- المشاركات
- 20
- مستوى التفاعل
- 0
- النقاط
- 1
بحث حول التدابير الوقائية لمكافحة الفساد في القطاع الخاص
اعداد الباحث حسوني محمد عبد الغني
يُعد موضوع التدابير الوقائية لمكافحة الفساد في القطاع الخاص من الموضوعات القانونية ذات الأهمية البالغة في الجزائر، لأن الفساد لم يعد حكرًا على المرفق العام، بل أصبح يمتد إلى الشركات والمؤسسات الاقتصادية الخاصة بما يؤثر في الثقة في المعاملات، ويهدد سلامة الاستثمار والمنافسة المشروعة، ويمس بحقوق الشركاء والدائنين والمستهلكين، ويُضعف مناخ الأعمال. وقد كرّس الدستور الجزائري المعدل سنة 2020 مبدأ مكافحة الفساد دستوريًا من خلال إنشاء السلطة العليا للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته كمؤسسة مستقلة، ثم جاء القانون رقم 06-01 المؤرخ في 20 فبراير 2006 المتعلق بالوقاية من الفساد ومكافحته، المعدل والمتمم، ليضع إطارًا وقائيًا وردعيًا يشمل القطاعين العام والخاص، كما جاء القانون رقم 22-08 المؤرخ في 5 مايو 2022 ليحدد تنظيم السلطة العليا وصلاحياتها في متابعة أنظمة الشفافية والوقاية من الفساد داخل المؤسسات العمومية والخاصة. وتتمثل إشكالية البحث في السؤال الآتي: ما هي التدابير الوقائية التي اعتمدها المشرع الجزائري لمكافحة الفساد في القطاع الخاص، وما مدى كفايتها وفعاليتها في الحد من مخاطره داخل المؤسسات الخاصة؟ ويهدف هذا البحث إلى بيان الأساس القانوني الوطني لمكافحة الفساد في القطاع الخاص، وتحديد أهم التدابير الوقائية المقررة في التشريع الجزائري، ثم إبراز آليات تفعيلها والصعوبات العملية التي تعترضها. وقد اعتمدنا في معالجة الموضوع على المنهج الوصفي التحليلي من خلال تحليل النصوص القانونية الجزائرية والرجوع إلى بعض الدراسات الجامعية الجزائرية ذات الصلة. وانطلاقًا من ذلك قُسّم البحث إلى مبحثين: خصص الأول للإطار المفاهيمي والقانوني للتدابير الوقائية في القطاع الخاص، وخصص الثاني لصور هذه التدابير وآليات تفعيلها في التشريع الجزائري.
المبحث الأول: الإطار المفاهيمي والقانوني للتدابير الوقائية لمكافحة الفساد في القطاع الخاص في الجزائر
المطلب الأول: مفهوم الفساد في القطاع الخاص ومكانته في التشريع الجزائري
الفرع الأول: مفهوم الفساد في القطاع الخاص
يقصد بالفساد في القطاع الخاص كل سلوك غير مشروع يقع داخل مؤسسة أو شركة خاصة أو بمناسبـة نشاطها الاقتصادي أو المالي أو التجاري، ويترتب عليه استغلال الوظيفة أو المهمة لتحقيق منفعة غير مستحقة، سواء في صورة رشوة أو اختلاس أو إخفاء تضارب مصالح أو تلاعب محاسبي أو استعمال غير مشروع لأموال الكيان الخاص. وقد اعترف المشرع الجزائري صراحة بهذه الصورة من الفساد عندما خصّ الرشوة في القطاع الخاص بالمادة 40 من القانون 06-01، وخصّ اختلاس الممتلكات في القطاع الخاص بالمادة 41 من القانون نفسه، بما يدل على أن الفساد في الشركات الخاصة لم يعد مجرد انحراف أخلاقي أو مهني، بل أصبح محل تجريم قانوني صريح في الجزائر.
الفرع الثاني: خصوصية الفساد في القطاع الخاص
تتميز جرائم الفساد في القطاع الخاص بأنها تقع في بيئة تعاقدية وتجارية يغلب عليها منطق الربح والمنافسة والسرعة في المعاملات، وهو ما يجعل فرص الإخفاء والتلاعب في الفواتير والسجلات والعمولات والهدايا أكبر من بعض البيئات الأخرى. كما أن هذا النوع من الفساد قد يبقى داخليًا بين العاملين في المؤسسة أو يمتد إلى الغير من متعاملين وموردين ووسطاء، ولذلك فإن مكافحته لا تقوم فقط على العقوبة اللاحقة، بل تحتاج إلى تدابير وقائية سابقة داخل المؤسسة نفسها، من قبيل الشفافية، والرقابة، والمحاسبة المنتظمة، والتدقيق، والإبلاغ المبكر، وهو ما يتفق مع التوجه العام للقانون الجزائري في قانون 06-01 والدراسات الجزائرية الحديثة التي أكدت أن المقاربة الوقائية صارت أساسية في مكافحة الفساد.
