية، ديوان المطبوعات الجامعية (OPU)، الجزائر، نوفمبر 2017.
لعقاب، محمد، الصحفي الناجح: دليل عملي للطلبة والصحفيين وخلايا الاتصال، دار هومة للطباعة والنشر والتوزيع، الجزائر، 2010.
شرف، عبد العزيز، فن المقال الصحفي، بياناته واردة في الفهارس العربية الإلكترونية، وقد استُعمل هنا على سبيل الاستئناس الببليوغرافي.
بوثلجي، إلهام، محاضرات مقياس: فنيات التحرير في الصحافة المكتوبة، موجهة لطلبة السنة الثانية ليسانس تخصص إعلام واتصال، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعة لونيسي علي البليدة 2، السنة الجامعية 2021/2022.
فنيات التحرير في الصحافة المكتوبة، مطبوعة/محاضرات جامعية منشورة على موقع جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية بقسنطينة، وتضم عرضًا لأنواع الرأي والمقال النقدي وبنائه ووظائفه.
بوعمامة، راضية، المقال النقدي في الملاحق الثقافية، تجربة الأستاذ بن علي لونيس في كراس الثقافة لجريدة النصر أنموذجًا، مجلة النص، 2024.
بلكبير، صليحة، وبوشفرة، سليمة، الممارسات النقدية الصحفية في المسرح الجزائري، مجلة النص، العدد المنشور بتاريخ 01-12-2024، ص 76-92.
بوزيان، نصر الدين، النقد الإعلامي: نوع، موضوع أم وسيلة؟، مجلة الرسالة للدراسات الإعلامية، 2021.
بوزيان، نصر الدين، دور النقد الإعلامي في تنمية الوعي المجتمعي: مساهمة نظرية، مجلة الإعلام والمجتمع، المجلد 6، العدد 2، 31-12-2022، ص 627-637.
سعاد، واقع الخطاب وإشكالية التواجد: النقد في الصحافة الجزائرية، مقال علمي منشور سنة 2017 على المنصة الجزائرية للمجلات العلمية.
 
أعلى