المطلب الثاني: الأساس الدستوري والتشريعي للتدابير الوقائية
الفرع الأول: الأساس الدستوري
أضفى الدستور الجزائري المعدل سنة 2020 على مكافحة الفساد طابعًا دستوريًا واضحًا، إذ نصت المادة 204 على أن السلطة العليا للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته مؤسسة مستقلة، كما نصت المادة 205 على أن هذه السلطة تتولى وضع استراتيجية وطنية للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته، والسهر على تنفيذها ومتابعتها، والمساهمة في ترقية مبادئ الشفافية والنزاهة والحكامة. ويفهم من هذا التنظيم أن الوقاية من الفساد لم تعد مجرد وظيفة إدارية عادية، بل أصبحت جزءًا من البناء الدستوري للدولة الجزائرية، وهو ما ينعكس مباشرة على القطاع الخاص باعتباره جزءًا من البيئة الوطنية التي تستهدفها سياسات الشفافية والنزاهة.
الفرع الثاني: الأساس التشريعي
جاء القانون رقم 06-01 المؤرخ في 20 فبراير 2006 المتعلق بالوقاية من الفساد ومكافحته ليؤسس الإطار التشريعي الأساسي في الجزائر، وقد نص في مادته الأولى على أن غايته تتعلق بتعزيز التدابير الرامية إلى الوقاية من الفساد ومكافحته، ودعم النزاهة والمسؤولية والشفافية في تسيير القطاعين العام والخاص. ثم جاء القانون رقم 22-08 المؤرخ في 5 مايو 2022 ليحدد تنظيم السلطة العليا وصلاحياتها، ومن بين ما ورد فيه أن السلطة تتابع مدى امتثال الإدارات والجماعات المحلية والمؤسسات العمومية والمؤسسات الاقتصادية والجمعيات والمؤسسات الأخرى لأنظمة الشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته، كما تتأكد من وجود هذه الأنظمة ومدى جودتها وفعاليتها. وهذا يعني أن المشرع الجزائري نقل الوقاية من مجرد مبادئ عامة إلى آليات متابعة مؤسساتية تشمل الكيانات الاقتصادية أيضًا.
المطلب الثالث: موقع القطاع الخاص في منظومة الوقاية من الفساد
الفرع الأول: القطاع الخاص كشريك في الوقاية
لا ينظر التشريع الجزائري إلى القطاع الخاص باعتباره مجرد محل لتطبيق النصوص العقابية، بل يتجه إلى اعتباره شريكًا في الوقاية من الفساد، لأن فعالية السياسة الوطنية تتوقف على التزام الشركات الخاصة بقواعد الشفافية والرقابة والامتثال. ويتأكد هذا الاتجاه من القانون 22-08 الذي ألزم كل شخص طبيعي أو معنوي عام أو خاص بالتعاون مع السلطة العليا وتمكينها من المعلومات والوثائق التي تطلبها لأداء مهامها. كما أن الدراسات الجامعية الجزائرية حول التدابير الوقائية في القطاعين العام والخاص بيّنت أن إدماج المؤسسة الخاصة في جهود الوقاية يمثل ضرورة تشريعية وعملية، لا سيما في ظل توسع دورها في التنمية الاقتصادية.
الفرع الثاني: العلاقة بين الوقاية والتجريم
رغم أن عنوان الموضوع ينصرف إلى التدابير الوقائية، فإن فهمها في القانون الجزائري يظل مرتبطًا بوجود نصوص تجريم واضحة تردع من يخالفها. فالمادتان 40 و41 من القانون 06-01 تعاقبان على الرشوة واختلاس الممتلكات في القطاع الخاص، كما قررت المادة 53 مسؤولية الشخص الاعتباري جزائيًا عن الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون وفق القواعد المقررة في قانون العقوبات. ومن ثم فإن الوقاية في البيئة الخاصة ليست منفصلة عن الردع، بل تتكامل معه، لأن وجود مسؤولية جزائية على الأشخاص الطبيعيين والمعنويين يدفع الشركات إلى إرساء نظم داخلية تمنع وقوع الجريمة ابتداءً.
المبحث الثاني: صور التدابير الوقائية وآليات تفعيلها في القطاع الخاص وفق القانون الجزائري
المطلب الأول: التدابير الوقائية التنظيمية والرقابية داخل المؤسسة الخاصة
الفرع الأول: الشفافية والحوكمة الداخلية
تقتضي الوقاية من الفساد في القطاع الخاص أن تعتمد المؤسسة الخاصة على أسلوب إدارة قائم على الشفافية وتحديد المسؤوليات والفصل بين الاختصاصات وعدم تركيز السلطة المالية أو التعاقدية في يد شخص واحد دون رقابة. ورغم أن القانون 06-01 لم يفصّل كل عناصر الحوكمة الداخلية للمؤسسات الخاصة، إلا أنه وضع الأساس العام للوقاية، بينما جاء القانون 22-08 ليؤكد على وجود أنظمة للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته داخل المؤسسات والهيئات، وعلى تقييم جودتها وفعاليتها وملاءمة تنفيذها. ويُفهم من ذلك أن المؤسسة الخاصة مطالبة قانونًا وعمليًا بإرساء قواعد داخلية واضحة للسلوك والرقابة، حتى لا تبقى عرضة للرشوة والاختلاس والتلاعب.
الفرع الثاني: الرقابة الداخلية والتوثيق المنتظم
من أهم التدابير الوقائية في الشركات الخاصة وجود رقابة داخلية فعالة قائمة على التوثيق الكتابي للعمليات، وضبط مسارات صرف الأموال، وإثبات المصروفات والإيرادات، ومراقبة العقود والفواتير والمخزون والحسابات. ويعزز هذا التوجه في الجزائر وجود نصوص موازية تكرس الشفافية المحاسبية، مثل القانون رقم 07-11 المؤرخ في 25 نوفمبر 2007 المتضمن النظام المحاسبي المالي، إضافة إلى القانون رقم 10-01 المؤرخ في 29 يونيو 2010 المتعلق بمهن الخبير المحاسب ومحافظ الحسابات والمحاسب المعتمد، وهي نصوص تدعم الكشف المبكر عن الاختلالات والغش داخل الشركات. فكلما كانت السجلات منتظمة والتدقيق قائمًا، تقلصت فرص إخفاء الرشوة أو اختلاس الأموال أو اصطناع نفقات وهمية.
المطلب الثاني: التدابير الوقائية المرتبطة بالكشف المبكر والإبلاغ
الفرع الأول: التبليغ والحماية القانونية للمبلّغين
لا يمكن أن تنجح الوقاية من الفساد في القطاع الخاص إذا لم يشعر العامل أو الشريك أو المتعامل بأن القانون يحميه عندما يكشف عن الممارسات غير المشروعة. وفي هذا السياق، قرر القانون 06-01 حماية الأشخاص الذين يتعرضون للانتقام أو الترهيب أو التهديد بسبب التبليغ عن جرائم الفساد، كما نصت المادة 45 على معاقبة كل من يلجأ إلى الانتقام أو التهديد أو الترهيب ضد الشهود أو الخبراء أو الضحايا أو المبلغين أو أفراد عائلاتهم أو غيرهم من الأشخاص وثيقي الصلة بهم. ويؤدي هذا الحكم وظيفة وقائية مهمة، لأنه يشجع على الإبلاغ الداخلي أو الخارجي عن الأفعال المشبوهة داخل المؤسسة الخاصة بدل السكوت عنها.
الفرع الثاني: دور السلطة العليا في المتابعة والتوصية
من التدابير الوقائية المستحدثة في الجزائر الدور الذي تضطلع به السلطة العليا للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته في متابعة مدى امتثال الهيئات والمؤسسات لأنظمة الوقاية، والتأكد من وجود هذه الأنظمة وفعاليتها، ثم توجيه التوصيات عند معاينة الإخلال بجودة الإجراءات المطبقة داخل المؤسسات والجمعيات والهيئات المتعلقة بالوقاية من أفعال الفساد والكشف عنها. كما أن القانون 22-08 ألزم المؤسسات والهيئات المعنية برفع تقارير إلى السلطة العليا بشأن مدى الالتزام بتوصياتها. وهذه الصلاحيات تجعل من السلطة العليا أداة وقائية ومرافقة تنظيمية، لا مجرد جهاز إحصائي أو شكلي.
المطلب الثالث: التدابير الوقائية المتصلة بالمسؤولية والامتثال
الفرع الأول: مسؤولية الشخص المعنوي كآلية للوقاية
من أبرز ما يدفع المؤسسة الخاصة إلى تبني برامج وقائية جدية أن القانون الجزائري لم يحصر المسؤولية في الشخص الطبيعي فقط، بل أقر في المادة 53 من القانون 06-01 مسؤولية الشخص الاعتباري جزائيًا عن الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون. وتنبع القيمة الوقائية لهذا الحكم من أنه يحمل الشركة ذاتها نتائج التقصير في الرقابة أو في تنظيمها الداخلي إذا وقع الفساد باسمها أو لحسابها. ولذلك فإن المسؤولية الجزائية للشخص المعنوي تدفع الشركات إلى تطوير نظم الامتثال، والتدقيق، والمراجعة، وتوثيق المعاملات، وتحديد المسؤوليات، تفاديًا للتعرض للمساءلة القانونية.
الفرع الثاني: التعاون الإلزامي مع السلطة العليا والجهات المختصة
تتطلب الوقاية الفعالة أن لا تتحصن المؤسسة الخاصة بسرية داخلية تمنع الرقابة أو تحول دون الوصول إلى المعلومات. ولهذا نص القانون 22-08 على التزام المؤسسات والهيئات العمومية، وكذلك أي شخص طبيعي أو معنوي عام أو خاص، بالتعاون مع السلطة العليا وموافاتها بالمعلومات والوثائق التي تطلبها للقيام بمهامها. ويُعد هذا التعاون عنصرًا جوهريًا في الوقاية، لأنه يسمح بالكشف المبكر عن الاختلالات، ويمكّن من تقييم مدى احترام قواعد الشفافية داخل القطاع الخاص، كما يحد من استعمال السرية المؤسسية ستارًا لإخفاء الفساد.
الخاتمة
يتبين من خلال دراسة التدابير الوقائية لمكافحة الفساد في القطاع الخاص في القانون الجزائري أن المشرع لم يكتفِ بتجريم الرشوة والاختلاس داخل الكيانات الخاصة، بل اعتمد أيضًا مقاربة وقائية قوامها الشفافية، والرقابة، والمتابعة المؤسسية، والمسؤولية الجزائية للشخص المعنوي، وحماية المبلغين، وإلزام المؤسسات بالتعاون مع السلطة العليا للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته. كما يتضح أن الدستور الجزائري لسنة 2020 والقانون 06-01 والقانون 22-08 تشكل معًا الأساس الوطني لهذه المقاربة، بينما تعززها نصوص محاسبية ورقابية أخرى مثل قانون النظام المحاسبي المالي وقانون مهن الخبير المحاسب ومحافظ الحسابات. غير أن فعالية هذه التدابير في الواقع تظل مرتبطة بمدى تجسيدها داخل الشركات الخاصة من خلال أنظمة امتثال فعلية، وتكوين العاملين، وتفعيل الرقابة الداخلية، وتشجيع الإبلاغ، وعدم الاكتفاء بالنصوص الشكلية. وعليه، فإن مكافحة الفساد في القطاع الخاص في الجزائر لا تتحقق بالردع وحده، بل تستوجب ترسيخ ثقافة قانونية ومؤسساتية قائمة على النزاهة والشفافية والوقاية المسبقة.
المصادر والمراجع
دستور 2020، كما نشرته المحكمة الدستورية الجزائرية، المواد 204 و205 المتعلقة بالسلطة العليا للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته.
قانون رقم 06-01 مؤرخ في 20 فبراير 2006، يتعلق بالوقاية من الفساد ومكافحته
قانون رقم 22-08 مؤرخ في 5 مايو 2022، يحدد تنظيم السلطة العليا للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته وتشكيلها وصلاحياتها
قانون رقم 07-11 مؤرخ في 25 نوفمبر 2007، يتضمن النظام المحاسبي المالي
قانون رقم 10-01 مؤرخ في 29 يونيو 2010، يتعلق بمهن الخبير المحاسب ومحافظ الحسابات والمحاسب المعتمد،
سعدون بلقاسم، سعدي حيدرة، التدابير الوقائية في القطاع العام والخاص في ظل قانون الوقاية من الفساد ومكافحته، مقال منشور على منصة ASJP، سنة 2020.
جريمة الرشوة في القطاع الخاص في ظل القانون رقم 06/01 للوقاية من الفساد ومكافحته، مقال علمي منشور على منصة ASJP.
الأحكام الموضوعية لجريمة الاختلاس في القطاع الخاص، مقال علمي منشور على منصة ASJP، يعالج جريمة الاختلاس في القطاع الخاص في التشريع الجزائري وفق القانون 06-01.
التدابير الوقائية من جرائم الفساد في التشريع الجزائري، مقال علمي منشور على منصة ASJP.
حساني سمير، التدابير الوقائية من الفساد في القطاع الخاص، مذكرة ماستر، جامعة الوادي، 2018.
اعداد الباحث حسوني محمد عبد الغني
يُعد موضوع التدابير الوقائية لمكافحة الفساد في القطاع الخاص من الموضوعات القانونية ذات الأهمية البالغة في الجزائر، لأن الفساد لم يعد حكرًا على المرفق العام، بل أصبح يمتد إلى الشركات والمؤسسات الاقتصادية الخاصة بما يؤثر في الثقة في المعاملات، ويهدد سلامة الاستثمار والمنافسة المشروعة، ويمس بحقوق الشركاء والدائنين والمستهلكين، ويُضعف مناخ الأعمال. وقد كرّس الدستور الجزائري المعدل سنة 2020 مبدأ مكافحة الفساد دستوريًا من خلال إنشاء السلطة العليا للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته كمؤسسة مستقلة، ثم جاء القانون رقم 06-01 المؤرخ في 20 فبراير 2006 المتعلق بالوقاية من الفساد ومكافحته، المعدل والمتمم، ليضع إطارًا وقائيًا وردعيًا يشمل القطاعين العام والخاص، كما جاء القانون رقم 22-08 المؤرخ في 5 مايو 2022 ليحدد تنظيم السلطة العليا وصلاحياتها في متابعة أنظمة الشفافية والوقاية من الفساد داخل المؤسسات العمومية والخاصة. وتتمثل إشكالية البحث في السؤال الآتي: ما هي التدابير الوقائية التي اعتمدها المشرع الجزائري لمكافحة الفساد في القطاع الخاص، وما مدى كفايتها وفعاليتها في الحد من مخاطره داخل المؤسسات الخاصة؟ ويهدف هذا البحث إلى بيان الأساس القانوني الوطني لمكافحة الفساد في القطاع الخاص، وتحديد أهم التدابير الوقائية المقررة في التشريع الجزائري، ثم إبراز آليات تفعيلها والصعوبات العملية التي تعترضها. وقد اعتمدنا في معالجة الموضوع على المنهج الوصفي التحليلي من خلال تحليل النصوص القانونية الجزائرية والرجوع إلى بعض الدراسات الجامعية الجزائرية ذات الصلة. وانطلاقًا من ذلك قُسّم البحث إلى مبحثين: خصص الأول للإطار المفاهيمي والقانوني للتدابير الوقائية في القطاع الخاص، وخصص الثاني لصور هذه التدابير وآليات تفعيلها في التشريع الجزائري.
المبحث الأول: الإطار المفاهيمي والقانوني للتدابير الوقائية لمكافحة الفساد في القطاع الخاص في الجزائر
المطلب الأول: مفهوم الفساد في القطاع الخاص ومكانته في التشريع الجزائري
الفرع الأول: مفهوم الفساد في القطاع الخاص
يقصد بالفساد في القطاع الخاص كل سلوك غير مشروع يقع داخل مؤسسة أو شركة خاصة أو بمناسبـة نشاطها الاقتصادي أو المالي أو التجاري، ويترتب عليه استغلال الوظيفة أو المهمة لتحقيق منفعة غير مستحقة، سواء في صورة رشوة أو اختلاس أو إخفاء تضارب مصالح أو تلاعب محاسبي أو استعمال غير مشروع لأموال الكيان الخاص. وقد اعترف المشرع الجزائري صراحة بهذه الصورة من الفساد عندما خصّ الرشوة في القطاع الخاص بالمادة 40 من القانون 06-01، وخصّ اختلاس الممتلكات في القطاع الخاص بالمادة 41 من القانون نفسه، بما يدل على أن الفساد في الشركات الخاصة لم يعد مجرد انحراف أخلاقي أو مهني، بل أصبح محل تجريم قانوني صريح في الجزائر.
الفرع الثاني: خصوصية الفساد في القطاع الخاص
تتميز جرائم الفساد في القطاع الخاص بأنها تقع في بيئة تعاقدية وتجارية يغلب عليها منطق الربح والمنافسة والسرعة في المعاملات، وهو ما يجعل فرص الإخفاء والتلاعب في الفواتير والسجلات والعمولات والهدايا أكبر من بعض البيئات الأخرى. كما أن هذا النوع من الفساد قد يبقى داخليًا بين العاملين في المؤسسة أو يمتد إلى الغير من متعاملين وموردين ووسطاء، ولذلك فإن مكافحته لا تقوم فقط على العقوبة اللاحقة، بل تحتاج إلى تدابير وقائية سابقة داخل المؤسسة نفسها، من قبيل الشفافية، والرقابة، والمحاسبة المنتظمة، والتدقيق، والإبلاغ المبكر، وهو ما يتفق مع التوجه العام للقانون الجزائري في قانون 06-01 والدراسات الجزائرية الحديثة التي أكدت أن المقاربة الوقائية صارت أساسية في مكافحة الفساد.
المطلب الثاني: الأساس الدستوري والتشريعي للتدابير الوقائية
الفرع الأول: الأساس الدستوري
أضفى الدستور الجزائري المعدل سنة 2020 على مكافحة الفساد طابعًا دستوريًا واضحًا، إذ نصت المادة 204 على أن السلطة العليا للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته مؤسسة مستقلة، كما نصت المادة 205 على أن هذه السلطة تتولى وضع استراتيجية وطنية للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته، والسهر على تنفيذها ومتابعتها، والمساهمة في ترقية مبادئ الشفافية والنزاهة والحكامة. ويفهم من هذا التنظيم أن الوقاية من الفساد لم تعد مجرد وظيفة إدارية عادية، بل أصبحت جزءًا من البناء الدستوري للدولة الجزائرية، وهو ما ينعكس مباشرة على القطاع الخاص باعتباره جزءًا من البيئة الوطنية التي تستهدفها سياسات الشفافية والنزاهة.
الفرع الثاني: الأساس التشريعي
جاء القانون رقم 06-01 المؤرخ في 20 فبراير 2006 المتعلق بالوقاية من الفساد ومكافحته ليؤسس الإطار التشريعي الأساسي في الجزائر، وقد نص في مادته الأولى على أن غايته تتعلق بتعزيز التدابير الرامية إلى الوقاية من الفساد ومكافحته، ودعم النزاهة والمسؤولية والشفافية في تسيير القطاعين العام والخاص. ثم جاء القانون رقم 22-08 المؤرخ في 5 مايو 2022 ليحدد تنظيم السلطة العليا وصلاحياتها، ومن بين ما ورد فيه أن السلطة تتابع مدى امتثال الإدارات والجماعات المحلية والمؤسسات العمومية والمؤسسات الاقتصادية والجمعيات والمؤسسات الأخرى لأنظمة الشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته، كما تتأكد من وجود هذه الأنظمة ومدى جودتها وفعاليتها. وهذا يعني أن المشرع الجزائري نقل الوقاية من مجرد مبادئ عامة إلى آليات متابعة مؤسساتية تشمل الكيانات الاقتصادية أيضًا.
المطلب الثالث: موقع القطاع الخاص في منظومة الوقاية من الفساد
الفرع الأول: القطاع الخاص كشريك في الوقاية
لا ينظر التشريع الجزائري إلى القطاع الخاص باعتباره مجرد محل لتطبيق النصوص العقابية، بل يتجه إلى اعتباره شريكًا في الوقاية من الفساد، لأن فعالية السياسة الوطنية تتوقف على التزام الشركات الخاصة بقواعد الشفافية والرقابة والامتثال. ويتأكد هذا الاتجاه من القانون 22-08 الذي ألزم كل شخص طبيعي أو معنوي عام أو خاص بالتعاون مع السلطة العليا وتمكينها من المعلومات والوثائق التي تطلبها لأداء مهامها. كما أن الدراسات الجامعية الجزائرية حول التدابير الوقائية في القطاعين العام والخاص بيّنت أن إدماج المؤسسة الخاصة في جهود الوقاية يمثل ضرورة تشريعية وعملية، لا سيما في ظل توسع دورها في التنمية الاقتصادية.
الفرع الثاني: العلاقة بين الوقاية والتجريم
رغم أن عنوان الموضوع ينصرف إلى التدابير الوقائية، فإن فهمها في القانون الجزائري يظل مرتبطًا بوجود نصوص تجريم واضحة تردع من يخالفها. فالمادتان 40 و41 من القانون 06-01 تعاقبان على الرشوة واختلاس الممتلكات في القطاع الخاص، كما قررت المادة 53 مسؤولية الشخص الاعتباري جزائيًا عن الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون وفق القواعد المقررة في قانون العقوبات. ومن ثم فإن الوقاية في البيئة الخاصة ليست منفصلة عن الردع، بل تتكامل معه، لأن وجود مسؤولية جزائية على الأشخاص الطبيعيين والمعنويين يدفع الشركات إلى إرساء نظم داخلية تمنع وقوع الجريمة ابتداءً.
المبحث الثاني: صور التدابير الوقائية وآليات تفعيلها في القطاع الخاص وفق القانون الجزائري
المطلب الأول: التدابير الوقائية التنظيمية والرقابية داخل المؤسسة الخاصة
الفرع الأول: الشفافية والحوكمة الداخلية
تقتضي الوقاية من الفساد في القطاع الخاص أن تعتمد المؤسسة الخاصة على أسلوب إدارة قائم على الشفافية وتحديد المسؤوليات والفصل بين الاختصاصات وعدم تركيز السلطة المالية أو التعاقدية في يد شخص واحد دون رقابة. ورغم أن القانون 06-01 لم يفصّل كل عناصر الحوكمة الداخلية للمؤسسات الخاصة، إلا أنه وضع الأساس العام للوقاية، بينما جاء القانون 22-08 ليؤكد على وجود أنظمة للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته داخل المؤسسات والهيئات، وعلى تقييم جودتها وفعاليتها وملاءمة تنفيذها. ويُفهم من ذلك أن المؤسسة الخاصة مطالبة قانونًا وعمليًا بإرساء قواعد داخلية واضحة للسلوك والرقابة، حتى لا تبقى عرضة للرشوة والاختلاس والتلاعب.
الفرع الثاني: الرقابة الداخلية والتوثيق المنتظم
من أهم التدابير الوقائية في الشركات الخاصة وجود رقابة داخلية فعالة قائمة على التوثيق الكتابي للعمليات، وضبط مسارات صرف الأموال، وإثبات المصروفات والإيرادات، ومراقبة العقود والفواتير والمخزون والحسابات. ويعزز هذا التوجه في الجزائر وجود نصوص موازية تكرس الشفافية المحاسبية، مثل القانون رقم 07-11 المؤرخ في 25 نوفمبر 2007 المتضمن النظام المحاسبي المالي، إضافة إلى القانون رقم 10-01 المؤرخ في 29 يونيو 2010 المتعلق بمهن الخبير المحاسب ومحافظ الحسابات والمحاسب المعتمد، وهي نصوص تدعم الكشف المبكر عن الاختلالات والغش داخل الشركات. فكلما كانت السجلات منتظمة والتدقيق قائمًا، تقلصت فرص إخفاء الرشوة أو اختلاس الأموال أو اصطناع نفقات وهمية.
المطلب الثاني: التدابير الوقائية المرتبطة بالكشف المبكر والإبلاغ
الفرع الأول: التبليغ والحماية القانونية للمبلّغين
لا يمكن أن تنجح الوقاية من الفساد في القطاع الخاص إذا لم يشعر العامل أو الشريك أو المتعامل بأن القانون يحميه عندما يكشف عن الممارسات غير المشروعة. وفي هذا السياق، قرر القانون 06-01 حماية الأشخاص الذين يتعرضون للانتقام أو الترهيب أو التهديد بسبب التبليغ عن جرائم الفساد، كما نصت المادة 45 على معاقبة كل من يلجأ إلى الانتقام أو التهديد أو الترهيب ضد الشهود أو الخبراء أو الضحايا أو المبلغين أو أفراد عائلاتهم أو غيرهم من الأشخاص وثيقي الصلة بهم. ويؤدي هذا الحكم وظيفة وقائية مهمة، لأنه يشجع على الإبلاغ الداخلي أو الخارجي عن الأفعال المشبوهة داخل المؤسسة الخاصة بدل السكوت عنها.
الفرع الثاني: دور السلطة العليا في المتابعة والتوصية
من التدابير الوقائية المستحدثة في الجزائر الدور الذي تضطلع به السلطة العليا للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته في متابعة مدى امتثال الهيئات والمؤسسات لأنظمة الوقاية، والتأكد من وجود هذه الأنظمة وفعاليتها، ثم توجيه التوصيات عند معاينة الإخلال بجودة الإجراءات المطبقة داخل المؤسسات والجمعيات والهيئات المتعلقة بالوقاية من أفعال الفساد والكشف عنها. كما أن القانون 22-08 ألزم المؤسسات والهيئات المعنية برفع تقارير إلى السلطة العليا بشأن مدى الالتزام بتوصياتها. وهذه الصلاحيات تجعل من السلطة العليا أداة وقائية ومرافقة تنظيمية، لا مجرد جهاز إحصائي أو شكلي.
المطلب الثالث: التدابير الوقائية المتصلة بالمسؤولية والامتثال
الفرع الأول: مسؤولية الشخص المعنوي كآلية للوقاية
من أبرز ما يدفع المؤسسة الخاصة إلى تبني برامج وقائية جدية أن القانون الجزائري لم يحصر المسؤولية في الشخص الطبيعي فقط، بل أقر في المادة 53 من القانون 06-01 مسؤولية الشخص الاعتباري جزائيًا عن الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون. وتنبع القيمة الوقائية لهذا الحكم من أنه يحمل الشركة ذاتها نتائج التقصير في الرقابة أو في تنظيمها الداخلي إذا وقع الفساد باسمها أو لحسابها. ولذلك فإن المسؤولية الجزائية للشخص المعنوي تدفع الشركات إلى تطوير نظم الامتثال، والتدقيق، والمراجعة، وتوثيق المعاملات، وتحديد المسؤوليات، تفاديًا للتعرض للمساءلة القانونية.
الفرع الثاني: التعاون الإلزامي مع السلطة العليا والجهات المختصة
تتطلب الوقاية الفعالة أن لا تتحصن المؤسسة الخاصة بسرية داخلية تمنع الرقابة أو تحول دون الوصول إلى المعلومات. ولهذا نص القانون 22-08 على التزام المؤسسات والهيئات العمومية، وكذلك أي شخص طبيعي أو معنوي عام أو خاص، بالتعاون مع السلطة العليا وموافاتها بالمعلومات والوثائق التي تطلبها للقيام بمهامها. ويُعد هذا التعاون عنصرًا جوهريًا في الوقاية، لأنه يسمح بالكشف المبكر عن الاختلالات، ويمكّن من تقييم مدى احترام قواعد الشفافية داخل القطاع الخاص، كما يحد من استعمال السرية المؤسسية ستارًا لإخفاء الفساد.
الخاتمة
يتبين من خلال دراسة التدابير الوقائية لمكافحة الفساد في القطاع الخاص في القانون الجزائري أن المشرع لم يكتفِ بتجريم الرشوة والاختلاس داخل الكيانات الخاصة، بل اعتمد أيضًا مقاربة وقائية قوامها الشفافية، والرقابة، والمتابعة المؤسسية، والمسؤولية الجزائية للشخص المعنوي، وحماية المبلغين، وإلزام المؤسسات بالتعاون مع السلطة العليا للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته. كما يتضح أن الدستور الجزائري لسنة 2020 والقانون 06-01 والقانون 22-08 تشكل معًا الأساس الوطني لهذه المقاربة، بينما تعززها نصوص محاسبية ورقابية أخرى مثل قانون النظام المحاسبي المالي وقانون مهن الخبير المحاسب ومحافظ الحسابات. غير أن فعالية هذه التدابير في الواقع تظل مرتبطة بمدى تجسيدها داخل الشركات الخاصة من خلال أنظمة امتثال فعلية، وتكوين العاملين، وتفعيل الرقابة الداخلية، وتشجيع الإبلاغ، وعدم الاكتفاء بالنصوص الشكلية. وعليه، فإن مكافحة الفساد في القطاع الخاص في الجزائر لا تتحقق بالردع وحده، بل تستوجب ترسيخ ثقافة قانونية ومؤسساتية قائمة على النزاهة والشفافية والوقاية المسبقة.
المصادر والمراجع
دستور 2020، كما نشرته المحكمة الدستورية الجزائرية، المواد 204 و205 المتعلقة بالسلطة العليا للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته.
قانون رقم 06-01 مؤرخ في 20 فبراير 2006، يتعلق بالوقاية من الفساد ومكافحته
قانون رقم 22-08 مؤرخ في 5 مايو 2022، يحدد تنظيم السلطة العليا للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته وتشكيلها وصلاحياتها
قانون رقم 07-11 مؤرخ في 25 نوفمبر 2007، يتضمن النظام المحاسبي المالي
قانون رقم 10-01 مؤرخ في 29 يونيو 2010، يتعلق بمهن الخبير المحاسب ومحافظ الحسابات والمحاسب المعتمد،
سعدون بلقاسم، سعدي حيدرة، التدابير الوقائية في القطاع العام والخاص في ظل قانون الوقاية من الفساد ومكافحته، مقال منشور على منصة ASJP، سنة 2020.
جريمة الرشوة في القطاع الخاص في ظل القانون رقم 06/01 للوقاية من الفساد ومكافحته، مقال علمي منشور على منصة ASJP.
الأحكام الموضوعية لجريمة الاختلاس في القطاع الخاص، مقال علمي منشور على منصة ASJP، يعالج جريمة الاختلاس في القطاع الخاص في التشريع الجزائري وفق القانون 06-01.
التدابير الوقائية من جرائم الفساد في التشريع الجزائري، مقال علمي منشور على منصة ASJP.
حساني سمير، التدابير الوقائية من الفساد في القطاع الخاص، مذكرة ماستر، جامعة الوادي، 2018.